ما زال للعشق بقية نزل الخبر على قلب أسماء نزول الصاعقة. وقع منها الهاتف وهي تهب واقفة في صدمة. لم تستوعب ما سمعته للتو. ربما خُيل لها ما سمعت. تنفست في عمق، وعشرات الأسئلة تتزاحم في ذهنها. وإذا بها تشهق باكيةً في لوعة وقد تملكها الخوف والقلق وكاد أن يمزق أوردتها. اندفعت خارج مكتبها لتنصدم في والدها الذي كان آتيًا إليها. تساءل يوسف وهو يمسك بمنكبيها مزعورًا: في إيه مالك؟ حصل حاجة؟ اهدي اهدي وقوليلي في إيه؟
بأنفاس متقطعة وصوتٌ متهدج غمغمت أسماء باكية: الـ.... العيال اتخطفوا يا بابا كلهم. همت أن تسقط أرضًا فلحق بها يوسف وهو يضمها إلى صدره قائلاً برفق: اهدي يا حبيبتي مفيش حاجة خير بإذن الله، بس تماسكِ كدا، عشان نروح للمار. وبلاش تقولي لحد. عرفتي إزاي الأول؟ كابدت أسماء وجع فؤادها ورفعت رأسها إليه هامسة في شهقات متقطعة: المُدرسة كلمتني... وهي اللي قالتلي. قصت عليه كل ما أخبرتها به المُدرسة، فأغمض يوسف
عينيه في بطء وهو يقول: تمام، تمام. فتح جفنيه وقال في ثقة ليبثها بالأمان: العيال هيرجعوا، أطمني. ثم أمسك بكفها وغادرا مبتغيًا لمار. وقال: يلا نروح للمار وهي هتحل الموضوع أنا متأكد.
استقلا السيارة ووصلا إلى مكتب لمار ودخلا لديها ليخبرها يوسف بما قالته أسماء. فتلقت لمار الخبر في صدمة، وهن فؤادها، وتملك القلق من روحها. جلست مطرقة الرأس تستوعب ما علمته للتو. في حين أسند يوسف رأسه إلى الجدار، يدعو الله أن تمر تلك النكبة بسلام وتنزاح هذه الغمة بخيرٍ وسلامة. لم تكفِ عينين أسماء من تدفق الدمع. فُتح الباب ودخل ياسين ببسمةً سرعان ما تلاشت وهو يرى أخته تذرف الدمع بغزارة. فدنا منها
على عجل وهو يقول في لهفة: أسماء… مالك يا حبيبتي؟ بتعيطي ليه؟ استوت أسماء واقفة وارتمت في حضنه بنشيج مزق قلبه. فردد ياسين بصره في والده ولمار وهو يهز رأسه وتتسائل عينيه عن ما بها. فانتزع يوسف بسمةٌ من آلَمه وقال ليطمئنه: مفيش حاجة خير بإذن الله، اقعد واحكيلك عشان تسمعني بهداوة.
أمتثل ياسين لوالده وجلس منصتًا له في اهتمام. وراح يوسف يسرد عليه ما أخبرته به أسماء. فضغط ياسين على أسنانه وأدرك أن هناك أمرًا جلل وقرر في نفسه أن يذهب لهذهِ المُدرسة، لعلها تكون قد رأت إحدى الخاطفين، أو في جعبتها رسالةً ما تركها أحدًا منهم. مسح ياسين على وجهه في قلق ونهض قائمًا وهو يقول: قومي تعالي أوصلك البيت وبلاش تقولي لحد حاجة. أغمضت أسماء عينين تذرفان الدمع وهي تهز رأسها نفيًا، وقالت:
أنا مش هتحرك من هنا قبل العيال ما ترجع. هُنا ورفعت لمار رأسها قائلة في بحة لا تقبل النقاش: قوم يا يوسف روح أنت وبنتك قعدتكم مفيش منها فايدة. أنا هتصرف ووجود أسماء هنا هيقلقني. التفتت إليها أسماء قائلة في عصبية: أمشي إزاي من غير عيالي، ومش عارفة هما فين ولا بيعملوا فيهم إيه؟ تنفست لمار في حرارة، ونهضت وهي تكبح ما يعتمل صدرها من غضب تجاه من أخذ أحفادها. وأقتربت من أسماء بتمهل، ومالت عليها هامسة وهي تمسك بكفيها في ثقة:
أسماء … أنتِ واثقة فيا؟ رفعت أسماء عينين يغشاهما الدمع وهزت رأسها مؤكدة وهي تردف في صوتٍ متهدج: أيوه. ضمت لمار وجهها بين كفيها وهي تقول في تأكيد: قومي روحي مع أبوكِ، وتأكدي أني مش هرجع البيت إلا والعيال معايا. اطمني وعد مني هيناموا في حضنك النهارده، وأنا قد كلمتك. شعاعٌ أمل غزا قلب أسماء ليشرق وجهها بنور الأمل مهللًا. وأومأت برأسها على يقين أن عمتها طالما وعدت ستوفى، وسيعودون أطفالها لحضنها في طرفة عين.
نهضت لتغادر مع يوسف الذي ضم كتفها إليه وانصرفا. في حين اتسعت عيني لمار بشرارةٌ من الغضب والتفتت إلى ياسين. وهمت بالحديث إلا أنه كان يدري ما ستوكله به فـ ردد في ثقة: أنا رايح أقابل المُدرسة، وهبعتلك عثمان وأنس وورد. تبسمت لمار في ثقة وهي تؤشر له بعينيها مطمئنة مهمًا كان فهو أبٌ، ووحيدته لا يعلم عنها شيء.
غادر ياسين صافقًا الباب خلفه واتقدت النيران في قلبه. بينما جلست لمار خلف مكتبها في ذهن طاحن في التفكير. ليخترق سكونها إشعار رسالة على هاتفها، لتلتقط الهاتف وتقرأ فحوى الرسالة الذي كان مضمونها: "أزيك يا بنت الشرقاوي؟ يارب تكونِ بخير؟ متقلقيش العيال مش هيجرالهم حاجة امممم ممكن أروى بس عشان حابب أحرق قلب بنتك وجوزها. اممم لسه بفكر أأذيكِ في مين؟!
ولكن أطمنك هيرجعولك كلهم بس متفكريش أن دي بداية الانتقام تؤ تؤ تؤ دي متجيش حاجة قبل الجحيم اللي هعيشك فيه دا إذا كان ليكِ عمر طبعاً. ولو متِ بردوا انتقامي هيفضل، أوعدك أني هدمرك، وهدمر عيلتك كلها وهخليكم تقتلوا في بعض واللي منك هيكون عدوك. رسالتي مجرد بداية للنهاية. متتحاوليش تبحثي عني لأنك مستحيل تعرفيني ولا تشوفيني. أنا قريب وتلميذك كمان وتعلمت منك إزاي أكون عفريت أنتقم وأقتص حقي من غير ما حد يشوفني. أنتِ علمتيني مقفش غير للحق بس للأسف علمتِ الشخص الغلط. لأني معرفش يعني إيه حق. واللي مقدرتش أعمله في الأول وفشلت فيه وعد لو آخر نفس فيا هعمله وهنتقم وأنتظري قريب هديتي."
أعادت "لمار" قراءة الرسالة مرارًا وتكرارًا. علا وجيب قلبها من الغضب. ودت لو كان أمامها مرسل الرسالة لكانت أحرقته في أرضه. هيهات أن ظن أن بإمكانه التوغل داخل أواصر عائلتها وتفكيكها. هيهات أن جعلته يعيش بالأساس. وبقي سؤال محير يدور كـ الرحىّ في قرارتها؟ من ذا قد يكون؟ من يريد الانتقام منها لتلك الدرجة؟
أن يكون عدوك أمامك حينها ستطمئن، ولكن أن تقاتل من لا تراه عيناك، ولا تدري متى تأتيك الطعنة في أي وقت وزمن ومن من شيءٌ صعب يوهن الأعصاب. هذه الرسالة الغامضة من وراءها، وما الجدوى منها، ماذا يريد؟ طرق طارق منتشلًا إياها من دوامة تفكيرها التي ظنت أنها لن تحور منه. أبعدت وجهها عن كفيها تستطلع الآتي الذي لم يكن إلا عثمان الذي ردد وهو يخطو نحوها في غضب: مبني اللي خطف العيال؟ وإزاي ده يحصل؟ أفتراض حصل لهم حاجة.....
بترت كلماته لمار على المكتب وهي تهب واقفة صارخةً فيه: اسكت اياك اسمع صوتك … دلوقتي بس عرفت أن ليك عيال؟! كنت فين لما كانوا بيسألوا عنك؟ يدوروا عليك وأنت ولا هنا؟! كنت فين من حياتهم؟ لُجم عثمان ووقف كـ الصنم جاثمًا في أرضه. رفرف بأهدابه قليلًا قبل أن يجلس واضعًا وجهه بين كفيه محاولًا كبح وجعه الذي ازداد عسرًا. فرق قلب لمار ودنت منه قائلة في ثقة: العيال هيرجعوا يا عثمان، فوق كدا لنفسك مش عايزة حد يشوفك بالضعف ده.
رفع عثمان رأسه إليها هامسًا بالحديث إلا أن طرق الباب لتدخل منه ورد هادئة وهي تلقي السلام. ثم جلست تلتقط أنفاسها. فقلبت لمار بصرها في حيرة من أمرها وتساءلت بمكنون فؤادها: ورد؟! مالك هادية كدا ولا كأن عيالك اتخطفوا. تمتمت ورد في ثقة: متقلقيش هقولك إزاي نوصلهم وبعدين أخاف إزاي خديجة مع العيال أصلاً. رفعت لمار حاجبها في دهشة. فإذا بـ عثمان يقول: المهم هنعرف نوصلهم إزاي؟ أومأت ورد لتصفح في هدوء وهي تسرد عليهما:
من لما حصل وحاولوا يخطفوا خالد بسبب إحدى القضايا اللي كنت ماسكها ونجي الحمد لله قررت أني هحط جهاز تعقب في شنطهم. تبسمت لمار في فخر وهي تربت على كتفها وبدأوا بتعقب المكان ليتأهبوا للذهاب على أتم استعداد لأي مواجهة. قطع ياسين الرواق دالفًا إلى غرفة مدير المدرسة الذي كان في انتظاره. وجه ياسين دون كلمة سؤاله للمُدرسة التي كانت مطرقة في خزى وحزن على الصغار الذين انتُشلوا منهم عنوة:
لو سمحتِ قولي ليّ لو تعرفي أي حاجة عن الخاطفين؟ شفتِ حد منهم؟ أو سابوا أي رسالة؟ انكبت المُدرسة مجهشة في البكاء، وقالت: لا، معرفش أي حاجة ولكن سابوا ورقة فيها رقم تلفون! وطلبوا مني أسلمه لحد من أهل العيال. لمعت عينا ياسين في أمل وهو يقول في لهفة مادًا يده: تمام جداً، فين الرقم؟ دست يدها بحقيبة كتفها مخرجة الورقة، ليتناولها منها ياسين ناظرًا في تمعن للرقم مليًا، قبل أن يتساءل في اهتمام:
ممكن حضرتك بس تحكي لي بالتفصيل إيه اللي حصل؟ أومأت المُدرسة، وشرعتٍ في قص ما حدث. فما أن فرغت حتى انصرف ياسين صاعدًا سيارته مدونًا الرقم في هاتفه مجريًا اتصالًا على الرقم والذي كان دوليًا. انتظر قليلًا حتى هتف هاتف مرحبًا: ياسين الشرقاوي، كيف حالك يا رفيق طمئني؟ آه يا عزيزي أعلم أنك لست بخير، وكيف لك أن تكون بخير ووحيدتك في جحري الآن. أنهى جملته مقهقها في انطلاق، ليصيح ياسين صارخًا بأفزع الشتائم:
أنت مين يا ابن الـ********، اياك تقرب من حد من العيال ولا تمس شعرة منهم أقسم بالله أدفنك في أرضك من غير رحمة. جز المجهول على أسنانه قائلًا في غيظ بيّن: لن أؤذي أحدًا إلا ابنتك، والذي لم أستطع أخذه فيما مضى سأتخذه عاجلاً أم أجلاً. ولا ترهق نفسك في البحث عني لأنه من المستحيل أن تعرفني أو تجدني. شرارة من الغضب كانت تنطلق من عينا ياسين الذي يتنفس في سرعة جنونية ثم صاح فيه وهو يضرب مقود السيارة بقبضته:
بنتي اياك تقرب منها لو راجل فعلاً واجهني يا كلب و متبقاش جبان. أنهى المجهول المحادثة بعدما قال في تحذير يشبه التهديد: احذر يا هذا، وانتبه جيدًا لزوجتك فـ أنا لن أترك انتقامي ومن اليوم لن تستتب الأمور أبدًا ولن تكون على سجيتها مجددًا سأقلب حياتكم جحيم.
صرخ ياسين ما أن رأى إغلاق الهاتف. كان على شفا الانهيار ولكنه ضرب بقبضته عدة مرات على المقود، ليزفر ويستنشق الهواء مرارًا قبل أن يرن بأذنه تحذيره على سجى، ليسرع في الاتصال عليها، بقلبٍ يخفق في لهفة. سكن روعه ما أن أتاه صوتها الحاني القلق: ياسين!! أروى... قاطعها ياسين هامسًا في خفوت وقد سكن وجيب قلبه واضطراب نفسه: قلب ياسين… متقلقيش أروى هترجع وهتنام في حضنك النهارده أطمني. ردت سجى في ثقة واطمئنان:
أنا واثقة فيك يا ياسين خلي بالك من نفسك ومتأكدة أنك هترجع أروى والعيال كلهم النهارده، دعواتِ معاكم. أغلق معها منطلقًا بسيارته إلى وجهته. تجلسان بفؤاد مكلوم قلق، يكاد الخوف يأكل شغافها، من حين لآخر يصدر صوت بكاء يقطع نياط القلب في مكمنه. من قلبٍ أرهقه التفكير، أنتحبت "أسماء" قائلة في لوعة: يا ترى عيالي هيرجعوا تاني لحضني؟ هشوفهم تاني ولا مش هشوفهم؟ يا ترى بيعملوا إيه فيهم دلوقتي؟
في حين كانت "سجى" ساكنة تمامًا لا يرقأ لعينيها دمع ولا يصدر لها صوت، تناجي الرحمن بفؤادها. تضم أسماء لصدرها وتربت على كتفها برفق، وتبثها بكلمات مطمئنة ما بين الحين والآخر: هيرجعوا بإذن الله، ربنا مش هيؤذينا أبدًا فيهم، أبشري يا حبيبتي. أقبلت مكة ساكنة لا تدمع ولا تتحدث، مستسلمة كليًا لكل شيء. وجلست بجانبهم واضعة يدها أسفل خدها وقد غشاها الصمت كأنها في واديٍ آخر.
في أوان ذلك كانَ الصغار جميعًا يفترشون الأرض في إحدى الغرف. فُتح الباب فجأة بكف رجل ملثم يقف جانبًا مفسحًا الطريق لـ خديجة التي كانت حذرة من أن يدنو منها أحد. فما أن وقع بصرها على الصغار، سقط فؤادها من مكمنه وهي تهرع نحوهم في فزعٍ محاولة إفاقتهم ودموعها تنساب في خوف. تباعًا حاولت إفاقتهم واحدًا تلو الآخر تدعو الله أن يكونوا بخير.
رفرف مُعاذ بأهدابه وهو يستشعر صوتًا قريب ينادي عليه. وقع بصره على خديجة سرعان ما أطبق جفنيه مرة أخرى مستحضرًا ما مر عليه منذ قليل. ثم استوى صارخًا وهو منفجرًا في البكاء، لتضمه خديجة إلى صدرها هامسة وهي تحاول تهدئته: اهدئ يا معاذ … اهدئ يا حبيبي أنا جنبك أهو. خبأ معاذ رأسه بها، محاولًا طرد أفكار عقله التي اعترته وهمس من بين بكائه: أنا خايف أوي يا خديجة، مين دول؟
وفين أختي لمياء وملك ومالك وخالد واروى وحمزة أنا شفتهم وهما بيخدرهم. مسحت خديجة برفق على خصلاته هامسة في قلق: متخافش هما هنا، وهيكونوا بخير. ثم تساءلت في تذكر وهي تنظر له: معاذ هما خَدروك ولا إيه؟ أومأ معاذ برأسه تباعًا وهو ينتفض قائلاً: لازم نصحيهم، هحاول أفوق حمزة. توجه نظره لـ حمزة المسجى بجواره وراح يلطم على وجهه مناديًا حتى أفاق. وتناوب على البقية هو وخديجة حتى أفاقوا جميعًا.
تناهى لهم وقع أقدام قريبة فنهضت خديجة تاركة أروى جانبًا متوجها نحو الباب. ودنت بأذنها لترهف السمع فإذا بصوت رجل يأتيها قائلاً وعلى ما يبدو أنه يتحدث بالهاتف: أنا دي هعرفها إزاي يا بيه؟ صمت قليلًا بدا إنه يستمع للطرف الآخر، ثم ردد في ثبات: تمام يا بيه هي أصغرهم اسمها أروى، أبعت الصورة يا بيه واترك الباقي عليٌ وأنا هحل الموضوع ده. سكت لـ هنيهة ثم تابع: هستنى يا بيه لحد الصورة ما توصلني، سلام.
حدقت عينا خديجة في زهول وهي تغطي فمها بكفها في عدم استيعاب وتلقائيًا زاغ بصرها نحو أروى التي يظهر عليها التعب على سماتها. فطرفت بعينيها قليلًا قبل أن تتوجه لهم جالسة بجوارهم، فتساءل حمزة في ضيق وهو ينظر لـ خديجة: وبعدين هنعمل إيه؟ هنخرج من هنا إزاي؟
تبسمت خديجة وهي تغمض عينيها في صمت تام، تستحضر روحًا صدفة ألقاها لها القدر، لتكون له سببًا لهدايته، ويكون سببًا في نجاتها. ترحمت عليه وطيفًا يمر ملقيًا الأمل في فؤادها، لتفتح عينيها ناظرةً للصغار وهي تضم أروى التي بدا أنها تختنق وتتنفس بصعوبة وهمست: تعرفوا إني اتخطفت قبل كدا؟! تجلت الصدمة على وجوه الصغار، فبادر خالد متسائلًا في تعجب: بجد يا خديجة؟ أومأت خديجة قائلة: أيوه، اتخطفت وكنت وحدي بس مكنتش خايفة! عارفين ليه؟
تساءل الصغار جميعًا في صوتٍ واحد: ليه؟ تبسمت خديجة قائلة في هدوء: عشان كنت عارفة أن ربنا معايا وهينجيني. تساءل حمزة في رفق: ومخفتيش؟ خوفت طبعًا، مخافش إزاي؟! بس كان عندي أمل وحسن ظن في ربنا أنه هينجيني وحتى لو كان خلاص بيني وبين الموت خطوة كنت هثق أن ربنا هينجيني، ولو مت فـ ده نصيبي وكل نفسٍ ذائقة الموت، والروح أمانة ربنا متى شاء اخذها، وكمان كنت واثقة أن لمار هتنقذني.
تبسموا الصغار وصبوا جام اهتمامهم على خديجة وقد تبدد خوفهم وتربعوا في أريحية، وقال معاذ مقترحًا، ليتناسوا ما هم به: إيه رأيك تحكيلنا عن معاذ بن جبل، لأن اسمي على اسمه. أومأت خديجة مرحبة وقد راق لها اقتراحه، فبدأت تقص عليهم قائلة: معاذ بن جبل أعلم الناس بالحلال والحرام... قاطعها مالك في تساءل: حقًا هل كان يعلم الحلال والحرام جيدًا؟ أشملته خديجة بنبرة دافئة، وتنهدت في حبور متابعة في هيام متناسية ما هم فيهِ:
مُعاذ بن جبل؟ جبل من العلم هو ذاك الرجل إنه إمام العلماء يقدمهم يوم القيامة بدرجة، فـ عن عُمر _رضي الله عنه _قال: لو أدركت معاذًا، ثم وليته، ثم لقيت ربي، فقال: من استخلفت على أمة محمد؟ لقلت: سمعت نبيك وعبدك يقول: يأتي معاذ بن جبل بين يدي العلماء، برتوة. رددت خديجة بصرها فيهم مدركة: رتوة! أيّ بدرجة أو خطوة مسافة. ثم حدقت في الفراغ مرددة وقد شملتها البهجة، وأغدق عليها السكون، وغمرها الاشتياق، وقالت بنبرة تفيض حبًا:
وقال أيضًا عنه عمر _رضي الله عنه _"عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ". وقد كان من الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ عنه القرآن، فـ عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوا القرآن من أربعة: من مسعود وأبي، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة. وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نعم الرجل معاذ بن جبل".
وعن عاصم بن حميد السكوني أن معاذ بن جبل لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن خرج يوصيه، ومعاذ راكب، ورسول الله يمشي تحت راحلته. فلما فرغ قال: يا معاذ، إنك عسى ألا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك تمر بمسجدي هذا وقبري، فبكى معاذ خشعًا لفراق رسول الله. وقد كان رسولنا يحب معاذ وأعلمه بذلك. صاح "معاذ" مقاطعًا خديجة بعينين امتلأت تلألؤًا وغبطة: حقًا يا خديجة، أخبره الحبيب بأنه يحبه؟ أومأت خديجة في بسمة مشرقة
على وجهها المضيء وقالت: نعم، فـ عن معاذ قال: لقيني النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا معاذ والله إني لأحبك في الله. قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله وأنا والله أحبك. فقال له رسول الله: "أفلا أعلمك كلمات تقولهن دبر" أي بعد "كل صلاة: قُل اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". وعن ابن مسعود: إن معاذ بن جبل كان أمةً قانتًا لله حنيفًا، فقيل إن إبراهيم كان أمةً قانتًا لله حنيفًا، فقال ما نسيت هل تدري ما الأمة وما القانت؟
فقلت: الله أعلم، فقال: الأمة الذي يعلم الخير، والقانت المطيع لله عز وجل وللرسول، وكان معاذ بن جبل يعلم الناس الخير وكان مطيعًا لله عز وجل ورسوله. صمتت خديجة لوهلة مطرقة الرأس، مترقرقة الدمع في عينيها، ثمة حزن خيم على فؤادها، حزنٌ عظيم مفعم بالتعجب والعظمة، ألا وهو صبر معاذ على ابتلاءه. سُئلت ملك وهي تضع كفها على منكب خديجة جاذبة انتباهها مائلة نحوها تنظر إلى وجهها المطرق بأعين قلقة: خديجة!!
لماذا سكتِ ما بكِ أنتِ بخير؟ تنفست خديجة في عمق ورفعت رأسها نحوها تهزها مطمئنة إياها وقالت: الحديث عن معاذ لا يكفي لأيام وسنين، وكيف نكف عن أحاديث من أخبره حبيبه أنه يحبه، هنيئًا لمعاذ محبة الحبيب. وأما عن مرضه فأنه كان محبًا للبلاء، لما يعلم ما فيه من عظم الثواب ورضا رب العالمين.
فـ عن عبد الله بن رافع قال لما أصيب أبو عبيدة في طاعون عمواس استخلف على الناس معاذ بن جبل واشتد الوجع فقال الناس لمعاذ ادع الله أن يرفع عنا هذا الرجز فقال إنه ليس برجز ولكنه دعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم وشهادة يختص الله بها من يشاء من عباده منكم، أيها الناس أربع خلال من استطاع منكم أن لا يدركه شيء منها فلا يدركه شيء منها، قالوا وما هن قال يأتي زمان يظهر فيه الباطل ويصبح الرجل على دين ويمسي على آخر، ويقول الرجل والله لا أدري علام أنا؟
لا يعيش على بصيرة ولا يموت على بصيرة، ويعطى الرجل من المال مال الله على أن يتكلم بكلام الزور الذي يسخط الله، اللهم آت آل معاذ نصيبهم الأوفى من هذه الرحمة، فطعن ابناه فقال: كيف تجدانكما؟ قالا: يا أبانا {الحق من ربك فلا تكونن من الممترين} قال: وأنا ستجداني إن شاء الله من الصابرين، ثم طعنت امرأتاه فهلكتا وطعن هو في إبهامه فجعل يقبلها، ويقول: اللهم إنها صغيرة فبارك فيها فإنك تبارك في الصغيرة حتى هلك. رددت خديجة بصرها
فيهم وقالت منتهية الحديث: كفاية كدا خلونا نفكر هنعمل إيه، وبإذن الله لو لينا عمر هكملكم قصة معاذ وهحكيلكم زهده وروعة عن الدنيا. قطب حمزة بضيق وقال: لا يا خديجة كملي. فكرت خديجة قليلاً ثم تبسمت قائلة:
طيب، لقد جاء في كتاب صفة الصفوة لابن الجوزي أن معاذ بن جبل لما حضره الموت دعا "اللهم إني قد كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، إنك لتعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر". وقد قال أيضًا: "مرحبًا بالموت حبيب جاء على فاقة". تنفست خديجة مغلقة العينين وهمهمت غارقة في بحر الحنين، لربما بذكراهما ترتوي اشتياقها لهم:
بذكراهم تطيب القلوب، وتحلق في سماء السكينة، وتحيا في رحاب الرسول، عسى الحنين أن يروى من ينبوع أريجهم.
بعينين مشخصتين بسقف الغرفة كانت ترقد وعد على الفراش، بذراعان مسترخيان بجوارها فاقدان الحركة، وقدمين عاجزتين ممدتين، وروحًا تستشعر أنها تنسحب من مكمنها رويدًا رويدًا، لا تقوى على الصراخ، ولا أن تستغيثُ بأحد كأن لسانها قد عقد، وما تبقي منها إلا عينان مفتوحتان، ونفسٌ يدخل ويخرج من رئتيها، أما جسدها فـ سلامًا عليه تحت الثرى مأسورًا.
وفي إحدى أركان الغرفة، ساجدٌ رحيم للرحمن يناجيه بفؤادٍ مكلومٍ جار عليه الزمن ودُهس، يبكي كـ طفل صغير فقد وطنه، وصوت نشيجه يمزق القلوب الحية لتندثر تحت التراب، وخاطب الرحمن بصوتٍ يملؤه الرجاء، يناديه بكل ذرة حب بداخله، أن يعيدها إليه، أن يعرف ما بها. لقد أكد الأطباء أنها سليمة لا يوجد علة بها بتاتًا، ريشةٌ هو تتقاذفها الأطباء بما يحلو لهم فكل طبيب يشخصها بما يشاء، تائهًا هو ولا غير الله يهدي له السبيل وينجيها، هو المستغيث من كل كربٍ وبليّة، لن يتركها هكذا سيفعل كل ما بوسعه حتمًا.
فرغ من صلاته، ولم يبرح مكانه وكأن مصلاه منبعًا لراحة قلبه المكلوم، وترميمًا لروحه المشيعة بجوار زوجته، ألقى نظرةٌ إليها وأغمض عينيه بقوة، لا يريد رؤيتها هكذا جثة فقط لا حياة بها، ورفع كفيه مناجيًا الرحمن ألا بذكره تنجلي الهموم مهما عظمت؟ ويحيّ الأفئدة علها تحيا، بلى هو كذلك، فـ الرحمن لا يرد راجيًا. الرحيم يسمع ويعلم ويرى وسيُداويه، وسيستجيب له ويكشف ما بها من ضر، ليصبر فقط وينتظر فرج الرحمن وعوضه الذي لا نظير له.
فاق من مناجاته على عاصم الذي ارتمى في حضنه هامسًا بنبرة باكية: هي ماما زعلانة مني يا بابا؟ هي مش هتكلمني تاني؟ طب أنا عملت إيه؟ ضمه رحيم إلى صدره وران على قلبه الوجع، وأغمض عينيه كلا تهطل دموعه، وقال في صوتٍ ضعيف: لا يا حبيبي ماما بتحبك وبتحبك أوي كمان فوق ما تتخيل، وأنت كل حاجة عندها. ثم قال مستدركًا متذكرًا: مش ماما مكنتش بتنام إلا وأنت جنبها؟ وكمان لما بتتعب تفضل سهرانة جنبك؟ وبتتألم لألمك؟
صب الصغير جام تركيزه في حديث والده وأومأ برأسه مؤكدًا، ليتابع رحيم وعيناه تلقائيًا تتحول إلى جسد وعد: ماما دلوقتي تعبانة، تعبانة أوي، ادعيلها وخليك جنبها زي هي ما كانت بتعمل لما أنت بتتعب، وقريب أوي هتخف وترجع لك. مسح رحيم على خصلات ابنه الذي ضمه وهو يقول: حاضر يا بابا، هفضل جنبها عشان تخف بسرعة وتقوم تلعب معايا وتجهزني للمدرسة وتأكلني بأيدها وتعلمني إزاي أدافع عن نفسي. أكد رحيم وهو يقبل رأسه:
هتقوم بإذن الله وهتعملك كل اللي أنت عاوزه. تم رصد المكان الذي خُطف فيهِ الصغار. أُرسلت لمار قوة في قيادة ياسين وعثمان، وبقيت هي في المكتب تنتظر ما سيحدث وما سيتم، وما سيترتب على كل ذلك؟ تكاد تجن من يكن لها كل هذا البغض؟ من مرسل الرسالة، وعلى ما ينوي؟
يا ليته أمامها، أو تعرفه أو له أثر، حتى الرقم الذي أُرسل به الرسالة استعلمت عنه دون جدوى. هي الآن وسط حريقٌ لا تدري كيف النجاة منه، وكيف اندلع من الأساس، وتخشى أن يأتي هذا الإعصار فيكتسح كل شيء ويطمسه طمسًا، ولا تدري ممن وكيف ومتى ستأتيها الطعنة. أخبرها ياسين بمضمون محادثة هذا المجهول، فاستبانت أن ذاك المجهول يريد الانتقام وبالتحديد من ابنتها سجى وياسين ومنها، وعلى ما يبدو أنه على دراية بها وهي أيضًا. سُفّر أنه عدوٌ قديم تعرفه عز المعرفة، هذا ما استنتجته من حديثه المبهم.
تنهدت وهي تتقلب في الحيرة، ورجعت بظهرها لظهر المقعد مسندة رأسها تنظر للسقف في شرود تفكير جم يلتهمها التهامًا. وصل ياسين قريبًا من المخزن الذي احتجزت فيه الأطفال. أقترب ليفحص في نظرة سريعة ثغرات المكان ومخارجه، وعاد للقوة مجددًا معطيًا لهم إشارة في تعقبه بعدما أوصاهم وشجعهم ببعض الكلمات والتحذيرات.
رفع ياسين مسدسه وتحرك بحذر وجميع الجنود من خلفه يسيرون على نفس النهج من الحرص والحذر، يترصد لأي حركة مفاجئة من العدو. استمر سير القوات المسلحة على حذر تام، حتى وقفوا في كلا الجانبين من باب المصنع فئة برفقة ياسين والأخرى عثمان. أشار لهم بالتوقف وخبئ السلاح خلف ظهره، وإذا به يقف أمام الباب طارقًا عليه. ما هي إلا دقائق وكان يُفتح وقبل أن يلفظ الرجل بكلمة، كانت رصاصة ياسين تخترق جسده ليقع جثة هامدة. أشار بيده على الهجوم فأندفع سيل الرجال للداخل كان صوت إطلاق النار يصم الآذان، كـ حربٌ اندلعت تحرق كل ما يقابلها، نشبت الحريق ولا يمكن إطفاؤها ألبتة.
اندفع ياسين يبحث عن الصغار بقلبٍ يكاد يخرج من مكمنه رعبًا، يطلق دون تأني على من يقابله فيصيبه قتيلًا، ويسقط على أثرها جثة هامدة. آنذاك كان باقي الجنود أنهموا على من تبقى من الرجال، صُدم ياسين إذ لم يجد أي أثر لصغاره، ولكن وجد شيئًا آخر. أقترب عثمان منه مهدئًا إياه وهو يقول في جمود: ياسين المجرم دا طالبك بالاسم، عشان كدا محدش قرب منه...
حملق ياسين في الرجل وقد اشتعل أتون النار في قلبه أنقض عليه يهيل له اللكمات دون رحمة، وهو يصرخ في جنون: العيال فين انطق، وربنا ما هرحمك.... أبعده عثمان عنه في صعوبة، وهو يقول: يا ياسين سيبه شوف الأول هيقول إيه، العيال في أيديهم دلوقتي ممكن يعملوا فيهم أي حاجة. ابتعد ياسين عنه، موليًا ظهره للجميع يلتقط أنفاسه اللاهثة، يمسح براحته رأسه نازلًا بها إلى وجهه، ثم التفت له قائلاً: العيال فين؟
نهض الشاب في تثاقل وهو يأخذ أنفاسه بصعوبة التي على شفا التلاشي، ثم أخرج من جيبه ورقة مطوية مد يده بها له، تناولها ياسين في حيرة وتعلقت كل الأنظار فيه بترقب كان على وشك قراءتها حينما دوى صوت إطلاق النار، ليرفع ياسين رأسه محلقًا في صدمة للشاب الذي أهداه الورقة جثة هامدة على الأرض إذ أطلق الرصاص على نفسه مصيبًا رأسه. أعاد ياسين النظر إلى الورقة، وانتقلت عيناه بين حروفها التي كادت أن تصيبه بالشلل فقد كان فحواها: "ماذا؟!
هل فكرت أني لن أعلم بأجهزة المراقبة في حوزة الصغار!؟ غبي يا ياسين لقد فاق عقلي توقعك يا بن الشرقاوي، يؤسفني أنك لم تجد شيئًا، ولن تجد يا هذا إلى اللقاء، ولكن لا تقلق ربما عما قريب يرق قلبي لأعيدهم من يدري وربما لأ أيضًا." جز ياسين على أسنانه وهو يكور قبضة يده على الورقة، ليأخذها منه عثمان قارئًا ما بها في غضب، ولم يلبثوا إذ غادروا.
في مكانٍ آخر بالتحديد خارج مصر في تركيا، لم يكن الأمر عاديًا. منزلاً كبير لا تدري بدايته من نهايته، ذات أساس فخم، وألوان هادئة، حديقة رائعة منتشرة بها أزهار شتى، تحيي ألوانها الأفئدة وتبدد ظلمتها، محاط بأسوار عظيم شامخ، ورجالٌ جمة تنتشر خارجة وداخلة برشاشات في أيديهم، من يراهم يدب الرعب بأوصاله، ولظن أن الحرب ستقوم لا محالة. في الردهة كان يجلس في هيبة حوله الرجال في انتظار إشارة منه وأمامه يجلس آخر منكمشًا في نفسه، يُكاد يشيب من فرط خوفه ومع ذلك يبدو ثابتًا. تحدث الرجل وهو
يجلس على مقعده في رزانة: لقد تم ما أردته وأكثر! الآن ستدلني بكل المعلومات عن مصر. مال للأمام مشيرًا له في تحذير عينيه تبث الرعب في الوجدان: ولا تنسى أنا فقدت عملت ذلك من أجل ما فعله المرحوم والدك معي وإذ فعلت ما لا يروق ليّ أنتَ أعلم ما سأفعله. ارتعد جسده لا إراديًا تذكر حينما جاء لأول مرة، لقد رأى ما جعله يود لو تنشق الأرض وتبتلعه قبل أن يطأ بقدميه في هذا الجحيم.
كان يدخل من البوابة الحديدية برفقة الرجال وإذا به يقف مصدومًا حينما رأى شابًا في عمر العشرين في لمحة عين يخرج نصلًا حادًا ويلقيه باحترافية وعن بعد في عنق إحدى الرجال لتفصل رأسه عن جسده، وتبسم الشاب الذي تناثرت الدماء عليه وهو يقبل نحوه ملتقطًا نصله الحاد من الأرض، وقال مرحبًا: أوه هذه أول مرة يشرفنا فيها مصري في بيتنا. أذرد لعابه في خوف، هل هذا حقًا قد ذبح إنسانًا توًا؟ ما باله يتبسم بارتياح وكأن شيئًا لم يكن.
فاق من شروده في الجثمان المُجَسّى أرضًا على صوت الشاب الذي قال وكأنه قرأ ما يفكر به: يا رفيق لا تشغل بالك كان يستحق ذلك. استدار برأسه للجثمان، وقال في صوتٍ كالفحيح: هذا جزء الخائن، لقد وثقت به وطعنني لذلك أخذت حقي. عاد ببصره له مرة أخرى مصافحًا إياه في بسمةٍ متسعة: أراس جومالي يا هذا، وأنت؟ فاق من شروده على صوت أراس المقبل ملثمًا كف والده جومالي في احترام جم: لا تنسى يا هذا لولا أن حذرتك بشارة الترقب لم تكن لتنجح.
أنهى جملته وهو يلقي بنفسه على الأريكة فارداً ذراعيه على ظهرها في استرخاء، ليومأ الرجل المصري تباعًا في خوف: أجل، أجل لولاك لما كانت خطتي نجحت. هُنا وصاح السيد جومالي في حسم وهو ينهض: انتهى النقاش عليَّ المغادرة، سيصلك اسمك الجديد ويوم عميلتك حينما يحين الأمر، تفضل. أشار له بكفه لينصرف، فوقف ولا يكاد يصدق، كشخص قد تم نجاته من الشنق أنفًا، هرول مسرعًا. ليلتفت أراس إلى والده وهو يدلك رقبته قائلًا:
هذا الرجل لا يروق ليّ، لماذا تفعل عداوة مع مصر نحن لا نريد ذلك، ألا يكفي ما نحن فيه؟ تحدث والده في برود وهو يغادر: أنا أفعل ما شئت يا بُني، ليس لك شأن في هذا. تنهد أراس وهو يميل للأمام واضعًا وجهه بين كفيه في هم: وما الذي ليّ شأن فيه يا أبي، حياتي وقد أنهيتها حينما أدخلتني في هذا العالم الذي كُنت مجبورًا عليه قسرًا، لقد جعلت أخي يتركنا ويرحل ماذا تريد أن تفعل بنا أكثر من ذلك، سامحك الله.
تنهد في ألم وهو يلتفت لمن هتف له محادثًا إياه وهو ينحني مقدمًا له الحاسوب: سيدي … كل ما طلبته قد نُفذ، وأتضح أنه يخطف صغار بينهما فتاة تكبرهم سنًا، كما أنهم أحفاد لمار. نظر له أراس في تعجب ودهشة، فـ أومأ الشاب بعينيه متابعًا: لمار الشرقاوي أكيد تعلم من تكون؟!
جذب أراس منه الحاسوب وهو ينهض منصرفًا دون كلمة، مرتقيًا الدرج شبه راكضًا، ليقطع الرواق في خطوات سريعة، حتى ولج إلى غرفته جالسًا على فراشه، مربعًا قدمه اليسرى أسفله والأخرى متدلية. ونقر عدة نقرات على الحاسوب قبل أن تظهر له صورة خديجة والصغار من حولها يكادوا يلتصقون بها على قدميها أروى الشبه متغيبة، تمسح على رأسها في حنو، وفي صوتٍ رخيم يسلب الألباب كانت تتلو خديجة آيات القرآن الكريم، فاستمرت عيناه عليها، لم يشعر بدمعه
الذي انساب لا إراديًا يهوي هويًا إلى وجنته، وخفق قلبه متأثرًا، وقد فعل صوته المرتل الأفاعيل في نفسه، رويدًا رويدًا لم يشعر بنحيبه الذي علا. وفي حركة سريعة كان يغلق الحاسوب في عنف، ملقيًا إياه عرض الحائط ليقع متناثرة شظاياه، وازاح دمعته بقوة وهو يتنفس في سرعة وكأن ثمة وحشًا يلاحقه، عيناها التي لم يرَ غيرهما لم تبرح مخيلته، صوته قد بث الراحة لفؤاده لدقائق، هل بكى؟
أحقًا بكى؟ هل لشيطان مثله أن يبكي؟ هل رق قلبه لوهلة؟ ألا يذبح ويقتل ويفعل ما لا يخطر بقلب بشر أن يبكي لسماعه القرآن؟ مجرم مثله فقد قلبه الرحمة وانتزعت لا يحق له ذلك!
كان ما زال على حاله، الدقائق تمر دون أن يشعر بها، كأنه في عالم آخر، عيناه تأبى أن تنزل دمعها الذي يترقرق بها، قد تقرحت عيناه، وقر صوتها المرتل بالقرآن في قلبه، لا يشعر بأنفاسه التي تخرج في صعوبة وسرعة وكأنه في سباق، وما بين كل ذلك على حين غرة شقت بسمة خبيثة محياه، لينهض مغادرًا الغرفة، نازلًا للطابق السفلي في تعجل، خارجًا من المنزل، متوجهًا صوب مجموعة من الرجال، وقبل أن يصل إليهم كان أحدهم يقترب منه شبه راكضًا، هامسًا في تلعثم
من نظرة الغضب بعينيه: أراس أنت بخير؟ لم يجيب على سؤاله وإنما قال في نبرة حادة لا تخلو من الهدوء: نجيب … أرسل رسالة إلى المخابرات المصرية بعنوان الصغار. عقد "نجيب" حاجبيه في تعجب، وما هم بتحريك شفتيه حتى قاطعه "أراس" قائلًا وهو يوليه ظهره مغادرًا: أفعل ما أخبرتك به، وأياك أن يعلم أحد بهذا! عاد للمنزل مجددًا آخذًا معطفه مرتديًا إياه وهو يخرج من المنزل، ليتبعه رجلان ما أن شعر بهم حتى زفر في ملل ووقف قائلًا لهم:
لا أحد يأتي ورائي! طأطأ الرجلان رأسهما في صمت، فتنفس في ضيق وهو يسير في سرعة وهم خلفه، لاحظ خلو الطرق من المارة، ليحادثهم بعينين تدور في ذهول للطريق الخالي: أين الجميع يا بُني؟ لماذا لا أرى أحد؟! نظر الرجلان لبعضهما قبل أن يجيب أحدهما: ثمة مباراة اليوم ولا بد أن الجميع هناك يا أخي.
تبسم "أراس" باتساع وأستمتاع وهو يغير طريقه نحو ساحة المباراة، وجد بالفعل جميع الرجال هناك شبابًا وكبارًا، ما أن أبصروه حتى وقف الجميع مفسحون له الطريق، ومنهم من اقترب مصافحًا إياه في حماس خلع معطفه ليضعه جانبًا وانضم لإحدى الفرق من الشباب، وازداد لهيب الحماسة في وجوده، صياح عال وقهقهات عالية دارت، كان يريد أن ينسى لو قليلًا ما يمر به، ولكن حتى أن تناسى لبعض الوقت فهو سيعود مجددًا لتلك الحياة التي يبغضها، لا محالة للفرار من هذا الطريق، لقد وقع فيه ولا يمكن أن يخرج، تلك الحفرة عميقة للغاية وقد التهمته التهامًا هو هالك لا محالة لا يوجد نجاة مهما طال عمره.
وصل للمار رسالة بمكان الصغار، كان مضمون الرسالة مبهم، من يساعدها وكيف على علم بكل ذلك. لم يكن ثمة وقت لتشغل بالها بمثل هذه الأفكار، كان عليها أن تنقذ الصغار، وستعود للتفكير على مهل فيما بعد. أرسلت قوة مرة أخرى برفقة ياسين وعثمان، ولكن تلك المرة كان المكان بعيدًا جدًا بالتحديد في الجبل. جلس الصغار مفترشون الأرض في إحدى الكهوف، كان قد حل الليل، لم يدروا كم الوقت، ينتظرون ما سيحل عليهم من هؤلاء المجرمين، لا يدروا لماذا
نقلوهم إلى هذا المكان المخيف. كان يغشاهم الصمت، أما إذا زاد الخوف بفؤاد خديجة أسرعت لمناجاة ربها تتلو ما حفظت من القرآن ليؤنسهم، حتى اخترق سمعهم صوت إطلاق النار فنهضوا في خوف جميعًا، وعلى عجل كانت تضمهم كـ الحصن المنيع، عيناها متعلقة على مدخل الدخول، ربما كان الموت قريبًا. صراخ الصغار كان ممزوج بصوت إطلاق النار الذي كان كـ وابل من المطر، وبغتةً دخول أحد الرجال مسلحًا لتبتعد خديجة بالصغار للخلف حتى التصقوا بالجدار.
انطلق الرجل صوب خديجة يود انتشال أروى من بين يديها ألا أنها احتضنتها بكل قوتها صارخة فيه أن يبتعد. دلف ياسين ليبصر الأمر وأطلق رصاصة أصابت قدم الرجل، فركض الصغار ناحية ياسين بينما جذب الرجل ملك، وألقى السلاح من يده واستل نصلًا من جيبه، مبتسمًا في نبرة متهمة قائلًا وهو يضغط بالسكين على
عنق ملك التي تبكي في خوف: سيب السلاح من أيدك ولا هقتلها. أومأ ياسين وقد بلغ الخوف ذروته في قلبه، بدأ ينزل في حذر ليترك السلاح أرضًا بينما يمناه يرفعها في وجه الرجل كأنه هكذا يمنعه عن أذيتها. تمتم ياسين في تمهل: سيبها أنا سبت السلاح، هتكسب إيه دي طفلة؟! سيبها وأوعدك هساعدك تاخد حكم مخفف.
نظر في عين ملك التي ترجوه بنظراتها أن ينقذها، في حين تسلل حمزة في حذر أثناء انشغال الرجل مع ياسين، وسار خلفه وباغته في ضربة في قدمه أدت إلى تقهقر لا إراديًا كان السكين يسبب جرحًا عميقًا في عنق ملك. أسرع ياسين إليه ممسكًا بذراعه يهيل إليه اللكمات والضرب المبرح، لتسقط ملك أثر ذلك من على ذراع الرجل على وجهها تسبب في شج جبينها، لتشهق خديجة في فزع واضعة يمينها على شفتيها وعيناها معلقة على نظر ملك التي غابت عن الوعي، في حين ظلت أروى تتشنج وتصرخ حينما رأت الدماء تسيل من ملك. بالخارج تم القبض على الرجال ليكتشف عثمان نفق تحت الأرض ممتلئ بالسلاح، بسبب مداهمة الشرطة على غفلة من أمرهم لم تسنح لهم فرصة فرار أو مواراة شيئًا.
ما قد يصيب مالك؟ من ذاك المجهول المصري؟ وما عداوته معهم؟ لماذا يريد أذية ياسين بالتحديد؟ لماذا ساعدهم أراس وما الفائدة من ذلك؟ انتظروا أحداث نار قادمة من جحر الشيطان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!