الفصل 36 | من 39 فصل

رواية جحر الشيطان الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم ندي ممدوح

المشاهدات
21
كلمة
4,251
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 92%
حجم الخط: 18

توقفت سيارة أراس، مخلفة وراءها موجة من الغبار. التقط من تابلوه السيارة مسدسه وجذب مشطه في قوة، وتركه يرتد بصوت رنان. فتح الباب في عنف وغادر سيارته، والغضب يتفجر من وجهه وعيناه. في خطوات سريعة أشبه بالركض، كان يتوجه صوب المنزل الذي أرسل له خالد موقعه، مستعدًا استعداد تام لأي قتال، حتى لو حال البيت إلى بركة من الدماء. وحتى آخر نفس في صدره.. وحتى آخر نقطة دماء..

لن يعود إلا بخديجة.. خديجة زوجته وحبيبته.. خديجة التي يعشق كل تفصيلة فيها.. خديجة التي يموت لأجل أن تكون بخير.. خديجة التي علمته الحب، وأعادت قلبه للحياة. من ظن إن كان له قلبٌ يخفق بين ضلوعه؟ لم يكن قط إلا حين دخلت خديجة إلى حياته فأصبحت النبض، والقلب، والحياة، والنفس. إنها حياته التي يحيا فيها.. بدونها هو مجرد مهاجر في بلاد الغربة، فقد وطنه ولن يعود. إنه ينتمي إليها فقط.. بها ولها يكون.

كان المكان هادئًا، وعيناه تجول حوله، حتى إذ رمق أحد الرجال كان يطلق بكل بساطة على رأسه قبل حتى أن يضغط الرجل زر الزناد، ودون حتى أن يتوقف ثانية واحدة. ولمح بطرف عينه آخر يطلق عليه، فأنحنى ببساطة وهو يطلق عليه بكل جرأة. ودخل إلى المنزل هائجًا، وفتح كل الغرف بحثًا عنها، لكن لا أثر. فوجد درجًا يؤدي للأسفل، فهبطه دون أدنى تردد أو تفكير. وما كاد ينهي الدرج، إذ اتسعت عيناه في لهفة ما أن وقعا على خديجة مقيدة على أحد المقاعد شبه غائبة. فهتف باسمها وهو يلقي السلاح من يده ويهرع إليها. بكل القلق الذي يعصف بداخله، رفع رأسها المتدلي وهو يهتف باسمها، بل يصرخ.. بل يرجوها.. بل يتوسل ربما، أن تجيبه.

رفع نقابها ليضع سبابته على أنفها، فوجد نفسها بطيئًا للغاية. فأمسك رسغها ليقيس نبضها وهو يهتف بصوت يفيض غضبًا وكمدًا: "يا إلهي، حبيبتي ماذا فعلوا بكِ؟ ماذا فعلوا بكِ يا قلبي؟ ما تلك الحالة يا نبض الفؤاد؟ يا ليتني كنت مكانك يا خديجة، فأنا أتحمل كل شيء إلا ألمك." ضم رأسها في حنان جارف، وتحسس بسبابته عينيها المغلقتين، ولم يشعر بدموعها التي راحت تتساقط على وجهها بكل ندم الدنيا. ولسان حاله يقول بصوت يفطر القلوب:

"ليتني لم أتزوجك يا خديجة، ليتني لم أدخلك حياتي! لكانتِ الآن بخير وكان قلبي بخير، فبداخلي وجعٌ لا حدود له، عسيرٌ عليّ تفسيره ووصفه.. سامحيني يا ملاكي، سامحيني." انتفض فجأة جسده على همهمة خافتة منها، ولمح جفنيها يرتجفان، فوجد قلبه يشرق، وظلمته تتبدد إلى نور يتوهج. وابتسم بسمة صافية عذبة، وهمس بحنان ورفق: "خديجة، أتسمعينني؟ أنتِ بخير.. أليس كذلك؟

تلفت حوله وهو يعتدل واقفًا، وألتقط شيئًا وراح يعالج قيدها. ولمح جهاز الصاعق الكهربائي، وبكل الغضب الذي بداخله صرخ وهو يندفع نحو الجهاز وراح يضرب فيه حتى تحطم. ولم يكتفِ، بل تراجع وأفرغ خزينة مسدسه فيه، كأنه هكذا ينتقم! ينتقم من الشيء الذي أذى قلبه! لم تكن خديجة هي المتضررة، بل كان قلبه.. قلبه الذي ينزف بداخله.. يبكي.. يصرخ.. ينوح.. ويا للألم!

فوجع القلب ليس له دواء.. لا يلتئم ولا يطيب.. تظل ندوبه تنزف، وتبكي دمًا بلا توقف.. يا ليت الأوجاع تقتصر فقط على دموع العين لكان هين.. لكن ندوب القلب من ذا يداويها؟ من ذا يمسح دموعها؟ "آراس" أيمكن لصوت أن يعيد للقلب خفقاته؟ أن يجعله يتراقص فرحًا، ويرفرف سعادة؟ أيمكن لصوت أن ينعش القلب فيرد له الحياة؟ انبعث صوت خديجة واهنًا، ضعيفًا، خافتًا، متعبًا، صوت بطعم الدموع والبكاء. فالتفت إليها لامع العينين وهو يهمس: "خديجة."

أرتج عليه، لم ينطق غير اسمها الذي راح لسانه يردده كأنما لا يعرف اسمًا غيره، كلمة غيرها. واحتوى جسدها في حضنه. ولما يعرفا كم مر من الوقت، حين ابتعد هامسًا وكفيه يحيطان بوجهها بكل عاطفته:

"تعذبتي، تعذبتي بسببي يا خديجة، سامحيني، سامحيني يا حبيبتي. لو أقدر على أن أعيد الزمن للوراء قليلًا لأحتويتك في حضني ولم أتركك ثانية واحدة، حتى لا يحدث ما حدث. أشعر بقلبي يذوب يا خديجة من فرط الألم، أشعر به ينهار لانهيارك وقد عهدتك قوية لا يزحزحك أي شيء! سالت الدموع من عيناي خديجة بغزارة، وهي تريح رأسها المنهك على صدره، وتهمس بصوت يقطر ألمًا: "لا تتركني يا أراس، لم أعد أتحمل هذا الألم." فجأة! أحتدت

نظراته وهو يقول في قسوة: "من الذي فعل بكِ هذا؟ حين أبعد رأسها عن صدره، اكتنفها دوار حاد، جعل رأسها يدور، وجاهدت أن تظل عينيها مفتوحتين وهي تهمس: "ن.. نج.. آه جسدي.. جسدي يؤلمني، لا أشعر به. هل.. هل أصبت بالعجز، هل…" قاطعها في صرامة وهو يضع سبابته على فمها، هاتفًا: "هش.. لا تقولي مثل هذا الكلام، أقسم لكِ بأن من فعل هذا لينال أضعافه، لن أتركه يحيا." أحست بضربات قلبها تزداد وعيناها تنغلقان، وراحت تهمس بصوت سحيق:

"لقد.. فعل هذا لأنك فعلت هذا بـ ماهر." وتركت نفسها لغيبوبة عميقة، وتراخى جسدها. فضمها لصدره بتلقائية، ومال بذراعه ليرفع قدميها، وحملها بين ذراعيه، وتحرك بها للخارج. وفي طريقه، بالأدق حينما كاد أن يعبر الباب، وجد نجيب يهرول نحوه، ويقول بلهفة: "هل وجدتها؟ يا الله ما الذي حدث لها؟ حدجه أراس شزرًا ثم تحرك من أمامه وهو يهمس: "لقد صعقوها بصاعق كهربائي، وأقسم بأني سآخذ حقها ممن فعل بها هذا، سأذيقه سوء العذاب."

ارتسمت بسمة مستهزئة على شفتاي نجيب من وراء ظهر أراس، وغمغم بين نفسه: "حق لك أن تنتقم، هذا إن كان لكَ عمرًا ولم تمت." ثم ركض صوبه وهو يقول بجدية ويفتح له باب السيارة: "أكيد نحن سوف ننتقم.. لن ندع من أذى زوجة أخي حيًا أبدًا، ما يؤذيك يؤذيني ولن يغمض ليّ جفن إلا عندما نأخذ بثأرها." استقر أراس خلف عجلة القيادة، وقال وهو يغلق الباب: "أكيد سنفعل، هيا سآخذها إلى مشفاي، ألحق بيّ! أومأ نجيب مجيبًا: "حسنًا.. حسنًا."

لم يبالِ به أراس بعد ذاك، بل دار محرك السيارة وأنطلق في طريقه وهو يقود بأقصى سرعة، ويختلس ما بين الفنية والأخرى نظرة إلى خديجة. وصل أراس إلى المستشفى، وأودع خديجة في إحدى الغرف لتخضع لفحص طبي. وجلس خارج الغرفة على مقعد مقابل الباب مباشرة، وشبك كفيه أمام وجهه وهو يميل للأمام، مطرق الرأس كأن هم الكون كله على كاهله. دقات قلبه تنبض بالألم عما جرى لخديجة، كأن كل ما أذقته قد ذاقه هو بقسوته، ومرارته، ووجعه.

وأقبل نجيب من بداية الرواق بملامح جامدة تخفي كل ما يموج في صدره من اضطراب. لقد تحتم عليه المجيء، وإلا بما يعلل عدم مجيئه ووقوفه بجانب أراس؟ وكان القلق ينهش فيه، والخوف يستبد به.. ماذا لو أفاقت خديجة؟!

لا.. لن يجب أن تفيق.. سيقتلها ما أن تحين الفرصة، وسيقتل أراس وينتهي الأمر. سيصبح ما تمنى الأب الروحي للمافيا.. لقد تعاون مع كثير من المنظمات لأجل هذا، وها هو قاب قوسين أو أدنى من تحقيقه. إذن فما الضير من قتل أراس غدرًا وعلى غفلة! أراس يعطيه كل ثقته.. كل أسراره.. كل حبه.. سيكون يسيرًا قتله لأنه لن يظن أن الطعنة ستأتيه منه. كان قد جلس إلى جواره في صمت، حتى تنبه أراس لوجوده من شروده، فالتفت له قائلًا: "أين كنت مختفيًا؟

أجابه نجيب مترددًا: "كنت أتقصى عن الفاعل." سأله أراس بنبرة خاوية: "وهل وصلت لشيء؟ رد نجيب في أسى وهو يهز رأسه في أسف: "لا، كل تعبي ذهب هباءً دون أدنى خيط يدلنا على الفاعل." قال أراس في هدوء، دون أن يلتفت إليه: "لا بأس، سيقع في يدي حتمًا إن عاجلًا أم آجلًا، لن يظل مجهولًا طويلًا." ردد نجيب بصوت عميق: "أكيد، أين سيختفي منا! حتمًا سيقع."

استأذن أراس منه مغادرًا لفترة قصيرة، عاد بعدها وجلس معه في صمت تام. وفي عقله يدور سؤال محير، مقلق.. أين خالد؟ أين اختفى؟ لماذا لم يعد؟ بل والأدهى لماذا لا يوجد له أثر؟ معرفته بخالد تؤكد إنه حتمًا كان سيقلب الدنيا رأسًا على عقب لما عانته أخته. من المفترض أن يصل هو إلى خديجة قبلًا، لكن ما الذي حدث بالضبط يا ترى! كانت الدقائق تمر ببطءٍ، والحال كالحال لم يتغير، ذات القلق يملأ قلوب الجميع. وفي كل الأذهان يتردد

سؤال واحد معلق بلا جواب: "أين خالد؟ " كيف اختفى، وأنَّى ذهب؟ البنات كلهن تجمهرن أمام غرفة أروى في انتظار خروج حمزة ليدلفن للأطمئنان عليها. وفي الداخل كان حمزة يجلس على مقعدٍ قريبٌ منها وقد ضمدت جروحه واسترد بعد من صحته. في حنانٍ جارف ضم أصابعها في راحته في رقة، وهمس وهو يرنو إليها: "عاملة إيه دلوقتي؟ أفضل.. في حاجة تعباكِ؟ كانت إحدى قدميها متجبسة بعد ما خضعت إلى عملية (شرائح ومسامير)

وبعض اللصقات الطبية على جروح وجهها، لكنها بدت له جميلة، رقيقة كما هي دائمًا. وأجابته بصوت واهن: "الحمد لله أنا كويسة، خديجة عاملة إيه.. هي كويسة؟ رد عليها دون إبطاءٍ أو تردد: "خديجة كويسة متقلقيش عليها ورجعت بخير." ضوَّى وجهها بفرحة عميقة تنبع من فؤادها، وأسبلت جفنيها هامسةً: "الحمد لله." فجأة أحتد بصر حمزة وأحتدم بالغضب، وهو يقول: "ممكن بقا أفهم إيه إللي رجعك ورايا؟ أجفلت من نبرته التي تبدلت فجأة، ونظرت

له باستنكار وهي تقول: "أنت بتتحول فجأة كده ليه؟ غمغم باقتضاب: "معلش أنا كده.." وصرخ فجأة: "جاوبيني." انتفض جسدها، وران صمت مفاجئ عليهما. راحت خلالها أروى تتأمله في غيظ، ناكر الجميل، فلولها لكان ميتًا الآن، كيف أتته الجرأة أن يغضب عليها وهي في حالتها تلك؟ صاحت فجأة متأوهة في تصنع هربًا من الرد الذي بدا لها إنها إن أجابته لن يزيده جوابها إلا غضبًا وجدالًا:

"آه رجلي يا حمزة رجلي، آه هما مسمروا رجلي إزاي كانوا شايفينها حيطة قدامهم عشان يدوقها بشرايح ومسامير.." رفع حمزة إحدى حاجبيه مستنكرًا صنيعها، مدركًا تصنعها، ثم لم يلبث أن أخفضه عازمًا على مجاراتها، فتمتم في خبث: "دول شنيروها…" اتسعت عيناها بصدقًا هذه المرة، غير مصدقة إنهم قد شنيروا قدمها، وواصل حمزة غير عابئًا بدهشتها: "بس سيبك من كل إللي حصل في رجلك، ينفع إللي عملتيه أثناء البنج ده؟ تساءلت في اندهاش: "عملت إيه أنا؟

مش فاكرة! أجابها ببساطة وهو يهز كتفيه في استهتار: "ولا حاجة شتمتي وهزأتي الدكاترة ومش كده وبس غالبًا شتمتينا كلنا وكنتِ بتصرخي زي المجنونة وتقولي حوشوا رجلي هيقطعوها يالهوووي ألحقني يا حمزة ألحق رجلي، الدكاترة هيمسمروها ويشرحوها." ظلت لهنيهة واجمة، ثم انفجرت ضاحكة بإنطلاق من تقليده لها، وتخيلها لما فعلت. كانت تتقهه من قلبها، غافلة عن تأمل حمزة الهائم لها، ببسمة تبزغ على شفتيه. بسمة عرفت طريقًا إلى قلبه قبل شفتيه!

كأن عبوسه قد خجل أن يظل أمام ضحكتها المشرقة.. ضحكتها التي أوهجت قلبه بضياء الفرح مهللاً! قلبه الذي اطمأن بعد ساعات ظن خلالها إنه خسرها.. وإن الموت خطفها منه، لكنها ها هي عادت إليه، بضحكتها، ورقتها، وطفولتها النادرة. تلك الساعات التي مرت كانت كالسنون مضنية حد الألم الذي لا شفاء منه. كان قلبه خلالها متوقفًا عن النبض.. متوقفًا عن الحياة.. وعاد للحياة ما إن عادت إليه.

لحظات ثقيلة على قلب أراس وهو ينتظر أن تفيق خديجة، بجانبه كان شقيقاه ونجيب، لكنه لم يشعر بوجود أحد، كأنه في عالم آخر يحيا فيه بمفرده والظلمة تحيط به من كل جانب. وفجأة استمع إلى صوت أنثوي يقول: "من السيد أراس؟ تعمقت العيون عليها، بينما أجاب أراس بلهفة وهو ينهض: "هذا أنا، هل…" قاطعته الممرضة في تعجل: "الطبيبة خديجة تطلب رؤيتك."

كان قولها كعبارة مباركة الأب لوليده الأول، إذ تألقت عيناه، وتبسم في سعادة وهو يتجه مسرعًا إلى الغرفة، ولحقت به هنا وأركان. بينما كان نجيب كمن تلقى صاعقة لا مناص منها، إذ تجمد مكانه تمامًا، وعيناه تحملان قلقًا لا حدود له. وفجأة غادر، بل غادر المستشفى كلها بطريقة مبهمة، توحي إن الآتي لن يكون هينًا أبدًا، وإن الخسارة آتية لا محالة. ولج أراس إلى الحجرة، فرأى خديجة جالسة على حافتها وتهز قدميها، والتفتت له قائلة:

"أراس حمدًا لله إنك أتيت، أبغي أن أخبرك بأمر هام جدًا، لا يمكن أن يتأجل." كانت قد وقفت مع عبارتها، وهمت بالأندفاع نحوه، لكنه كان الأسبق إذ أقترب في خطوات سريعة وحملها فجأة، قائلًا: "ما زلتِ في مرحلة النقاهة لا يمكنك التحرك كيفما تشائين." مع نهاية قوله، كان يضعها برفق حنون فوق الفراش، فتضرجت وجنتاها بحمرة الخجل، وهي لا تزال تتعلق بعنقه، مطأطئة رأسها. فضحك ضحكة قصيرة صافية، وقال بعذوبة:

"لا بأس لدي أن بقيتِ هكذا لبقيت العمر، ولكن ماذا لو دخل أحد؟ اتسعت عيناها فجأة على آخرهما وهي تنظر إلى وجهه القريب منها، وتلاقت عيناها ببسمة محببة، ثم نظرت إلى يديها التي لا تزال تحيط بعنقه، فضحكت في توتر وهي تفلت يدها، مغمغمة في خجل: "رباه، لم أنتبه! تمتم أراس ببساطة: "خذي راحتك، كيف أصبحتِ الآن؟ ظن في أول وهلة إنها ستجيبه، لكنها باغتته بصياحها: "يا إلهي ستجعلني أنسى ما أريد قوله، هل تعلم من فعل بيّ هذا؟

لن تصدقني أقسم لك، فهو شخص لن يخطر على بالك أبدًا وربما لم يخطر قط إنه… هذا أنت؟ هتفت خديجة بآخر عبارتها متفاجئة بـ أركان وهنا الوقفان عند الباب، كان لا يزال أراس منحني الجزع عليها حين التفت برفع حاجب وهو ينصب قامته، قائلًا: "هل ليّ أن أفعل ماذا تفعلان هنا؟ ثم التفت إلى خديجة، سائلًا في دهشة: "ما تعنين (بهذا أنت) هل تعرفين شقيقي؟ "شقيقي؟ كيف! "ماذا كيف؟؟ إنه شقيقي أركان؟ اعتدلت خديجة فجأة وهي تصرخ مواجهة أركان:

"ويحك كيف تدخل إلى الحجرة هكذا يا عديم الذوق؟ تلون وجه أركان بحياء كان يغض بصره منذُ أن حضر. خديجة لم تسمح له بالتبرير قط، وبلغه صوتها تقول لشقيقه: "لقد التقيت به مرتين، مرة عند الشاطئ، والأخرى في المنزل هو من أنقذني من الحريق." أسر أراس نارًا في صدره، وأجج عيناه الغضب، كبحه في صعوبة وهو ينظر إلى شقيقه مغمغمًا: "لماذا؟ لماذا لم تخبرني! أجابه أركان في سرعة وهو يرمقه بنظرة صارمة:

"دعنا نتحدث في هذا لاحقًا، أتيت للأطمئنان على زوجتك! أجابه أراس في حنق بيّن: "زوجتي بخير كما ترى، هيا اذهب." حدجته خديجة في استنكار، بينما غادر أركان بضيق. وتقدمت هنا تقول في مرح، علها تلطف الموقف: "خديجة يا حبيبة قلبي كيف حالك يا عزيزتي! تبسمت خديجة وانفرجت شفتيها لتجيب، لكن رد أراس بدلًا عنها ببساطة: "بخير يا قلب أخيكِ، وستكون أفضل إن غادرتي.. هيا.."

كانت هنا تهم بالجلوس حينما تفاجئت بـ شقيقها يدفعها للخارج مع قوله. فبرطمت في مقت، فيما خديجة تصيح: "يا قليل الذوق ماذا تفعل بالله عليك؟ رد عليها أراس وهو يغلق الباب ببساطة: "لقد سئمت منهم جميعًا يا عزيزتي، ولا أريد لأحد أن يزعجنا." مطت خديجة شفتيها في ضيق من صنيعه، وفجأة ضربت جبينها وهي تقول بانفعال: "لن يوقفني أحد هذه المرة، هل…" قاطعها أراس بعد ما جلس على طرف الفراش واضعًا سبابته على فمها يمنعها من أن تنبس

وهو يقول بعذوبة ساحرة: "هل لكِ أن تصمتين قليلًا وتسمعينني؟! هزت خديجة رأسها نفيًا وهي تكاد تذوب خجلًا من نظراته، فتابع هو دون أن يعر رفضها أدنى اهتمام: "أولًا لقد علمت إنني بدونك حقًا لا شيء، وإني إن خسرتك أموت يا خديجة، لا يمكنك استيعاب ما كنت أشعر وأمر به وأنا عاجز عن فعل شيء لكِ، شعور مدمر لا أقوى عليه." ألم فظيع قاس هذا الذي احتل فؤاد خديجة لمرآها دمعة ترقرقت في عينيه، وغمغمت في وجد:

"أراس، أنا بخير ها أنا ذا أمامك ومعك! رفع بصره لتلقي نظراتهم في لحظة صمت، ثم بنبرة تقطر ألمًا قال: "لستِ معي يا خديجة، أنتِ معي نعم أعرف لكن قلبك لا، روحك لا، ما زلت لم أطرق باب قلبك، وإذ طرقته لن تفتحيه! صمتت لحظة مطرقة الرأس، أرتج عليها، فلم تعرف بما تجيب.. وماذا تقول! هل هي أحبته؟ أم لم تحبه؟ لا يمكنها أن تجيب نفسها لتجيبه حتى!

وسمعت تنهيدة، تنهيدة حارة عميقة كأنها تأتي من بركان يقذف حممًا مميتة، وبعدها يهمس وهو يضم أصابعها بحنان في راحتيه: "قد لا تحبيني، لكن رجاءً يا خديجة لا تبتعدي عني لحظة واحدة، أبقِ معي فبعض الغياب لا يأتي بعده لقاء! وأنا أخاف أن يأتي هذا الغياب الذي ليس بعده لقاء! أهاب أن أغمض عيني فتنسرقين مني ولا أجد لكِ أثر." أنسالت دمعة حنون من عينيه، أجابتها هي بأخرى وهي ترفع نقابها عن وجهها، وهمست برقة حنونة:

"بالله كيف تحبني كل هذا الحب؟ كيف تفعل لأجلي كل هذا؟ هل أنا أستحق كل هذا الهوى؟ نظر لها بعيني طفل وهو يقول بلمعة تبرق في عينيه: "تستحقين أكثر من هذا! تفاجئت بها تلقى نفسها في حضنه وهي تهمس بصوت رجراج باكٍ: "أتدري ماذا؟ لقد انكشفت إنني لا أشعر بالأمان إلا معك، فالعالم بات مخيفًا للغاية وأنت محرابي الأمان، وموئلي، وملاذي الذي لا يمكنني إلا الأطمئنان فيه، أنت سكني." ضم رأسها بقوة، ولثم جبينها، قائلًا:

"عودتك ليّ سالمة بفضل الله عز وجل، يجب أن أصلي له شكرًا، أشعر بحاجتي الملحة إلى هذا، أريد أن أذهب إلى الله يا خديجة! كم مؤلمة تلك اللحظة التي تكون كلماتنا فيها نبوءة عما سيصيبنا. ابتعدت خديجة عنه وهي تزيح دمعها، قائلة بلهفة: "فليكن، هيا قُم لتتوضأ وتصلي، ثم ستسمعني لأن ما لدي مهم جدًا لك يجب أن تعلم به." نهض وهو يجيبها بلطف: "أنا متوضئًا سأصلي بجانبك هاهنا، ثم سأجلس بكل آذان صاغية لكِ."

أومأت خديجة برأسها باسمة، وأتكأت بمرفقها على الوسادة، وسلمت لراحتها رأسها وراحت تراقبه ساهمة وهو يفرد المصلية ويقف هامسًا، ثم يرفع كفيه مكبرًا.. صوته جميل في التكبير، وأجمل في القرآن.. يا حسرتاه لأنه فرط في كل ما فات من حياته دون التقرب إلى الله، لكنه عاد إليه.

أراس الذي لم يسجد قط ها هو الآن يضاهيها خشوعًا، تكاد تسمع بكاءه في سجوده الذي طال، فتستدمع عينيها وجدًا.. وبالفعل كان أراس يبكي، يبكي عن كل شيء.. فالمؤسف في المرء إنه حين يؤلمه أمر يتذكر كل ما فات كأنه لا يكفيه ألم واحد، حزن واحد، ضياع واحد، ذنب واحد. كان ينشج بقوة شاعرًا إن ثمة شيء سيحدث! فناجى الله بفؤادٍ ينوء.. يتضرع له بالتوبة، أن يتوب عليه ويقبل توبته.. لكن ألا يؤذيه في خديجة.. وخارج المستشفى على وجه الدقة.

في بناية أمام المستشفى، بناية ليست بالقريبة قط. مع ذلك كان على سطحها نجيب راقدًا على بطنه، ممسكًا بمدفع آلي مسندًا على كتفه، مزودًا بمنظار راح ينظر من خلاله ويراقب حجرة خديجة، ورآها وصوب فوهة مدفعه على جبينها مباشرة وسحب مشط المدفع. ودون أدنى تردد أو تفكير أطلق، وأنطلقت رصاصة راحت تواصل طريقها عبر الحجرة. وأخترقت النافذة في ذات اللحظة التي اعتدل فيها أراس مؤديًا الركعة الأخيرة، فأخترقت الرصاصة جبينه، وجحظت عيناه. وجحظت عينا نجيب معه، سرعان ما زم شفتيه مغمغمًا:

"لا بأس ها قد تخلصنا من أراس، لنودع خديجة أيضًا." وفي الحجرة سقط أراس كالحجر الأصم وتفجرت الدماء من جانب جبينه. واعتدلت خديجة شاخصة العينين فيه في ذهول تام، لا يصدق، ثم أغمضت عينيها وفتحتهما ورددت باسمه وهي تلقي نفسها عليه وما زالت على صدمتها. ورفعت رأسه إليها وهي تقول كم أصيب بغياب العقل: "أراس يا هذا، ماذا حدث؟ خافت أن تفكر حتى في إنه مات. فردد لسانها ودموع وجعًا تهوى من مآقيها: "هل ستنام الآن؟ لم تسمعني بعد!

ألا تريد أن تعرف من فعل بيّ هذا؟ ألا تريد أن تأخذ بثأر حبيبتك يا هذا، أجبني هيا، هذا ليس وقت النوم…" ولطمت على خده وهي تكرر النداء باسمه، وتساقطت عبراتها تنصب صبًا على وجهه، وهتفت: "أجبني يا أراس بالله عليكَ، أجبني يا.. حبيبي."

وجلجلت صرختها باسمه العالم كله وهي تحتوى جسدها في حضنها. انفعل نجيب حين اختفت خديجة عن مرمى عينيه عندما انكفأت على أراس، وهاج للغاية وهو لا يدري ماذا يفعل. ولملم أشياءه على عجل ليفر هاربًا قبل أن يعلم به أحد. ووصلت له صرخة خديجة تفطر القلب، وتضنيه بالبكاء، لكن ليس قلبه بالتأكيد، ليس قلبٌ كالحجر. فقد مط شفتيه بامتعاض وهو يغمغم بجحود:

"نعم، هيا اصرخي كما يحلو لكِ الميت لن يعود فلما ترهقين نفسك ببكاء لا يجدي نفعًا، يا هؤلاء المحبين!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...