الفصل 24 | من 39 فصل

رواية جحر الشيطان الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ندي ممدوح

المشاهدات
20
كلمة
7,471
وقت القراءة
38 د
التقدم في الرواية 62%
حجم الخط: 18

فرحته في تلك اللحظة لا تعادلها أية فرحةٌ في الوجود. وحق له أن يفرح، عائلته بجانبه فخورة بنجاحه، وإن كان بغير معنى، غير مهم، وإن كان تافهًا يظنه البعض. ففي قرارةُ نفسه يعلم إنه أكثر الناس حظًا. ألقى نظرة سريعة تجاه "ملك" التي لوحت له بوجهُا أبلج، فـ أزداد حماسه. وخرج من الملعب ليلتقي بفريقه، وراح يمسح العرق عن وجهه ورقبته بمشفة صغيرة.

ومع بداية الشوط الثاني كان يتأهب راكضًا إلى الملعب وهو يحرك رأسه يمنه ويسر، وانخرط في اللعب. الذي دام لـ 45 دقيقة أنبلجت عن فوزه هو وفريقه. فـ انطلقت صيحات الفرح من الأفواه، وتقدم مالك راكضًا يهنئه بكل فخر وسعادة. وعانق الفتيات بعضهما. وبعدما أستلم الجائزة برفقة فريقه ومدربه، أقبل "معاذ" من الفتيات. فـ حَضَنَته "لمياء" وهي تهنئه، وهنأه باقي الفتيات. فقال متبسمًا: -هغير هدومي وهعزمكم انهاردة، إشطا؟ -إشطاط.

قالتها الفتيات جملةّ واحدة. فضحك معاذ متمتمًا: -مصطحلجية. قضوا وقتًا لطيف سويًا حتى عادوا جميعهم المنزل وتفرقن. إستمع معاذ طرقٍ على باب غرفته، فـ أذن للطارق. فـ ظهرت لمياء ممسكة بهدية متبرُزة، ودلفت قائله: -في حد باعت لك هدية معايا! -مين؟ بمكر همست لمياء متلاعبة: -احذر كدا! اعتدل معاذ في جلسته وسئل في ترقب: -ملك؟! فـ غمزة له لمياء وهي تمد له الهدية الملفوفة قائلة: -أيون هي. تناولها منها معاذ في لهفة وطردها من غرفته.

فـ خرجت ساخطة وهي تتمتم بكلماتٍ غير مفهومة. حملق في الهدية بمشاعر متضاربة ما بين اللهفة والزهول. ملك .. أرسلت له هدية! وبين يديه الآن! إن مات من شدة فرحته فلا يلومه احد! هل يمكن للشخص أن يموت من الفرحة! نعم يُمكن حين تبلغ السعادة لذروتها ويخفق القلب دون هوادة. شرع يفك الربطة بدقات قلبٌ متسارعة يخامرها التوتر. شهق ما أن تراءت له لوحة مرسومًا هو بداخلها بملابس هوايته المفضلة، السروال القصير والتشرت ذو النصف كُم.

يقف على ارضية الملعب ذو اللون الأخضر، وأسفل قدمه اليمنى الكورة ذات اللون الأبيض والأسود. يقسم أن الرسمة قد خطفت قلبه من إبداع تصميمها. وكأنه فجأة تجسد في اللوحة أمامه. أنامله تلقائيًا راحت تتلامس اللوحة التي رُسمت بأناملها. هل أحب اللوحة لأنه مرسومًا بها، أم لأن أناملها خُطت عليها. دقق النظر وهو يرفع اللوحة إلى وجهه لعبارة قد كُتبت في أعلاها لا تتراءى إلا عن قُرب:

"هو شخصٌ جعلني أحبُ تلك البلايا إن كان هو عوضها، وجبرها. شخصٌ جعلني أحبُ نفسي لإني آراها في عينيه على هيئة ملاك. شخصٌ يفهمني حين لا أفهمُ نفسي. شخصٌ لا يخذلني وإن خذلتُ نفسي وخذلني الجميع." رفرفت أهدابه في مشاعر شتى وهو يعيد قراءة الكلمات بتواترٍ جم. عوضها وجبرها .. هو. أما إنه يقرأ خطأ وثمة شيء لا يفهمه. ملك حبيبة القلب تعتبره عوضها وجبرها؟ تبسم في سعادة وشرود وتسائل في نفسه "لماذا كتبت الكلمات بحروفٌ باهتة؟

ولو إنه لا يهتم بها وكل تفاصيلها لم تستثر انتباهه! تردد أن يكلمها حتى حسم الأمر وأمسك الهاتف ليدخل على تطبيق (الواتساب) وقبل أن يراسلها، ذهب إلى الحالة فدق قلبه طبولاً وهو يرى حاله لها توًا قد شيرتها. فضغط عليها ليرآها، وفي نهم كانت عيناه تأكل الكلمات آكلًا إذ كانت: "حبيبًا هو رغمًا عن قلبي وروحي ووجداني، رغمًا عن العالم ونفسي والجميع. يبقى ملاذي الآمان، وملجأي الذي لا يخيب، وسندي الذي لا ينكسر ولا يغيب.

يبقى أبي الثاني وحبي الوحيد وأكثر من يعلم بيّ. هو؟ هو الحياة التي لا تحلو إلا به." لا إراديًا وجد أصابعه ترد على الحالة مرسلًا: -مين ده؟ وقد كانت متصلة لتتفاجأ بإشعار رسالته الذي جعل وجيب قلبها يزداد والدهشة تحتل ملامحها. هذه أول مرة يرسل لها! ألم تعجبه اللوحة؟ لترد على رسالته مجيبة بمراوغة: -عادي مجرد خاطرة راودتني! رد دون اقتناع: -والله؟! -عجبتك الهدية؟ سألت في ترقب واهتمام.

فـ شرد لمدة قصيرة متبسمًا وهو يردد كلماتها التي حفظها وحُفرت في قلبه. حين طال انتظاره توجست خفية، فعبثت أناملها الرقيقة مرسلةً له بدمعتين تترقرقيين في عينيها: -معحبتكش؟ استلقى على الفراش في نشوة وهو يُرسل لها ببريق ضوء في عينيه: -عجبتني! أي حاجة منك بتعجبني أصلًا، فما بالك بهدية صُممت من إيدك وسهرت عليها عينك وقدمها قلبك. بس سؤال مهم .... أرسل رسالته وتعمد أن يتركها دون تتمة، فحين فاض بها الانتظار كتبتها: -سؤال إيه؟

-أنا عوضك وجبرك؟ أرسلها في تعجل حتى لا يتردد. فـ إذا بها تتسع عينيها وهي تقرأها في صدمة. كيف له أن يقرأ ما كتبت وهي قد تعمدت كتابتها بطريقة غير مقروءة؟ لكنها التزمت الصمت لردحًا من الزمن تحدق في الرسالة مبهوتة. وأخيرًا أرسلت منهية الموضوع وهي تدعو بإن يكون خرج من الشات: -طولت الكلام معاك مينفعش، هروح أشوف البنات عشان بنروق الشقة عشان خالو انس جاي. أمنيتها ذهبت أدراج الريح وهو يقرأ الرسالة فور وصولها. وظهر لها (يكتب)

فتحتَرجت أن تخرج من الشات قبل أن تعلم ما يكتبه. فما هي إلا دقائق ووصلت رسالة التي كانت عبارة عن: -مش عاوزة تجاوبي؟ تمام .. روحي دلوقتي، بس هعرف! أغلقت جوالها فورًا والحزن ظلل عينيها ودمعتين سالتين على وجهها بكل ألم يعتمل صدرها. مقهورة هي مقهورة حقًا، وذكرى أليمة لا بُد منها ولا فرار مارت في قلبها. لحظات قلائل وكانت تستعيد رباطة جأشها وتزيح دمعاتها مبتسمة كأنها لا تحمل همًا. لكن القلوب فيها ما لا يُرى بالعين.

كان ما ظل ممسك هاتفه لم يخرج من الشات على أمل أن تجيبه. فـ زفر زفرة عميقة ببطءٍ وهدوءٍ، أخرجت ما يعتمل صدره من توتر وضيق. خرج أخيرًا ليجد حالة منها جديدًا للتو شُيرت. فـ فتحها دون تأني فـ إذا بها كلماتٌ حزينة أوجعت قلبه وأذاقتهُ مرارة ألمها: "لقد دُفن فؤادي وما به من كل جميلٌ ورائع، من كل الأفراح والأتراح. لم يتبقى ليّ إلا الوجع، فلما الحلم؟ فـ الأحلام لا تتحقق، لا ضير، لقد تعودت.

أهلًا بالأحزان، أهلًا للجحيم الآتي، سأستقبله بكل رحب، عسى الله يرحمني من العذاب الآتي." عذاب آتي؟ جحيم قادم؟ ماذا تقصد تلك البلهاء؟ تبًا للحواجز التي بُنت بينهما فلم يعد قريبًا منها كما كانوا وهم صغار. حبيبته تتألم من أمر لا يعلمه! ملاكه تتوجع وهو لن يسمح بهذا! ملاك قلبه تلك الساكنة في فؤاده يحيطها بعينيه، لا يمكن أن تتوجع وهو يشاهد. سيمتص كل الأوجاع إن حاولت التقرب منها، سيحملها هو، لكن محال أن يستطيع رؤيتها تتوجع.

"هتفضلي ساكتة؟ قالها حمزة مترقبًا وهو ينظر إلى أروى باهتمام، التي لم ترفع نظرها إليه وهما جالسان بمفردهما بعد خروج الجميع. خطفت إليه نظرة سريعة في استحياء واسبلت جفنيها وهي ترد في توتر: -هقول إيه؟ ضحك حمزة ضحكة خافتة للغاية وهمس في مرح: -تصدقي ولا أنا مش عارف أقول إيه، تقريبًا أنتِ عارفة عني كل حاجة.. وكذلك أنا. نكتب الكتاب على طول عشان نبقى على راحتنا وكمان مش مهمة الخطبة.. قُلتِ إيه؟ -نعم؟!

قالتها أروى في استنكار بائن. فهز حمزة رأسه قائلًا: -أنتِ رافضة؟ -أيوه! -ليه؟ أنا مش شايف إننا بحاجة لفترة خطبة، نكتب الكتاب صدقيني أفضل عشان نقرب من بعض، نقعد براحتنا ونتكلم براحتنا ونخرج بردوا، يعني فكري فيها كدا! شردت أروى ببصرها عنه. واحترم هو شرودها فما تكلم. حتى التفتت له برأسها قائلة ببسمة واسعة: -موافقة. -قولي والله؟ ضحكت أروى ضحكة خافتة مستترة بين كفها ولم تعلق. صاح في مرح وسعادة:

-خلاص يعني نحدد كتب الكتاب بالمرة، مش مصدق هتبقي مراتي. زاغت بصرها في خجل والبسمة تبزغ على شفتاها وتلجلج صدرها في سعادة متوارية. كل ما يحدث ما زالت تظنه حلمًا جميلًا تخشى الاستيقاظ منه! جلوس حمزة بجوارها تحسه وهمًا سيغدو سرابًا! تقافز دقات قلبها في صدرها هو الشيء الصادق في تلك اللحظة. من شدة خجلها وتوتر جسدها جعلها تهمس له هربًا حين ساد الصمت بينهما: -نخرج ليهم؟ أومأ برأسه وسبقها للخارج وتبعته.

وبعد قراءة الفاتحة والنظرات المختلسة بينهما تحمحم عثمان يجلي حنجرته، وقال وبصره على حذيفة: -طب بما أن فرحتنا النهارده متتوصفش بعيالنا، في أي رأيك يا حذيفة نخليها فرحتين. ضيق حذيفة عينيه في ترقب. واصل عثمان: -أنا بطلب إيد بنتك ملك لـ ابني معاذ... طبعًا بكامل موافقتك يا بنتي! قال آخر جملته مصرفًا بصره بحنان أب نحو ملك التي ترقرق عينيها بالدموع.

وهي تهب واقفة تلجم صيحات السعادة من الأفواه وتيبس وجه معاذ الذي كان في ذروة سعادته. راحت تهز رأسها في جنون ورفضًا تام، وهي تؤشر بكفيها بالرفض. فـ غضب حذيفة ووثب صائحًا فيها، لكن معاذ رغم صدمته حال بينهما. لتركض هي من أمام الجميع باكية بحرقة ليتبعها الفتيات للأعلى. ويعتذر حذيفة بكل آسف من عثمان ومعاذ الذي قال ببسمة باهتة وكلام رجراج: -لا، لا محصلش حاجة يا عمي متتأسفش، الجواز مش غصب، هي، هي مغلطتش. عن إذنكم.

نهض فجأة مغادرًا المكان فـ لحق به الشباب. وبقا الصمت سائد بين الكبار لفترة طويلة من الصدمة، فـ الجميع كان متيقنًا من موافقة ملك التي كانت صادمة. الهواء نفذ من حوله فجأة، فراح يلهث وهو يقف معطيًا ظهره للجميع، واضعًا كفيه في خصره مسبلًا جفنيه على عينيه المتألمة. المصدومة. الموجوعة. مصدومًا من رفضها الذي ترك ندبة في قلبه لن تبرأ. لا يصدق أنها نبذته بتلك الطريقة! كانت تبكي وكأنه جحيم سيحل عليها! فما الذي حصل لها؟

بكى قلبه بحرقة ولم تبكي عيناه. كم مؤلم أن تظن في أحد شيئًا فيصدمك بعكسه! مؤلم لحد الوجع، ذاك الوجع الذي لا تفسره كلمات، فقط القلب يبقى متعبًا مرهقًا مهلكًا. انحني فجأة بجزعه مسندًا بكفيه على ركبتيه يلتقط أنفاسه بخنقة، يشعر بشيء كالحنظل عالق بحلقه يمنع الهواء عن رئتيه. تبادل الشباب نظرة حزينة بينهما على حاله. فـ وضع مالك كفه على ظهره وقد هربت الأحرف من فاهُ. فـ اعتدل معاذ مستديرًا إليهم يهز رأسه مع قوله بكل حزن:

-أنا كويس، مفيش حاجة. زواغ عينيه كان ينبئ بنوبة بكاء احتاجتها. فسارع خالد بضمه بقوة وهو يربط على ظهره يؤازره بصمت، فما نفع الكلام لقلبٍ كليل مكدودّ مكلوم. وفي اللحظة الثانية كان مالك يضمها، ثم حمزة طوقهم بذراعيه. لا أحد يعلم كم بقوا على حالهم حتى ابتعد معاذ وقال في مرح مصطنع: -والله مشفت فقر أفقر مننا في الفرح نحزن والحزن نحزن بردوا. يا جدعان النهارده مش أي يوم، دي خطبة حمزة وأروى مش أي حد.

أنهى قوله مع فعله بحمل حمزة على كتفه، فـ صاح حمزة مزهولًا من فعلته. وفي اللحظة الثانية كان خالد يسرع إلى الطاولة ليجلس وهو يدق عليها بكفيه في تناغم. ودندن مالك وتحرك معاذ بـ حمزة ضاحكين، وهكذا غلبت فرحتهم حزنهم. وفي الأعلى غشى الجميع القلق على ملك التي أوصدت الباب وراءها ولا أحد يدري ما حل بها. كان يومًا عجيبًا حزينًا رغم الفرح الذي مر به. كسر قلب معاذ أمام الجميع كانت مؤلمة.

ملك المتشحة بالحزن مغلفة بالوحدة في دوامتها، لا أحد يعلم ما بها وما حل بقلبها. كان هنالك بصيصٌ من فرح لرابط حمزة وأروى الجديد.. كان كفيلًا ببث الأمل بقلوب الجميع. دلفت منة إلى الجريدة التي تعمل فيها مندهشة من الهمسات الدائرة في فريق العمل، كل مضمونها عن المدير الجديد. فـ عدلت من خصلات شعرها خلف ظهرها وهي تهتف في استنكار مع جلوسها خلف مكتبها الصغير: -ماذا؟ عن أي مدير جديد تتحدثون؟ ومن يكون هذا؟

وكيف لا نملك خبرًا عما حدث والتغيير المفاجئ هذا! فـ رد عليها زميل لها وهو يقترب من مكتبها: -ليس كما فهمتِ، المدير نفسه سيبقى كما هو مع تغير بسيط في شخص آخر سيتولى الإدارة وقد اشترى الجريدة بما فيها. فـ نهضت منة ضاربة المكتب بقبضتها مع هاتفها الحاد الساخر: -بما تهذي يا رجل بحق الله، هل هذا كلام يستوعبه عقل؟ -ولمَ لا يستوعبه عقل؟ مهلًا، إنها تعلم ماهية هذا الصوت! تعلم لمن هذه النبرة العابثة!

تعلم من هذا الذي يحوم حولها منذ ظهورها أمامه! لكن هيهات إن ظن أنها ستخضع لألعابه القذرة. رفعت رأسها في حدة ليغمز لها آجار في عبث ماكر، بينما وقف زملاؤها احترامًا له. وقبل أن تتفوه بحرفٍ بادر هو قائلًا لها بنبرة بعثت التوجس في نفسها من شدة غلظتها وخشونتها: -الحقي بيّ يا آنسة منة أريدك في مكتبي الآن لأعلمك كيف تتطاولين على مديرك.

قالها وانصرف في خطوات مهيبة، وقد لاقت به البذلة السوداء كثيرًا فـ زادته جمالًا ووقارًا وجاذبية. سيفقدها عقلها هذا الـ آجار ذات يوم، لماذا يخيفها بهيمنته تلك؟! دلفت وراءه المكتب وقبل أن تبدأ في ثرثرتها بادرها هو قائلًا: -أغلقي الباب خلفك يا حلوة. حلوة!! هل يظنها نوعًا من الحلوى يود تذوقه هذا الأبله؟ رددتها ساخرة في نفسها وهي تغلق الباب كاتمة غيظها بداخلها. لكنه لم يدوم إذ انفجرت فيه وهي تتقدم إليه:

-مـــــــــــاذا تريد مني؟ لماذا تلحق بيّ؟! اخبرني هيا ماذا توده … أسمعك. قالت آخر ما قالت وهي تعقد ذراعيها في غضب يتأجج بمقلتيها. فـ في برود وتلذذ عاد آجار بظهره لظهر المقعد وهو يهمس ببرود راعها: -يروق ليّ كثيرًا شراستك يا حبيبتي. -أحبك صرصورًا يا معتوه. غمز لها آجار في استمتاع قائلًا وهو يميل بجذعه مكتفًا ذراعيه على الطاولة: -هذا المعتوه أحبك يا صرصوري.

ثم احتدت نظراته فجأة وتوقدت حدقتيه بغضب وهو يقول بلكنة تهديد لا تمت للمرح أو للحنان بصلة: -منة، الزمي حدودك معي! أنا لا أضمن نفسي حين أفقد أعصابي! وما يشفع لكِ عندي ... ترك مقالته معلقة بتعمد لدقيقة ريثما أشار بسبابته لموضع قلبه هامسًا بصدق لامسها: -هذا ...

هذا هو ما يشفع لكِ، هذا القلب الذي لم يُفتح أبوابه يومًا لإيًا كان سواكِ، فتح أبوابه لكِ يا منة، ولا أريدك أن تري غضبي ولا تستفزيني. فأنتِ ما تدري هذا التغيير الذي طرأ على حياتي منذُ دخولك فيها، أنا لم أعد أنا، أحادثك بذاك القلب وليس كـ آجار. وهذا ما لم يتجاوزه أحد قبلك ولن يكون بعدك. بكفيها إستندت منة على المكتب تميل بوجهها على وجهه وقالت: -إذن تخبرني إني ليّ مكانًا بقلبك؟ -هذا إن لم يكن لكِ كله.

عاد آجار بظهره للخلف عاقدًا ذراعيه وواضعًا قدم فوق الأخرى دون رد سوا من حرب عيون دارت بينهما قبل أن يقوم ليدور إليها. وفجأة جذبها من ذراعها بحدة مع هتافه الحاد: -أول البارحة هل تعلمين ما الذي أوقعتِ نفسكِ فيهِ يا ذاتِ المصائب، هل تعلمين من الذي قمتِ بتصويره غدًا وكتبتي مقالًا أساء سمعته أم أنكِ بلهاء؟ نزعت ذراعها عنه تدلكها بـ آهة خافتة، ونظرت له نظرة تحدية وهي تقول بنبرة شراسة: -ما دخلك فيما أعمل!

هذا عملي وأنا مسؤولة به .. حسنًا. مالت نبرتها للرجاء مع استطرادها: -اتركني وشأني بالله عليك. أذرد آجار غصة بحلقه وقال بنبرة مبهمة نبئت عن حزن دفين يغلف كلماته: -يا ليتني أستطيع. وهتف فيها بنبرة آمره: -من اليوم لن تذهبي لتصوير أي اشتباكات، أو تكتبي مقالات عن شخصيات قد تؤذيكِ، وللعلم من كتبتي عنه أول البارحة لن يتركك لكني له بالمرصاد. صمت للحظة ونظر لها بصدق ناسب قوله بحنو:

-منة، لا أفرض سيرتي عليكِ، كل ما أريده أن أحميكِ من كل ما يؤذيكِ، ولا تسأليني لماذا قد أفعل ذلك.... -إذن أصدقاء؟ ما رأيك أن نفتح صفحة جديدة؟ وسأنسى كيف عاملتني ذاك اليوم في السوبر ماركت. قاطعته منة قوله باقتراحها فلم يتردد وهو يعتصر كفها في كفه الضخم وأكملا يومهما هي غارقة في العمل وهو مراقبتها حتى جاء نهاية اليوم ومعه نهاية يوم العمل ليعرض عليها أن يوصلها فوافقت بكل سعة.

فتحت باب السيارة لتجلس بجانبه تثرثر كالعادة وهو يستمع بكل حب. وللعجب لم يشعر بالملل معها، بل كانت بسمته رائعة ترتسم على شفتاه، بسمة خرجت من صميمُ القلب من ذاك الجزء الذي أنارته وسكنته دون إذن وهو صاحب الدار. ورغم أنها اقتحمته دون إذنه كان سعيدًا بهذا الاقتحام الذي أعاد له جزءًا من نفسه. تلك البسمة التي تشرق القلب بنظرة جميلة لا تفسره، منبعها من القلب ليست زائفة. -لم تخبرني شيئًا عنك وأنا قد أخبرتك بكل شيء...

ليس الآن وليس اليوم وليس في الأيام القادمة هو عن نفسه لا يريدها أن تدرك حقيقته أبدًا، لكن حتمًا يومًا ما سيتحلى بالشجاعة ويخبرها. فلتبقى بعيدة عن حياته. بعيدة! وهكذا يبعدها عنه! وماذا يفعل وقلبه يتحكم به ولا يستطيع صبرًا على هجرها! هكذا قاطعته شروده الحالم بقولها وقد كانت أخبرته عن عائلتها، والدتها مصرية وتوفت حين مولدها.

وقبل عام .. عام واحد فقط رحل آخر من كان لها وذهب والدها بسبب أحدى الرجال الكبار الذين خاضت في البحث وراءه و وراء جرائمه ليجعلها تدفع الثمن وتبقى يتيمة. هذا اليوم الذي عادت فيه من عملها لتجد والدها بالمنزل يستحيل رمادًا. ومن يومها لم تهنأ بفرح أو حب أو اهتمام أحد. تيتمت نعم .. وكم مؤلم أن يفقد الإنسان كل ما له في طرفة عين. -لا أرحب أن تعرفي شيئًا عن عائلتي وعني الآن، دعي الأمور تسير كما مُيسر لها.

هكذا راوغها هاربًا من المصارحة. فليبقى في نظرها رجل الأعمال ذو العائلة المرموقة وكفى! لا يريد شيئًا آخر، أليس أفضل أن يسقط من نظرها؟ التستر خلف قناع الاحترام هيبة لا يود فقدها في نظرها أبدًا. لقد أصبحت الجزء النظيف في حياته ولا يبغى تدنيسه بجرائمه وحياته. ومن مرآة سيارته لمح سيارة تلحق به. كان قد ظنها في بادئ الأمر مصادفة، لكن السيارة تتبعه منذُ مغادرة مقر عمل منة.

بدأ الأمر مريعًا لـ منة التي اتسعت عينيها وهي تلاحظ شرود آجار في السيارة التي خلفهم. نظرت له قائلة بنبرة جزع: -ما هذا؟ هل هذه السيارة تتبعنا! لم تحصل على رد وراقبت تعابير آجار التي استحالت إلى غضب أعمى وهو ينعطف بالسيارة لطريق جانبي خالي نوعًا ما من السيارات. فـ حادت ببصرها للخلف تراقب السيارة بقلبٍ مرعب وعينين مثقلتين بالقلق. احتكاك السيارة بالأسفلت ووقوفها المفاجأة الذي جعلها ترتج للأمام والخلف نبأها عن أمر جلل.

فما رفعت رأسها حتى أبصرت سيارة تسدُ طريقهما تقف بالعرض. فـ نقلت بصرها إلى آجار الذي كان يُخرج سلاحًا من خاصرته ويسحب الزناد وهو يهتف بنبرة آمرة حازمة: -لا تخرجي من السيارة مهما حدث. خبأ السلاح في خصره مجددًا بعدما هيأه للطلق في أية لحظة وترجل من السيارة يرمق السيارات التي بدأ يخرج منهما رجالٌ يتقدمون إليه.

فهز رأسه يمنة ويسرة وهو يغلق الباب بقدمه ويتجه إلى رجال السيارة التي سدت طريقه ووقف أمام أحدهم كان يتقدم وبدا إنه الآمر الناهي عليهم. دقائق مرت وهما ينظرا لبعضهما بصمت، حتى أشار الرجل برأسه نحو سيارة آجار مع قوله بنبرة لم تخلوُ من الاحترام: -اعذرني سيد آجار على وقوفي في طريقك لكن ... لكن الفتاة نحتاجها بأمر من السيد جاك. وطلبه بقى معلقًا لدقائق كأنه لم يتفوه. وما كاد أن يعيد حديثه حتى حرك آجار كفيه مشبكًا إياهما خلف

ظهره وضيق عينيه مع سؤاله: -ولماذا يريدها السيد جاك؟ أطرق الشاب رأسه لبرهة قبل أن يرفعها قائلًا: -ماذا نفعل بمن يتعدى علينا ويحوم حول عملنا برأيك؟! أنت أكثر من يعلم ذلك سيد آجار! فـ حك آجار جبهته بإبهامه وسبابته وتنحى جانبًا وهو يبسط كفه له ليتقدم قائلًا: -إذًا لكَ هذا، خذها من داخل السيارة. تحرك الشاب وما كاد أن يتجاوزه إذ وضع آجار قدمه أمامه على غفلة ليتعثر الشاب ساقطًا على وجهه.

وفي ذاتِ اللحظة كان يشهر آجار سلاحه مطلقًا على باقي الرجال في طرفة عين وقدمه جاثمة فوق ظهر الشاب الواقع. وانحنى آجار متفاديًا رصاصة مرت من جوار أذنه جائته من الجانب الأيسر من ثلث رجال يهرعون نحوه. فقفز للخلف منقلبًا بجسده يدور به دورة كاملة وهو يختبئ منهم وقد أدرك أن سلاحه قد أنهى ذخيرته. فضربه على الأرض في غيظ وهو يشير برأسه ليرمق أحدهما يتقدم نحوه والآخر من الخلف والثالث يطمئن على الشاب الذي أوقعه.

فوثب واقفًا في تلك الأثناء الذي وجه له الشاب لكمة ليمسك قبضته عاصرًا إياها ويلوي ذراعه ويرجع رأسه للخلف قبل أن تهوى على جبهة الشاب عدة مرات ليسقط أرضًا. رصاصة أخرى دوت في المكان لم تصب هدفها بفضل منى التي فتحت باب السيارة ليخبط في الشاب وتعاجله بحقيبتها على وجهه. فـ أسرع آجار ليبعدها ويركل الشاب ويبرحه ضربًا. -ما تفعله خاطئ يا سيد آجار وأنت تعلم هذا!؟ أنت تفتح أبواب الجحيم علينا جميعًا. -فلتنفتح إذًا.

قالها آجار وهو يندفع للشاب الذي لكمه لكمة قوية في جانب وجهه فردها له. لم يكن الشاب أقل منه مصارعة وبراعة لذا كانت المعركة الدائرة بينهما شرسة، يرد كلاً منهم الضربة للآخر. حتى سقط آجار أرضًا ونهض مقلبًا كفيه عن الغبار ومسح الدم من وجهه ورمق منة التي كانت تبكي بـ بأرتجاف قبل أن يستدير للشاب الذي قال في أسف: -أنت من بدأت يا سيد آجار ... لذا...... اندفع يود لكمه لكن آجار انخفض بجذعه لتضرب قبضته الهواء.

ومع انحناء آجار كان يمسكه من كتفيه رافعًا ركبته لتهوى في معدته اتبعها بـ لكمة على عينيه لتتشوش رؤيته. ودفعه الشاب تلقائيًا بقدمه فـ دار آجار حول نفسه قبل أن يلكمه في وجهه على السيارة. وقبل أن ينهار كان يثبت جسده وانهار عليه لكمًا وهو يجأر في شراهة: -وأنا أيضًا لم أود قتلك، أنت من أيقظ ثورتي فوجب عليك تلقيها، وذاك الذي فر هاربًا ليخبر سيده حسابه معي عسير. أنهى عبارته تاركًا إياه ليسقط.

فـ مسح كفه بوجهه وهو يدنو إلى منة قائلًا: -أنتِ بخير؟ سؤاله لم يكن له معنى، فهي ليست بخير، جسدها ينتفض، ودموعها كالشلال على وجهها. فتنهد بضيق وهو يقترب ساحبًا إياها إليه يطوقها بحماية يكتم شهقاتها في صدره. لقد بدت كطفلةً صغيرةٍ تائهة ضائعة، والأقسى يتيمة. وهو راقه أن يكون الأب الذي يحتويها ويطوقها ويحميها بكل حب. دموعها ورجفة كلماتها كانت تكوي قلبه كيًا. وتحرق روحه حرقًا.

فـ ود لو أن يزيح دمعها بقبلاته، ويمتص خوفها إليه. أراد وبشدة أن يضعها بكل حذر داخل فؤاده ويغلق عليها ببان قلبه، أو تظل دائمًا بين ذراعيه هكذا. طفقت منة تهذي بكلماتٍ غير مفهومة: -أنا خائفة، سيقتلوني الآن، أنت أنقذتني، من سينقذني منهم في المرة القادمة؟ أريد أن أريد أن أموت. وتمنيها أشعل لهيب خوفه الذي أسكنه. وهو يرفع رأسها بحدة ليقبلها كأنها يردعها عما تتمنى! أو أنه يثبت إليها أنها له ملكه ولن يتركها ترحل وإن أرادت.

لماذا كلمة الموت أدمت قلبه وأصابته بالرعب والجزع؟ هذه الكلمة مخيفة حقًا .. مخيفة لغير المستعد لها. شُل جسد منة من فعلته وتسمر ذراعاها بجانبها تاركة جذعها. فـ ابتعد هو أيضًا مصدومًا مما فعل وتقهقر للخلف خطوة. همست منة أخيرًا بعينين تكاد تخرج من محجريهما: -ما الذي فعلته! -أحبك، هل سبق وأن أخبرتك قبلًا؟ هكذا قال آجار قبل أن ينظر إليها مغمغمًا: -أوه، لقد علمت كيف أكبح ثرثرتك ودموعك حبيبتي. بقت على حالها

بينما تابع هو في مرح: -أقسم لكِ يا فتاة أنك تصيبين الشخص بالصم من ثرثرتك.. آه، ليكن لديكِ علمًا من الآن ستعيشين معي في بيتي. فـ انفرجت شفتاها لتتكلم فعادت تطبقهما في زهول. ذاك الأبله. ما به يتحدث بـ اريحية كأن ما حدث لم يحدث؟ بينما استأنف آجار: -أنا لا أعيش وحدي، مع أختي، وأخي سيتزوج قريبًا لو تعلمين! وكيف لكِ أن تعلمي بالأساس؟ من الآن لن أتخلى عنك، سأكون لكِ الظلُ الحارس. لانت نبرته وهو يردف وعيناه

تبرق بوعد صادق لامس روحها: -اعتبري إنه من اليوم أنتِ لستِ وحيدة، لأني موجود، سأكون لكِ كل ما تريدين وسأحميكِ من كل أذى. من اليوم وأنتِ .... قطعة من قلبي، القطعة التي لا اسمح لأحد المساس بها، لأن في أذيتها نهايتي وموتي وفقداني لروحي. أسبل جفنيه عن عيناه التي تفضح ما بقلبه قبل أن يفتحهما ليمسك كفها ويفتح لها باب السيارة لتصعد ويصعد بجانبها.

ومر الطريق بصمت تام حتى توقفت السيارة أمام بيته وترجلا داخلين للداخل لترحب بها هنا وتستقبلها أروع استقبال وهي سعيدة بوجود فتاة ستشارك معها يومها وأيامها. وبعدما أدخلتها لإحدى الغرف واطمأنت عليها عادت إلى آجار الجالس في شرود ضامم إحدى الوسائد لصدره. فـ جلست بجانبه وتساءلت متعجبة: -هذه حبيبتك؟ كم حبيبة لديك يا آجار بحق الله؟ وناردين يا بني أين ذهبت؟ لم أعهدك هكذا قبلًا، ما الذي حل بك؟!

منذُ متى وأنت تسمح لقلبك أن يحب جميع من عرفتهن؟ كانوا مجرد لحظات عابرة في إحدى الملاهي، ما جرى لك يا أخي؟ نظر لها آجار نظرة عميقة قبل أن يتسائل باللامبالاة: -من ناردين؟ ضربت هنا جبينها في كفها وهي تهتف في استنكار: -من ماذا يا حبة عيني؟ ناردين تلك التي كدت تموت من أجلها في المستشفى حتى ظننتها زوجتك وأنت تخبي علينا. رفع آجار قدمه اليسرى لعقدها أسفله وهو يلفت لها مردفًا: -ما بكِ يا هنا، هلا أخبرتيني؟

أظنك بحاجة لطبيب نفسي هذه الأيام. فتارة تظنين إني كنت معك بينما أنا غائب! وتارة تقرنين بيّ حبيبة لا أعلم من تكون. جزت هنا شفتيها بغيظ ولم تعلق، ونهضت ضاربة قدمها في قدمه اليمنى وهي تبتعد. جلست "منة" على أرجوحة في حديقة منزل آجار وهي تشعر بالغربة وكم تمنت أن تعود لبيتها الذي يحوي رائحة والدها. هذا العبق والله كفيل لجعلها تطمئن. جدران البيت تبثُ لها ذكريات الأمان فيسكن خوفها. لكن الأمان الآن يتمثل في آجار فقط.

تبًا لهذا الحب لأنه ينساب بنعومة إلى القلب فيحتلها. لماذا تشعر بالوحشة وأن رأته تُسعد وتُسر؟ وجوده يكون أمانًا وغيابه خوفًا. -هلا أوقفتِ التفكير بيّ قليلًا فـ أنتِ تشغليني. تنبهت لصوت آجار أعقبه جلوسه بجانبها وسألها في اهتمام: -مرتاحة هُنا؟ هل ينقصك أي شيء؟ هزت رأسها واردفت شاردة: -أنا لن أبقى هنا طويلًا أليس كذلك؟ بالأخير أنا لست محبوسة! حدجها آجار بنظرة لم تفهمها قبل أن يُحرك الأرجوحة بهما وهو يجيبها:

-كل شيء سيعود كما كان وستعودين لمنزلك وحياتك فقط لأصل لحل وسط مع هذا الرجل. ثُم دفع جانب رأسها وهو يهتف: -عسى هذا العقل يتعلم ويكف عن الركض وراء الكبار الذين هم أنتِ في نظري نملة لا تُرى تحت الأقدام. زفر بضيق وهو يتابع في غموض: -هذا العالم لا تغوصين فيه يا منة لأنكِ أنتِ الخسارة، لو لم أكن بجانبك لكنتِ ميتة الآن. سكت وسكن الجو من حولهما إلا من التفاتة كانا يختلسها من بعضهما.

لفحهما هواء جميل تطاير لأثره خصلاتها فبدت له كملاك تجلى من السماء بشلالات من نور تضيء حياته الحالكة. قاطع الصمت بينهما قول منة التي ظهر الارتعاش في نبرتها: -آجار هل أنا محطة عابرة في طريقك ستذهبينها يومًا ما؟! -ليتكِ كنتِ كذلك، يا ليت! قالها آجار في نفسه وهو يلتفت برأسه نحوها لتتلاقى أعينهما بحديث صامت لم يطل وهما يبتعدا ببصرهما للأمام.

وخيم الصمت مرة أخرى حتى ظنت إنه لن يجيب وأن الرد هو نعم هي مجرد محطة في حياته سيغادرها يومًا حتى يصل لمحطته الأخيرة ووطنه. لماذا وجعها هذا الخاطر؟ من يكون هذا الـ آجار؟ هي ستدفن ذاك الحب قبل أن ينبت أكثر وستقطع بذرة من الجذور. دمعت عينيها بدموع أبيه. لم يتفوه أحد ببنت شفة لردحًا من الزمن حتى شق الصمت آجار بقوله: -أخشى أن لا تصدقين؟ رده أعاد لها بعض الأمل وهي تسأله: -لماذا لا أصدق؟ -ربما لا توافقين.

-ما الذي لن أوافق عليه؟ لماذا يبدو كلامك مبهم هكذا.. أخبرني هل ستتخلى عني يومًا؟ هل ستعلقني بك وترحل؟ هل تعطي لحياتي أملًا وتتركني؟ أنا أخاف الوحدة رغم أني أعيش بمفردي! أخاف الناس وأخاف التقرب منهم!

أهاب أن يطعنني أحد أحبه قلبي حبًا جمًا، أخشى الغدر أن يأتيني ممن ظننته نفسي.. أجزع من الانسياق حول مشاعري نحوك، أخاف أن تحلق بيّ لسابع سماء وبعدما أطير تاركة لك نفسي في استسلام أن تخذلني وتلقي بي لسابع أرض، هل ستفعلها آجار؟ -هل ينزع المرء روحه من جسده؟ هل يقتلع قلبه من صدره؟ هل يمكن للإنسان أن يؤذي نفسه؟ هوت دموع منة فـ أقترب بوجهه ملثمًا دمعاتها وعينيها وطوق كتفها لترتاح رأسها على صدره. بينما أردفَ آجار

وهو يسند رأسه على رأسها: -ربما لا تفهمين حياتي! أنا في أمس الحاجة إليكِ، قلبي يمد يده لكِ لتنزعيه من هذا المستنقع الذي لا فرار منه، مستنقع وجدت نفسي مزروعًا فيه رغم أنفي. أريدك أن تحييني يا منة فـ أنا قلبي ميت يتلهف للإنعاش ليسترد نبضه، أريد نورك ينير دربي الحالك، كوني ذاك السراج الذي لا ينطفئ. صمت لبرهة وقال في ألم: -ربما تتعجبي من تمسكِ بكِ والأدهى حبي!

لكن يقولون إن القلب ينتمي لوطنه مهما تغرب لا بد له من العودة. وأنتِ وطني الذي وجدت راحتي فيه وملاذي. أنا من أرجوكِ ألا تتركيني وإلا أموت. كلماته لم تزيد دمعاتها إلا انهمارًا. كفيها تشبثت بملابسه أكثر. كأنها تهاب من أن يختفي من حياتها ويتركها. فلا جرم إذ راحت تشهق وذكريات موت والدها تتدفق في خلدها وهي تقول بنبرة تقطر حزنًا وكأن كلماته نكأت جرحها الغائر فما زادته إلا نزفًا: -لماذا لم تكن معي حين قتلوا أبي؟

كنت وحيدة يا آجار بمفردي. كنت أخاف أن أغمض جفناي فيقتلوني، هاجرني النوم وكنت أعيشُ في رعب، كنت أنتظر الموت يهاجمني في أية لحظة، كنت يتيمة كطفلة ضاعت من والدها وسط الزحام فتاها عن بعضهما. لماذا لم تظهر حينها لتحميني؟ لماذا لم تكن معيّ؟ لماذا تركتني أعيشُ في رعب وأنتظر موتي حتى تعبت؟ تعب قلبي وتعبت نفسي وحالتي ساءت. -آسف. قالها آجار بكل أسف وكلماتها كخنجر يطعن قلبه فيصعقه.

رفع وجهها واحاطه بكفيه وهو ينظر لعينيها اللامعة بالدمع في حب فسألته بإرتباك: -عمَّ تتأسف؟ -لأني كنت بعيدًا عن "منتي" وهي في أشد الحاجة لوجودي! أعتذر عن كل دمعة نزلت من عينيكِ بعيدًا عن صدري! أسفٌ لكل خوف احتل قلبك في غيابي. أسفٌ على قسوة الحياة وكل رعب وترقب للقادم عشتيه بمفردك. أسفٌ وألف أسف على كل ما مضى لكِ. كان دورها هي الآن لتضم رأسه إلى صدرها في حنان أمٌ تهون عن طفلها وجعه. فـ أغمض آجار عينيه والأمان يستكين بين

جنبات روحه وقال في همس: -سأعوضك، سأجعلك تنسين كل لحظة خوف داهمتك، سأجعل من جعلك بتلك الحالة أن يتذوقها، أقسم بأني سأجعله يجن ولا يجد علاجًا، سيدفع ثمن كل دمعة نزلت من عينيكِ يا ذات العينين النجلاوين. كلماته كانت تخرج من فمه بلا وعي، ويتخيل هيئتها وهي خائفة جالسة تضم قدميها إلى صدرها تحيط بهما بذراعيه وجسدها ينتفض، وقلبها يرتجف ودموعها لا تجف ونظرها عالق على الباب في انتظار ملك الموت..

فقست عينيه وهو يتذكر اسم قاتل والدها! -آجار أين ذهبت؟ أحادثك. تنبه آجار لـ منة وهو يبتعد قائلًا: -معك. -ماذا كنتِ تقولي؟ -فيمَ سرحت؟ -لم أسرح، أخبريني ماذا قُلت ولم أنتبه. بغيظ سألت منة وهي تعض على شفتيها: -سألتك هل أنا عيناي نجلاوتان حقًا؟ -ولمَ أكذب؟! قبل جبهتها وهو يقوم ليبادرها قائلًا بوداعة: -عيناكِ ساحرتان وواسعتان بلونهما الرمادي عن قُرب، كفاكِ سهرًا الآن هيا إلى غرفتك لتنامي.

امتثلت له دون جدال وأوصلها إلى غرفتها وتوجه هو لغرفته. في صباح اليوم التالي، كان صباحًا مشرقًا وإشراقة تسللت إلى قلب آجار بفرحة غامرة وهو يتجه توًا فور انتهائه من تبديل ملابسه وتصفيف شعره نحو غرفتها ليطرق الباب في انتظار صوتها يداعب أوتار قلبه. لكنه لم يحصل إلا على الهدوء التام. فتواتر دقه على الباب دون أن يتلقى رد. فـ فتح الباب يشمل الغرفة بنظره فلم يجد أحد بها.

توجس خفيةً في نفسه وهو ينادي باسمها مع فتح باب دورة المياه الذي وجده فارغًا أيضًا. نزل الدرج بخطوات سريعة شبه راكضة وهو يبحث عنها كالمجنون لكن لا أثر لها لا في البيت ولا الحديقة. كاد أن يتصل على هنا في المستشفى ليسألها لولا رنين هاتفه معلنًا عن رقم غير مسجل. ليرد في تلهف ليأتيه صوت رجل يقول بنبرة جادة:

-من تبحث عنها معنا، تعال أن كنت تود أنقاذها، حبيبتيك الاثنتين معنا وأنت الأحرى في من تنقذ ومن تريدها أن تعيش. نحنُ الآن في ......... بإنتظارك سيد آجار وتعال بمفردك دون صحبة ... سلام. هاج وثار وهو يصرخ في الهاتف الذي أُغلق دون أن يعطيه فرصةً بأن ينبس بحرف. زأر آجار وهو يركض آخذًا سيارته يقود بسرعة تسابق الريح غير عابئ بالسيارات التي كان يتجاوزها باللامبالاة ولا بالسيارات التي اصطدم بها.

لم يكن يلاحظ بالأساس مشاعره هي من كانت تسوقه لا إراديًا منذُ ساعات فقط بالليل كانت بين يديه تتوسد رأسها صدره يفصح بحبه وتبوح بمكنون قلبها فهل يفقدها بتلك السرعة. الحياة بكل ما فيها كانت تطوى على أنفاسه فيشعر بالاختناق وحاجته للأكسجين الذي تلاشى بغتة من حوله. ما الذي قد يحصل له لو حدث لها شيء؟ يقسم بإنه قد يهدم الدنيا بما فيها ناهيكم عن الدنيا قد يهدم الحياة بكل من عليها ويحرق الأخضر واليابس أو بالأحرى ...

سيكون جسدًا بلا روح. وقلبًا بلا نبض. أيا قلب انتظر لا تتوقف الآن نبضك سيعود ليسكنك ولن يكون غيره مسكنًا. فيا روح تمهلي لا تثوري ولا تغادري الآن قبل استعادتها ستجدينها وتضمينها حتى لا تختفي مرة أخرى. بالطبع هي خائفة الآن تكاد تموت من شدة الرعب! تبًا له لماذا أدخلها عالمه وهو يعلم أنها نقطة ضعفه التي سيكسرون به؟! أوقف سيارته في المكان المنشود، منزل بسيط نوعًا ما في مكانٍ ناءٍ.

فتح تابلوه السيارة ليأخذ السلاح ويسحب الزناد وهو يترجل من السيارة. في نظرة واحدة تناهى له أربع رجال ليختفي من أمامهم يوارى نفسه عنهم. وأخرج كاتم للصوت ثبته في السلاح. عيناه بقت لثوانٍ زائغة قبل أن يسير بمحاذاة السيارة مشهرًا سلاحه ليطلق على الرباع قبل أن يتداركه ما إن وصل لديهم. انحني ملتقطًا سلاح واحدٍ منهم واندفع للداخل مشهرًا إياهم وهو يدور حول نفسه.

هنالك تم تراشق ضرب النار مع رجال كانوا متناثرين بالداخل فراح يختبئ ويطلق بمهارة وكل رصاصة تصيب هدفها ببراعة. وهو يتسلل للداخل غير عابئ بنفسه بأن يصيبه أذى كان غير مهتمًا بحياته من الأساس. يخرج أمام الرجال يطلق عليهم وهو يتحرك للداخل كالطود العظيم ويتفادى رصاصتهم بكل داهية. قرب المنزل ركض دافعًا الباب بقدمه وهو يشهر سلاحيه للأمام أمام .... أمام نفسه؟!

نعم كان صورة طبق الأصل منه الآن أمامه موجهًا سلاحًا عليه بأنفاس متلاحقة وأعين قلقة خائفة، وكفٍ مرتعش بالسلاح وبنطال من الجينزل الأسود وتيشرت بنصف كُم من اللون الأسود. وقف جان وآجار كلاهما أمام بعضهما موجهين كلا منهما السلاح لصاحبه. لكن الصدمة الأكبر كانت من نصيب آجار الذي تقافزت دقات قلبه كالطبل من فرط الصدمة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...