الفصل 5 | من 39 فصل

رواية جحر الشيطان الفصل الخامس 5 - بقلم ندي ممدوح

المشاهدات
26
كلمة
6,220
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

ما زال للعشق بقية قلة الثقة بذرة تنبت بين ثنايا القلب فتفتته، وتهدم كل حب ينمو بالفؤاد، فلا تكن فريسة له، فتخسر حياتك وتعيش فقط تتنفس. وقف حذيفة على باب غرفته مصدومًا حينما وقع بصره على أسماء الباكية، هالُه بكاءها الذي شطر قلبه لإشلاء، هرع إليها مزعورًا، جالسًا على ركبتيه أمامها، متسائلًا بقلق وهو يزيح كفيها عن وجهها: -أسماء. مالك يا حبيبتي فيكِ إيه؟ بتعيطي ليه؟

كأن خنجرًا يطعن فؤادها دون رحمة، وميضٌ أليم يطوف في خلدها وهو يقف مع إسراء، كم من مرة رأته يُحادثها بعيدًا، يتبسم ويضحك لها وهي النار تغلي في قلبها المتلظي، عاد ليخونها؟ مجددًا يخسر ثقتها يشق قلبها دون أدنى ذرة رحمة؟ لا جرم تلك المرة أمر حيثُ زلت تلك الغصة عالقة في جوفها بمرارٍ كـ الحنظل. ضاق صدره من بكاءها، واعتقد إنها تبكي لحال وعد وعائشة، فإذا بهِ يسرق بسمةٌ من آلامه مُرددًا بخفوت مواريًا به وجعه لحالهم:

-هيبقوا بخير والله يا أسماء، ربنا موجود يا حبيبتي، ولا يكلف نفسًا إلا وسعها، ربنا له حكمة في ذلك، ولو مكنوش قد اختباره مكنش اختارهم، خليكِ قوية عشانهم لو ضعفتِ مين هيسندهم لو وقعوا؟ تبسمت في نفسها ساخرة وحادثت ذاتها في تهكم: "هل يشعر بمن حولها إلا هي؟ هي القريبة الساكنة قلبه لا يشعر بنار الغيرة التي تتأجج بروحها، أو ربما لم تعد كذلك، طفح الكيل منه لن تصمت مجددًا ولن تبقى مع خائن مثله، ليس جديرًا بالثقة".

أبعدت كفيه، وهبت واقفة تجأر بصوتها الجريح بمرار: -أنت إيه إزاي كده، وثقت فيك أكتر من نفسي وحبيتك وأدتك عمري كله، ليه تخون ثقتي فيك؟ وقدام عيني أنت إزاي كده. حدق بها مزهولًا ونهض في تقاثل، لا يدري عن أي خيانة تتحدث؟! هل أصابها الجنون أيضًا؟ تمتم متعجبًا في نبرة مندهشة وهو يؤشر على نفسه: -أنا.. أنا خونتك؟! أنتِ اتجننتِ ولا بتقولي أي؟ إندفعت نحوه تضربه في صدره بقبضتيها الضعيفتين، تُردد في بكاء أدمى قلبه: -كمان بتكدب؟!

أنا شفتك بعيني يا خاين وإنت مع إسراء، يا ترى حبيتها؟ ولا حصل بينكم أي؟ هوى على وجهها بلطمة قوية دفعتها للخلف وهو يهدر مردفًا: -اسكتِ بقا إنتِ بتقولي إيه؟ نظرت له نظرة أضنت فؤاده ألمًا على فعلته، وضعت كفها مكان كفه الذي ألمها بشدة لتقول بمرارة:

-أنا كرهتك يا حذيفة، كرهتك أوووي، مبقتش طايقة أشوفك، يوم ما اتجوزتك فكرتك إنك اتغيرت لكن لأ.. كنت غلطانة اللي فيه عادة مش بيبطلها أبدًا، طلقني وعيش حياتك مع دي ودي وكلم وخرج واعمل كل اللي يريح لكن أنا مش هقدر أكمل معاك. جحظت عيناه لا يستوعب ما تتفوه به، يقسم إنها جُنت، زاد وجع قلبه يدك دكًا يؤلم صدره، طلاق؟! هل حقًا تود الأنفصال؟ كيف لها أن تفصل روحًا عن جسدها؟

لقد تغاضى عن كل فعلها الذي كان لا يروقه، تفتيشها في هاتفه وملابسه ومراقبتها له وهو في عمله، تغاضى عن كل شيء، لماذا لا تصدق إنه تغير ليس لأجلها فقط بل للرحمن أيضًا، لقد أنار دربه ليسير على نور الإيمان دون أعوجاج فلماذا تزحزحه؟ كان صدره يعلو ويهبط منفعلًا ليردد بصوت لا حياة فيه: -بتقولي إيه؟! طلاق إيه؟ استهدي بالله وبلاش شيطانك يسوقك!

أنا اكتفيت والله اكتفيت، كم مرة شوفت نظرة الشك في عينيكِ وتفتيشك في تلفوني ومراقبتك، كل ده تغاضيت عنه عشان بحبك وفي الآخر بتتهميني بـ إيه؟ ضحكت في تهكم مغمغمة: -بتهمك؟! لأ مش بتهم، أنا شفت بعيني إنت إزاي بتكلمها بعيد عن الكل، إزاي بتبصلها وإزاي الفترة دي بقيت بعيد. صاح فيها وهو يهزها في عنف ربما تفوق: -مشغول إيه؟! ونظرات إيه وكلام فارغ، أنتِ عارفة نفسك بتقولي إيه؟! صرخت فيه في عنف وهي تنفض كفيه بحدة عنها:

-سيبني كدا ولو عندك كرامة طلقني مش هعيش مع خاين. رمقها بحدة وجأر بصوته دون وعي: -هعمل اللي يريحك، طلاق! هطلقك.. بس مش قبل ما أشوف الندم والحسرة في عينيكِ. رن صمت مفاجأ يقطعه شهقات الصغار الذين يقفون عن بُعد يشاهدون ما يحدث بخوف، تضم ملك مالك وهي ترتجف وهو يبكي في صمت ويحاول تهدئتها. ما الذي أدى بهم إلى هذا الحال؟

ذرة شك وسوء فهم قد تهدم أرسخ العلاقات وأقواها دون رحمة، إذ يكمن السر بأنها تستولي على صاحبها فتغشى عيناه وقلبه عن كل الحقائق. خرج حذيفة مسترقًا نظرة على صغاره في الم وغادر صافقًا الباب خلفه.

في حين انفجرت أسماء باكية منهارة على الفراش تبكي بلوعة، تتذكر لحظاتهم سويًا، لا تنكر إنها دائمًا كانت تشك فيه، لا ريب ما زال الماضي كامنًا في فؤادها، والخوف أن قد يكون عاد لما كان يفعله سابقًا، كفكفت دمعها حينما أحست بأكف صغارها تحاوطها فضمتهم لصدرها، كأنها تختبئ من حزنها فيهما ربما يولى؟ ولكنه بالطبع يعرف الطريق لقلبها. ***

جلست إسراء بجوار سجى بعد ذهاب ياسين على إحدى الأرائك في الصالون، مطرقة في خزى، تقسم إنه لولا حذيفة لكانت الآن تفعل ما تسول إليها شيطانها، ولكن الحمد لله بعث الله لها نورًا يضيء ظلمة قلبها الحالكة، مهما كان يأسك، ومهما زاد الظلام حولك وغلف قلبك، ثمة بصيص نور حتمًا في آخر الطريق، تابع سيرك توجه له ولا تهمك عثرات الطريق، انهض وعافر حتى تصل، وكن حذرًا من أن تخطو بقدمك إلى جب قاع الظلام فتغرق ولا تجد ضياءك.

تأملتها إسراء قليلًا بأعين دامعة، لا تدرك كيف حقَدت على أختها الحبيبة، جذبها من شرودها صوت سجى الرقيق، تقول: -إسراء، مالك يا حبيبتي؟ في حد مضايقك هنا؟ أسندت إسراء رأسها على كتفها وهمست في حزن: -سامحيني يا سجى. لم تعِ على ما تسامحها فعقدت حاجبيها في حيرة متسائلة وهي تضم كتفها إليها في حنو: -أسامحك! أسامحك على إيه؟ ضمتها إسراء بقوة وقالت في صوت مكتوم من البكاء: -زين وحشني أوي يا سجى!

على ذكر اسمه الحبيب طافت ذكرياته قائمة من مخدعها، وصدى صوته يرن في أذنيها لتنهمر باكية، هي لن تنساه، وكيف تنساه وهو بين ثنايا القلب يحيا، وذكرياته تواسيها، نحن لا ننسى الموتى، نعم يغيبون ويرحلون عن دنيانا لا نبكي الميت لموته، إنما نبكي غيابه عنا! ظل على حالهما لبعض الوقت تعانقهما الذكريات أيضًا، حتى غمغمت إسراء بما صعق سجى: -أنا لازم أسافر تاني هدير الشركة بنفسي لحد ما عائشة تخف وترجع زي الأول. ابتعدت

سجى عنها صائحة في استنكار: -مستحيل طبعًا مش هتسافري. صمتت إسراء قليلًا تستجمع كلماتها، لا ريب أن فراقها مؤلم أيضًا، فهي كانت تهون عليها رحيل أخيها، ولكن لا بد لها أن ترحل ستربط على قلبها بشدة، لن تسمح لشيطانها أن يستولي عليها مرة أخرى، لذا اغتصبت بسمة حزينة على وجهها وهي تضم كف سجى هامسة في إصرار لتقنعها:

-سجى افهميني أنا لازم أكمل اللي بدأه زين مش هسيب كل اللي بناه يتهدم دا شغله وتعبُه لازم كل حاجة تفضل كأنه موجود، زين كان سندي وظهري عمره ما رفضلي طلب، فأنا مش هتخلى عن شركته اللي خدت سنين عمره عشان توصل للمستوى ده أنا لازم أسافر لأن الشركة لوحدها. طال الحديث ما بين رفض ومحاولة إقناع دامت طويلًا حتى انتهى بهم الحال بموافقة سجى على مضض. ***

في صباح اليوم التالي، كانت قد عزمت أمرها للسفر في مساء هذا اليوم، لذا جهزت كل شيء وحزمت حقيبتها، لا ريب يتألم فؤادها لفراق نصفها الآخر، لكن لا بد أن تبتعد هذا ليس مكانها، ستكمل ما بدأه أخيها حتى النهاية، خرجت من غرفتها وعلى وجهها بسمةٌ مشرقة، ملقية السلام على ياسين الذي رد بهدوء وهو يغض بصره، فجلست مقابل له وتنحنحت بحرج قائلة في استحياء: -ياسين، أنا إن شاء الله هسافر النهارده....

رمقه ياسين مزهولًا وبادر قائلًا في لهفة خوفًا أن تسافر فتعود سجى لوحدتها: -تسافري ليه؟ حد ضايقك هنا؟! خليكِ عشان سجى! تبسمت إسراء وهي تفرك كفيها ببعضهما بتوتر، واردفت في تنهيدة عميقة: -أنا تكلمت معاها متقلقش وبعدين مش هغيب كل شوية هنزل عشانها وعشان دارين دول اللي متبقيين لي في الحياة من بعد زين، بس كنت عاوزة أوصيك تخلي بالك منهم. زفر ياسين بضيق مغمغمًا:

-طب إيه لزمة السفر ما تقعدي معانا واهتمي بيهم وكمان متبقيش وحدك أخوكِ مأمني عليكِ. لاحت له بسمة حزينة طافت على شفتيها، وقالت: -أنا خلاص بقيت وحيدة، بس ربنا عوضني بيكم. ثم استأنفت حديثها بجدية وهي تميل للأمام: -ياسين، الشركة واقفة من موت زين أنا لازم أرجعها زي ما كانت وأحسن كمان. قاطعها ياسين متسائلًا في حيرة: -طب أنتِ هتقدري؟ ردت إسراء بإيماءة خفيفة مؤكدة: -هقدر طبعًا زين الله يرحمه كان معلمني كل حاجة تخص الشغل.

غشاهما السكون لدقائق قاطعه ياسين قائلًا في استسلام: -اللي يريحك طبعًا اعمليه مقدرش أمنعك، بس اتأكدي إن وقت ما تحتاجيني هكون جنبك في أي وقت، اعتبريني أخوكِ زين. تبسمت في امتنان وهي تنهض قائلة: -ربنا يبارك في عمرك يا ياسين، أنت فعلًا بقيت أخويا وتأكد إن يوم ما هقع في مشكلة هلجألك وأنا واثقة تمام الثقة إنك مش هتخذلني، هروح أشوف دارين بعد إذنك. أشار لها ياسين برزانة: -اتفضلِ. زاع بصره في الفراغ هامسًا في شرود مُغلف

بالألم: -فراق الأحبة صعب جدًا وألمه لا يزول يبقى أثره راسخًا بين ثنايا الفؤاد، ولا يكف عن أوجاعنا، نحنُ فقط نعتاده فنتابع حياتنا كما كانت محاولةً منا أن نتخطاه قليلًا، نضحك لنواري دموعنا الحبيسة فيظنوا إنها دموع فرح، نتحدث ونمزح حتى لا نتفوه بما يوجعنا. هذا هو حال الفقيد. توجهت إسراء لترى ابنة أخيها وحملتها إلى صدرها في شدة، وتوجهت للأسفل تاركة ياسين وسجى بمفردهما.

وقف ياسين على أعتاب الغرفة رامقًا سجى بحزن، تحزن هي ولا تدري بقلبه الذي يتمزق أن رآها هكذا، يا ليتها تعلم، يا ليت. لا سيما يشعر بها، بما ألم بها، لقد فقدت شخصًا لطالما اعتبرته أخيها وقد قضت معه جل حياتها، وها سترحل من كانت أختًا لها. دنا منها بتؤدة وجلس على طرف الفراش، لتقول سجى فجأة: -ياسين عايزة أبقى لوحدي.

مال ياسين على جنبه ماسحًا برفق على رأسها المسندة إلى الوسادة تعتقد أنه هكذا لا يرى دموعها التي تحرقه حرقًا، تنهد بألم، وقال بعد برهة صمت: -ومن امتى وأنا بسيبك تبقي لوحدك، ما وحدتك وحدتي. ممكن أفهم مالك؟ إنسابت دموعها في صمت وهمست بخفوت بصوت يكاد يُسمع: -إسراء هتسافر يا ياسين، زين راح وهي هتبعد!

إنت متعرفش أنا وهي مكناش بنفارق بعض أبدًا، إسراء كانت ظلي دائمًا، كانت النور اللي بشوف فيه، الأيد اللي دايمًا سنداني و واخده بأيدي في الطريق، كانت الونس في الوحدة، كانت نور ظلامي يا ياسين. كان على شفا جرفٍ هار من الانهيار، فـ انهار قلبه أثر كلماتها، سحبها لحضنه برفق، يمسح على رأسها يُهدئها، وقال مهونًا: -يا حبيبتي هي مش هتبعد، وبعدين ياستي كلميها كل يوم واطمني عليها. احتجت قائلة وهي تبتعد عن حضنه:

-الغربة وحشة يا ياسين من غير صحبة وأهل وأحباب، الإنسان لما يكون في وطنه هيطمن إنه هيلاقي حد جنبه، أما في الغربة مفيش غير الوحدة. زفر ياسين في ضيق وازاح دموعها بإبهاميه، وقال: -طيب يا حبيبي امنعها تسافر إحنا هنشيلها فوق راسنا كلنا... صمت حينما ارتتمت في حضنه تضمه في قوة، تتشبث به كأنه طوق نجاتها من الحزن، وتمتمت: -ياسين خليني في حضنك عشان خايفة. طوقها ياسين بلطف، مقبلًا جبهتها في رقة، وقال في قلق:

-سجى، حبيبتي بلاش تتعبي نفسك أنتِ خلاص قربتي تولدي مش عايز أي مضاعفات يا بابا. أومأت سجى في هدوء فتنهد في قلق يغزو قلبه لا يدري لما، ينتابه شعور سيء للغاية، ولكنه يدعو الله أن يمر كل شيء على ما يرام. *** كانت تجوب الحديقة ذهابًا وإيابًا حينما وقع بصرها على حذيفة كم ممتنة هي له، أسرعت نحوه لتقف أمامه باسمة الثغر مشرقة المحيا تشعر بصفو روحها، فقال حذيفة في رفق: -إزيك عاملة إيه؟

ثم أكمل وهو يميل برأسه رافعًا كفه يقرص خد الصغيرة، يداعبها بمحبة: -حبيبة قلبي عاملة إيه النهارده؟ ردت إسراء ببسمة وهي تنقل نظرها بينهما: -الحمد لله بخير. وهي تهز الصغيرة تناغيها: -كلمي خالو يلا. لاعب الصغيرة قليلًا قبل أن يستوي في وقفته واضعًا كفيه داخل جيب بنطاله متسائلًا في لطف: -كنتِ عاوزاني في حاجة؟ أبتلعت إسراء لعابها وسائلته متعجبة من هيئته الغريبة التي تسفر عن حزنٍ عميق يقبع بين ثنايا روحه: -إنت كويس؟

ارتفع جانب فمه ببسمة ساخرة وردد متهكمًا: -مش عارف كويس ولا مش كويس، المفروض مش كويس بس الغريبة إنه عادي ممكن اعتياد الحزن. هز كتفيه للأعلى وهو يزم شفتيه يهز رأسه يمنى ويسرى، ثم قال: -سيبك مني كنت هتقولي إيه؟ -أنا قررت أسافر النهارده وكنت حابة.... قاطعها حذيفة وهو ينزع كفيه من جيبيه في تعجل: -سفر إيه؟ وليه أصلًا؟!

شكلك فهمتِ كلامي غلط لما كنت بتكلم معاكِ تبعدي عن ياسين فـ ده لأن دي مجرد أوهام مش أكتر وحبيت أفوقك منها مقصدتش خالص إنك تبعدي أنتِ بقيتِ وحدة من أهل البيت وإحنا أهلك.... ازدادت ابتسامتها اتساعًا بأعين دامعة من الفرحة، عجبًا للقدر يأخذ منا شيئًا فيعطينا أشياء، أخذ أخيها فأهداها إخوة، قالت وهي تهدهد الصغيرة التي على وشك البكاء تهزها برفق:

-لا، لا، لا بجد مش كدا خالص ولا فكرت كدا أنتوا بقيتوا أهلي فعلًا وعوض ربنا ليا ولكن فكرت في الشركة اللي بتقع زين ضياع سنين كتير عشان يبنيها وتوصل للي هو عايزه فمش هسيب تعبه يروح هدر. عقد حذيفة كفيه وهو يقول مندهشًا: -فكرة حلوة ولكن هتقدري لوحدك؟ أومأت إسراء في ثقة: -وأخواتي معايا، هقدر. رد حذيفة في ثقة: -يبقى توكلي على الله وإحنا في ضهرك. أنهى جملته مبتسمًا بإشراق وتأكيد، فأتاهما صوت أسماء من الخلف وهي

تقبل نحوهما تصفق يكفيها: -بتقولوا إيه ما تسمعونا؟ ومش عيب قدامنا كدا؟ التفتا إليها بدهشة زاد بكاء الصغيرة أثر صوتها الصارخ، في حين لم تفهم إسراء إلى ما ترمي إليه لكن نظراتها الحادة نحوها تشي بالكثير، تحفزت قسمات حذيفة، مكورًا قبضة يمناه يكبح انزعاجه، وخطى خطواته حثيثًا نحوها قبل أن تصل إلى إسراء وامسك مرفقها جازًا على أسنانه يقول في خفوت: -لمي لسانك، وامشي ومن قدامي دلوقتي.

اشتعلت نظرات أسماء غضبًا ودارت ألمها من قبضة يده، وقالت: -آه أغور عشان يحل لك الجو. جذبت يدها بعنف من قبضته وألقت لـ "إسراء" نظرة ازدراء، وتفلتت عن يسارها وولّت مغادرة ببرود. فصُدمت إسراء وتخشبت قدماها عن هز الصغيرة وهي تتابع مكانها الفارغ في صدمة، فيما يا ترى ظنت بها؟ لما تلك النظرات، صدقًا ماذا فعلت؟

أسبل حذيفة عينيه وهو يستدير ببطء وكم تيقن الصدمة بادية على وجهها هم بالتحدث، ألا أن غادرت إسراء المكان متوجهة للأعلى. يبدو أن قرارها كان في محله ستسافر فوجدها أصبح عقبة في طريق الجميع، ولكن قبل رحيلها عليها أن توضح لـ أسماء كل شيء، هي سترد المعروف لـ حذيفة حتمًا مقضيًا.

صعدت إلى سجى لتعطيها الصغيرة، ثم نزلت إلى شقة حذيفة، ستصلح ما أفسدته، كلما اقتربت خطواتها من شقته زادت دقات قلبها توترًا، لا تدري كيف ستستقبلها أسماء ولكن لا بد من ذلك ريثما تعلم كل شيء، وقفت أمام الباب وتنهدت تنهيدة طويلة، ورفعت كفها تطرق الباب، آنذاك تناهى لها صوت حذيفة يصيح في هيجان: -إنتِ مجنونة إيه اللي عملتيه ده، قولتلك وهقولك مفيش حاجة بيني وبينها. وضعت إسراء كفها على فمها مزهولة، ما الذي اعتقدته أسماء؟

قرعت الباب قرعات متتالية دون توقف حتى فتح حذيفة وصدره يعلو ويهبط من الانفعال وازدادت أنفاسه، أطرقت أرضًا وهمست على استحياء: -ممكن أتكلم مع أسماء. أومأ حذيفة وهو يتنحى جانبًا مشيرًا لها بالدخول، وقال: -طبعًا اتفضلي. ثم رمق أسماء بنظرة تحذيرية فهمتها، لتنهض على مضض مغتصبة بسمة مرغمة لترحب بها لتجلس، فنفت إسراء برأسها وقالت في توتر: -ممكن اتكلم معاكِ من بعد إذنك؟ أدبها في الحديث أرغم أسماء أن تقول في هدوء: -اتفضلي.

فتنهدت إسراء ورفعت نظرها لها بارتباك، ورددت بصرها فيها وفي حذيفة الذي فهم أنها لا تريد وجوده وهي تتحدث فدخل إلى إحدى الغرف صافقًا الباب خلفه، فقالت إسراء برفق: -أنا مش عارفة أنتِ بتفكري في إيه؟ ولكن اللي فهمته إنك شاكة أن في بينا علاقة أنا وحذيفة. ارتفع جانب فم أسماء ببسمة ساخرة، وقالت في تهكم بيّن: -شاكة بس؟! تقهقرت إسراء للخلف تنظر لها في صدمة، ما الذي فعلاه لتشك بهما؟ غشاها الزهول قليلًا قبل أن تضيف موضحة:

-أنتِ غلطانة، أنا وحذيفة مفيش بينا أي حاجة، أنتِ مش عارفة النعمة اللي في إيدك اللي ممكن تضيع. كادت أسماء بتحريك شفتيها فـ استدركتها إسراء باسطة كفها في وجهها مغمغمة: -لو سمحتِ متقطعينش، وبلاش كلام جارح، اسمعيني الأول للنهاية. اضطرت أسماء أن تصمت وهي تعقد ساعديها في غيظ تلك الوقحة كيف لها الجرأة أن تقف أمامها وتحادثها بكل هذه البساطة؟

قصت عليها إسراء ما دار بينها وبين حذيفة كاملًا وعن انتشاله عن حبٌ زائف كادت أن توهم نفسها به، احتلت الصدمة قلب أسماء وودت لو كان كل حرف لفظت به ما هو إلا كذبة، كيف ستصلح علاقتها به الآن، ولكن هل لم كُسر أن يعود كم كان؟ عزمت أمرها أن تتركه لأيام حتى تتحدث معه ربما تخمد نيران غضبه، اعتذرت لـ إسراء بصدق وشكرتها قبل أن ترحل الأخرى وشبح ابتسامة يعلو ثغرها بارتياح.

ومع حلول الليل كانت تخرج من المنزل بعد وداعٌ حار من أهل، ترافقها سجى وياسين إلى المطار. *** عادت سجى من عند الطبيبة التي تتابع معها برفقة ياسين، متشابكي الأيدي فما أن دلفا للدار، حتى لمح ياسين عائشة التي تجلس وسط الصغار تُحادثهم كطفلة صغيرة برفقة لعبتيها، فأسبل جفنيه في عجز، ركضت أروى نحوهما تضم قدمين سجى بسعادة، وتساءلت في لهفة: -ماما، النونو عامل إيه؟ ردت سجى بإيماءة بسيطة وهي تمسح على حجابها:

-بخير وبيسلم على أروى حبيبته. انحنى ياسين متبسمًا ملثمًا جبهتها بحنو وحثها قائلًا وهو ينظر لعينيها: -أروى، قلب بابا خلي بالك من خالتوا عائشة متخليهاش تطلع برا، تمام يا بابا ولو حصل حاجة تقولي على طول. أومأت أروى عدة مرات متتالية وغمغمت في ثقة: -متقلقش يا بابا أنا مش بسيبها خالص. قبل ياسين جبهتها بفخر، فقالت سجى وهي تمسك بكف أروى: -تعالي وديني عند خالتك عائشة.

في تلك الأثناء أقبلت لمار نحوها تطمئن على صحتها هي وجنينها، ثم دنت من ياسين متسائلة بتنهيدة: -برضوا مفيش أي أخبار عن ضياء؟ زفر ياسين وتجلى الضيق على سمات وجهه، وقال وهو ينظر لها بأسف: -مفيش اختفى نهائي ملهوش أي أثر. ثم استأنف بعد هنيهة بقلق: -أنا حاسس إنهم أذوه، اللي قتلوا زين أكيد عرفوا أنه ساعد عائشة وإسراء فـ... قاطعته لمار هاتفة بتنهيدة عميقة: -احتمالك مؤكد، بس خلينا نتفائل.

حادت نظرتها تجاه عائشة، وترقرقت الدموع في عينيها وهي تقول في غضب مستعر في صدرها: -والله ما هحرم اللي عمل كدا في بنتي، وحرمني من أحفادي. دار بينهم حديثٌ خافت وهم يخطون لداخل المنزل، وبينما سجى تُحادث عائشة، وقد التهوا الصغار في المذاكرة، خُيل لـ عائشة ابنها إسلام يمر فتبسمت في اتساع وهي تنهض ضاحكة في سرور يغمد فؤادها ولحقت بطيفه لتخرج على غفلة من الجميع متسللة لخارج المنزل بأكمله.

قطبت سجى بضيق حينما ساد السكون وغاب صوت عائشة، لامست مكان جلوسها فلم تجد أحد، فهبت مذعورة تتلفت في خوف وهي تسير بحذر تمد يدها أمامها تحركها حتى إذا كان شيء أمامها، نادت في خوف وقد سرت دموعها على وجنتيها: -عائشة، روحتِ فين؟ عائشـــــــــة حبيبتي أنتِ فين؟ تنبه الصغار لها فهرعوا إليها وتساءل خالد في لهفة: -خالتوا سجى هي مش كانت جنبك؟ هزت سجى رأسها وهي تجيب في خوف: -أيوة وأختفت مش عارفة راحت فين!

امسك خالد كفها موقفًا إياها عن السير مردفًا في ثقة: -قعدي يا خالتوا هندور عليها، أكيد بتلعب هنا قريب. أجلسها برفق، وتفرق هو وباقي الصغار يبحثون عنها دون أثر، فعلم الجميع باختفائها، وخرج الشباب في البحث عنها. *** توقفت السيارة أمام المنزل المنشود، فألقت المرأة نظرة عبر النافذة وهي تمسك بعائشة قائلة: -متأكدة هنا! .... دول بين لهم ناس غنية ومن الأكابر. متأكدة دا البيت. أجفلت من صياح عائشة وهي تصفق في سعادة كالاطفال:

-خالوا يوسف. أسبلت المرأة أجفانها عن صياح عائشة في ذعر وبلهفة نظرت لما تنظر إليه عائشة، ترمق يوسف في صدمة وهي تهتف بمحبة: -دكتور يوسف! هو خالك؟ الله يجازيه كل خير دا شفى أبني من غير ولا قرش. علا صوت السائق مجفلًا إياهم يقول في نفاذ صبر وملل: -ما تخلصونا بقا وتنزلوا. تبرمت شفتا المرأة وهي تسب في خفوت قبل أن تخرج الأجرة ترميها على قدميه وتنزل ممسكة بعائشة برفق. ***

وقف يوسف مكانه ما أن لمح تقدم عثمان بوجهٍ أكد له أن لا أثر لعائشة ومع ذلك بادر متسائلًا بلهفة: -عثمان.... ها في إيه خبر، عرفت أي حاجة؟ هز عثمان رأسه في يأس كئيب وهو يقول بقلق: -مفيش أي أثر ليها في كل مكان روحتُه. نفخ بضيق وهو يمسح بكفه وجهه في عجز، نظر له يوسف في خوف وهو يردد: -يعني إيه مفيش أثر؟ "دكتور يوسف" تنبه يوسف لهذا الصوت فتلقائيًا زاغ ببصره نحو المرأة فأشرقت ملامحه وهو يقول في ارتياح مسبلًا جفنيه: -عائشة....

أجفل عثمان متنبهًا ليوسف ليستدير فوجدها تقبل إليهم برفقة امرأة لم يتعرف عليها، فقطب جبينه وحثى الخطى نحوها: -عائشة... أنتِ بخير كنتِ فين. شملها بنظرة متفحصة وهو يتابع: -حد عملك حاجة، بردوا تطلعي كدا؟ قال كلمته الأخيرة وهو ينزع سترته ويضعها على كتفها، في حين كانت هي مطرقة برأسها فقط لا تجيب وكأن الحديث ليس لها، والأمر لا يعنيها. أقتربت المرأة من يوسف واقفة أمامه تقول في فرحة: -دكتور يوسف.. ازيك يا دكتور عامل إيه؟

رمقها يوسف بحيرة من أمره، وتساءل: -تمام، تمام... عائشة بتعمل إيه معاكِ؟ مين حضرتك؟ زَمّت المرأة شفتيها بعبوس وقالت في حسرة: -مستني يا دكتور يوسف!؟ والله زعلتني.. على العموم. التفتت برأسها مشيرة بسبابتها إلى عائشة واضافت: -الحلوة دي أنا لقيتها واقفة وسط العربيات بتصرخ، خلوا بالكم منها لأن مش كل مرة تسلم الجرة، وربنا يشفيها يا رب.

شرد يوسف فيما قالته متألمًا، والخوف تسلل لقلبه من أن يصيبها شيء، فاق من شروده على كف المرأة تلوح بكفها أمام وجهه منادية: -دكتور يوسف، روحت فين؟ تبسم يوسف لها وقال شاكرًا بنظرة امتنان: -معاكِ، شكرًا لحضرتك لأنك مسبتهاش لوحدها في حالها زي دي، الدنيا لسه بخير طالما فيها ناس بتساعد. ثم قال متعجبًا وهو يرمقها في دهش: -بس عرفتِ العنوان إزاي؟ هزت المرأة كتفيها قائلة ببساطة: -لا معرفش بس الحلوة قالتلي. ثم استطردت

بنبرة يشوبها الحزن: -وبعدين أنا عملت واجبي يا دكتور مكنتش أعرف أنها قربتك، بس الحمد لله إني كنت سبب في مساعدتك ولو في حاجة بسيطة. وتابعت وهي تؤشر لنفسها: -أنا أم غزل اللي عملتلها العملية مجانًا ربنا يباركلك في عمرك يارب. تهلل وجه يوسف ما أن تذكر الصغيرة التي أجرى لها العملية، وراح يسأل عن صحتها. في حين رفعت عائشة نظرها إلى عثمان كالحة الوجه وهتفت: -هما عيالي فين؟

امتقع وجه عثمان وأسبل جفنيه يود الفرار من أمامها، فارتفع رنين هاتفه منقذًا إياه من الإجابة، فأخرجه من جيب بنطاله وهو يشير لها بحنو بكفه الآخر: -ادخلي يلا جوه الكل قلقان عليكِ. ابتعد قليلًا فور جملته، وظلت هي مكانها تتنفس في إحباط، ورفعت نظرة تتلفت حولها تتأمل المارة كأنها ستجد بينهم زوجها وطفليها.

لاح لها شبح يقف موليًا إياها ظهره متحدثًا بالهاتف على ما يبدو يقف خلف سيارة قديمة نوعًا ما، فدقت النظر فيه مليًا ثم اختلست النظر تجاه يوسف المندمج في الحديث مع المرأة، وعثمان الذي يتحدث بالهاتف، وهتفت بخفوت لنفسها وهي تضحك بغباء: -يكون دا زين. فكرت قليلًا وهي تتأمل الرجل وصاحت كالأطفال: -أكيد هو، هيييييييه. تسللت بحذر دون صوت تجاه الرجل، وقفت خلفه دون صوت أو حركة وجاءها صوته يصرخ في الهاتف بنبرة أرْجَفَتها:

-بقولك هي مفيش، اللي بعت لي صورتها مفيش ليها أي أثر..... متنساش أنا أصلًا ليا انتقام معاهم ومش هسيب حق أخويا، اللي قتله هقتله....... صرخ بجملته وهو يستدير ليقع بصره على الراجفة أمامه وهي تنظر إليه بعينان بريئتان على وشك البكاء والخوف يظهر جليًا فيهما، تبسم بإتساع كمن حصل على جائزة توا وقال في هدوء كأنه ليس ذاك الشخص الذي كان يصرخ أنفًا: -دي جت لي برجليها، الصدفة وقفت معايا واقفة مش هسيبها أبدًا اقفل.

لم ينتظر الرد فما أن أنهى جملته حتى أبعد الهاتف عن أذنه مغلقًا إياه بوجه الآخر وغمغم وهو يقترب بتمهل من عائشة: -عمري مشفت إنسان يجي للموت برجله، دايمًا الموت هو اللي بيجي.

كانت تنظر إليه في بلاهة فما أن وجدته يقترب حتى رفعت كفيها مغطية وجهها كأنه هكذا سيختفي، دون أدنى مقاومة كان يبعد كفيها مكممًا فمه بباطن كفه الخشن، حاولت أن تبعده عنها، جاهدت كي تصرخ، ألا أنه رفعها عن الأرض بذراعه المتحرر وكان باب السيارة مفتوحًا مما جعلها يدفعها للداخل بقوة وحرر فمها ولكن قبل أن تصرخ كانت يمناها تضربها بقسوة على كتفها، وسبابته أمام فمه يحذرها بصوت مخيف: -هششش اياكِ أسمع صوتك.

ابتعدت عائشة عن بجذعه عنه رافعة سبابته إلى فمها متسعة العينين مثله تهمس كحاله: -هششششش إياكِ أسمع صوتك. رمشت بعينيها وهي تنظر إليه بخوف قائلة وهي تحرك كتفيها: -أنا خايفة....

لم تكمل كلامها، إذ غُطى فمها بقسوة بلاصق ثم ارتعدت ما أن صُفق الباب بحدة، فرفعت عينيها المنهكة تتابع وقوفه وهي ترى ياسين يقبل مسرعًا ما أن ترجل من السيارة مقتربًا من عثمان، فتراءت لها ملامح الرجل التي اكفهرت غضبًا وقبضته التي ضربت مقدمة السيارة بغضب، واخترق أذنيها صرخته الحادة الغاضبة وبصره يكاد يحرق ياسين في مكمنه: -والله ما هرحمك. دقائق وكان ياسين يبدو كأنه يصرخ في عثمان غاضبًا، وتمجهر الجميع مرة أخرى بحثًا عنها.

فأقترب الرجل ببسمة مظفرة وقال متوعدًا وهو يجلس خلف عجلة القيادة: -راجعلك بس أخلص على الحلوة دي. تُرى من ذا الذي خطف عائشة للتو؟ ومن قتل ياسين ويود الانتقام منه وبشدة، وهل سيفلح؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...