الفصل 6 | من 39 فصل

رواية جحر الشيطان الفصل السادس 6 - بقلم ندي ممدوح

المشاهدات
23
كلمة
6,629
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18

ما زال للعشق بقية

إنتفضت مُحدقة في خوف ما أن أصدرت السيارة صوتًا عالٍ معلنة عن وقوفها. ثم خرج المجهول من السيارة، صافقًا بابها وراءه، ودار لجهتها. رمقها بحدة أصابتها برعدة في أطرافها قبل أن يفتح الباب ويجذبها من مرفقها بقسوة، غير آبه برأسها التي ارتطمت في حافة العربية. سحبها خلفه كمن يسحب حيوانًا لا قيمة له. كانت عيناها تراقب الرجال الذين اقتربوا ناظرين إليها في تعجب، فالمعروف عن قائدهم أنه لا يمد يده على امرأةً أيًا كانت. وإذا كان لا بد، فهو يجعل أحدًا آخر يفعل.

دلف بها إلى ما يشبه المكتب، ومنه إلى غرفة جانبية. فتح بابها ثم دفعها للداخل لتسقط أرضًا على أثرها. ودخل هو مغلقًا الباب خلفه. ولم يلبث أن أخرج مسدسه من جعبته وطفق يحركه في برود وهو يناظرها بنظرة مخيفة وابتسامة مرعبة لا تبشر بخير قط.

أقترب منها فراحت تزحف تلقائيًا على كفيها للخلف، محدقةً فيه بخوفٍ جَم. مال عليها ورفع كفه إلى فمها، نازعًا اللاصق بقسوة. تأمل نظراتها الخائفة البريئة التي لا تحيد عنه. ثم قبض على فكها بقسوة مغمغمًا وهو يقلب في وجهها بتفحص: "امممم، مدفوع لقتلك كتير أوي، بس مش خسارة." جثى على ركبتيه عاقدًا حاجبيه في حيرة وردد: "بس شمعنا اللي عايزين يقتلوكِ من بلاد برا! يا ترى عملتِ إيه؟

ازدردت عائشة لعابها في توتر وهي تنكمش على نفسها. تحرك رأسها ذات اليمين والشمال عله يتركها. ورددت في تذمر: "أنا عايزة أشوف زين وإسلام ووليد." رفع حاجبه وهو يبعد كفه ناظرًا لها شزرًا وغمغم: "دول مين إن شاء الله؟ ... وبعدين بتتكلمي كدا ليه؟ دقق النظر إليها من رأسها إلى أخمص قدميها وردد: "غريبة! في وحدة تطلع من البيت كدا؟! ترقرقت الدموع في عينيها وهي تشد من سترت عثمان حولها كأنها هكذا محمية.

رفع سلاحه على رأسها، لترتعش أوصالها وتتسع حدقتاها. ووضعت كفها على فمها وأسرعت بتخبئة وجهها في الحائط باكية كطفلة صغيرة: "يا بابا... كتمت شهقاتها في حذر وهي تشد على كتم فمها بكفيها. فزفر هو صارخًا فيها: "اسكتِ، مش عاوز أسمع صوتك." دون أن تنظر إليه أومأت برأسها، فتركت دموعها تسيل دون صوت. نهض هو هائجًا راكلًا إحدى المقاعد بقدمه هاتفًا في حدة: "أنتِ لازم تموتي، لازم تموتي!

أجفل ما أن وجدها تمسح دمعها سريعًا بظاهري كفيها وتركض نحوه ممسكة بذراعه مرددة في بهجة: "هتوديني لعيالي؟ كلهم بيقولوا ماتوا يعني سافروا وأنا عايزة أسافر ليهم." دق قلبه في عنف متألمًا لكلماتها، وصب تركيزه عليها ما أن شردت تاركة ذراعه تنظر للجدار أمامها قائلة بابتسامة لطيفة، حزينة: "أصل وليد بيخاف من الضلمة، بس كان بيطمن لما إسلام يكون جنبه ومبيخفش. وزين مكنش بينام غير لما ياخدني في حضنه." دفعها بكفه للخلف هادرًا بحدة:

"اسكتِ، كفياكِ رغي صدعتيني." لا يدري لما ألمه وجعها؟ ولماذا أحس أنها فقدت قلبها فباتت خالية من الحياة؟ من ذا الذي نزع الأحبه من مكمن قلبها وتركها منغمسة في أوجاعها؟ ظل يطالعها وهي تحادث نفسها في خفوت بألم وإمارات غير مقروءة. رن هاتفه منتشلًا إياه من تأمله. فتنهد تنهيدة ثقيلة وهو يخرج هاتفه. فما أن نظر في شاشته حتى تفل مطلقًا لفظًا غير لائق وهو يجيب بكره: "خير." جاءه صوت يهتف في حدة: "عملت إيه؟ ... قتلتها؟ ...

أياك تقول لسه، أنا مش دافعلك فلوس عشان تتسلى... لم يتركه يتابع كلامه، إذ صرخ فيه قائلاً وهو يتحرك كالمجنون: "أخرس واسمع بقا هقولك إيه! أولاً صوتك ميعلاش فوق صوتي، ثانيًا مش هقتلها وريني هتعمل إيه؟ ثالثًا بقا فلوس إيه اللي كل شوية تهدد بيها؟ أنا خسرت أخويا بسببك ولا أنت ناسي إنه بعد ما خطف العيال قضوا عليه. وأنا لا هسامحك ولا هسامحهم. وربني بقا هتعمل إيه؟

فرغ من كلامه مغلقًا الخط بوجهه دون أن يسمع أي كلمة أخرى. ورمق عائشة بنظرة حادة وناداها قائلاً: "أنتِ." رفعت بصرها إليه وهي تزم شفتيها بعبوس، ليشير بذقنه وراءها آمرًا: "اقعدي." امتثلت عائشة له وجلست على المقعد الذي أشار إليه. والتفت هو ناويًا الجلوس ولكن طرقًا على الباب جعله يرغي ويذبد وهو يتجه ليفتح ولم يلبث أن خرج صافقًا الباب خلفه.

فُتح الباب برفق هذه المرة، فرفعت عائشة رأسها التي كانت تدفنها بين قدميها لذاك الذي دخل دون أي كلمة حاملًا صينية طعام وبيده حقيبةٌ صغيرة جدًا. تابعته بعينيها التي غُلفها الاحمرار. ولفها الإرهاق كأنها لم تنم مذ سنة.

وضع الصينية على طاولة صغيرة في زاوية الغرفة. ثم استدار ناظرًا في عينيها مباشرةً لبعض الوقت وتقدم نحوها في تمهل. ولاح لها ابتسامةٌ خفيفة على ثغره سرعان ما مُحت. وتنحنح قائلاً في صوت أجش وهو يلقي الحقيبة جانبها بحدة، انتفضت على أثرها وهي ترمش بارتياب وقال بنبرة لطيفة أول مرة يحادثها بها منذ جاءت: "جبتلك هدوم... غيري، البسي حاجة غير البجامة دي لأنها متنفعش وغطي شعرك." ألتفت برأسه مشيرًا للطعام، وقال وهو يسبل جفنيه:

"وكلي، أكيد جُعتي." رفعت عيناها الباهتتان الشبيهتان بعيون الأموات لا حياة فيهما إليه ورددت في تعجب كأنه أطلق كلمة غريبة على مسامعها: "جُعتي؟ كُلي." زفر بملل وهو يرمقها بأسف وغمغم برفق وهو يميل عليها بوجهه: "عائشة... كُلي وغيري هدومك دي مينفعش تفضلي بيها، فهمتِ بقول إيه؟ تنهد تنهيدة ثقيلة موجعة وهو يقترب ليجلس بجوارها. بينما لا تحيد بعيناها عنه حتى جلس بجانبها ونظر لها برفق قائلاً بحنو:

"أنا عرفت عنك كل حاجة، ومش هقتلك أصلًا مش هقدر أقتلك. أنتِ شبه العيال الصغيرة، بريئة. وكفاية اللي خسرتيه عيالك وزوجك في... في الحريق." قال آخر جملته بنبرة متهدجة اختلط بها الارتباك. ثم استأنف حديثه ناكس الرأس: "اللي أعرفه أنك مازلتِ الشخص ده بحاجة فـ ليه عايزة يقتلك! وليه حرق قلبك بحرق عيالك... بُترت كلماته حينما هبت عائشة واقفة وكانها تحولت لشخصٍ آخر. مُتسعة العينين تصرخ فيه وتضربه وتخربشه بقسوة وغل:

"عيالي متحرقوش، متحرقوش، متحرقوش مــــــــ" أمسك كفيها كاظمًا غضبه ولكن ارتخت ذراعيها بين يديه باجفان راجفة تكابح كلا تنغلق ولكنها أطبقتهم مستسلمة للظلام الذي ابتلعها علها لا تفوق منه فلا تسمع أحد يخبرها بفقدانها جذور قلبها حرقًا. صرختها ملئت فؤاده رعبًا، فجثى سريعًا على ركبتيه، يلطم وجنتها بقلق مغمغمًا: "عائشة، عائشة."

لم يجد بُدًا إلا أن يحملها، والقلق ينهش قلبه نهشًا. ربما شفقة على قلب أمٌ فقد طفليه حرقًا. لقد شاهد أنفا قبل دخوله إليها فيديو حرق السيارة التي بداخلها زوجها وطفليها. وصدقًا لقد تألم كثيرًا جدًا وبكى قلبه دمًا تأثرًا. نعم هو قاتل مأجور وقد يفعل ما لا يخطر على قلب بشر، ولكنه لا يقتل بنفسه في أغلب الأحيان. وإن أضطر تكون برصاصة وانتهى الأمر. ولكنه تألم لحرق الصغير اللذان لم يرا الحياة بعد. رؤيتها ساقطة أمامه، شاحبة شحوب الأموات، أضنى قلبه المكلوم. لقد فقد أخيه منذ أيام قليلة بمداهمة من الشرطة ويعلم معنى كلمة فقد الأحبه جيدًا.

أراحها على الأريكة، وأحضر ماء راح ينثر به على وجهها بكفه. فحركت رأسها وهي تهذي قائلة: "إسلام ووليد فين؟ فُجع من هذيانها فجعًا شديدًا وخرج من الغرفة غير قادر على رؤيتها بهذه الحالة. كان يغيب بين الحين والآخر مختلسًا النظر إليها من الباب الموارب قليلًا فيجدها على حالها مستلقية على ظهرها تحدق في سقف الغرفة، وتحادث نفسها كمجانين بهمهمات غير مفهومة. فيسبل جفنيه وينصرف.

كان يجلس متكئًا بمرفقيه على فخذيه أمامه الحاسوب يشاهد عليه شيئًا ما، يتابعه بغموض تام حينما تناهى له طرقًا خفيفًا على الباب يتعقبه دخول "نجيب" قائلاً وهو يدنو منه: "أراس، هذا الرجل أظن أنه ينوي شيئًا ما! شيئًا يحيكه لا أعلم إذ ضددنا أم ماذا؟ ولكن شيئًا مبهم." أشار له "أراس" بذقنه أن يجلس، فجلس وهو يضيف بلهجة عملية حائرة بينما ينصت له "أراس" باهتمام جَم: "له عدة أيام لا يبارح المشفى إلا نادرًا!

ضيق "أراس" عينيه وهو يرجع بظهره لظهر الأريكة في استرخاء، وردد متعجبًا: "لماذا؟ هل يعاني من مرضٍ ما؟ ران صمت مفاجئ بدا خلاله تفكر "نجيب" قبل أن يهز رأسه نافيًا، وقال: "لأ، الموضوع عجيبٌ للغاية، تحريت عنه فلم أصل لشيء." ربع أراس إحدى ساقيه وهو يلتفت بجسده تجاه نجيب والأخرى متدلاه، وتساءل بتؤدة: "ما.. هو؟ أباح "نجيب" بصوت خافت: "ثمة طفلًا... أو أقصد إنه ليس صغيرًا للغاية...

أي إنه لا يتجاوز العاشرة من عمره، لا أدري لماذا بالتحديد موجود، لا أحد يبوح بحالته ويتحدث بتاتًا."

هز "أراس" رأسه عدة مرات دون أن ينبس. فاستأذن نجيب مغادرًا. فنهض أراس وسار نحو النافذة ينظر من خلالها للسماء وقد جن الليل. لم يمكث طويلًا على حاله وإذ به يستدير ملتقطًا سترته ذات اللون اللبني مرتديًا إياها قبل أن يأخذ طريقه للأسفل ومنه إلى السيارة وأنطلق يشق غبار الليل. صف السيارة جانبًا أمام المشفى وترجل بخطوات سريعة للداخل وسأل عن رقم الغرفة وتوجه من فوره. دون أن يطرق الباب أدار المقبض ووقف بطوله الفاره ينظر لذاك الذي انتفض واقفًا متوترًا ينظر إليه في خوف بيّن. فرمى الفراش بنظرة سريعة مدققًا النظر بالصغير الذي سُلب لبه بملامحه البريئة. حاد ببصره عنه وقال

بمقت لذاك المرتجف أمامه: "أوه لم نكن نعلم أن ابنك هُنا! هو ابنك.. أليس كذلك يا ماهر؟ هز "ماهر" رأسه وهو يقول نافيًا بتهدج وأعين مفعمة بالارتباك: "لا، لا، ليس... أستدرك ذاته في آخر لحظة متنبهًا لما كاد من فرط خوفه أن يتفوه به، فقال مستدركًا وهو يحاول الثبات: "أقصد هو ابني جاء مذ أيام قليلة وكما ترى مريضًا فلم يعتاد السفر بعد."

قال آخر جملته مشيرًا بكفه للصغير وعيناه مرتكزة عليه. فتنهد "أراس" زامًا شفتيه بإيماءة خفيفة متأوهًا بآسف ووضع كفيه بجيبي بنطاله وهو يتفحص ماهر جيدًا ولم يخف عليه الكذب والقشعريرة التي تجلت بقسماته وعيناه الزائغة. تنهد "أراس" في هدوء يحسد عليه من شدة نقمه على ذاك الرجل. وإستدار باسم الثغر للصغير الذي يطالعه باهتمام. ودنا منه بتمهل وقال وهو يداعب خصلاته بأنامله: "كيف حالك يا صغيري؟

تبسم الصغير مستمتعًا بمداعبة "أراس" لخصلاته، شاعرًا بالأمان فجأة، وقال: "بخير." جلس "أراس" على طرف الفراش معطيًا ماهر ظهره وتساءل برفق وهو يضم بين كفيه كف الصغير: "ما رأيك أن نصبح أصدقاء؟ ما اسمك؟ أومأ الصغير في لهفة عدة مرات موافقًا، وتلاشت ابتسامته مفكرًا، ما اسمه؟ ما أدراه هو ما اسمه! بين ليلة وضحاها وجد نفسه في هاك الغرفة حبيسًا لها ولا يدري أي شيء آخر. تنبه من شروده على صوت "أراس" هاتفًا في حزن مصطنع:

"أين ذهبت يا صديقي؟ زم الصغير شفتيه وقال وهو يهز كتفيه صعودًا وهبوطًا: "لا أعلم ما اسمي، أنا فقط وجدت نف... لم يكمل حديثه وإذ بـ ماهر يقترب مصعوقًا كمن لدغه عقرب قائلًا بكلمات متعثرة: "هو... اكيد الضربة أثرت بعقله." التفت إليه أراس ملجمًا إياه: "أي ضربة؟ ألم تقل تعبٌ من السفر؟ زاغت عينا ماهر برعب وسقط قلبه من مكمنه وقال وهو يزدر لعابه بصوت باهت: "بل... بل ولكنه ما إن جاء قد... قد...

لم يتم جملته وإذ بـ أراس ينهض مقبلًا عليه وهو يقول في برود: "لأنه يعاني نزيفًا في الدماغ إثر سقطة قوية على رأسه! شحب وجه ماهر شحوبًا يوازي الأموات وهمس بكلمات متهدجة: "بلى... اه.. أقصد لا لم... قاطعه أراس مرة أخرى قائلًا ببساطة: "ناهيك عن هذا، عافاه الله لك، وبما أننا قمنا بتغير اسمك وحياتك فلا بد من تغير اسم الصغير." التفت برأسه للصغير وغمز له ببسمة مشرقة مطمئنة وغمغم: "سأختار له اسمًا جميلًا كملامحه....

سيكون اسمه آجار." هز ماهر رأسه سريعًا جاذبًا اهتمام أراس لينظر إليه، وقال مهللًا ليجاريه عله يغادر وينتهي هذا العذاب والخوف: "كما تريد يا سيد أراس، آجار اسمٌ جميل." بإيماءة بسيطة قال أراس وهو يتهيأ للمغادرة: "سأذهب الآن لدي بعض الأعمال وسأكلف الشباب ليجهزوا ورق الصغير، وساكون في انتظار عودتكم. إلي اللقاء." أستدار ما أن فتح الباب برأسه للصغير ملوحًا له وخرج مغلقًا الباب خلفه.

أسرع ماهر نحو آجار ممسكًا بحفنة من خصلاته صارخًا فيه بحدة: "اسمع مش عاوز أسمع صوتك مع حد غيري هنا! وبالأخص السيد أراس مش عاوز موتك وأخلص منك وأنا أصلًا محتاجك، فاهم ولا لأ، أنطق." دفع رأس الصغير تزامنًا مع آخر ما نطق به ليؤمأ آجار برأسه بخوف. أجفلهم فتح الباب وصوت أراس يقول: "لقد نسيت هاتفي."

ثم دقق النظر في ماهر الذي انتفض متقهقرًا للخلف وهو يشيح بوجهه عنه بينما نظر للصغير الذي نظر إليه بلهفة وأعين تفيض دمعًا فتساءل وهو يهز رأسه ويدخل تاركًا الباب مفتوحًا: "ما الذي يحصل؟ وأضاف وهو ينظر للصغير: "ما بك يا حبيبي. هل حصل شيء؟ رفع آجار بصره إلى ماهر الذي حذره بعينيه، فهز رأسه سريعًا برعب. فصك أراس أسنانه بغل وهو ينظر إلى هلع الصغير وعيناه تكاد تحرق ماهر ولكنه بدد ما يشعر به وهو يمسك هاتفه قائلًا: "لقد وجدته."

أستدار ليخرج مجددًا ولكن كف الصغير الذي تشبثت به منعه، وعيناه الراجية المتوسلة كلا يتركه جعلته ينظر بحدة إلى ماهر قائلًا من بين أسنانه: "لقد حدثت الطبيب وأكد لي أن الصغير بأحسن حال ويمكنه الخروج. لذا أعتقد أن وجودكم هنا ليس له داعي، لما لا تذهبون معي؟ ودون أن ينتظر رد حمل الصغير برفق وهو يقول: "إذن سترحلون معي وسأهتم بمجيء الطبيب يوميًا للاهتمام بـ آجار. هيا تعالَ خلفي."

أنهى جملته وانصرف من أمام ماهر الذي كاد أن يذوب خوفًا بوجه شاحب شحوب الأموات وأمر، ولكنه كان بارعًا في إخفاء خوفه ولحق به سريعًا وهو يأمل ألا يكتشف أراس شيئًا.

حلّت عائشة عقدة ساقيها وهي تنهض من فوق الأريكة تزفر بملل وتوجهت إلى الباب وفتحته في حذر فتحة صغيرة وطلت برأسها ذات اليمين واليسار فلم تجد إلا مكتبًا خالي. تحمست وهي تخرج وساقتها قدميها خارج المكتب بإجمعه. وراحت تتأمل ذاك المكان بغرابة وزهول. انبهرت وهي تتأمل المقاعد الرثة والجدران المشققة. ثم اتجهت خطواتها نحو نافذة من الزجاج فتطلعت عبرها إلى الحديقة وهي تظلل جانب وجهها بكفها تدقق النظر إلى الرجال الذين يحملون أسلحة خلف ظهورهم ويسيرون برتابة. زمت شفتيها بملل وفجأة

قفزت وهي تصفق صائحة بحماس: "هخرج ألعب معاهم، هلعب هييييه هلعب." وركضت لتخرج من الباب الخشبي ووقفت مكانها تتطلع بالرجال الذين باغتوها محيطين بها محدقين بها بغرابة. فبسطت كفيها متسائلة بدهشة وهي تتأفف: "مالكم بتبصوا كدا ليه؟ أنا عاوزة ألعب معاكم." تنقلا الرجال النظر فيما بينهم ثم تراجع أحدهما مجريًا اتصالًا على عجل وعيناه لا تحيد عن عائشة التي وضعت كفيها خلف ظهرها تنظر إليهم نظرات طفولية وتتمتم متأففة:

"عاوزة ألعب مش بتفهموا انتوا؟

ثم ركضت فجأة دافعة الرجال من طريقها، ولم يجرؤ أحد على الاقتراب منها خوفًا من زعيمهم. وقع بصرها على سلاح على أحد الصخور بين حشائش خضراء اللون فأسرعت لتلتقطه ليسود الصراخ بين الرجال وهم يلحقون بها هنا وهناك وهي تركض ضاحكة وتوجهه نحوهم. ثم وقفت مكانها ليقفوا هم أيضًا لاهثون منهم من يحاول محادثتها لتتركه. ومنهم المنحني بكفيه إلى ركبتيه يلتقط أنفاسه الزاهقة من الركض خلفها. ومن يرميها بنظرات غاضبة متوعدة.

أقترب أحدهم بحذر وهو يمد يمناه قائلاً في هدوء: "هاتي السلاح يا حلوة دا مش لعب، هاتي يلا ومتخافيش." ألقت إليه عائشة نظرة ازدراء وقالت بقرف وهي تواري السلاح خلف ظهرها: "لا، لا، لا مش هديهولك أنا هه." أسبل الرجل جفنيه ماسحًا كفه بوجهه يحاول السيطرة على ذاته كلا تتلف أعصابه. ومنحها نظرة مطولة بدا فيها مفكرًا ثم تبسم وهو يخطو إليها متلكئًا: "طيب بصي تعالي نلعب سوا أنا وأنتِ؟ هزت عائشة رأسها وهي تبعد السلاح من خلفها، لتضمه

بكفيها إلى صدرها وقالت: "لأ، انت بتقول كدا عشان تاخده مني وبتضحك عليا وكدا عيب." زُهل الرجل من كلماتها ورفع حاجبه مرددًا بتعجب: "كدا عيب؟ عيب إيه! في حين تفعمت نظرات عائشة بالانبهار وهي تنظر للسلاح كمن ملك شيئًا ثمينًا، وتهمس بنبرة انبهار محدثة السلاح: "إنت جميل، تعرف ماما معاها سلاح وبابا وأختي بس صغير أووي لكن انت جميل."

ثم ضمته إلى صدرها ملثمة إياه تحت اندهاش الحاضرين الذين فغرت أفواههم واتسعت حدقتاهم غير قادرين على التفوه بحرف. وفجأة انتفض الجميع مجلجلًا ما أن أطلقت عائشة طلقة نارية وهي تصرخ وتصيح راقصة بحماس. ثم حادثت نفسها قائلة: "هييييبه يلا تانــــــــــــــــــــــي تاني، تاني."

وجهت السلاح هذه المرة إلى الرجال الذين هزوا رؤسهم بهلع وصاروا يركضون يمنى ويسرى يتخبطون ببعضهم بعضًا وهي تطلق الرصاص بعشوائية وتقهقه بجنون وانشراح. وعلى غفلة أصاب ذراع أحدهم لتقف مكانها مشخصة عيناها عليه في خوف وانزلق السلاح من يدها قبل أن ترفع كفيها واضعة إياهم على فمها. أسرع أغلبهم إلى زميلهم ليسعفوه سريعًا بينما اقترب أحدهم جاذبًا السلاح من الأرض وصفعها بقسوة وهو يعتدل، لتسقط أرضًا على وجهها.

مر كل شيء في طرفة عين وتزامن مع احتكاك سيارة مندفعة بسرعة فائقة ليخرج منها من جاء بها لهذا المكان وعلى وجهه غضب كفيل بحرق هذا المكان حرقًا. اندفع نحو عائشة التي تنظر إليه واضعة كفها على وجنتها ومسندة بكفها الآخر إلى الأرض. أعانها على النهوض، والتفت لمن ضربها ممسكًا إياه من ملابسه وإنهال عليه ضربًا مبرحًا وهو يصرخ فيه. ثم دفعه على الأرض بقوة. كان ناويًا في قرارة نفسه وهو يستدير أن يعاقبها أشد عقاب لخروجها، ولكن اندفعت

عائشة ممسكة بذراعه بكلتا يديها راجفة تمط شفتيها بأعين على وشك البكاء. وطاف بذهنه وهو يتأملها ابنته الصغيرة حينما تتشبث به هكذا، حينما تختبئ خلفه من والدتها ما إن تتعصب عليها، حين تفعل شيئًا خاطئًا وتأتيه مستترة فيه. رق قلبه ولانت ملامحه، وخلبت أحاسيسه. هذه الفتاة تتسلل رويدًا رويدًا لتستحوذ على قلبه وجوارحه شيء خطير ينبئه بذلك. لا إراديًا كان يربت على ذراعها بحنو مطمئنًا

إياها وصوته يهمس بنعومة: "متخافيش أنا جنبك." شهقت عائشة باكية وهي تؤشر إلى وجنتها هامسة بنبرة مضحكة كطفلة صغيرة تشكو والدها ممن ضربها: "ضربني بالقلم هنا." كتم ضحكته لتظهر ابتسامة ساحرة أُهشت من يشاهدون ما يحصل، وقال: "ما أنا ضربتهولك." أزاحت عائشة دموعها بكفيها بعصبية وهي تشكي قائلة: "مكنوش عاوزني ألعب معاهم." رفع حاجبيه مزهولًا وهو يتمتم: "تلعبِ إيه بس؟ أنتِ إزاي أصلًا تطلعي من جوه."

صرخ فيها فجأة بآخر جملته فأبتعدت وهي على شفا حفرة من البكاء فبسط كفيه مستدركًا بحنان جارف: "خلاص خلاص متبكيش تعالي يلا." أراحت كفها بكفه الممدودة وآخذها للداخل وهذه المرة أغلق الباب خلفها قبل أن يقول أمرًا: "اقعدي هنا من غير صوت لحد ما أرجع." لم تلقِ عائشة له بالًا وجلست على المقعد تهز قدميها في حزن لأنها لم تواصل لعبها. ما أن التفت بعد غلقه للباب جيدًا حتى رأى أحد رجاله يدخل قائلًا في جفاء مكفهر الوجه:

"حسن.. ممكن أفهم البت دي هنا ليه؟ ليه منقتلهاش ونخلص أو... لم يستطع إكمال كلامه وإذ بـ حسن يدفعه بقسوة صارخًا فيه وهو يرفع سبابته بوجهه محذرًا: "إياك تفكر حتى إن أي حد يقرب منها وعزة جلال الله أدفنه." لم يدرك ما الذي دهاه ما أن خطر على باله فكرة رحيلها. رحيلها؟

كلمة ستكون بعيدة عن قاموسه لن يفرط بها. سيفديها بروحه أن حتم الأمر. لكنها لن تحصل أبناءها. سيفعل ما بوسعه لتتخطى أزمتها هذه القاتلة حينها سيتركها. لكن يستحيل وغير الممكن أن يصيبها شيء وهي بجواره إلى فؤاده. رفع الرجل كفيه مستسلمًا وهو يتراجع للخلف قائلًا في هدوء: "تمام.. تمام اهدئ، قررت إنهاردة هتقوم بالعملية ولا إيه؟ سأل سؤاله ونوى يقترب منه باهتمام. حك حسن ذقنه مفكرًا ثم هز رأسه قائلًا:

"أيوه، إنهاردة هنهي على البت، أتصل أنت بيه وقولوا إن كل حاجة هتخلص إنهاردة." أومأ الرجل برأسه وقال متسائلًا: "وبخصوص التاني دا هتخلص بردوا إنهاردة؟ نفى حسن قائلًا: "لأ دا ثأري أنا وبراحتي هاخده. أما دلوقتي فنعمل حسب ما اتفقنا مع ماهر ده وبعدين أفضى للتاني." دار خلف مكتبه ليفتح إحدى الأدراج مخرجًا مسدسه متفحصًا إياه بنظرة سريعة ووضعه ببنطاله خلف ظهره وهو يقول:

"هروح أجهز كل حاجة دلوقتي، لازم كل حاجة تمشي صح زي ما اترتب لها، مش عايزين ولا غلطة." تنحى له رفيقه جانبًا وهو يتبعه قال يوصيه: "تمام بس انتبه على نفسك." لم يجبه حسن. ولكن التفت فجأة قائلًا: "محدش غيرك هقدر آمنه على البت اللي جوه دي. خلي بالك منها، تمام؟ خبط رفيقه على كتفه قائلًا في ثقة: "اطمن أنت أمانتك في رقبتي." قالها وهو يضرب بكفه الآخر على رقبته دليل الحفاظ على كلمته، ثم استدرك قائلًا:

"متحطش كلامي في بالك أنا قولت كدا بس عشان أضايقت بس دلوقتي متقلقش هخلي بالي كويس منها." أومأ حسن قائلًا وهو ينصرف: "دا العشم بردوا."

وقف فيكتور في نافذة غرفته، عيناه لا تحيد عن الباب الذي مفتوحًا لمصرعيه، يتآكل الانتظار شغاف فؤاده، والقلق ينهش جسده. منذ الصباح والشباب متفرقون للبحث عن عائشة لم يتركوا وسيلة إلا واتخذوها. لا يدري ما سر تلك القبضة التي تشق صدره. مال بجذعه مستندًا بكفيه لحافة النافذة زافرًا بقلق، مسبلًا جفنيه في ألم، مرددًا في حيرة: "فينك بس يا يوسف؟

تناهى له صوت بكاء الصغيرة دارين التي على ذراع سجى الواقفة على مرمى بصره تذهب وتجيء بها وهي تهددها عسى أن تسكت قليلًا، فزفر بضيق متنهدًا بثقل. أرهف النظر لـ لمار التي جاءت للتو تسير على عجلة ملقية السلام على سجى وهي تلج شبه راكضة. فإنطلق هو للأسفل وتقابلا على الدرج ليشير إليها متسائلًا: "في جديد؟ مالك في حاجة حصلت؟ هزت لمار رأسها نفيًا وهي تستند على الدربزين بكفها قائلة بثقل:

"لأ، عندي مهمة ومداهمة كمان شوية معنديش وقت لازم أجهز أمشي."

أنهت جملتها وإندفعت ترتقي الدرج على عجلة من أمرها فعاد فيكتور للأعلى جالسًا على طرف الفراش بيده الهاتف مجريًا اتصالًا على يوسف للمرة التي لا يدرك عددها للآن. وحينما لم يجبه أحد ألقى بالهاتف إلى الفراش ونهض قائمًا إلى النافذة وعيناه لا تحيد عن البوابة مراقبًا الذاهب والآتي بلهفة، حتى رآه يظهر فجأة جائجًا بخطوات متمهلة، فـ اطمئن قلبه وارتاحت نفسه وتنهد حامدًا الله. فرفع يوسف رأسه للأعلى وكأنه يشعر بوجوده وابتسم له

بمحبة مغلقًا عينيه بإشارة ليطمئنه. وتنبه لوجود سجى فتوجه نحوها حاملًا منها الصغير وهو يخرج ليسير بها قليلًا أمام البوابة. وبينما هو يعود أدراجه للداخل رمق دراجة نارية تسير بتؤدة ورجلًا يركباها وإذ بالأخير يخرج سلاحًا موجهًا إياه نحو سجى، فخفق قلبه بعنف وهو يصرخ باسمها راكضًا للداخل وضمها لصدره لذا اخترق الرصاص جسده. صرخات فيكتور العالية باسمه تشق هدوء الليل وترج القلوب رجًا، بينما ضمت سجى الصغيرة بجسد يوسف الذي سقط

بين كفيها وهي تبكي صارخة. ودّت لو كانت ترى، لا، لا في تلك اللحظة حمدت الله كثيرًا أنها لا ترى، فكان من الصعب أن تشاهد خالها قتيلًا بين يديها. ألم يكف القدر عن أوجاعها؟

أم أنه لا يشبع ويظل يرويها؟ ألم يرَ أرويتها حد الموت! لقد فاضت ألمًا. خبط فيكتور في طريقه لـ لمار التي كانت كالصنم واقفة على أعتاب المدخل وقد رحل أخوها أمام عينيها. وتعثرت قدمه في قدم المقعد ليقع على وجهه وينهض مجددًا بعينان لا تفارق الحبيب الذي مد كفه له. لماذا فجأة باتت المسافة بعيدة؟

سقط فيكتور بجوار يوسف أخذًا رأسه على ساقيه يهزه بجنون طالبًا منه أن يعيش. في حين رمش يوسف وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة مغمغمًا وهو يرفع كفيه ليلامس وجه فيكتور! أخيه الذي لم يلده من رحم أمه فرزق به من رحم الحياة. وهمس بصوت متألم، متعب، باسم الثغر: "فـ ... فيكتور حبيبي ... متبكيش خليك قوي أمال مين هيهتم بعيلتي من بعدي؟ صرخ فيكتور وهو يهز رأسه غير قادر على النطق بحرف ودمعه يسيل كنهرين على وجنتيه.

تعالت صرخات الفتيات والصغار الذين حضروا على أثر صراخ فيكتور وبكاء سجى. بينما دنت لمار بقدمين مرتجفتين كأنما أصيبتا بالشلل وما إن أشرفت عليه حتى شهقت صارخة، باكية، وهي تسقط أرضًا. فأمسك يوسف كفها مغمغمًا بأنفاس تتلاشى: "عملك يا لمار عندك مهمة وناس بتناديكِ تجيبي حقها مش هسامحك لو مرحتيش." شهقت لمار مرتمية على صدره تهزه بجنون وهي تتوسله كلا يذهب.

بينما صرخ عثمان وهو يركض للداخل تاركًا ياسين الذي لم يقو على الاقتراب فسقط أرضًا: "إسعـــــــــــاف عايزين إسعاف بسرعة." كان يوسف يردد بصره على الجميع مبتسمًا للصغار الذين يبكون بقوة وخديجة التي سقطت أرضًا باكية دون صوت. ألقى نظرة وداع أخيرة عليهم، حافرًا ملامحهم بداخله. فما أن استقر بنظره على سجى حتى ابتسم آخر بسمة وردد لـ فيكتور بتعب:

"خُدني في حضنك، عايز أموت وأنا بين إيديك يا فيكتور زي ما عشنا سوا ومتفرقناش لحظة مش عايز نفترق دلوقتي." شدد فيكتور بقوة على أحضانه وقد تمزقت أحباله من الصراخ فظل يبكي منتفضًا، باكيًا الفؤاد دمًا، وغمغم بصوت غير مفهوم من البكاء: "يا حبيبي، متروحش يا حبيبي، هتسبني لمين؟ لا يا يوسف طب خدني معاك يا حبيبي، عشنا سوا خلينا نموت سوا، هعيش لمين دا انت عيلتي، يا حبيبي."

شعر بارتخاء جسد يوسف وثقله بين ذراعيه فصدم وهو يبتعد متطلعًا إليه فكان يهمس بالشهادة قبل أن يسقط رأسه قليلًا، فضمه أكثر وارتفعت صرخاته وهزه بقوة. نهض فيكتور وألقى على أخيه نظرة وداع حانية، يحفظ فيها صورته في عقله، ويحفر لها مكانًا في قلبه، لتبقى أثرًا لبقية عمره، إذ كان له عمرًا من بعده. تجمدت دموعه بمقلتيه وهو يصوب بصره بـ أثر مغادرة الدراجة النارية، بهالة مخيفة قاتمة تفعمت بحدقتيه، بقلب يتوعد بأشد الانتقام.

مالت لمار لترفع رأس يوسف، وقبلت جبهته والدموع تسيلُ سيلاً من عينيها، ثم ضمت رأسه إلى صدرها بقوة. هذه آخر ضمة... آخر مرة... آخر لمسة. أطبقت أجفانها الوهنة كأنها تحاول كتم وجعها بداخلها، ثم أبتعدت لتنظر لملامحه وسبابتها تتلامس وجهه علها تحفرها بفؤادها، وراحت تقبل وجهه بجنون. آخر قبلة...

قبلة الوداع هي، وما أصعبها من وجع. لن تقبله مرة أخرى، لن تراه، لن يمازحها. سيرحل للأبد. لن تستيقظ على صوته الحاني ورؤية وجهه البشوش. لن تتشبع من حنانه واهتمامه مرة أخرى. لن ينادها أحد بأميرتي مرة أخرى. آه أيها القلب توقف، توقف هي غير قادرة على هذا الفراق. لقد اشتاقت من الآن. ألقت إليه نظرة وداع أخيرة، توعده فيها على الثأر. استوت قائمة وهي تتنهد وتكفكف دمعها، بأعين حادة لا تبشر بالخير هتفت في حدة لا تسفر

عن مكنون قلبها من أوجاع: "العزاء لما أرجع من مهمتي أقوموا باللازم." ألتفتت إلى عثمان وهتفت في عنف: "مش هنسيب شغلنا بقا، امشي لازم نخلص المهمة دي إنهاردة، أقسم برب الكعبة ما حد هيفلت من تحت إيدي." نظر لها عثمان في تيهه، غير مستدرك لما تقوله، ربما تهذي؟ لقد خسرت من كان لها الحياة، الأهل، الأمل، الوجود. فما الذي ممكن أن تخسره؟ تنهدت بقوة وهي تستدير ولكن فجأة تعالت تأوهات سجى وهي تمسك بطنها ليهرع ياسين إليها،

وتصيح لمار قائلة: "سجى أظاهر هتولد وديها المستشفى." نظر ياسين لأبيه ثم لزوجته التي تتألم بين ذراعيه ليحملها سريعًا ويحث الخطى للخارج خلفه مكة التي حثتها لمار على الذهاب خلفهم فغادرت وهي تبكي بعنف غير مصدقة أنهم خسروا خالها توًا. ربما كانت في حلم يأسرها. يا ليتها تفيق منه سريعًا. يا ليته كان حلمًا. استدارت لمار مشيرة برأسها لـ عثمان وغادرت بقوة تُحسد عليها حقًا كانها لم تنهار منذ ثوانٍ قليلة.

تبعه عثمان مزهولًا ناظرًا إليها بقلق يخشى أن تنهار في أي لحظة غير محسوبة.

لا أحد كان يدري ما تعانيه في قرارة نفسها. لقد سقطت في هوة الأحزان والضياع وللنجاة من الألم الذي يأكل قلبها ويلتهم روحها كان لا بد له أن يزول، علها في تلك المداهمة لا تعود. ربما تلحق به. ربما حن عليها القدر الذي لا يرى غيرها. أو ربما تشرق الشمس ويزول كل شيء مع زوال الليل. غريب هو الليل لماذا وهو لا يزول كليًا دون ترك أثر في القلوب. لماذا لا ينصرف بكل أحزانه، وأوجاعه، وتشرق الشمس وتضيء القلوب وتطفئ منها الأحزان.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...