الفصل 1 | من 39 فصل

رواية جحر الشيطان الفصل الأول 1 - بقلم ندي ممدوح

المشاهدات
27
كلمة
5,768
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

كانت ليلة شاتية شديدة البرودة، والظلام يلف غرفتها برداء حالك السواد. صدح منبه هاتفها كما وقتته مع إنتصاف الليل. فتحت أجفانها بتقاثل. ومدت كفها من أسفل الغطاء برجفة من برودة الجو وأوقفت رنينه. تنهدت وهي تخرج رأسها من أسفل وسادتها. تحركت من على الفراش ليهاجمها البرد القارص، فضمت نفسها بذراعيها وهي ترتعش. لكنها لن تضع البرد يغدو حائلاً بينها وبين قيام ليلها.

أسرعت لتشعل الأنوار. ولفت انتباهها أثر الغيث العالق على زجاج نافذتها المغلق. فأسرعت نحوه واتسعت حدقتيها وهي تصرخ في حماس وتصفق بكفيها. ثم نظرت من خلال النافذة للأمطار الهابطة كالسيل. مدت كفها تستقبل الأمطار بأغتباط شديد بعدما فتحت خصاص النافذة. وأغمضت عينيها وبدأت في الدعاء.

فتحتهم في فزع ما أن تناهى لها صوت الرعد الصارخ. فأغلقت النافذة وهي تتنفس الصعداء. ولم تلبث إلا وقد توضأت. وعقب وضوئها بسطت سجادتها وشرعت في صلاتها. وبينما هي تقرأ وردها من القرآن، إذ بالباب يفتح ويطل منه أخيها الصغير هامساً بصوت مرتجف من البرد: -السلام عليكم حبيبتي، ممكن أدخل؟ تألقت بسمة رائعة على ثغرها وهي تومئ مؤكدة: -تعالى يا خالد يا حبيبي. جلس خالد جوارها وتسائل: -أنا لسه صاحي أهو، هصلى هنا عندك ماشي؟

أومأت خديجة بعينيها، وقالت: -صلي يا حبيبي براحتك. استوى "خالد" منتصباً، وكبر مصلياً، في حين استرسلت "خديجة" قراءة وردها. أنهى خالد صلاته وراح يتلو ورده في صوت رخيم يبث الراحة للقلوب. وما أن انتهى حتى التفت إلى "خديجة" بوجه مشرق وتنهد قائلاً في حبور: -خديجة غريب قيام الليل! عقدت خديجة حاجبيها في عدم فهم، وهي ترمقه في حيرة. فتبسم هو ضاحكاً، وقال:

-غريب عشان بيكون الجو فيه بارد أوي والإنسان ميقدرش يقعد من غير غطا ولا يتحرك، إلا المصلين. فهما بيتوضوء ويصلوا وميحسوش ببرد أبداً. سبحان الله إزاي رغم البرد ده ألا أن أول ما بصلي بحس بدفا غريب. طافت بسمة مشرقة على وجه خديجة، وقالت في راحة: -إنه دفء الإيمان يا خالد. خطف خالد قبلة سريعة من وجنتها وهو ينهض، وقال: -شكرًا يا حبيبتي لأنك معايا، هروح أنام شوية قبل الفجر عشان المدرسة.

أومأت خديجة برأسها وهي تلوح له بكفها مودعة. ثم رفعت كفيها داعية له. عاد الصغار باكرًا من المدرسة بسبب سوء العاصفة التي هبت فجأة، معلنة عن أمطار غزيرة. استقبلتهم خديجة لتأخذ أروى وتبدل لها ملابسها التي بللت كليًا. ثم جلست على فراشها في غرفتها بعدما انتهوا الصغار من تبديل ملابسهم، والإتيان إليها. جلسوا حولها الصغار من كل جانب. فردت بصرها بينهم، وتمتمت ببسمة كضوء الفجر: -تساءلتم عن المطر، والآن سأقص لكم عن فضله ونعمته.

أنصت لها الصغار في حماس واهتمام. في حين تابعت خديجة والبهجة تنبض في كلماتها: -المطر نعمة من الله يا أحبابي، وخير وبركة ورحمة. كم أن الدعاء فيه مستجاب. وإذ نزل المطر يجب أن ندعوا كما قال الحبيب ﷺ فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر قال: اللهم صيبا نافعا. رواه البخاري في الصحيح. -أي مطرًا نافعًا للعباد والبلاد.

هاجت ريح شديدة، أدى على أثرها تأرجح خصاص النافذة وتخبطها. فأنتفض الصغار وهم يلتصقون بـ "خديجة" التي ضحكت لرعبهم الذي تجلى على ملامحهم بانطلاق. ثم نهضت لتغلق النافذة جيدًا، وعادت لتتدثر بجوارهم بالغطاء.

غابت النجوم متوارية خلف الغيوم، وأختفى القمر مخبوءً. سامحاً للسماء بأن تنزل غيثها كما تشاء. لفتت السماء برداء حالك السواد، الجو جميل، هادئ. زخات المطر لها إيقاع خاص بالأفئدة التي ترويها قطراته. أمتزج الهواء الرطب مع ضحكات الصغار والكبار ناشراً البهجة بالآرجاء. كانوا يلهو أسفل المطر بفرحة غامرة. منهم السعيد، ومنهم من يوارى أحزانه وأوجاعه خلف بسمة لطيفة، وضحكة عالية لتستقر بين ثناياه صرخات وآهات الفؤاد.

وقفت خديجة فاتحة ذراعيها تستقبل زخات المطر غير مبالية بملابسها التي بللت تماماً. قهقهت بصوتها عالٍ وهي تؤشر للصغار: -أي رأيكم؟ مش مبسوطين؟ رددوا الصغار في سعادة وهم ينثروا المياه على بعضهم بعضاً: -أوي أوي أوي يا خديجة. أقتربوا منها وأمسكوا بأكفف بعضهم ليرسموا لوحة دائرية، ثم بدأو يدرون تغمرهم الفرحة.

وقفت لمار في شرفة حجرتها تطالعهم ببسمة صافية، تتأملهم بقلب راجياً من الله أن يحفظهم. ولم تلبث أن رفعت كفيها ووجهها إلى السماء، وقالت بعينان ذارفة بالدموع: -اللهم أرحم من ضمهم القبر دون إنذار ووداع، من خطفهم الثرى سريعاً. أفسح قبورهم وأنرها بنورك، وارحمهم يا أرحم الراحمين، وأغفر حوباتهم وأسكنهم جنتك يا رحيم. واحفظ لي أحبتي من عبث الأيام وكدرها، ولا تؤذني في أحد منهم يارب.

أخفضت بصرها وهي تستند بكفيها على سور الشرفة تتأمل صغارها بأعين تتوهج فرحاً وقلباً يفيض راحة وهدوء. حادت عيناها إلى مكه التي تنظر لآبناءها بنظرات تملوءها الحسرة والحزن، فتنهدت في ألم. ثم رددت بصرها إلى أسماء فتبسمت في خفوت وهمست بوجع: -أمتى تفوقي قبل ما تضيعي كل الحلو اللي في إيديك؟ مالت قليلاً لتنظر إلى سجى فـ لمعة عينيها بهجة وحبور. وفترت شفتيه عن بسمة رائعة وهمست بأعين تفيض دمعاً: -أدامك الله لقلبي يا قرة عيني.

ظلت تتأمل بسمتها في حب ممزوج بالحزن في آن واحد. يا ليتها في أمكانها أي شيء تفعله لها. يا ليت بأستطاعتها أهدائها عينيها لترى بهما. غطت وجهها بين كفيها وهي تجهش باكية. صغيرتها ولدت كفيفة وستظل هكذا، لا يمكنها أن ترى النور، وأن تنظر إليها. أحست بكف يوضع على منكبها، وصوت حانٍ تهيم به محبة يردف مهوناً: -ليه الحزن والدموع دي يا حبيبتي؟ سجى بتشوف بقلبها مش بعنيها يارتنا زيها.

رفعت لمار بصرها إلى أخيها الحبيب يوسف وتبسمت بصفا وهي تكفكف دمعها. فتنهد يوسف وهو يرنوا مقترباً ناظراً مثلها إلى سجى: -سجى مين قال أنها مش بتشوف وهو ياسين ابني مش عنيها اللي بتشوف بيها. هما الاتنين بيكملوا بعض والله ربنا يديم المحبة بينهم. آمنت لمار على دعائه في صدق: -آمين. ألتفتت له قائلة في دهشة: -أي ده فين نصك التاني؟ آتاها صوت فيكتور الواقف على أعتاب الغرفة مازحاً: -ماذا تريدين من نصفه الآخر يا فتاة.

لوت لمار ثغرها في غيظ، وأردفت: -ولا حاجة يا خويا، اصل مستغربة لقيته جنبي من غيرك. ضحك يوسف بصوته المكتوم، يبدو أن لمار ستظل تغار عليه من فيكتور إلى الأبد. في حين دس فيكتور كفيه في جيبي بنطاله وقال في تعالي: -كفاكِ غيرة يا صغيرة. تهجم وجه لمار وهي تتصنع الجدية، هاتفة بسخط: -إن لم تكف عن مناداتي بصغيرتي يا سيد فيكتور حينها لا تلومني على ما سأفعله بك. حسناً؟ قهقه فيكتور بإنطلاق، وغمز لها: -حسناً حسناً.

هز يوسف رأسه في يأس منهما، وقال وهو يخبط على كتف لمار: -تعالي نقعد شوية، حبيبة بتحضر لنا الشاي. أومأت لمار ولحقت به، وجلسوا جميعهم يدردشون حتى أتت حبيبة وقدمت لهم الشاي. لم يمض طويلاً وأنضم إليهم كلا من "سجى، مكه، أسماء". نهضت لمار فور رؤيتها لـ سجى لتمسك بكفها برفق حتى أجلستها وجلست بجوارها. تسائل يوسف في قلق: -هما العيال لسه برا؟ كدا هيخدوا دور برد شديد. همت مكه بإجابته، ألا أن قاطعها صوت خديجة

المقبل وقد أبدلت ملابسها: -لا كله دخل يا دكتور يوسف متقلقش. جلست خديجة على ذراع مقعد يوسف وهي تحاوط عنقه، ليتمتم هو: -دكتورة المستقبل، يا ترى هيكون في عمر لحد ما تتخرجي واشوفك دكتورة واسلمك لأبن الحلال. أبتعدت خديجة محدقة به في غيظ وضربته على كتفه صارخة فيه بجزع: -والله هزعل منك، ربنا يطول في عمرك، ويديمك ليا وتعلمني لحد ما ابقى دكتورة شاطرة كدا زيك.

ضحك يوسف بخفة آمناً على دعائها. فحاد بصره إلى لمار التي كانت تسلط بصرها إليه في حدة وقالت بهدوء، عكس ما يعتمل صدرها من خوف: -هو في ايه كل شوية تقول يا ترى هيكون في عمر؟ ليه؟ هو أنت عايز تسبنا. نفى يوسف برأسه ومال على اذنها هامساً، وهو يضم كتفها إليه: -لا يا ستي ولا تزعلي انا مش هموت ولا هسيبكم.

خرج حذيفة من دورة المياة وهو يجفف خصلاتة بالمنشفة التي حول عنقه، عاري الصدر، بنطال قطني فقط. صدم حينما رأى أسماء تفتش بهاتفه وتتشمم بملابسه. فما أن أحست بوجوده، آنذاك تركتهم من يدها وهي تقول في تلجلج: -حذيفة! أنا كنت... صمتت لا تدري ما تتفوه به. فتبسم هو بخفة، وقال مازحاً، لا يخفف من برودة الموقف: -مالك يا بنتي ايه شفتي عفريت؟

توجه لخزنة ملابسه بوجهه الجامد ما أن ولاها ظهره، يشعر بقلبه قد خلع من شكها به. لهما سبع أعوام سوياً وما زال الشك يعتمل صدرها. يأتي من عمله فتفتش في هاتفه وملابسه. يبدوا أنها لن تتغير وستظل تشكك به! تبسم بوجع يُدمي الفؤاد، وتنهد في تعب. رغم حبه، رغم عشقه، رغم تغيره وقربه من الله، ما زالت تشكك به. ماذا يفعل إذاً؟ إلى متى سيتحمل؟ إلى متى ستصمد علاقتهم؟

لا يمكن أن يظل يشد بمفرده حتى تظل متماسكة لكن هكذا لن تصبح روابط الألفة بينهم ذات وثاق غليظ. أرتدى تشيرته وجلس على الأريكة منشغل الذهن. فباغته الصغار "ملك، مالك" وهم يقفزا عليه صائحون في اشتياق. ليبادلهما العناق وهو يقول: -حبايب قلبي عاملين ايه؟ أجلسهما على قدميه وقبل وجنة كلاهما، لترد ملك: -الحمد لله. -الحمد لله. قالها مالك هو الآخر ليتسائل حذيفة: -بتذاكروا حلو ولا لأ؟ اومأ الصغار سريعاً قائلين: -بنذاكر يا بابا.

فرك حذيفة رأسه وهو يقول برفع حاجب: -أمال ايه اللي سمعته ده هااا؟ تسائل مالك في تعجب وهو يهز كتفيه في حيرة: -سمعت ايه؟ تصنع حذيفة الغضب هادراً في غضب: -يعني مش عارفين عملتوا ايه؟ نظرت ملك إلى مالك وقد رفعت قفها بجوار اذنها لتحركها بحركة دائرية متقلبة وهي تهمس في خفوت ظناً منها أنه لا يصل إلى حذيفة: -هو بابا اتجنن؟ اومأ مالك مؤكداً: -شكله كدا. اتسعت عينا حذيفة في صدمة وقال وهو يتركهم أرضاً: -أنا مجنون يا ولاد الـ....

بترت كلماته قول أسماء وهي تتخصر: -يا ولاد أي يا حذيفة كمل. غمز لها حذيفة قائلاً في مشاكسة: -أسماء.. أسماء. صفق حذيفة بكفيه وهو يدندن أسماء ولحق به الصغار مصفقون وهم يصيحوا: -هيييييييه.

وصل حيث تقف وهي تناظرهم في زهول. فإذا به يدغدغها لتتعالى ضحكاتهم ويحذو الصغار حذوه ويشاركوه. تلوت أسماء بين أيديهم وهي تحاول الأفلات. ركضت وهم خلفها حتى سقطا فوقها وهم يدغدغوها تحت صرخاتها المستغيثة. سقطوا جميعهم أرضاً بجوارها في نوبة ضحك عالية. فما أن هدأ حتى اعتدل حذيفة وهو يقبل رأس صغاره هامساً بحب: -ربنا يديم لمتنا وفرحتنا وضحكتنا كدا على طول.

هب الصغار في فزع صارخون وهم يركضوا خارج الشقة بعدما أوقعوا حذيفة أرضاً. قالا: -خديجة هتقتلنا يلا بسرعة. تألم حذيفة وهو يستوي جالساً ممسكاً بظهره في ألم ويقول: -ايه دا اي اللي حصل؟ ومين هيقتل مين؟ نظر إلى أسماء التي كانت تضع كفها على فمها تمنع صوت ضحكاتها في غيظ وهتف في سخط: -اضحكي اضحكي، عيالك كانوا هيكسروا ظهري بسبب خديجة. ثم نظر أمامه متذمراً.

دلف ياسين ببسمة مشتاقة إلى الداخل بعدما أغلق باب شقته. عيناه تبحثان عن حبيته وصغيرته، اللتين اشتاق لهن كثيراً جداً. أتاه صوت سجى الهامس من داخل غرفة ابنتهما: -أنا هنا يا ياسين. أسرع خطواته نحو الغرفة، وجدها كادت بالخروج لاستقباله، فضمها لصدره ملثماً جبهتها بشغف هامساً بقلب فاض حنيناً إليها: -وحشتيني أوي. لامست سجى وجهه بكفيها في رقة وهي تهمس ببسمة تتألق على ثغرها: -وأنت كمان وحشتني اوي. اتاخرت ليه كدا؟

أمسك ياسين بكفيها في رفق وقبلهما وهو يردف: -غصب عني يا نور عيني. اتسعت ابتسامة سجى وهي تنزع كفيها من كفيه وتحاوط ظهره، وتسند رأسها على صدره، قائلة في تفهم: -عارفه إنه غصب عنك، بس أنت بتوحشني يا نور عيني. لثم ياسين أعلى رأسها معتذراً وهو يشدد من ضمها في سكينة وراحة، مطبقاً أجفانه. غشاهما الصمت قليلاً قبل أن يقول ياسين في نبرة حزينة ما يدور في خاطره:

-أحياناً كتير بيكون نفسي إنك تكوني مفتحة عشان تشوفيني. أوقات بشتاق لعينك تشوفني. هو أنتِ عايشة معايا إزاي كدا؟ ذرفت عينا سجى الدمع أثر حديثه المؤلم، وأبعدت رأسها قليلاً عن صدره وسندت بكفيها وهي تهمس بصوت متهدج من البكاء: -مين قلك أني مش بشوفك؟ مين... مين قلك اني مش بشبع من ملامحك؟ مين قلك أن الحب بيكون بس لما العين تعجب بالجمال؟ الحب يا ياسين دا غريب اوي!

حبيتك عشان أنت أماني، حياتي. حبيتك عشان لاقيتك حنين، وبتهتم بيا. حبيتك عشان أنت العين اللي بشوف بيها الحياة دي. حبيتك عشان بشوف بيك كل الجمال يا جمال حياتي. وإن كنت لا أرى، هل هذا يعني إني لا أراك؟ ألم يراك قلبي يا ياسين؟ ضمت وجهه بين كفيها، ودموعها سيلا على وجنتيها، ودنت منه أكثر وهمست في هدوء:

-أنا أراك بقلبي يا ياسين. لقد علمت أن المحب يرى حبيبه بقلبه، لا بعينه. وأنا قلبي هو الذي يراك. ورغم اشتياق عيناي لمرآهما وجهك، إلا إني ليست حزينة لفقدناهم. لقد اعتدت على ذلك، فالأحبه تلتقي بالأرواح وترى بالقلب. وإن فقد البصر، فـ الاحبة ترى بالقلب والروح. فـ إذا الأرواح تلقت، هل يهم الشكل والمظهر؟ ثم أمسكت بكفيه في حنو، وأسترسلت وهي تضمهما إلى قلبها:

-بتمنى أشوفك أنت وأروى وماما وبابا واخوتي وأهلي، والدنيا. كتير بتمنى اشوف النور. بس أنا راضية الحمد لله. إذا كنت أنت عوضي في الدنيا على صبري، فـ أنا حبيت الإبتلاء ده. تبسم ياسين وما أن هم بضمها مرة أخرى حتى أتاهما صوت أروى وهي تدنو في فزع منهما: -ماما... بتعيطي ليه؟ رددت بصرها بين والدها ووالدتها وقالت في عتاب بعدما سلطت نظرها على ياسين: -أنت بتزعل ماما ليه؟ وخلتها تعيط! أنا زعلانة منك.

أنهت جملتها وهي تعقد ذراعيها بوجهها عابس، فرفع ياسين حاجبيه في غيظ وردد في خفوت: -ماشي يا بنت ياسين. باغتها بحركة سريعة، وحملها ليقذفها عالياً ثم يتلقفها بكفيه وظل هكذا لعدة دقائق وهو يغمغم: -أنتِ يا بت مالك داخلة شايطة فيا كدا ليه! ازعل ماما مزعلهاش أنتِ مال اهلك؟ كانت صرخاتها تصم أذنيه، فما أن يتلقفها بين ذراعيه حتى تضحك بطفولة. فرددت ما أن توقف عن راميها للأعلى، وبدأ يقبلها مشاكسًا: -إزاي مال أهلي يعني؟

مش انتوا أهلي؟ اتسعت حدقتي ياسين في دهشة وهو يردد: -يخربيتك، متقعديش مع خديجة تاني، يلا من هنا! وضعها أرضاً لتلوى أروى فمها قائلة: -طيب ماشية. ضحكت سجى لمشاكستهم المستمرة، ثم علا رنين هاتفها، لتبتسم تلقائياً بصفاء وهي تردد في شوق: -زين. زفر ياسين بغيرة وتمتم في خفوت: -يوووه بيرن ليه ده؟ في حين صاحت أروى وهي تركض إلى الهاتف: -عمووو زين.... أسرعت الصغيرة لتجيب على المكالمة، والتي كانت فيديو، ليطالعها وجه "إسلام ووليد"

وهما يصيحون في سعادة: -أروى، عامله ايه؟ وخالتو سجى عاملة ايه؟ أجلست أروى والدتها برفق، التي ارتدت نقابها سريعاً وجلست بجوارها لتجيب سجى بفرحة: -الحمد لله يا حبايب قلبي، أنتوا طمنوني عنكم عاملين ايه؟ جاءها صوت زين الضاحك وهو يطل بوجهه على شاشة الهاتف من خلف أبنائه: -عفاريت وربنا يا سجى! _بس يا زين هزعل منك متقولش على حبايبي كدا؟ تزمر إسلام، وقال: -قوليلوا يا خالتو، إحنا برضوا عفاريت؟

هزت سجى رأسها برفض وهي تنفجر ضاحكة، ليجذب زين منهم الهاتف وهو يبتعد عنهم، ويتسائل في جدية وهو يطالعها بمحبة: -طمنيني عنك يا حبيبتي عاملة ايه؟ أجابته سجى في نبرة معاتبة: -بخير الحمد لله، هان عليك تأخدكم وتسافر كدا ومتجيش يا زين، سنة بحالها مشوفكش؟ تنهد زين في ألم، وقال: -متزعليش والله الشغل مخليني مش عارف اتحرك، ولكن بإذن الله هننزل قريب. أنتِ وحشتينا كلنا أصلاً. ياسين عامل ايه؟ أومأت سجى قائلة في اشتياق:

-ياريت تيجوا في أسرع وقت عشان وحشني. هستناكم ماشي. ياسين كويس الحمد لله بيسلم عليك.... قاطع حديثها قل عائشة وهي تضم زين من كتفه وتتسائل في سعادة: -سجـــــــــــــــــــى عاملة ايه وحشاني؟ ضحكت سجى بحب وهي تردد في حنين: -عائشتي وحشتيني اوي والله، بردوا كل الغيبة دي؟ -هننزل قريب والله! ثم سحبت الهاتف من يد زين هاتفة: -هات التلفون يا عم اكلم أختي. ابتعدت تحت صدمته وهي تقول: -بت يا سجى أخبارك كل اللي عندك اي؟

وخاصة القردة خديجة؟ ردت سجى في ابتهاج: -الحمد لله كلهم بيسلموا عليكِ. صمتت عائشة في توتر، لا تدري هل تسأل عن وعد وتغيرها الذي طرأ فجأة؟ أم تلوذ بالصمت حتى عودتها؟ فاقت من تخبط أفكارها على صوت سجى الهامس: -قولي يا عائشة مالك يا حبيبتي؟ في حاجة؟ هزت عائشة رأسها في حيرة، وقالت في تردد: -مش عارفه أقولك ايه؟ _قولي، قلقتيني؟ تنهدت عائشة بقوة، وقد اتخذت القرار بإخبارها بما في جعبتها، فقالت: -سجى...

وعد حاسة انها مش بخير. برن عليها مش بترد، ودي اول مرة. فكلمت رحيم وقال أنها مش طبيعية بس هي بخير. ادها التلفون تكلمني قالتلي أنتِ مين! وعد صوتها واللي حكاه رحيم يدل انها مش بخير. حاولي تخلي ياسين يعرف مالها، هما كانوا قريبين من بعض. أومأت سجى وقد تملك القلق فؤادها، همت أن تجيب، فقال ياسين الذي استمع لحديثهم صدفة: -متقلقيش انا هتصرف، متقلقيش بس أنتِ كل حاجة بخير.

شكرته عائشة وظلا يتحدثان سوياً، حتى صاح الصغار معترضين، يريدون حديث أروى وخالتهم، فتركت لهم عائشة الهاتف على مضض، ودار بينهم حديث طويل، مشبع بالبهجة. أغلقت عائشة معهم ليضمها زين من الخلف وهو يسند رأسه على كتفها هامسًا في حب: -عائشتي... متقلقيش وعد هتكون بخير بإذن الله. وعد مني هننزل قريب مصر. التفتت له عائشة ببسمة تزين ثغرها ورددت بأعين مضيئة بعشقه: -طول ما أنت جنبي أنا مستحيل أقلق من حاجة.

تأملها زين مشدوهاً، حتى صدح صوت بكاء الصغيرة، لتهرع إليها عائشة، ويضرب زين كفاً بكف في قلة حيلة. شعر بيد تضرب قدمه لينظر للأسفل، رأى وليد ليقول في غيظ: -عايز يا عم مش أنت وأختك؟ لوى وليد ثغره، وقال مقترحاً: -بدل ما أنت قاعد لوحدك تعالى نلعب احنا التلاته واللي يغلب يطلب من التاني اي حاجة؟ في قلة حيلة أومأ زين ووافق.

دخل رحيم إلى حجرته وهو يرمق وعد في حزن شديد. جلس ليفك رباط حذائه، ثم بسط كفيه على حافة الأريكة في تعب مما بذله من مجهود في الأراضي الزراعية. لف برأسه للخلف جهة وعد الجالسة على الفراش، مشخصاً ببصرها في الفراغ أمامها، كأنها في عالم ثاني. تحطم فؤاده لعجزه لعدم معرفته ما بها. مؤلم رؤية من تحب يحي كـ الجثة التي فقط تتنفس. مؤلم أن تكون عاجزاً عن إنقاذ أحبتك. مؤلم أن ترى من لك يتألم وأنت لا تدري ما به.

فلا أنت قادر على تطيب روحه ولا قادر على مداوة ألمك. رؤيته له هكذا كانت تميته، لا يستطيع ألبتة، مرآها بتلك الحالة، التي تقلع قلبه عن مكمنه. تقدم إليها في تمهل، وجلس بجوارها، وعجب أشد عجب، ما زالت على حالها، لم ترمش بعيناها ولم تخطف حتى نظرة إليه. وعد التي كانت تستقبله بحفاوة، باتت حتى نظرة لا تلقيها إليه. آه فقط لو يعلم ما بها. ما أصابها. ما يتعبها وجعلها بتلك الحالة، التي لم ير لها مثيل قبل.

يتألم ويعاني وطأة الحرمان هو. ضم كفها بين كفيه وهو يهمس محاولا جعلها تتحدث معه: -وعد… حبيبتي، عاملة إيه، طمنيني عنك. لم يصدر منها أي ردة فعل، فأطبق أجفانه في عذاب وكأن النار أضرمت في فؤاده تكاد تجعله رمادا. فتح أحفانه فجأة وقال في حماس: -بت يا وعد، عاصم موحشكيش؟ ابنك حبيبك اللي مكنتيش بتنامي غير في حضنه، موحشكيش؟ أطرق رأسه في خزى وتمتم في خفوت ودموع على وشك الأنهمار:

-عاصم بقي مكتئب دايمًا، قاعد لوحده من وقت ما بقيت كده. حصلك إيه؟ إيه اللي أنت فيه؟ تعبانة فيك إيه بس؟ أمسك بوجهها بين كفيه لترمقه بنظرة سريعة تائهة كأنها لا تعلم من هو. ومن هي أيضًا. وحادت ببصرها مرة أخرى لجدار الغرفة وكأنها صنم لا تسمعه. أحس رحيم إنه لا فائدة ترجى منها، فهوت دمعة من عينيه فمسحها سريعًا وهو ينهض ليطمئن على ابنه. لم يمض طويلًا وأقبل طفل لا يتعدى السبع أعوام ركضًا وأرتمى في أحضانها هامسًا في شوق:

-أنا جيت من المدرسة يا ماما، وحشتيني. لم تبادله وعد العناق، لم تنظر إليه حتى، كأنها صنم متحجر لا يرف له جفن. أبتعد عاصم ونظر إلى وجهها الجامد الذي ينظر للفراغ، وتمتم وهو على شفا البكاء: -أنتِ مبقتيش تحبيني يا ماما؟ هوت دموعه هويًا إلى وجنتيه وهو يغلق جفنيه في شدة، ظنًا منه إنها لا تحبه ولا تريده. لا يدري أن المسكينة والدته وليست بوالدته!

وأنها لا تدري شيء مما يدور حولها، لا تشعر ولا تتكلم، أسيرة هي في عالم مخيف مظلم، مجبورة عليه قسرًا. يا ليت يمكنها التحرر من قيود هذا الظلام!

نهض الصغير من على الفراش وبسبب غشاوة الدمع على أجفانه تعثرت قدمه في سجادة الغرفة ليقع على وجهه، مما أدى لشق صغير في جبهته وكان ينزف على آثره. تألم عاصم بشدة وهو ينظر إلى والدته مناديًا. عما قليل كانت ترفرف بأهدابها كأنها تنتبه للصوت، كانت تشعر أن الصوت بعيد يسحبها من عالم بعيد ولكنها تتبعته، لتنظر تلقائيًا إلى عاصم، ونهضت عن الفراش بفزع لتحمله على قدمها. تزامنًا مع دخول رحيم ركضًا فوقف مصدومًا، لا يصدق أن وعد أخيرًا تحركت. إتسعت حدقتيه في بهت شديد حينما نظرت إليه وهي تحمل عاصم،

ونادته قائلة: -رحيم… مالك واقف كدا ليه؟ تعالى شوف عاصم ماله. أومأ رحيم تلقائيًا، ولم يلبث أن ضمد الجرح لابنه، الذي أستكان بحضن والدته التي تضمه في قلق وحنان ورفق. أعتدل رحيم في وقفته وغمغم في تيه: -وعد… أنتِ حاسة بينا؟ أمسك وجهها الذي أبدى زهولًا من حديثه، وتمتم: -أنتِ كويسة؟ حاسة بحاجة تعبانة؟ حدجته في حيرة من أمره وهي تتسائل: -أنت اللي مالك في إيه؟ تركت الصغير لتقف أمامه قائلة وهي تتحسس جبينه: -أنت سخن ولا مالك؟

إيه الكلام الغريب ده؟ ما أنا زي القرد قدامك اهوو. جذبها رحيم من مرفقها معتصرًا إياها داخل أحضانه وهو يقبل وجهها في عدم تصديق، يحمد ربه أنها عادت إليه. قد يأتي الأمل لدقائق معدودة ويولي بعدما يطعنها ويذيقنا مرارة الحرمان، أن يكون الحبيب معك وليس بمعك مؤلم للغاية!

لم يمر كثيرًا وإذ بـ وعد وهي تدلف للحجرة بعدما عدت طعام لطفلها وقعت أرضًا وأنزلقت الصينية من يدها لتصبح شظايا كـ قلب رحيم تمامًا الذي تهشم وهو يهرع إليها. حاولت النهوض بمعاونته ولكنها كانت تسقط أرضًا في كل مرة، وكأن قدميها قد عُقدا بأغلال من نار. اقترب عاصم باكيًا ليحملها رحيم بعدما أغمضت عينيها فاقدة للوعي ويغادر بها إلى المستشفى بعدما أخبر غفيره أن يهتم بالصغير…

طلت خديجة من نافذة غرفتها مغمضة العينين تستنشق الهواء في ارتياح، ثم نظرت للأسفل لتبصر الصغار جالسون على العشب يذاكرون في اهتمام، فتوهج وجهها باسمًا وقد حسمت أمرها على النزول، ولم تلبث أن كانت تقترب منهم جالسة بجانب الفتيات قائلة: -ربنا يوفقكم يارب وينجحكم ويشرح صدوركم. آمن الصغار على دعائها، وعادوا لدروسهم كلٌ منهم منشغل في كتابة، فما أن يقف معهم شيء يذهب إلى والدته لتساعده. فـ حين أقتربت خديجة من أروى

مغمغمة وهي تناظرها في حب: -تعالي نذاكر سوا يا حبيبة قلبي. ألتفتت لها أروى برأسها وهي تومأ في سعادة هامسة: -يلا. رفعتها خديجة لتجلسها على قدميها وبدأت تذاكر لها وهي تمعن النظر لملامحها التي أكتسبتها من والدتها سجى، نفس الملامح، وذات الهدوء والرقة. قضى الوقت حتى فرغوا جميعهم متنهدًا. فـ أقترب الصغار ليطوقوا خديجة من كل جانب، حفوها في حلقة دائرية، لترفع خديجة حاجبها في دهشة، ويمناها تمسح على رأس أروى في حنو: -إيه ده؟

في إيه؟ أسرع مالك مجيبًا في كلمات تنبض بالحماس: -خلصنا مذاكرة ومش ورانا حاجة، في أي رأيك تقوليلنا حديث وتشرحيه لينا، أو تسئلينا، أي حاجة أنتِ حباها؟ سر قلب خديجة، لحماسهم ومبادرتهم لمعرفة أحاديث الحبيب ﷺ فقلبت بصرها بينهم، وأثناء ذلك لاحظت أطراق خالد شاردًا في حزن، فـ تسائلت في تعجب: -مالك يا خالد زعلان ليه؟ رفع خالد رأسه إليها وتمتم في هدوء وهو يهز كتفيه: -مفيش حاجة مش زعلان. حدجته خديجة في نظرة مستنكرة،

وقالت في أمر: -مالك يا خالد بتفكر في إيه؟ ردد خالد بصره على ابناء أعمامه ثم أزد رد لعابه ونظر إليها قائلاً: -هما ليه سموني خالد؟ في أسماء كتير أحلى، يعني إيه أصلًا خالد دي؟ أحست خديجة أن ثمة من تلاعب بعقل أخيها، فـ أغمضت عينيها وهي تهمس في شغف: -خالــــــــــد… هو في أحلى من اسم خالد؟ اسم لوحده كفيل لأي حد شايله يجعله فخور! لوى خالد شفتيه محتجًا: -دا ليه؟

فتحت خديجة عينيها في بطء وهي تقول في شوق، وذكرت حنين تطوف بخلدها، وقلبًا رفرف مشتاقًا، وروحًا لمساتها نسمات الصحابة العطرة بذكراهم وهمست وهي تستنشق الهواء في سكينة: -هل أخبرتك قبلًا عن خالد بن الوليد سيف الله المسلول. رنا خالد ببصره في اهتمام وهو يهز رأسه: -لا. تجلت في عيون الصغار نظرات الاهتمام، فـ أنصتوا بقلوبهم قبل آذانهم وهم يتربعوا في أسترخاء وانتشاء متلهفون لكلماتها، فـ أسترسلت خديجة بنظرة متوهجة نورًا:

-خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله الله على المشركين. لقد تخلدت البطولة بذكرة خالد بن الوليد، كان شجاعًا، مغوارًا، تقف إزاء فروسيته حائرًا من شجاعته، كان لا نظير له، وفي يوم مؤتة حول هزيمة المسلمين إلى نصر مبين، آنذاك سقط ثلاثة ليوث من الصحابة الكرام "زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة" وهنا قاد خالد الجيش وبعبقريته أنقذه من الإبادة وتم النصر على يديه، يقول الرسول وهو

ينعي أبطال مؤتة الشهداء: " أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدًا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها، حتى قتل شهيدًا… ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيداً. "ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله، ففتح الله على يديه." صمتت خديجة هنيهة تتأمل وجوه الصغار التي تنصت لها في اهتمام، بثغور فارهة وأعين محدقة. وتابعت وهي تأخذ نفساً عميقاً من النسائم التي هلت عليهم:

"لقد كان خالد جندياً عادياً تحت قيادة القواد الثلاثة الذي جعلهم الرسول على الجيش، والذين استشهدوا بذات الترتيب: زيد، ثم جعفر، يليه عبد الله. فما أن سقط الليوث الثلاثة، سارع إلى الراية ثابت بن أقرم، فحملها عالياً وتوجه مسرعاً إلى خالد قائلاً له: (خذ اللواء يا أبا سليمان) . فلم يجد خالد أن من حقه أخذها فاعتذر قائلاً: (لا، لا آخذ اللواء، أنت أحق به، لك سن وقد شهدت بدراً) فأجابه ثابت:

(خذه فأنت أدرى بالقتال مني، ووالله ما أخذته إلا لك) ثم نادى بالمسلمين: (أترضون إمرة خالد؟ قالوا: (نعم) . فأخذ الراية خالد وأنقذ جيش المسلمين. يقول خالد: (قد انقطع في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة لي يمانية) وحقق النصر على يديه، كما أنه هدم العزى بأمر من الرسول. سر خالد سروراً جمعاً لأن اسمه على اسم هذا البطل المغوار الذي حقق النصر يوم مؤتة بعد مصرع قادتها الثلاثة. وتساءل في اهتمام وقد اختلط في

عينيه بريق اللهفة والحبور: "ذيديني حديثاً عن بطلنا يا خديجة، كيف أسلم سيف الله؟ اتسعت ابتسامة خديجة وهي تناظره في بهجة، وهبت رياح الشغف بداخلها لتتمتم وهي تتعايش في قصة خالد وتتنفس من عبيره وأريج ذكراه الذي هب: "أسلم خالد متأخراً بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة، وذلك بعد أن علم بسؤال نبي الله ﷺ عنه، حين دخل مكة لأداء عمرة القضاء. استشعر ما في ذلك من تقدير وتكريم وسر كثيراً بذلك وازداد رغبة في الإسلام." "دخل الرسول

-صلى الله عليه وسلم -مكة في عمرة القضاء فسأل الوليد عن أخيه خالد، فقال: (أين خالد؟ فقال الوليد: (يأتي به الله) فقال النبي: -صلى الله عليه وسلم (ما مثله يجهل الإسلام، ولو كان يجعل نكايته مع المسلمين على المشركين كان خيراً له، ولقدمناه على غيره) . فخرج الوليد يبحث عن أخيه فلم يجده. فترك له رسالة قال فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وعقلك عقلك، ومثل الإسلام يجهله أحد!

وقد سألني عنك رسول الله، فقال: أين خالد -وذكر قول النبي -صلى الله عليه وسلم -فيه -ثم قال له: فاستدرك يا أخي ما فاتك فيه، فقد فاتتك مواطن صالحة) . وقد كان خالد -رضي الله عنه -يفكر في الإسلام، فلما قرأ رسالة أخيه سر بها سروراً كبيراً، وأعجبه مقالة النبي -صلى الله عليه وسلم -فيه، فتشجع وأسلم مع عثمان بن طلحة وعمرو بن العاص." يقول خالد عن رحلته من مكة إلى المدينة:

(وددت لو أجد من أصاحب، فلقيت عثمان بن طلحة فذكرت له الذي أريد فأسرع الإجابة، وخرجنا جميعاً فأدلجنا سحراً، فلما كنا بالسهل إذا عمرو بن العاص، فقال: (مرحباً بالقوم) قلنا: (وبك) قال: (أين مسيركم؟ فأخبرناه، وأخبرنا أيضاً أنه يريد النبي ليسلم، فاصطحبنا حتى قدمنا المدينة). (أول يوم من صفر سنة ثمان) وأقدم خالد إلى الرسول وأسلم وبايع الرسول. يقول خالد: (قلت للرسول: استغفر لي كل ما أوضعت فيه من صد عن سبيل الله) فقال:

(إن الإسلام يجب ما كان قبله) فقلت: (يا رسول الله على ذلك) فقال: (اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضعت فيه من صد عن سبيلك) وتقدم عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة، فأسلما وبايعا رسول الله. ازداد حماس خالد أكثر، وإذ به يقول بكلمات تبض بالحماسة واللهفة: "أخبريني يا خديجة من صنيع فعل خالد؟! تنهدت خديجة في ارتياح وتمتمت في هدوء:

"حارب خالد رضي الله عنه أهل الردة حينما بلغه عنهم مقالة الرسول. ثم مضى إلى اليمامة وقاتل مسيلمة الكذاب الذي كان يدعي النبوة، وغزا العراق، وشهد حروب الشام مع المسلمين. لقد فتح خالد دمشق، وحارب فارس والروم وأبلى بلاء حسناً. انتصر خالد بحذاقته في كل معركة وقد كان حقاً كما قال الرسول: خالد سيف من سيوف الله." فـ عن أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه الترمذي.

قال: نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلاً فجعل الناس يمرون، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من هذا؟ فأقول: فلان، حتى مر خالد، فقال: (من هذا؟ قلت: خالد بن الوليد، فقال: (نعم، عبد الله هذا سيف من سيوف الله) صمتت خديجة ملياً بعينين ممتلأتين بالدمع، وقالت في بسمة حالمة: "الحديث عن خالد لا ينتهي أبداً، يحتاج لملايين من الصفحات، بطولاته ستظل خالدة على مر الزمان، وشجعاته ستظل لا نظير ولا مثيل لها."

ثم ضحكة ضحكة خفيفة وتمتمت في تهدج وهي تكبح دموعها: "كان خالد يأمن الجيش قبل أن يخوض القتال، فأمر النساء بأن يمسكن السيوف وأمرهم بالوقوف خلف صفوف المسلمين وقال لهن: من يولي (هارباً) ، فاقتلنه. فقد كان يخشى أن يفر هارباً أحد أفراد جيشه من هم حديثي العهد بالإسلام. أما وفاته." وهنا انفجرت خديجة باكية في تأثر أليم، موجع وغمغمت في بكاء جعل أعين الصغار تذرف الدمع:

"مات خالد على فراشه، وهو الذي كانت حياته كلها فوق صهوة جواده تحت صليل السيوف، هو الذي غزا مع الرسول، وقهر الردة، وحارب فارس والروم، وفتح العراق والشام. قال خالد حينما شعر بدنو أجله: (لقد شهدت كذا وكذا زحفاً، وما في جسدي موضع إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح أو رمية سهم.. ثم هأنذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء) ..! ومات من قال عنه الصحابة: (الرجل الذي لا ينام، ولا يترك أحداً ينام)

ومات وودعته أمه قائلة: أنت خير من ألف ألف من القو م اذا ما كبت وجوه الرجال أشجاع؟ فأنت أشجع من ليث غضنفر يذود عن أشبال أجواد..؟ فأنت أجود من سيل غامر يسيل بين الجبال غطت خديجة وجهها بين كفيها تبكي حزناً وشوقاً للقاء رسول الله وصحابته وأهله. رفعت وجهها في تذكر وقلبت بصرها في وجوه الصغار الذي غشاها الدمع وتمتمت باسمة تلتمع بعينيها وهي تكفكف دموعها:

"نسيت أخباركم عن قلنسوة خالد، لقد سقطت منه يوم اليرموك فأضنى نفسه والناس بحثاً عنها، فلما عوتب في ذلك قال: (إن فيها بعضاً من شعر ناصية رسول الله وإني أتفاءل بها وأستنصر) ثم رددت رافعة كفيها ووجهها إلى السماء: "اللهم ارحم خالد أبا سليمان وارض عنه هو والصحابة أجمعين." آمن الصغار لدعائها وشكرها خالد ممتناً وقد زاد قلبه حباً وفخراً باسمه. "ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا."

غشى ضوء الصباح أرجاء الأرض معلناً عن يوم جديد بأحداث جديدة. خرج الصغار من المنزل جميعهم عند وصول الحافلة التي ستقلهم إلى المدرسة. وبعد ركوبهم انطلقت الحافلة إلى وجهتها. ولكن في منتصف الطريق صدت سيارة سوداء طريقها ليقف سائق الحافلة تلقائياً، وهو يشرئب برأسه من النافذة صائحاً فيمن تلك السيارة التي تقف معترضة طريقه: "يا عم أنت اتحرك في حد يقف الوقفة دي؟

هم بالترجل ولكن عاد جالساً ما أن خرج رجلان ملثمان كثر من السيارة وأندفعوا تجاه الحافلة مشهرين سلاحهم. صاح الصغار صارخين في رعب ملأ أفئدتهم، وارتجفت أجسادهم في خوف. بنظرة واحدة من إحدى المجرمين كتموا أفواههم فزعاً وهم يحلقوا بهم في رعب. مد أحد الملثمين كفه للآخر وهو يقول في حدة: "هات الصورة."

ناوله الآخر إحدى الصور ليمعن النظر فيها لهنيهة، قبل أن يرفع رأسه ناظراً بتمعن إلى وجوه الأطفال. ثم أشار بسبابته إلى "خالد، حمزة، مالك، معاذ" وقال أمراء الرجال: "هما دول هاتوهم بسرعة! اتسعت أعين حمزة وخفق قلبه ولكنه وقف دافعاً الرجل عنه، وصاح فيه: "أبعد كدا عني، وملكش دعوة بأخواتي! صاحت المدرسة التي كانت ترتعش خوفاً: "انتوا عايزين اي سيبوا العيال؟!

رمقها أحد الملثمين بنظرة مخيفة جعلتها تنزوي على نفسها. في حين كان أحدهما خدر السائق. أما باقي الأطفال فقد وضعوا كفوفهم على أفواههم ولم تكف أعينهم من ذرف الدمع. في لحظة مباغتة كانوا الملثمين يخدروا الصغار، تليها اتجهوا إلى الفتيات، لتختبئ أروى في ملك التي ضمتها لصدرها وهي تحلق في الرجال في صدمة. وفي لحظة كانوا يخدروهم وحملوهم للسيارة. أخرج أحد الملثمين ورقة مطوية أهداها للمدرسة التي كان قلبها يرتجف خوفاً ويبكي عجزاً:

"الورقة دي تديها لأهل العيال دي." مدت المدرسة كفها بيد مرتعشة، ليقترب منها الملثم بوجهه وهو يستند بكفيه حولها، قائلاً في صوت كالفحيح: "وإياك بقك ينطق بحرف من اللي شفتيه لحد."

أومأت المدرسة تباعاً في عشوائية، ليرحل الملثم صاعداً أمام وقود السيارة وأنطلق في سرعة جنونية. لينفجر الصغار في الصياح وتسرع المدرسة إلى السائق المغيب عن الوجود، وراحت تلطم وجهه وهي تنادي عليه بلا فائدة. لذا أمسكت قارورة ماء لتنثر القليل على وجهه فبدأ رويداً رويداً في استعادة وعيه. فما أن فاق حتى أخرجت هاتفه لتسرع بالاتصال بـ أسماء التي أجابت فوراً قائلة: "أستاذة مريم أخ...

قطعت كلماتها انفجار المدرسة في البكاء وهي تقص عليها ما حدث.

في أوان ذلك، كادت خديجة بالدلوف إلى مدرستها الثانوية، حينما وقفت أمامها مباشرة سيارة سوداء وفتح بابها وظهر منه ملثمان. هم أحدهما بأمسكها، ففاقت خديجة من صدمتها لتتراجع للخلف في عنف. فما أن رأت الأسلحة بأيديهم حتى قلقت على المارين حولها إذ فرت من أمامهما. فرفعت كفها موقفة من مد يده لسحبها. فترجل في هدوء لتصعد هي دون أدنى معافرة تعلم جيداً أنها لا جدوى منها. فما أن استقرت حتى انطلقت السيارة. فأسدلت أجفانها وهي تردد "لا إله إلا الله" ليطمئن فؤادها ويسكن من رعبه القائم. أخرج أحدهما شريطة ليربط عينيها تحت استسلام منها تام.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...