الفصل 25 | من 39 فصل

رواية جحر الشيطان الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ندي ممدوح

المشاهدات
19
كلمة
9,237
وقت القراءة
47 د
التقدم في الرواية 64%
حجم الخط: 18

"حامل !! حامل إيه؟ ومن مين؟ سألها عبد الله وانفجر ضاحكًا وهو يضرب كفيه ببعضهما. "فعلتها شيماء والله إنها لمجنونة، من تشوه سمعتها لأجل رجل لحمقاء! وبئس الحمق لرجل يتلاعب بها! لقد مل وقرر تركها وقالها صريحة، لكنها تفعل كل شيء ليعود لها. غبية هي إن حسبت إنه واقع في حبها، وهو والله ينفر منها. لا تعلم إن قلبه متعلقًا بالتي أمامه، أروى، مثل تلك الفتاة تحب. مثلها لا يضيع من بين اليد!

وقلبه الأبله تحدى كل شيء وذاب فيها. لقد تجاوز المخطط له، لكن إن كان قربه من شيماء سيجعله قريبًا منها فمرحبًا بذلك الحب السخيف. ولا ضير أن يستكمل لعبته." هدأ ضحكه في تمهل وعيناه تستقر على عينا أروى الذاهلة. فتحمحم يجلي حنجرته وما هم بالحديث إذ هتفت أروى فيه بإنفعال: "والله أنت واحد تستحق الحرق، تعمل عملتك وتهرب، مش عارفة بجد إزاي إللي زيك... قاطع عبد الله حديثها يقول في تريث وإشارة من يده:

"طب اسمعيني الأول لو سمحتِ، بلاش حكمك عليَّ ده، كلماتك صعبة، ونظرتك ليَّ أصعب." لكنها لم تعره اهتمامًا وكادت تقف، لكنه بادر يستوقفها: "شيماء بتكدب عليكِ! كزت أروى على أسنانها وهي تجيبه بصوت منفعل، غاضب: "إنتَ الكداب مش هيَ، وإياك تجيب سيرتها بالوحش قُدامي." تبسم عبد الله بسمة متهكمة.

"تلك الفتاة تدافع عنها وليتها تعلم كم تحقد عليها شيماء. قد تتشابه الوجوه والملامح، لكن تبقى القلوب غير القلوب، كل قلب مختلفًا عن الآخر. والنفوس الطيبة غير النفوس المريضة، ثمة فرق على أي حال! فرق شاسع يمتد لأميال." عادت أروى جالسةً أمامه مرة أخرى، وهتفت بضيق: "ياريت تقول ليّ الصراحة، فين قسيمة الزواج؟! فتنهد عبد الله مشبكًا كفيه على الطاولة وأردف:

"مفيش قسيمة زواج لأن كل اللي قالته ليكِ كدب، محصلش. كل إللي بدر مني إني قولتلها خلاص هبعد مش عاوزها وغيرت رقمي، لكن محصلش أي حاجة من إللي قالته! "وإيه إللي يخليها تقول كدا؟ "أروى، شيماء بتعاني من حالة نفسية غالبًا عندها نقص في شخصيتها، أكيد قالتلك كدا عشان أنتِ تقنعي عمي أنس يوافق يقدم الفرح بسرعة ويكلمني، لكن... أذدردت أروى لعابها بصدمة لم يستوعبها قلبها وتمتمت بصوت باهت: "ولكن إيه؟ رد عبد الله وهو

يميل بجذعه على الطاولة: "أنا خلاص صرفت نظر عن شيماء، مش بفكر فيها! أنزوت بسمة متهكمة على فمه مع رنين هاتفه باسم شيماء. "ليدير شاشة الهاتف أمام وجه أروى مع قوله الفاتر: بترن كل دقيقة وبتعيط عشان أرجع لها! ثم أغلق المكالمة وركن الهاتف جانبًا وعقد ساعديه على الطاولة وهو يستكمل: "دلوقتي حمزة رافض إرتباطنا، ولولا موافقة عمي أنس بسبب إلحاح شيماء مكنش حد وافق عليَّ. هنكمل إزاي؟ ساد صمت ثقيل قبل أن تتمالك أروى رباطة

جأشها وتقول بصوت فاتر: "أنا هتكلم مع حمزة وهقنعه. سلام." وقفت فور كلمتها الأخيرة تلملم أشياءها بضياع وتغادر. فتابعها هو ببصره وملامحه اللينة استحالت إلى جامدة، وعيناه بدت غامضة، وبسمة خبيثة ارتسمت على شفتيه. عاد بظهره للخلف في استرخاء تام، ثم رفع هاتفه مجريًا اتصال مبهم. *** هامت أروى في الطرقات كمن فقد بيته فجأة، لا تدرك أين السبيل لما يعتمل قلبها، وضاقت بها الدنيا بما رحبت.

"لمَ تكذب عليها شيماء بمثل ذاك موضوع كان يصيبها في مقتل! أنَّى لها بكذبة كهذه قد تُدمي قلب أخيها وتودي بحياة أبيها وتأجج نارًا في قلب أمها؟ أهكذا يفعل الحب؟ فبئس الحب إن كان كذلك، فلا مرحب به ولا سلام! أهذا حب يفتح له المرء بيبان قلبه؟ عيناها اختلطت بالحزن والخذلان وترقرق بهما دمع الخزي. "لأول مرة أجلس مع غريب! هذه المرة الأولى التي أفعل بها شيء من خلف أبيها! بسبب من ولما؟ يا ليته كان يستحق."

راودتها رغبة في البكاء، كظمتها بداخلها. "كم عسير على المرء أن يكتم دمعه وهو في أشد الحاجة للبُكاء! كم مؤلم أن يكظم حزنه مما ألَم به ولا يدرك كيف يصف ذلك! والمؤلم أكثر أن يخذلك من تنصفه بكل جهد منك! "لا، لا لم تفعلها شيماء، لم تكذب عليها. ثمة شيء آخر لا أفقهه، رُبما عبد الله ذلك يكذب عليها، لكن لمَ يفعل؟ آهٍ من الحيرة حين تستبد بالمرء وتذره يتخبط في بؤرة حيرته وخذيه."

"فليرحل الحزن مذمومًا مدحورًا وستذهب إلى شيماء لتعلم الحقيقة كاملة." وعندئذ استقلت سيارة أجرة إلى منزل أنس. وهنالك وقفت أمام شيماء في غرفتها وقالت في هدوء رغبة أن تثبر أغوارها: "قابلة عبد الله أنهاردة، ويلا راجعة.. جيت عليكِ على طول! لم يُخفَ على أروى تصنع شيماء الصدمة وهي تسأل بلهفة: "بجد! طب شمعنا قابلك أنتِ؟ قلك إيه؟ حكيتوا في إيه؟

كلماتها تقطر كذبًا يتدفق من مقلتيها، لكن أروى لم تبين شيء وجارتها في الكلام علّها تدرك بمكنون قلبها، وتظفر بخفاياها. قالت وهي تجلس على طرف الفراش: "قولت له إني هتكلم مع حمزة يوافق على تقديم كتب الكتاب." وحولت نظرها في عمق عينيها وتابعت: "وإيه رأيك يبقَ كتب كتاب واحد أنا وأنتِ وخديجة! لمعت أعين شيماء بفرحة وهمت بكلامٍ انحسر بداخلها حين غمغمت أروى بحدة: "ليه كذبتي عليَّ وقولتِ إنه اتجوزك وإنك حامل منه، ليه؟

ارتبكت شيماء ولم تعرف كيف وبماذا تجيب، وزاغت عيناها فرارًا من حصار عينين أروى العاتبتين بحسرة مصدومة. ظلت أروى تسأل ولم تجب. هزتها من كتفيها فزاحت شيماء ذراعيها وهدرت فيها: "إنتِ مالَك! أكذب براحتي! مكنتش متخيلة إنك هتوصلي ليه. أفتكرت إنك بس هتقنعي حمزة وأنس بس ومش هتعرفي إني بكذب، وأول ما يرضوا كنت هوصل بيه أنا بطريقتي." "ووقفت هاتفة

في غضب وعينين متسعتين: لكن الأستاذة راحت ولقته حتى بعد ما سافر ورجع وحكت له كل حاجة. دلوقتي أنا كدابة في نظره. أنتِ متخيلة عملتِ إيه بعملتك دي؟ في ذهول مخمور بالصدمة حدقت فيها أروى بلا استيعاب ونهضت تشير لنفسها في همس: "عملتِ أنا؟! دلوقتي أنا اللي غلطانة؟ بس هقول إيه بجد متستاهليش أي حاجة. أنتِ إزاي كدا! أنتِ مستحيل تكوني مننا. مفيش حد فينا بيكذب وبيألف كدا." "وهقولك نصيحة قبل ما أمشي." مع قولها كانت

تمسك بمقبض الباب مسترسلة: "عبد الله عمره ما هيصونك، بس أفضل حاجة ليكِ إنك تمشي في اللي اختارتيه وتجني بنفسك ثمار اختيارك. هتندمي وهتقولي أروى حذرتني. ياريت مفيش بينا كلام تاني." أوصدت الباب وراءها في عنف وغادرت دون أن تودع سمر، وأسرعت إلى بيتها كأنها تهرب من شبح الوجع هربًا، فلا فرار منه. دخلت إلى الشقة وانسابت دموعها التي رآها ياسين. فوقف متفاجئًا وما كاد يهرع إليها حتى سبقته هي ترتمي في حضنه وتبكي.

فخيم الصمت على الجلساء، إذ كان جان ودارين وسجى ومعاذ جالسين يتسامرون. فصوب الجميع أبصارهم إلى أروى التي أخفاها ياسين في حضنه متمتمًا بحنان خافت: "هش يا بابا، مالك في إيه؟ إيه اللي حصل معاكِ، بابا جنبك. قوليلي إيه مزعلك." من ذا قدير إذًا على إذابة وجعها غير أبيها؟ السند الذي لا يميل، والحنان الذي لا يضام، والرفيق الذي لا تغيره الأيام؟ فرفعت رأسها إليه مع هزة خفيفة تهمس بشهقة: "مفيش."

ربت ياسين على وجنتها مع إزالته لدموعها ولثم جبهتها بلطف وربط على كفها الذي سكن في راحته كأنه يبعث فيها الراحة، السكينة، الأطمئنان. فراعها إن وجدت الجميع يحدق فيها فضحكت ببلاهة. فتبسم جان لها وبادر قائلًا: "ما الذي يبكيكِ؟ وأسرع معاذ هاتفًا: "قولي مين مزعلك وأكسرلك رأسه." وصاحت دارين قافزة على ركبتيها فوق الأريكة وتنظر لها من وراءها: "أيوه قولي بس يا بت مين مزعلك، أنتِ وراكِ رجالة."

ضحكت سجى عليهم بينما حركت أروى كتفيها مجيبة وهي تثب بجوار دارين بعد ما التقطت حفنة من البُ: "مفيش يا رجالة الله يبارك فيكم." ونظرت لـ جان قائلة: "لا تشغل بالك بيّ، أردت فقط معرفة إذ ما زال ليّ حب بقلب ياسين أم كله لـ سجى." فـ وكزها ياسين في كتفها مغمغمًا: "اتلمي وقومي أعمليلي كوباية قهوة." فزمت شفتيها بضيق قائلة بحزن مصطنع: "أرأيت يا جان ذاك الحضن لم يكن بلا مقابل."

فمال ياسين بكفه بغية ضربها لكنها صاحت ناهضة جارية إلى المطبخ مصحوبة بالضحكات التي علت. وبينما هي تعد القهوة إذ جاء ياسين واقفًا بجانبها ودون أن ينبس ببنت شفة سحب المعلقة التي كانت تُقلب بها من كفها وأخذ بيدها إلى الطاولة ليجلسها وجلس بجانبها وسألها بحنان: "كان مالك بتعيطي ليه؟ تجمعت العبرات في حدقتيها مع سؤاله، فضم كفيها في راحتيه وقال بقلق: "حد ضايقك يا أروى؟ قوليلي!

لم تجد مفرًا من البوح له بما في جعبتها، فراحت تقص عليه ما حدث كله مدعية فقط إن شيماء وعبد الله تخاصما وأصلحت بينهما وإن شيماء حزنت لأنها قابلته. لم تسطع أن تخبره بكذبة شيماء! أو أن تنزل من نظره فاستأثرت التستر. فضمها ياسين بعد أن فرغت من مكنونها، وقال برفق: "مش هعاتبك على حاجة يا أروى، ولكن زعلي كله إنك قابلتي عبد الله من ورايا. كُنتِ قولتيلي وأنا أتصرفت." فحدقت فيه وسألته بجزع وهي ترفع رأسها عن حضنه:

"بابا إنت زعلت مني! بالله ما تزعلش أنا.." "بس يا حبيبتي مش زعلان وقولتلك مش هعاتبك على وعد أن الحاجة دي متتكررش." فتبسمت أروى متنهدة في راحة وقالت: "أوعدك يا حبيبي." رن هاتف ياسين جاذبًا انتباهه، فـ تركها مكانها وخرج دقائق ثم عاد وهو يقول: "خدي كلمي حمزة عاوز يطمن عليكِ، وأنا هقف هنا." تناولته أروى منه بلهفة، وردت في استحياء ممزوج بالشوق: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إزيك يا حمزة؟ فرد حمزة السلام قائلًا:

"وعليكِ السلام ورحمة الله وهداه ورضاه، بخير الحمد لله، أنتِ عاملة إيه؟ أجابته أروى بإيجاز وهي ترمق أباها بخجل، وسألت عن خالد وأجابها بإنه بخير ويسلم عليها. ثم سألها بنبرة ذات معنى: "أنتِ كنتِ فين النهارده؟ فشحب وجهها فجأة، ولم تدرِ كيف تجيب وبماذا تجيب، فقالت بنبرة متوترة: "كنت.. كنت عندكم." "متأكدة عندنا بس؟ فبهت وجهها وسكتت هنيهة مسبلة جفنيها على قلقها وقالت وآخذة نفسًا عميقًا مجيبة: "أيوه." فتبدلت نبرته

وهو يقول بنبرة فاترة: "تمام، سلام." "سلام." أغلق الخط فور كلمتها فردت الهاتف لأبيها الذي لاح له شحوبها وسألها ما بها، فردت بأن لا يوجد شيء. ***

في معرض الرسم وقفت تتأمل لوحاتها المنظمة بعد انتهائها من ترتيبهم. والحق يقال، إنها ما بين الثانية والأخرى تلقي نظرة عليهم، كأنها تخشى أن يتزحزحوا. قلبها مضطربًا بالقلق، عيناها زائغة على باب المعرض في انتظار شخص معين، شخص لطالما أعانها في تلك المواقف واحتواها وكان المتكلم بيسر عنها. "تراه يأتي؟ أو لن يأتي؟ إن لم يأتي فلن ألومه حقًا معه كل الحق أن لا يأتي! لن يأتي. ما هو إلا القليل وينفتح المعرض، سأنسحب حتمًا!

لم يجيء أحد حتى الفتيات لم يأتين! "مؤلم أن يجد المرء نفسه وحيدًا وسط الزحام دون اكتظاظ الأحبة حوله." دمعت عينيها مع خواطرها التي أضنت روحها، وأطرقت برأسها سابلة جفنيها بقوة. رفعت رأسها تلقي نظرة أخيرة على لوحاتها وقد عزمت على التراجع. وبينما هي غارقة في هواجسها إذ خفق قلبها كالطبل بغتة معلنًا عن التقائه بشطره الآخر.

فرفعت نظرها في لهفة ولم يخب قلبها إذ كان معاذ يقبل مرتديًا بنطال من الجينز الأسود وتيشرت أسمر اللون بنصف كم وكوتش أبيض لامع مصففًا شعره. سلب روعها، هو في كل حالاته يسلب كل ما بها، قلبها، روحها، وجدانها، حتى أنفاسها ويتركها مسلوبة الإرادة.

"لقد جاء حقًا لم يخلف بوعده السابق أن يظل بجوارها طيلة العمر مهما احتاجته، فكان لها الآن أن تتنفس في راحة مخرجة توتر روحها الملهب وتناهى لها صوته قريبًا: أتمنى ما أكون اتأخرت عليكِ، كل حاجة تمام؟ وقبيل مجيئه عانى من أفكاره في الآتيان حتى انتصر قلبه على عقله وجاء. فنظرت بتمعن إلى وجهه كأنها تروي ظمأ روحها العطشة، عيناها الهاربتان عن عينيها وعنها بالتحديد. ودت لو لها الحق أن تمسك وجهه وتنظر لعمق عينيه، لكنها

تنحنحت مجيبة لتشير بمعنى: "أفتكرتك مش هتيجي! فرد عليها بإيجاز وهو يتجه إلى اللوحات: "مش أنا اللي أخلف بوعدي." إندمجا معًا في اللوحات وترتيبها والتحدث عن مدارها حتى حضر الفتيات أجمعهم ومالك وجان.

وبينما هم جميعًا متجمعون يضحكون، يتسامرون، إذ حضر شهاب فسكتت الألسنة وأختفت البسمات، وتلاشت الضحكات، ولُجمت ملك كأن أصابها سهم مسموم لا تدرِ من أي اتجاه جاءها. وبعد أن ألقى السلام وردوا بفتور تبادل مع معاذ نظرة غاضبة. وحينما نظر إلى جان سأل عنه فـ أشارت له من يكون وعرفاتهما على بعضهما، واستقرت عيناه على ناردين ليبلل شفتيه بلسانه وما كاد يسأل من تكون إذ سحبتها الفتيات بعيدًا وعقبت دارين قائلة:

"تعالي يا بنتي نتفرج على اللوحات، مش عارفة إيه الدبان الرزل اللي حضر فجأة ده." وبعد ابتعاد الشباب أيضًا، وقف شهاب أمامها قائلًا بغلظة: "أنا مش قلت ملكيش علاقة بـ اللي اسمه معاذ ده، جاي ليه لحد هنا؟ فـ بنظرات محتدة كانت تشير له بإنفعال بالإشارة بمعنى: "إنت مالكش الحق تقولي أكلمه ولا لأ... فجز شهاب على أسنانه مقتربًا خطوة، أبتعدت عنه حذرًا وليس خوفًا فزمجر قائلًا بشراسة:

"ملك مش عشان بحبك وعايزك تسوقي فيها، أنا معنديش عزيز. يوم ما هتعصيني... وتبسم ببسمة ذات معنى جعلتها تستدرك ما يعني، لكنها استوضحت بتحد بإشارة من يدها ورأسها "هتعمل إيه يعني". فغمز لها قائلًا بنبرة مرحة: "الفيديو هيكون منور على الشاشة والناس كلها تعرف حقيقة حفيدة عيلة الشرقاوي." ودت لو تبصق في وجهه، أو تبتعد عن كل الوجود إلى مكان نائي وتصرخ.

"قاسية تلك الأوجاع؛ مؤلمة حد الموت هذه التي لا يستطع المرء البوح بها إلا صراخًا. إنها أشد ألمًا لو تعلمون، أو كأنها نارًا تندلع في قلب صاحبها وتظل تنهش فيه حتى يصبح فُتات." ضحك شهاب متحدثًا بمرح كأنما لم يهددها توًا، وكانت هي كل فنية وأخرى تخطف نظرة إلى أخيها ومعاذ تستمد منهما القوة. وحين مرة تلاقت نظراتها مع معاذ وبقت لثوانٍ عالقة حتى تنبهت لمالك يحاوط كفها ويقطع حديث شهاب بقوله:

"كفاية كده، روحي يا حبيبتي اقفي مع البنات." ففرت ملك من أمامهما كأنما تفر من إنسان متجسد في شيطان. وأنهمكت ملك حين بدأت الناس تتوافد إلى المعرض وفي عمل حوارات صحفية عن لوحاتها التي حازت على إعجاب كبير من الوافدين والتصوير مع معجبيها. حضر ياسين آتيًا مع شيماء التي صافحت أروى وخلا بهما ياسين. إذ ذلك قال عاقدًا ذراعيه:

"في عيلتنا مفيهاش خصام لا مع غريب ولا قريب فما بالكم بـ أخوات. هتسمحوا لحاجات تافهة تفرقكم، وخاصةً إذ كان راجل ميستهالش." فـ أردفت شيماء وهي تشيح بوجهها: "أنا مخصمتش حد." فنظر ياسين لابنته وقال بحنو: "وأروى قلبها أبيض مش بتخاصم حبايبها لوقت طويل بتتصافى بسرعة." واسترسل بحدة: "يلا أنتِ وهي تصالحوا قدامي بلاش لعب عيال." فزمت أروى شفتيها وهي تقترب من شيماء وتعانقا ضاحكتين، فتبسم ياسين مرتاحًا ورفع كفيه مطوقًا

كلا منهما مع قوله: "بلاش تسمحوا لحد يدخل بينكم، الدنيا مش مستاهلة زعل وخصام محدش عارف هنفارق إمتى الحياة." وجه حديثه إلى شيماء برفق: "وأنتِ بلاش تفكري إن أخوكِ مش بيحبك، حمزة بيحبك وبيخاف عليكِ، ولما يقول لك على حاجة لأ يبقى لمصلحتك. هو بيتمنالك الخير. تصالحي مع نفسك يا شيماء عشان تتصالح مع كل اللي حواليكِ." وتابع بتنهيدة أودع فيها جم راحته:

"الحب يا شيماء لو مكنش يعزك ويرفع يبقي مش حب. لو مكنش في احترام بينكم ومودة واهتمام وخوف على الثاني يبقي مش حب. الشخص اللي يجرك للنار عمره ما حبك عشان اللي بيحب بيتمنى حبيبه يبقى معاه في الجنة ويسحبه معاه." ثم تابع بزهو: "عندك أنا وسجى مثلًا، هل سمعتي في يوم إن في بينا خصام، خناق، زعل؟ هزت رأسها فاستأنف: "عشان أنا وهي واحد، مفيش إنسان بيخاصم نفسه ولا يزعلها ولا يجرحها. هي عندي بالدنيا وأي حزن، ألم، أنا اللي بتوجع."

"اللي عايز أقوله أختاري صح، أختاري اللي يصونك ويحطك جوة عينيه.. الحب اللي يزل صاحبه مش حب." *** دلفت خديجة إلى المنزل قبيل العشاء بعد رجوعها من المستشفى لتتفاجأ بـ جان يجلس برفقة ناردين ويغني أغنية أجنبية والأدهى يعزف على الجيتار. فأخذها الزهول وهي ترمش بعينيها، فتوجهت نحوهما فتوقف جان باسمًا: "خديجة، كيف حالك؟ لم أراكِ اليوم! فجلست خديجة بجانب ناردين وهي تجيبه:

"بخير الحمد لله، لأني ذهبت إلى المستشفى باكرًا؛ كان لدي عملية." فأرتمت علامات الأسف على وجهه وقال بحنو: "لا بُد إنكِ مرهقة! فنفت خديجة باسمةً ورغم أن بسمتها لم تظهر إلا عينيها فجأة لمعت وتمتمت بصدق يلامس القلب: "إرهاق!! تلك كلمة خارج قاموسي. فرحتي لا تعادلها إيه فرحة أمام فرحة أهل المريض بنجاح عملية مريضهم." وجدت ناردين تسند ذقنها إلى راحتها وتتأملها باسمة، فـ غمزة لها قائلة: "ما بكِ لمَ تنظرين إليّ، أعلم إني جميلة."

"أنتِ جميلة حقًا، ثمة هالة تحيط بكِ تجذب الناظرين، بكِ شيئًا كـ.. كالنور وسط الظلمة." ثم استوت جالسة وسألت: "لماذا ترتدي هذا النقابُ يا خديجة وتخفين وجهك؟ أجج لهيب الكلمة صدر خديجة فراحت تتأمل السماء بدموع سجينة خلف نافذة عينيها وتمتمت: "حالمة يصل المرء لدرجة الاشتياق لنبيه وكل أحبته يسير قدوة لهم في الحياة الفانية." سكتت لوهلة ناظرة لها تنتقي كلماتها، وهمست:

"كل شيء فانٍ يا ناردين، الدنيا لا تستحق أن ننغمس فيها ونضيع جنتنا.. هذا النقاب ليس فرضًا، لكني أرتديه حبًا في السيدة عائشة حتى يجمعني الله بها في جنته، أرتديه لأسمو درجة من العفاف، وأخرى في الستر، حتى أكون درة مصونة لم تغتصبها النظرات، حتى أكون مصونة من الفتن ولا أحمل وزر أحد من الناظرين إليّ... قاطعتها ناردين تقول بعدم اقتناع: "ولكن لماذا نخفي جمالنا؟ ألم يرزقنا الله به، لماذا رزقنا به إذَنْ هل لنخبيه؟!

فحركت خديجة كتفيها صعودًا وهبوطًا مع سؤالها: "وهل تحترمين نفسك حين ينظر لكِ كل من هب ودب بنظرات بشعة وتتشبع من جمالك وتحلم به؟

الأمر ليس كما تظنين. ربنا رزقك الجمال لكِ لنفسك لزوجك على كتاب الله وسنة رسوله. الجمال ليس كل شيء يا ناردين.. أصبحنا في زمن مليء بالفتن والضلال والاغتصاب بات شيء مخيف لا يعرف كبيرًا وصغيرًا متدينًا أم لأ جميلًا أم قبيحًا. الناس لم تعد في قلوبهم رحمة هجروا القرآن وتركوا الصلاة، أوَليس من الأفضل أن نأخذ بالأسباب؟ أن نستر أنفسنا من أعين وحوش ذو مخالب قد تجهم عليكِ في أية لحظة؟!

جمالك لكِ يا ناردين، جمالي ليّ لي وحدي وأحب أن أخفيه لمن يصونه ويقدره." إلتفتت خديجة إلى جان المنصت لها بتركيز شديد، وقال: "أتدرين إنكِ الوحيدة التي منذُ رأيتها شعرتُ معها بالألفة؟ فبوغت بسؤال خديجة له: "وهل تعلم إن الغناء والعزف حرام؟! فرفع جان إحدى حاجبيه متمتمًا بتذمر: "لا تبدأين معي يا خديجة، أنا عنيد للغاية ولن أفرط في هوايتي! "وإن كانت هوايتك هذه قد تكون سببًا في دخولك نار جهنم؟

نار جهنم اخترقت قلب جان فأوقدته نارًا، الكلمة أصابت من قلبه إصابة بالغة وقشعر لها بدنه. نعم! مجرد كلمة لكن وقعها كان صعبًا فـ قال بصوت يهزه الاضطراب: "نار جهنم! لمَ يا خديجة؟ فأخذت خديجة نفسًا طويل زفره على مهل، وقالت: "أول هام فإن العزف حرام وقد قال الرسول ﷺ: 'ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف.' (والحر:

هو الفرج الحرام يعني: الزنا، والحرير معروف محرم على الرجال، والخمر معروف محرم على الجميع وهو المسكر، والمعازف هي الأغاني وما يعزف به من آلات الملاهي.) رواه البخاري. وقال الله تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا} [لقمان: 6] .. أرأيت يا إسلام كيف العزف من أكبر الكبائر والذنوب إذ يأتي مقرونًا مع الحر، والحرير، والخمر.... هل أنت على قدر ذاك الذنب؟

هل أنت مستعد أن تموت ويكون رفيقك في القبر؟ اسأل نفسك الآن يا إسلام: هل أنت مستعد للموت؟ الدنيا فانية والمرء فانٍ والله باق. أمستعد لعذاب القبر وظلمته ووحشته؟ قبر المؤمن إما حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة فـ أيهما تريد؟ مستعد أنت إلى البعث والحشر والحساب؟؟؟ الحساب هل أنت جاهز له، ماذا ستقول لربك حين يسئلك؟ هل مستعد للسير فوق الصراط؟ هيا اسأل نفسك لتدرك أن العبد والله فقير وسيبقى فقيرًا إلى الله يرجو هدايته."

ترقرق الدمع في مقلتيها وسكتت هنيهة، واسترسلت قائلة: "كل شخص يستمع لعزفك وغنائك أنت من سيحمل ذنبه. المرء يكفيه ذنوبه يا إسلام، أي قلب هذا يتسع لذنوب الآخرين.. نشير الأغاني ونرسلها للأصدقاء والأقارب ظنين إننا نشاركهم شيئًا جميلًا ولا ندري أن هذه الأشياء الجميلة قد تكون ذنوبًا تودي بصاحبها في نار جهنم، فلماذا لماذا نحمل ذنوب الآخرين ونحملهم ذنوبًا أيضًا نحن سببها؟ ألا يكفي؟

ذرفت مآقيها دمعًا كان حبيسًا، واستمطرت شآبيب عيون ناردين تلقائيًا متأثرة. ولج إسلام في الاستعبار. فـ كفكفت خديجة دمعها ونهنهت وجالت عينيها عليهما وهي تستأنف حديثها الذي لمست وقعه في قلبيهما: "لا تحسب الأمر هينًا، فهو مكائد الشيطان. لا يجتمع حب الغناء والقرآن في قلب مؤمن فإن سمع الغناء وغناءه يسد القلوب عن سماع القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان." "ولك مما قاله ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان)

فـ أنصت بكلا أذنيك، وافتح بيبان قلبك حتى تلج الكلمات ماحية آثامك

يقول الشيخ رحمه الله: يا شماتة أعداء الإسلام، بالدين يزعمون إنهم خواص الإسلام قضوا حياتهم لذة وطربًا، واتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، مزامير الشيطان أحب إليهم من استماع سور القرآن. لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرك له ساكنًا، ولا أزعج له قاطنًا، ولا آثار فيه وجدًا، ولا قدح فيه من لواعج الشوق إلى الله زندًا، حتى إذا تلي عليه قرآن الشيطان، و ولج مزموره سمعه، تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينيه فجرت، وعلى اقدامه

فرقصت، وعلى يديه فصفقت، وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت، وعلى زفراته فتزايدت، وعلى نيران أشواقه فأشتعلت، فيا أيها الفاتن المفتون، والبائع حظه من الله بنصيبه من الشيطان صفقة خاسر مغبون، هلا كانت هذه الأشجان عند سماع القرآن."

هنا وسألت خديجة إسلام بعبرات استهلت: "هلا حضرت هذه الأشجان عند سماع القرآن؟ هل هيج القرآن دموع عينيك خوفًا من الله، من عذابه، من شوقك لرؤيته؟ هل ملأت قلبك رهبة، وروحك خوفًا؟ هل منعت من عينيك النوم فتقيم الليل كله؟ أيهما تريد أن يكون أنيسك في قبرك ووحشته وظلمتك الأغاني، أم القرآن الذي يطمئن القلوب؟ فكر الآن واختار." ران عليهم الصمت، كان إسلام تائهًا بين أفكاره، حائرًا لا يدري! أيمكنه التخلي عن غنائه بسهولة؟

موسيقاه التي تنعش قلبه وينتظرها جمهوره! الغناء الشيء الوحيد الذي إذا سمعه أو غناه يذهب حزنه! أنَّى له أن يختار عن تركه أو إكماله؟ لكن.. لماذا يبكي قلبه الآن خوفًا من الموت؟ لماذا قلبت خديجة حياته من الأساس؟ لقد كان مرتاحًا لا يفكر في الموت قط أما الآن فـ الموت حائل بينه وبين حلمه. لقد أصبح مغني مشهور، هل يضيع كل هذا في ثانية؟ يا الله ما هذا التخبط والحيرة؟ أسبل جفنيه في عنف وردد في نفسه بعنف:

"لا، لا يمكن للمرء أن يتخلى عن حلمه بعد أن صار قاب قوسين أو أدنى من تحقيقه، لكن الموت ماذا لو أتى يا إسلام؟! عليك أن تكرر جنة أم نار؟ يا نفسي الأمارة بالسوء تنحي جانبًا واطردي شيطانك بعيدًا فوالله أريد الجنة وأريد حلمي أيضًا، لا يمكن أن أتخلى عن الغناء." فتح جفنيه لتلتقي عينيه بعينين خديجة التي تعلم ما يمور في نفسه من اضطرابات وجاهزة أن تهديه السبيل. هز إسلام رأسه حائرًا وقال بصوت خفيض:

"لا يمكن، لا يمكن أن أتخلى عن الغناء يا خديجة والعزف، لا أتخيل حياتي بدونهم أبدًا." هُنالك وقفت خديجة متهيأة للدخول وتلت قبل مغادرتها: "وَمَن يُرد اللهُ فِتنةٌ فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يُرد الله أن يُطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزيٌ ولهم في الآخرةِ عذابٌ عظيم (المائدة)

رتلتها ورحلت فـ بهت وجه إسلام ونظر لها مشدوهًا حتى اختفت. الآية رجفت قلبه أشد رجفة، غاض دمعه وأمتقع وجهه وهو يحدق في وجه ناردين التي دنت منه رابتة على منكبه برفق مع همسها: "خديجة تحب لك الخير." استشعر خديجة ترد وهي تقبل مجددًا: "هذا أكيد." وتابعت جالسة وهي تسحب ناردين بجانبها: "لأني أريده معي في الجنة ولن أتركه للشيطان ولا للفتن والفسوق." ثم زمت شفتيها قائلة: "كنت عطشى يا بُني لذلك دخلت لأرتوي وعدت، ماذا ظننت أنت؟

لن أقوم ولا تقوم حتى أقنعك بترك الغناء." "أنا خائف يا خديجة متخبط العقل والذهن لا أدري، خائف لا تتركيني." "وأين أذهب؟ حسرة عليَّ جالسة فوق قلبك لا تقلق." قالتها خديجة في مرح، فإذا بناردين تقول في استحياء من سجيتها الخجولة: "أريد أن أرتدي الحجاب! نظرت لها خديجة متفاجئة فوجدتها مطرقة الرأس تزيح خصلاتها خلف أذنيها فتمتمت بسعادة:

"يالله، أغبطتيني يا فتاة وازهرتِ قلبي. هذا أحلى خبر جاءني اليوم أقسم لكِ.. سترتديه إن شاء الله ولكن ستختمر حبيبتي." صوبت بصرها إلى إسلام وسألته فجأة: "هل قراءة القرآن بالتجويد؟ فهز رأسه رافضًا وغير فاهمًا ما معنى تجويد، فتنحنت خديجة قائلة: "إسمع هذه السورة مني وقولها، وراحت ترتل بصوت سجي سورة 'الزلزلة'."

واختارت سورة الزلزلة لما بها من آيات ترجف القلب، وترهبه من يوم القيامة وليعلم الإنسان إن عمل ذرة من خير سيجدها وإن عمل ذرة من شر سيجدها. خشوعها في السورة جعلت قلب إسلام يرج رجًا شديدًا ويتزلزل. ففسرتها له خديجة بكل يسر وأتمت قولها قائلة: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ ﴿٧﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ ﴾ [

سورة الزلزلة آية: ﴿٧﴾ ] "المثقال هو الوزن، والذرة هي النملة الصغيرة، والرؤية هنا ليست برؤية بصر، وإنما هي عبارة عن الجزاء. وذكر الله مثقال الذرة تنبيهًا على ما هو أكثر منه من طريق الأولى؛ كأنه قال: من يعمل قليلاًً أو كثيرًاً." ابن جزي. حين هدأت رجفة إسلام أسدل أهدابه وأخذ لسانه يتلو كما تلت خديجة أمامه، متأملًا بكل كلمة يلفظ بها قلبه قبل لسانه، مستلذًا بكل حرف يقرأه، أوَليس كل حرف بحسنة؟

ما إن انتهى كان دور خديجة لتدمع عينيها، وبرز بغتة صوت دارين قائلة وهي مأخوذة تمامًا: "بسم الله ما شاء الله، الله أكبر بجد، صوتك يبعث الراحة في القلب، وينفذ إلى الفؤاد ينعشه." فطرف إسلام مبهوتًا، وقال: "حقًا؟ فبادرت خديجة قائلة بسرور وغبطة: "سبحان الله صوتك يبث المرء بالراحة والسكينة، أغاني ماذا بالله يا هذا؟

فلتترك الأغاني والسيئات ولننشر حسنات تبقى حين فنائك وفناء روحك أثرًا لا يطمسه الموت بعد موتك.. ألا تريد أن تملأ ميزانك حسنات تمحي سيئات الأغاني؟ دون تفكير كان إسلام يهتف متهللًا: "بلا أريد، ستعلميني أقرأ بالتجويد؟ فردت خديجة بزهو مصطنع: "سأعلمك بالطبع، أنا أيضًا أريد حسنات وهل أفوت؟ قهقه إسلام بسعادة يشوبها الحزن الذي لاحظته خديجة وفهمته فقالت:

"صلي ركعتين توبة؛ إن الله يحب عباده التوابين الأوابين وسأعلمك كيف تستغفر، إن ربك يا إسلام حنان منان رحيم مهما أسرف العبد من ذنوب وتاب فإن الله غفور رحيم يغفر الذنوب جميعًا ويفرح. (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) [البقرة: 222]." أشرق وجه إسلام وتلألأت عينيه بأمل جديد وحياة جديدة. حياة سيجاهد بها ليكون صالحًا ويستحق الجنة. تنبهت خديجة لشرود دارين الحزين، فسألتها عما بها؟ فـ أجابت بنبرة تقطر حزنًا:

"كنت دائمًا ما أسمع الأغاني يا خديجة وكنت قليلًا ما أسمع القرآن، وإن سمعته بلا إنصات أو إدراك. كنت أشير الأغاني لصديقاتي وعلى حالة الواتساب والفيس بوك وكان يسمعها الكثير ويتفاعل معها الكثير ويطلبها الكثير، وكانت ذنوبي تتزايد، وتتزايد وأنا غارقة مستسلمة للشيطان." فقالت خديجة برفق:

"ربك رؤوف بعباده توبي إليه فإنه يقبل التوبة ويغفر الذنب، ويفرح بتوبة عبده، واستدركي ما فاتك فما زال لديك فرصة طالما بكِ شهيق وزفير. النفس أمارة بالسوء فجاهديه، وإن كانت سيئاتنا كثيرة فسنمحوها ونطمسها بالحسنات، حسنات تملأ الميزان حتى تفيض، فـ اعزمي من الآن والله قريب، مجيب، بصير بعباده لا تؤخذه سنة ولا نوم." ***

في غسق الليل، توقفت سيارة يجلس خلف مقودها نجيب وفُتح الباب الخلفي وترجلت منه منه بفستان أسود اللون مطعم في الأكمام بالورود الحمراء، رافعة خصلاتها بتصفيفة رائعة وتسلت بعد الخصلات على وجنتيها، وسارت فوق ورود منثورة ضحكتها كانت تملأ المكان وقلبها كان يرفرف من شدة الفرحة ورأت آجار في انتظارها فوق سفينة تتلألأ بالزينة وسط ظلمة البحر. الهواء كان يداعب بشرتها كأنه يشاركهما لحظتهما، مد كفه ما أن وصلت إليه فناولته كفها قافزة إلى السفينة.

القمر كان بدرًا منيرًا يتأملهما في انبساط ويضيء ليلهما بنوره، والنجوم لامعة في سماء صافية تشاهد فرحتهما. "تبدين رائعة، وجميلة." قالها آجار ناظرًا بتمعن لنجلتاويتها الكحيلتين زادهما الحكل جمالًا ودلالًا. وهل تدرك عن دلال العيون شيئًا، فإنها حين تفرح وينبع الفرح من القلب تدلل بلمعة لطيفة كأنها مرآة للقلب. فهربت عن حصار عينيه رامشة وقالت متأملة السفينة وزينتها: "واو أأنت فعلت كل هذا؟ فـ أوما آجار مشاكسًا:

"لـ عينيكِ أفعل كل شيء حبيبتي." بذلته السوداء كانت تذيده تألقًا وخاصة حين أقلعت السفينة مع انسياب موسيقى هادئة مصحوبة بكلمات أجنبية رومانسية، وجثى على ركبته فاتحًا علبة مخملية تحوي خاتم لامعًا، لمعانه أضفى للأضواء بريقًا فدمعت عينا منه مجهشة في البكاء، وقالت: "آجار، أحبك كثيرًا يا هذا." ابتسم آجار: "هل تقبلين يا أميرتي أن تُحيي مملكة قلب أميرك؟

فهزت رأسها مرارًا فـ ألبسها الخاتم وما كاد أن يستوي في وقفته إذ ارتمت في حضنه باكية فضمها بحنان يغلفها السعادة التي كادت تذيب قلبه. أبتعدت عنه مع صوته الهامس يقول في ترقب: "سنتزوج غدًا، لا أريد أن تمر دقيقة أخرى من حياتي إلا وأنتِ بجانبي." فـ أطرقت رأسها موافقة فضم راحتها في كفه وسحبها إلى طاولة ممتلئة بما لذ وطاب وأجلسها وجلس. مرت الليل جميلة، وسط البحر ودجى الليل ونسماته. تأملها آجار وهي تقف شاردة بصرها معلقٌ

في المياه وقال في نفسه: "محظوظ أنا إن تعثر قلبي بكِ، ولكني أخشى أن يزول هذا الحظوظ، أهاب أن تخطفك الحياة مني، بداخل قلبي ندبة لن يعالجها من نساء العالمين أحد إلا أنتِ، فلا تتركي قلبًا بالخوف يناجيكِ، وبـ الألم يستغيثك، لا تتركي يدًا من فجوة الموت تناديكِ، وبـ أنين الوجع ترجوكِ ألا ترحلين فيرحل كل جميل، أحببتك كعمر إن غبتِ ضاع، أحببتك بروح قد جُنّت بكِ، وعينان لا تريان غيرك." "آجار، آجار يا هذا أين ذهبت سارحًا."

تنبه آجار على صوتها ليدحر تفكيره جانبًا ويهز رأسه: "معك، أين قد أكون." فشبكت أصابعها في أصابعه وهي تهديه أجمل ابتسامة تسارعت لها ضربات قلبه فضم رأسها برفق ليستكين على صدره وذراعه يحاوط كتفها، وهمست: "سنتزوج ولن نفترق أبدًا سنرسم أحلامنا ولن يفرقنا بشر، آجار أحبك بدرجة لا أتخيل حياتي بدونك أحببت الحياة منذ أحببتك؛ لذا أرجوك أبقَ دائمًا بقربي." رفعت رأسها وضمت وجهه بين كفيها تلتهم ملامحه داخل شغاف قلبها الذي شغفه حبًا،

وأردفت بصوت عاشق ولهان:

"أحب ملامحك كثيرًا، أحب أن أسكن في عينيك وتغلق عليّ بأجفانك، أذوب في عينيك حين تضمني وتحتويني وكأنها تميمة حب تطوف حولي، وحين تكن بعيدًا عني طيفك يدثرني برداء الحب، حبك كان مطرًا روى ظمأ قلبي. حبك كان مسكنًا سكنته ولا أريد أن أبرحه. حبك كان غيثًا استمطر فوق صحراءي اليابسة فتلقفت قطرته قطرة قطرة حتى ارتويت. أنا المشتاقة لقربك وغير قربك لا أريد. أنا التي سأصنع لك بين حنايايّ مسكنًا فلا تريد مسكنًا غيره... "آجار انتبه."

بعض اللحظات الجميلة لا تكتمل وخاصة لمن لم يعتد السعادة. صاحت منه مقاطعة كلماتها، ومتسعت العينين التي كانت لامعة بدمع الحزن وهي تدفع آجار لتقف أمامه ودوى صوت رصاصة مصحوبًا بصرخيتها التي شقت قلب آجار وهو يحتويها بين ذراعيه خالعًا رداء الثبات ليصيح بفزع والدموع تفيض في مقلتيه..... وتوقف كل شيء، ربما قلبه توقف أيضًا رغم إنها ما زالت تنظر إليه بنظرات ضعيفة ووجه شاحب والدم يغلف كفه الذي راح يلامس وجهها به.

"أن تضحك لك الحياة وتعطيك السعادة أعلم إنها راضية عنك. إن تلونت بكل ألوان الحب وقالت هيت لك. إذ فرشت لك على ظهرها ورودًا وازدهرت، وضحكت، فإنها فقط تمهد الطريق ربما لنكبة عسيرة قادمة؟ أو فرحة مخبأة بين جنباتها." "أرأيت يومًا عروس مرتدية الأبيض كأن وجهها كوكب دري يضيء الظلمة، متجبسة الذراع؟ ألك أن تتخيل الآن حال منه التي لم يمهلها آجار التعافي إذ ما أن اطمئن على صحتها لم يترك للقدر فرصة بالثأر منه فأثر التعجل."

كانت تجلس بجانبه وهم يعقدون كتابهما واجمة، ورغم وجومها كانت رائعة الجمال وضاءة الوجه. رمقت آجار الجالس بجانبه يكاد يطير فرحًا بعبوس لم يغطى على فرحتها الطاغية وإن بدت غير ذلك. تذكر حين فاقت من إغمائها لتجد نفسها بالمستشفى ذراعها ملفوف بالشاش وقد تم نزع الرصاصة منه. هنالك سحبها آجار من الغرفة متلهفًا غير عابئ بحديث الطبيب الذي هتف خلفه: "يا سيد لا يمكنك أخذها يجب إجراء بعض الفحوصات لأننا نشك في مرض الـ.......

لكن آجار شوح له بكفه مغمغمًا في تعجل: "فيم بعد، فيم بعد." كتمت هنا ضحكتها بكفها وهي تنظر بعبث نحو منة التي تمضي والدموع حبيسة في عينيها وما أن انتهت حتى قفز آجار مهللًا يطوقها بين ذراعيه بفرحة، فبكت بشدة ضاحكة فما يدري الرائي هل تبكي أم إنها تضحك. همست منة وهي تدفن وجهها في صدر آجار: "حرامٌ عليك والله حرام هل ثمة عروس بذراع واحد غيري، لا سامحك الله، كنت أنتظر على الأقل يطيب جرحي." أبتعد آجار عنها ملثمًا

مكان جرحها وهو يقول بمرح: "أطيبه أنا لكِ حبيبتي." صرخة في وجهه بغتة وهي تدفعه لتجلس فعلت ضحكات هنا وابتسم نجيب وآركان. وقف الشابين مهنئينه بينما دنت هنا من منة وما كانت تبارك لها حتى انهارت منة تقول بأسى: "لا تهنئيي وهل هذا يعد زفافًا، هل يوجد عروس بذراع واحد والله لم تحصل أبدًا، لقد بدد فرحتي أخيك المعتوه، سيضحك علي الناس الآن ماذا يقولون يا ترى؟

عروس بذراع واحد، آه يا حسرة قلبي على هذا اليوم الذي كنت أتمناه وأخطط له لأبدو فاتنة فـ أنظري ماذا عروس بفستان عرس بذراع واحد، يا حسرتا عليّ.." ربتت هنا على كتفها برفق وهي تكبح ضحكتها بأعجوبة فلم تستطع إذ قهقهت عاليًا وهي لا تكاد تصدق ما يجري فدفعتها منة مغمغمة بحسرة: "آه، يا إلهي حتى أنتِ تضحكين على خيبتي، أبتعدي عني." نفخ آجار بضيق وجوارها، أدارها من ذراعها نحوه، وقال برفق:

"منة، اهدئي رجاءً، هل ثمة عروسة جميلة مثلك تبكي يوم زفافها." زاد نحيبها، فتنهد محاوطًا وجهها بين كفيه، وهمس بصوت رخيم: "سأعوضك سأعمل لكِ حفل وسأعزم فيه كل صحفي وصحفية واصدقائك وكل من تودين، كنت أفقدك هل تظنني كنت سأنتظر أن يحصل لكِ شيء آخر." توقف دمعها عن الانهمار وثبتت بصرها في عينيه، فعقد آركان ذراعيه مستمتعًا بالمشاهدة، وغمزت له هنا ضاحكة، بينما مال نجيب مسندًا ذقنه في كفه باسمًا.

بنعومة ملس على وجنتها وقال بنبرة تقطر عشقًا: "لا تبكين رجاءً وتنغصي فرحتي." هُنا وصاحت فيه منة مصفقة: "لقد أصبحت زوجتك هل تدرك ذلك؟ ضرب آجار بكفه وجهه في غم ووزع بصره على الشابين وهنا وقال: "ما رأيكم بأن أطلقها؟ أشعر أنها بلوة حلت على رأسي! "بلوة؟ أنا بلوة يا آجار؟ برأيك أنا هكذا؟ لمَ تزوجتني إذن! صاحت منة بتلك العبارة منتصبة في وقفتها وتؤشر إلى نفسها بصدمة، فرفع آجار رأسه وتمتم: "غلطة وسأصلحها فورًا." بأعين

متسعة وفم فاغر هتفت منة: "هل تسمع أذنك ما يخرج من فمك؟ نحن للتو تزوجنا وتريد أن تطلقني... بتر آجار قولها بقوله الصادم للجميع: "لقد أصبحت زوجتي حقًا أوليس كذلك؟ مما يعني إنه وجب عليّ أن أخرسها." لم يستوعب أحد ما حدث فقد غطى آركان بكفه عينين هنا وطأطأ رأسه، قائلًا بضجر: "سافل." بينما سعل نجيب متصنعًا الانشغال، أبتعد آجار عنها فبقت هي ذاهلة تنظر له بصدمة. "لقد قبلها أمام الجميع؟!

ثغرها كان فاغرًا وأجفانها تتخبط في بعضها بينما غمز لها آجار بضحكة ساحرة: "لقد أصبحتِ زوجتي يجب أن تدركين ذلك." "من، من الذي ضرب رصاص عليك فقط أخبرني من فعلها؟! صاح بتلك الجملة ماهر وهو يلج للداخل ليتافاجأ بالجميع كأن على رؤوسهم الطير. وما كاد يستفسر عما يجري إذ نهض آركان واقفًا قبالته وقال جزًا على أسنانه: "نعم يجب أن تعلم من الذي ضرب عليك نار." ثم التفت برأسه إلى آجار متابعًا:

"ولا تبحث بعيدًا، فقط اجعل قلبك يبصر من حولك؟ وعاد برأسه إلى ماهر يحدجه بنظراته التي اشتعلت غضبًا، وقال بنبرة ذات معنى: "في النهاية كل شيطان يعود لجحره مهما طال بقاؤه." وتجاوز ماهر بخطوات ثابتة وهو يقول مودعًا: "مبارك لك يا آجار، وأنتبه من الشياطين التي حولك! أنا لن أكون موجودًا في كل مرة." استأذن نجيب راحلًا وقبل أن يغادر قالت هنا: "انتظرني يا نجيب سآتي معك!

ولوحت إلى منة مغادرة معه، خيم الصمت ولم يقطعه أحد غير منة التي قالت وهي ترفع طرفي فستانها الأبيض: "سأصعد، حسنًا؟ فـ أومأ آجار دون أن يلتفت وبعد أن ابتعدت أقترب ماهر بخطوات حثيثة واقفًا أمام آجار وصاح: "ما الذي يجري؟ تزوجتها؟! لماذا فعلت ذلك؟! لوى آجار فمه مبتعدًا خطوتين للخلف وقال بضجر: "هذا من شأني لوحدي، تزوجتها لم أتزوجها لا دخل لك! مسح ماهر على وجهه يواري قدر الإمكان غضبه عن محيط عينين آجار، وقال:

"لماذا أدخلتها حياتك من الأساس، حذرتك من الحب مرارًا، ستكون نقطة ضعفك." "ستكون نقطة ضعف له هو، هو يخشى أن تلعب منه حياة بعقل آجار فينحرف درب الانتقام، حاول قتلها ولم يفلح وبالأخير ها هي زوجته الآن وكل خططه غدت هباءً منثورًا تطأه الأقدام." _لتكن نقطة ضعفي، ما خطبك أنت؟ قالها آجار منفعلًا، فآثر ماهر الهدوء وتصنع الطيبة وقال بحنو:

"بُني، لا غرو إني أريد لك السعادة، السعادة لا تطرق باب أمثالنا إلا فيما ندر، أخشى أن يصيبها أذى فتتأذى أنت، ويصبح قلبك مقبرة للأموات تدفن ولا تعطي، أن علمت لمار الشرقاوي جدتك لن تترك تتهنا... تبسم آجار ضاحكًا وقال متهكمًا باترًا حديثه: "لا تعطي الأمور أكثر من حجمها، دع جدتي تهنئ بأيامها القليلة قبل أن أضرب ضربتي." زفر ماهر بيأس، وقال فجأة كالمتذكر:

"أخيك جان لا خبر يأتي منه، ويبدو إنه لن ينفعنا بشيء، أنت الأمل الوحيد ومن سينتقم لأبيك." -ها أنت ذا قلت 'أبيك' أبي أنا وأنا من سينتقم له، وسأذيق لمار معنى الموت حرقًا والموت حيًا." ضرب بكفه على صدر ماهر مستأنفًا: "أطمئن أنت وأسكن وشاهد فقط ما سيجري ولا تحمل همًا، أخي يعرف ما عليه فعله بالوقت المناسب لا تقلق." تنهد ماهر وكلمات آجار أرحته قليلًا وهمس في نفسه: "سترين يا بنت الشرقاوي كيف أن عائلتك ستقتل بعضها بعضًا."

تنبه لشروده الماكر إلى نفخ آجار وهز قدمه فنظر له في تساؤل، فقال آجار باسمًا في برود: "أنا عريس جديد لو تعلم! كان طردًا غير مباشر جعل ماهر يبتسم بإصفرار وهو يربت على كتفه مهنئًا ورحل. *** القرآن بصوت خاشع رخيم يجعل القلب تلقائيًا في حالة من الراحة مهما كان فيه خراب، مستكينًا، ساكنًا ولو قامت فيه القيامة، هادئًا مهما كان فيه ضجيج، راضيًا ولو حُمل ثقل الجبال همًا، كان صوت القرآن يغمر أرجاء المنزل أغمارًا.

كان اليوم لدى الجميع مميز لأن وعد آتية هي وزوجها، الفرحة تغمر القلوب ولو أن قلب الأم مكلوم على حالة ابنتها العاجزة. سارت ناردين في الردهة حيث غرفة إسلام في حماس، وقبيل وصولها تسمرت قدميها وتهدل جسدها واتسعت حدقتاها مع استماعها لصوت إسلام الخافت: "لا تقلق الأمر يسير كما خططنا وأفضل من ذلك، لم أنسى انتقامي ولن أنسى إلا وأنا أرى لمار في قبرها، سأقتلهم.... قتل!

الكلمة تثير الريبة، وربما تثور في القلب فتقوم فيه حرب ضروس. لم تستطع ناردين على الانتظار صبرًا في ثوانٍ كانت تستعيد رباطة جأشها وتزيح الباب الموارب وتسأل بحدة: "قتل؟ من سيقتل من؟ ما الذي تخطط له يا جان؟! تفاجئ إسلام بها شر صدمة واستدار لها متصنمًا، وتوتر كفه القابض على الهاتف حتى كاد يسقط، وامتقع وجهه في بهت شديد. لم ينبس ببنت شفة وماذا قد يقول؟ هل يخبرها بإنه ما جاء إلا للانتقام ولو ساقه شوقه إلى هنا.

رمش بعينيه وازدرد لعابه حين دنت منه وكررت سؤالها: "لم تجبني؟ ما الذي تخفيه عني؟ لم تتلق ردًا سوى الزهول في عينيه، فـ هزته بعنف وهي تهتف: "انطق يا جان ما الذي تخفيه عني؟ لو لم تنطق الآن والله لأهتفن في الجميع بما سمعت." وأيضًا لم تحصل على رد فتركت كتفيه مبتعدة: "إذن أنت من اخترت.... ما كادت أن تنادي على أفراد العائلة إذ كمم إسلام فمها بكفه مغلقًا الباب بكفه الآخر وهمس: "حسنًا، حسنًا سأخبرك لا تتعجلين." قاطعته ناردين

بغضب وهي تدفعه عنها: "أخبرني الآن كلي آذان صاغية." قالت عبارتها وعقدت ذراعيها في انتظار ما سيقول بلهفة رغم شعورها بأن ما ستسمعه لن يروق لها. تأفف إسلام تأففًا بائن، وأردف مسبلًا جفنيه: "أبي.... نطق بها وأمسك ما بين عينيه بألم وهو ناكس الرأس، صمته أصابها بالريبة فتخلت عن صمتها سائلة برفق: "أبيك؟! ما به لم أفهم، تحدث يا جان." رفع رأسه بمقلتين دامعتين وأستدار جالسًا على طرف الفراش مائلًا للأمام، وأسترسل:

"لقد قتلوه يا ناردين، حرموني منه." جثت ناردين أمامه وسألت وهي تمسك بكفيه بين كفيها: "جان من الذين حرموك منه؟ جدتك لم تعرف من هم! -بلى تعرف وهي من ساعدتهم، لا تتحدثي فيما لا يعنيكِ أنتِ لا تعلمين شيئًا." صاح بها إسلام منتفضًا وقام من مكانه، فراعها حالته ونهضت مغمغمة: "أفهمني يا جان ما الذي يحدث معك؟ وما هذا الذي تتفوه به؟

قص عليها عن مقتل أبيه وتفجير السيارة بأمر من والدته وعشيقها وجدته، فقهقهت ناردين بإنطلاق فنظر لها إسلام بدهشة وضيق ما بين حاجبيه حين اكفهرت ملامحها بغتة، ودفعته بحدة وهي تصرخ فيه: "فيم تهذي أنت يا رجل بالله عليك أفهمني؟ هل يصدق المرء أيٍ من كان؟ إذن لو جئت وأخبرتك إني قتلت والدك ستصدقني؟! حرك إسلام رأسها متعجبًا، وقال: "ما الذي تقوليه كُفي هباءً." -هباءً، أي هباء؟ لا أكذب أنا قتلت والدك لماذا لا تصدقني؟!

انسكب دمعها وهي تتابع بنبرة ممزوجة بالألم: "كيف تفكر أنت؟ هل تحسب أن هذه العائلة قد تقتل أحد؟ جدتك التي تنشر الحق تلك العادلة ذات القلب الأسيف؟ والدتك تقتل؟! هل تفكر في معنى كلامك قبل...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...