متى تضحك لنا الحياة؟
أُسدلت الشمس تغمر بدفئها الأرجاء، تشرق الحياة بنورٍ جديد لبداية جديدة مبددةً معها هموم الجميع. أنارت بأمل جديد على قلوب الجميع، إلا هُم. لم تشفق لقلب فيكتور الذي كَدَرتُ أيامه، وخيم الظلام قلبه فلم تعد الشمس تشرق ولا القمر يضيء، كأنهم سيضحون على خصام معه. بوجهٍ باهت وعينان متقرحتان وصوتٌ تمزقت أحباله وجسدٌ فقد قوته فبات هشًا، ما زال جسد يوسف قابعًا بين ذراعيه، إلى صدره في قلبه، يُسند برأسه على رأسه كأنهم لوحة بديعة تعبر عما يكنهُ. منهم من ذهب للمشفى ليقفوا مع سجى بقلبٍ فاقد للحياة، بينما المداهمة التي شُنت على وكر الإرهاب بتخطيط ممن خسرت توًا أخاها، أُنتصرت وتم القبض عليهم.
بالمشفى تنهد ياسين في قلق وهو يجوب أمام غرفة العمليات في قلق، وعلى المقعد جلس أدهم مسند رأسه إلى الجدار مطبقًا جفنيه في وهن مداريًا ألمه. بجواره مكه وسمر. فُتح الباب ليهرع ياسين إلى الممرضة التي خرجت بطفلٍ صغير بين ذراعيها وبسمة مشرقة على ثغرها. فتلألأ ثغر ياسين ببسمة وتسللت الدمعات متوارية، متنحنًى وهو يمد كفيه بقلبٍ خافق. فناولته الممرضة الرضيع هامسة في فرحة: "ولد، مُبارك ربنا يجعله ذرية صالحة عليكم".
ضمه ياسين لصدره ولم يتمالك دموعه فبكى موليًا ظهره. هو متيقنٌ يقينٌ تام في عوض الله وفرجه، لكن أن يأتي بهذه السرعة؟ مرطبًا قلبه لهو شيءٌ مُحال. لكن ما المحال؟ وهو الحنان المنان. ضحك بخفوت من بين دموعه مهمهمًا: "يوسف، هسميك يوسف". دنت الممرضة لتاخذه وهي تقول: "لو سمحت هات الطفل أنا جبتهولك زي ما طلبت بس لازم يدخل الحضانة عشان نازل في السابع". أومأ ياسين وهو يناولها لها برفق وتساءل في لهفة: "سجى.. سجى عاملة إيه؟
ردت الممرضة ببسمة: "بخير، تقدر تشوفها دلوقتي". أومأ برأسه وهو يتلفت حوله كـ التائه، فربت أدهم على كتفه قائلًا: "خد البنات وروح اطمن على سجى وأنا هروح مع يوسف الصغير". امتثل ياسين له دون وعي وتوجه للغرفة ليطمئن على ملكة قلبه.
بعد مراسم الدفن وتفرُق الجمع، أفترش فيكتور الأرض بحالة لا يُرثى له ينعي قلبه الميت. تقابله لمار لا تقل حاله عنه، بينما رحل الجميع حين أصروا على ذلك. لقد سقطَ الاثنين في هوة الفراق، وهذا حال كل مرءٍ اتخذ من شخصٍ واحد الحياة، فإذا فقده فقد نفسه وبقَ جسدٌ دون روح فـ انتظار أن يتوارى أسفل الثرى. الحزن كلمة خفيفة النطق، مضمونها صعب، وواقعها أليم.
بملامح باهتة وكفٌ يلامس المقبرة بوهن، مضت بذهنها آخر نظرة وداع للحبيب الراحل فتهدج صوتها وشهقت باكية تهمس بنبرة تقطع نياط القلب: "لا تقل وداعًا أبدًا، بل قُل إلى اللقاء، لأننا حتمًا سنلتقي، إن لم يكن هُنا فهناك في الفردوس الأعلى يا يوسف". علا نحيبها وهي تغط وجهها في كفيها، تراودها جسمان أخيها قبل أن يهديها نظرة الوداع. ما أن دوى نحيبها مجددًا حتى انفجر فيكتور باكيًا. لماذا عليه أن يُعذب فيمن أحب؟
كان يوسف عائلته حينما كان وحيدًا، لذا مات قلبه وفارقت روحه. كان في الدنيا معًا، فهل سيكونا في الأخرى؟ وفي ثنايا أنهماكهما صُدح صوت خديجة تقول بوله وهي تضع كفها على كتف لمار: "كفاية عياط". ضغطت على شفتيها وهي تغلق جفنيه باكية لا تدرِ هل تواسيهم أم تواسي نفسها، فـ الفراق صعب للغاية مؤلم شديد الألم يُفقدنا الحياة. امتزج بكاءهم لدقائق قبل أن تربع خديجة ساقيها أسفلها
وترفع المصحف قائلة بقوة: "كفاية عياط دلوقتي يوسف محتاج لدعواتنا، هو عند الرحمن دلوقتي". وعلى كلمات خديجة رن بذهن فيكتور كلمات يوسف ذات يوم: "لما اموت مش عاوز حد يبكي عليَّ، لو بتحبوني هتدعولي وتسئلوا الله ليا الرحمة وطلعوا صدقة".
فزاح دمعهُ بعصبية وهو يطالع ذاته مستغربًا كيف استحوذ الحزن عليه حتى نسى أن يدعوا لتؤم روحه، فأمر لمار أن تكف عن البكاء وهو يؤكد كلمات خديجة التي بدأت في تلو القرآن لتضع لمار رأسها على كتفها، فـ احتوتها خديجة بذراعها ملثمة جبهتها.
مرت أيام العزاء وخف المعزين من المجيء. خرجت لمار من غرفتها لاول مرة منذُ ذهابه الذي ترك وجعٌ جاثمًا بالفؤاد. سارت بالممر بخطوات بطيئة للغاية تتأمل كل زاوية وركن بعينان مُشتاقتان يفيضان بالحنين، ونهضت الذكريات من مرقدها صائحة تهفو ببهجة مشتاقة. تدور كل زاوية وركن على أمل رؤيته. وقفت مستندة بكفها لسور الدرج وشخصت بصرها على باب غرفته. في هذا الوقت كان يخرج ليدنو مصبحًا عليها بوجهٍ يتلألأ نورًا فينير قلبها وتبتهج نفسها،
بقبلة الصباح يلتقيها. وخُيل إليها فجأة أنه يقترب فتسمرت مكانها وأشرق وجهها واستشعرت بطيفه يقبل جبهتها ويده تطوقها لصدره. وفي لحظة تلاشى متبخرًا طيفه لتلامس جبهتها وهوت دمعاتها دون صوت فطبقت جفنيها لتغلق على أحزانها وتتابع نزولها. طاولة الطعام هُنا كان يأكلها بحنو كانها طفلته الصغيرة، لطالما أحست أنها ابنته. حركت كفها على مقعدها. رباه، ألن يجلس عليه مجددًا؟
ألن تراَه باسم الثغر ضاحك الوجه يتوسط الطاولة مرة أخرى؟ إلهي؟ لن تضمه لصدرها مجددًا؟ وتشكو إليه شجونها، وتبثُ إليه ما بجعبتها من أفراح وأحزان. ألن تضع راسها على كتفها لتغفو بأمان؟ ألن يمسح على رأسها مجددًا؟ ألن ترى بسمته مرة أخرى؟ يا ويلاه، ألن تراه مجددًا؟ عيناه المفعمة بالحنان، وبسمته الحانية، وضحكته التي تنعش فؤادها. هل حقًا غادر دون عودة؟ متى تتطامن السعادة في قلبها؟ متى؟
دارت حول نفسها تتأمل كل رُكن بسيلٍ من الدموع وضاقت بها الدنيا بما رحبت. لقد ضل قلبها المثقل بالأحزان طريق السعادة، أم السعادة هي من ضلت الطريق لفؤادها؟ رن الهاتف بيدها على إشعار رسالة من رقمٌ مجهول ففتحت شاشته التي تُضيء بصورة الحبيب قبل أن تقرأ فحوى الرسالة بوجهٍ ممتقع وعينان ضائقتان: "كيف حال قلبك اخبريني؟
عجبي أسئل حال قلبك وأنا على يقين أنه ليس بخير ولن يكون. لا عجب يا ابنة الشرقاوي، الفراق مرتين لذات الشخص مؤلم، وخاصةً أنك عشتي خبر موته مرتين. أووه لم يكن هو المقصود أحلف لكِ، كانت ابنتك ها ها أجل سجى ولكن لماذا هو ضحى لاجلها ووقف أمامها يا إلهِ، كم غريبون أنتم ما هذا الحب الذي تكنوه لبعضكم بعضًا، لمَ تموتون لاجل بعض؟
عزائي لكِ يا لمار ولا أخفي عنكِ أمرًا، لقد سُعدت كثيرًا لكسرك وتحطيمك بموته مرتين. إلى اللقاء، ولكن ليس للمقابلة، إلى اللقاء في رسالة أخرى عزيزتي". مرتين؟ ... نعم، عاشت وجع موته مرتين! يا ليته لم يعد! وأفرحاه لأنه عاد، عاد فتذوقت مرارة فراقه مجددًا، وتكدر قلبها. لِمَ عليها أن تحيا وجع موته مرتين؟ ما الجرم الذي اقترفته؟
نفضت رأسها بعنف وأوقدت الرسالة غضبها فكورت قبضتها وهي تجز على أسنانها والشرر يتطاير من عينيها. وفجأة صرخت محدقة بالفراغ تخبط بقبضتها بقسوة على الطاولة كمن يعاقب نفسه حتى ظلت تلهث في عنف. ثم نهضت ساحبة هاتفها مرتقية الدرج في خطوات سريعة متجهة إلى غرفة فيكتور. طرقت الباب وفتحته بعنف لتجفل تالا مغلقة المصحف في دهش. فبادرتها لمار قائلة وهي تنظر لفيكتور الممد على الفراش دون حياة: "معلش سيبنا خمس دقايق".
لملمت تالا سجادة الصلاة في عجل وخرجت دون كلمة. لتقترب لمار من الفراش وامسكت قارورة المياه الموضوعة على الكومود. ثم فتحت غطاءه وسكبته على وجهه لينتفض جالسًا ناظرًا لها بغضب. وقبل أن ينهرها ألقت بالقارورة أرضًا وهي ترفع سبابتها في وجهه قائلة: "أنت هتفضل مستسلم كدا وهنسيب حقه؟ ... لو هتفضل كدا قولي عشان أبدأ أنا لوحدي".
لاذت بالصمت ما أن رأت تغير ملامحه لتجلس على طرف الفراش متطلعة في عينيه مردفة بنبرة أكثر رفقًا: "كنت بفكر انتقم وحدي، بس أنا متأكدة أنا لو عملت كدا لوحدي مش هتسامحني، فـ عشان كدا... مدت كفها وهي تضيف في ثقة: "جاهز نحط ايدينا في ايد بعض وتفوق من أحزانك اللي بدمرك دي".
تبسم فيكتور بثقة وهو يصافحها وثورة الانتقام أُضرمت في قلبه، على أهبة الاستعداد ليأتي بحقه ثم يذهب إليه مرتاحًا يشعر هو بذلك. قرب أجله، فما الذي تبقَ له بعد غيابه؟ غادرت لمار لتنتظره بالأسفل. في اثناء ذلك اقترب حذيفة كالح الوجه وقال في وجوم: "أنا عايز أكون معاكِ وأنتِ بدوري على قاتل عمي". ضيقت لمار عينيها، وقالت في تعجب وهي ترمقه بتفحص: "تدور معايا؟! ليه؟ أشاح حذيفة بوجهه مجيبًا باقتضاب: "من غير ليه".
رفعت حاجبها مزهولة وقد خامرها الشك لتدير وجهه إليها سائلة وهي تدقق النظر فيه: "حصل إيه يا حذيفة؟ تجمعت العبرات في محجريها فدنت منه أكثر بقلق متسائلة بقلب أم وحنان عمه: "مالك يا حذيفة في حاجة حصلت معاك؟ اندفعت أسماء كأنها تملكت فجأة قوة عجيبة غير تلك الزابلة ضربت بكفيها على صدره لتقبض على ملابسه بقوة صارخة ببكاء صارخ وهي تنظر للمار بملامح شاحبة: "هو دا اللي قتل أبويا، صدقيني هو، أنا شفته".
صُدمت لمار من كلماتها لتنظر إلى حذيفة الذي لم يأبه بها مستسلمًا لضربها متفهمًا لحالتها حزينًا لأجلها رغم حزنه. جذبتها لمار من مرفقها ودفعتها للخلف وهدرت فيها: "أنتِ اتجننتي ولا موت أبوكِ ضرب عقلك؟ حصلك أي؟ أطرقت أسماء برأسها وعيناها تذرفان مغمغمة بنبرة وهنه: "صدقيني أنا شفته بعيني هو اللي ضرب النار عليه، شفته وهو على الموتسكل...
دارها ياسين إليه من معصمها بقسوة وقبل أن يسقط بكفه على وجنتها كانت كف حذيفة حائل بين ذلك ووقف قبالة ياسين وهو ما زال قابض على معصمه: "أيدك متتمدش عليها يا ياسين كفاية اللي هي فيها دي خسارة أبوها، ياسين يا يوسف أحن خلق الله اللي بيحبه قريب وغريب والصغير قبل الكبير". تشبثت به أسماء كالبلهاء تختبئ فيه كدرعًا حامي محصن لها، وقد كانت توًا تتهمه بغباء. جز ياسين على أسنانه وهو يدفع كفه قائلًا بجفاء: "انت مش سامع بتقول إيه؟
... دي شكلها اتجنت! هز حذيفة رأسه قائلًا ببساطة: "اعذرها معلش". لوح له ياسين بكفه واستدار ليجلس بينما نفض حذيفة ذراعه من ذراعا أسماء وغادر. تجمع فيكتور وياسين وحذيفة وأدهم وفيكتور وعثمان ولمار أمام شاشة الحاسوب التي تُعرض مشهد موت الغائب... غائب؟ منذُ أيام قلائل كانت الدنيا لا تسعه. غريبة هذه الحياة، فما بين الثانية والأخرى لا ندري ما ينتظرنا. ربما نفقد حبيب، أو يهاجرنا قريب، أو يخذلنا رفيق...
وبين هذا وذاك وجب علينا التحمل رغم قلوبنا التي ندهسها دون رحمة لندري ضعفنا. رؤية مشهد موته، أحيا الذكرى وهاجت القلوب. وشهقت لمار متألمة لتختبئ وجهها قائمة من مكانها وابتعدت آخر الغرفة تبكي بحرقة كأنها محفوفة بكلاليب الأحزان تلتقطها يمنة ويسرة.. دون ذرة شفقة. جففت دمعها واستجمعت أطراف شجاعتها مع شهقة عثمان الذي أشر باعين متسعة إلى الشاشة مغمغمًا بعدم تصديق: "دا.. دا حذيفة؟!
نهض الجميع من أماكنهم يتناقلون النظر في بهت. بينما خفق قلب حذيفة وهو يهز رأسه نفيًا يكاد يجن. تقهقر الجميع على كف لمار التي دفعتهم من طريقها و دققت النظر في الشابان فوق الدراجة. ثم نهضت متنهدة براحة ملتفة إلى حذيفة الذي بادر قائلاً بنبرة مرتجفة وهو يؤشر على الشاشة: "دا مش أنا، أنا مستحيل أعمل كدا، يوسف دا كان أبويا التاني".
أومأت لمار بعينيها وجذبته لصدره بقوة تربت على ظهره في هدوء. لينظر حذيفة من خلف كتف لمار إلى ياسين يهز رأسه برفض، ألا أن ياسين تبسم له رافعًا حاجبه يقول ببساطة: "مال الغبي ده! ابتعدت لمار عن حذيفة ثم وبدون سابق إنذار هوت على وجهه بصفعة قوية يعقبها سحبها له من مقدمة ملابسه وهدرت في وجهه بغضب: "أنت غبي؟ ... مفكر إننا هنصدق إن ده أنت؟ دفعته بحدة على الطاولة ثم أمسكت بمؤخرة رأسه تقربها
إلى الشاشة وهي تردف: "بص كويس يا أغبي خلق الله، دا لابس نفس لبسك ومداري وشه، هو أي حد هيلبس ذات لبسك هيكون أنت؟ رمش حذيفة متاوهًا من شدة قبضتها وهو يقول معتذرًا: "آه.. خلاص أنا آسف.. آسف بقول سيبيني". دفعته لمار ليرتطم جانب وجهه في الطاولة قبل أن يعتدل مدلكًا وجهه. غابت لمار مليًا شاردة بتفكير وهي تسند بكفيها إلى ظهر المقعد ثم قالت بغموض: "أنا عارفة مين اللي بيوقعنا في بعض كدا".
نظر لها الجميع في اهتمام أن تتابع ليقول ياسين بدلًا عنها: "اللي خطف العيال هو نفسه؟ ... مش كدا؟ هزت لمار رأسها في هدوء وسكتت لـ هنيهة قبل أن تلتفت إلى عثمان آمره: "خد صورة الواد ده اللي سايق وتجيبلي كل المعلومات عنه... فاهم؟ أشار عثمان برأسه في ثقة: "اعتبره عندك".
تُهاجمنا الذكريات دون ذرة رحمة، غير عابئة بقلوبنا المكلومة تنقذف دون هوادة بدواخلنا وتضغط دون شفقة على ندباتنا فتزيدها ألمًا وتزيدنا ألمًا فلا تضمحل أبدًا ولا تتركنا نحيا بسلام. جلس ياسين شارد الذهن أسير الذكريات الأليمة مريح رأسه لظهر الأريكة مغلقًا جفنيه بقوة كلا تهوى دمعاته. سحبه من قوقعته كف سجى الذي وُضع بغتة على ركبته وهي تجلس بجواره مردد بأسمه برفق. ليلتفت إليها متسائلًا بتنهيدة مثقلة: "يوسف نام يا حبيبتي؟
أومأت سجى قائلة في هدوء: "أخيرًا نام". تمتم ياسين وهو يرجع رأسه كما كان: "خليه يرتاح ويريحك شوية". فاجأته سجى وهي تقول في حزن: "وانت امتى هترتاح؟ انتفض ناظرًا لها ماسحًا دمعها بحنو هامسًا ببسمة حزينة: "بتعيطي ليه؟ أنا مرتاح يا حبيبي الحمد لله، حد ربنا يمنن عليه بهدية زي القمر وميكونش مرتاح؟ يوسف بدد أحزاني وعوضني شوية". هزت سجى رأسها وهي تجذب رأسه إلى صدره قسرًا
وقالت وهي تربت على رأسه: "متكذبش عليَّ يا ياسين.. الأب عمره ما يتعوض وإذا كان الأب ده زي يوسف يا ياسين... ابكي يا حبيبي وهون عن قلبك متحملهوش اكتر من طاقته".
انفجر ياسين باكيًا كأنه كان في انتظار هذه الكلمات لتهوى دموعه من محجريه وتتحرر أخيرًا. ظل ينتحب وهي تمسح على رأسه باكية دون صوت حتى ضمها ياسين متمددًا على ساقيها يدفن رأسه في صدرها يبكي كأنه يبكي أمام نفسه دون خجل أو خزى، يبكي أبًا لن يعوض، كان له الأب والصديق والحبيب. ما يصبر قلبه قليلًا أن الموت حقًا وهو عند الرحمن وأن الموت آتٍ مهما طالت بنا الحياة.
ثوانٍ، دقائق، ساعات لا يدرك صدقًا كم مر عليه وهو يهون عن قلبه بالبكاء وحمد الله أن رفيقة دربه بجانبه تشعر به وتتفهم ألمه ونفسه. دُق الباب ليعتدل جالسًا وهو يكفف دمعه، لتبادر سجى قائلة له: "ادخل انت وأنا هشوف مين". دون كلمة توجه ياسين للداخل، وفتحت سجى الباب لتقول مكه بأسف وهي تحمل دارين التي تبكي: "سجى.. اسفة والله بس دارين مش راضية تسكت معايا ومش عارفة أعمل إيه؟ تبسمت سجى بتفهم وهي تفتح ذراعيها لتأخذها منها،
وقالت: "هاتيها أنا عارفة إنها مش هتسكت مع حد غيري؟ ناولتها لها مكة برفق وقالت في تأكيد: "طيب خديها ولو احتجتي حاجة بس قولي يا مكة وهكون عندك في ثواني". شكرتها سجى وهي تدخل وتهدد الصغيرة برفق ليصرخ من الداخل يوسف كأنه على علم بأن أحدًا آخر يشاركه والدته. ليخبط ياسين كفه في جبهته قائلًا في غيظ: "يا ابني حرام عليك انت لحقت تصحى؟ حمله ياسين سرعان ما تقزز سادًا أنفه بأصبعيه مغمغمًا
بقرف: "يخرب بيتك وكمان عاملها، تعالَ يا عم أم نغيرلك، أحيانًا بحسك بتنتقم مني يلا". تبسمت سجى ضاحكة قائلة: "طب خد انت دارين وأنا هغيرله". نفى ياسين وهو يأتي بالحفاضة: "لا هغيره أنا متقلقيش".
هم ياسين بنزع الحفاض بتقزز وقد بدا جليًا ملامح الوجوم على وجهه، ألقاه سريعًا في سلة النفايات وهو يسد أنفه. فما أن كاد بأن يلبسه الحفاض الجديد حتى بال الصغير وتناثر على وجهه. صُدم ياسين وجحظت عيناه وفجأة علت ضحكات خديجة وهي تضرب كف بكف في استمتاع. لينظر لها ياسين في حدة، وتصيح سجى متسائلة ما الذي يجري لتقول خديجة وهي لا تكف عن الضحك: "كان لازم تشوفي إيه اللي حصل؟ الواد عملها على وش ياسين".
شاركتها سجى الضحك. تاوهت خديجة وهي تحاول كتم ضحكاتها تحت أنظار ياسين الغاضبة. جز ياسين على أسنانه وهو يتفل بجوار الصغير قائلًا: "عبو شكلك يا شيخ دا جزاتي عشان بغير قرفك". تقززت ملامحه وهو يميل شاعرًا بالتقيؤ. ثم سار نحو خديجة ضاربًا إياها بالحفاض قائلًا بمقت: "اضحكي اضحكي، امسكي يلا روحي غيريله". انفجرت خديجة في وجهه مقهقه وهي تمسك منه الحفاض متجه إلى الصغير. طرقت خديجة على الباب ليأذن رحيم من الداخل لها،
فطلت برأسها وقالت: "رحيم، أدخل؟ أجاب رحيم وهو يقترب من الباب متهيئًا للخروج: "أيوه يا ديجا ادخلي، أنا هروح المستشفى وكمان هدور شوية على عائشة ممكن أعرف حاجة فـ خليكِ معاها، معلش هنتعبك معانا". عاتبته خديجة قائلة: "إيه تتعبوني دي؟ وعد دي اختي الكبيرة انت بتقول إيه يا جدع انت؟ ضحك رحيم بخفوت ضحكةٌ لم تصل لعيناه الحزينة وقال في استسلام: "خلاص يا ست الكل اسفين". تنحت خديجة جانبًا ليمر وقالت: "أيوه كدا، ربنا معاك يارب".
أمن رحيم على دعاءها وخرج فأغلقت الباب واتجهت جالسة بجوار وعد الممددة دون حياة.... دون أمل.... دون روح، جاحظة عينيها في الفراغ وكل أطرافها مرتخية. ملست على رأسها وهي تقول ببسمة: "وعود عاملة إيه؟ .... مش كويسة أنا عارفة! لأنك لو كويسة كان زمانك بتدوري على اللي قتل خالك". تهدج صوتها وفاضت مقلتاها واسترسلت: "يوسف مات يا وعد... عارفة مفيش كلمة توصف اللي في قلبي، أنا مفتقده أوي، ووحشني أوي".
التفتت نحو الباب ما أن فُتح فجأة يتعقبه صوت عاصم الحاني: "خديجة، ممكن نقعد معاكِ؟ أشارت له خديجة بالدخول فدخل وتبعه باقي الصغار لتقوم خديجة من جوار وعد مفترشة الأرضية وهم حولها. وساد صمت لدقائق قاطعه صوت أروى وهي تهمس في ألم: "خديجة إحنا مش هنشوف جدو تاني؟ ليه؟ همت أن تجيب إلا أن بادر عاصم متسائلًا: "يعني إيه موت يا خديجة؟ طرفت خديجة قليلة تطالعهم بسكوت طغى عليها مليًا
مفكرة ثم أردفت بحنو: "مين قال جدو مش هنشوفه تاني؟ ما هو عايش جوانا، هو موجود وحاسس بينا ولما ندعيله بتوصله دعواتنا وبيفرح جدًا بيها. الموت يا عاصم؟ التفتت إليه وسكتت لهنيهة واستتبعت: "الموت حياة تانية ربما جنة أو نار". تساءل حمزة وهو يحمل أخته شيماء على ركبتيه: "احكيلنا عن الجنة يا خديجة". ما كادت بأن تجيبه حتى قال خالد: "هو إحنا لو طلعنا صدقة لموت جدو عادي؟
أومأت خديجة وقالت في هدوء: "بالطبع، الدعاء والصدقة تصل صوبها للميت". فُزعت خديجة ما أن أبصرت دموع ملك الصامتة لترنوا إليها سريعًا متسائلة وهي تجلس بجوارها: "ملك، مالك بتعيطي ليه؟ هزت ملك رأسها وحركت أصابعها تود قول شيء لها إلا أنها لم تفهمها فقاطعهما معاذ قائلًا ببساطة: "بتقول افتكرت جدو يا خديجة وإنها وحشته". زمخت خديجة قليلًا وهي تنظر لمعاذ برفع حاجب وسألت في دهش: "أنت فهمتها إزاي؟ حرك
معاذ كتفيه ببساطة وقال: "عادي، مش عارف". زَمَّت خديجة شفتيها ومسحت دمعات ملك المتساقطة وأردفت: "متبكيش يا ملك كل ما افتكرتيه ادعيله أفضل". ساد صمت حزين معبق بالذكريات، ففكرت خديجة قليلًا قبل أن تلفت انتباه الصغار قائلة في حماس: "إيه رأيكم أحكيلكم قصة سيدنا آدم أبو البشر". رفع الصغار أنظارهم إليها دون حماس ولكنهم رضخوا في النهاية ينصتون إليها في اهتمام رغم حزن قلوبهم، فتنهدت خديجة متبسمة
وسرحت بأفكارها وقالت: "خُلق آدم في الجنة، أخبر الله عز وجل ملائكته بخلق آدم عليه السلام فقال تعالى {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة} (البقرة:30)
. في الآية إخبار من الله تعالى لملائكته أنه سيجعل في الأرض خليفة عنه، يقيم أمرها، ويصلح شأنها. فاستفسرت الملائكة حكمة خلق الله للإنسان، وقد علمت أن منهم من سيفسد في الأرض، ويسفك الدماء، فإن كانت الحكمة من خلقهم هي العبادة فهم يعبدونه فقالوا لله {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} [البقرة: 30]. فأجابهم الله عز وجل عن استفسارهم بأنه يعلم الحكمة التي تخفى عليهم فإنه -سبحانه
-سيخلق بني البشر ويجعل فيهم الرسل والأنبياء والصديقين والصالحين والشهداء، والعلماء والعاملين لدين الله، والمحبين له، المتبعين رسله، قال تعالى: {قال إني أعلم ما لا تعلمون} [البقرة: 30]. وخلق الله -سبحانه -آدم من تراب الأرض ومائها، ثم صوره في أحسن صورة ثم نفخ فيه، فإذا هو إنسان حي من لحم ودم وعظم، وكان ذلك يوم الجمعة، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة) _[متفق عليه] وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحَزْن (الصعب)
، والخبيث والطيب) [الترمذي]. وعلم الله سبحانه آدم الأسماء كلها فقال تعالى {وعلَّم آدم الأسماء كلها} [البقرة:31]. وأراد الله عز وجل -أن يبين للملائكة الكرام فضل آدم ومكانته عنده، فعرض جميع الأشياء التي علمها لآدم على الملائكة، وقال لهم: {أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} [البقرة:31].
فقالوا: {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم } [البقرة:32]. فأمر الله آدم أن يخبرهم بأسماء هذه الأشياء التي عجزوا عن إدراكها، فأخذ آدم يذكر اسم كل شيء يعرض عليه، وعند ذلك قال الله -تعالى -للملائكة: {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} [البقرة: 33]. ودار حوار بين آدم -عليه السلام -والملائكة حكاه لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم -فقال: "خلق الله آدم -عليه السلام
-طوله ستون ذراعًا، فلما خلقه قال: اذهب فَسَلِّم على أولئك -نفر من الملائكة -فاستمع ما يحيونك، فإنها تحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله... _متفق عليه. وأمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم تشريفًا وتعظيمًا له فسجدوا جميعًا، ولكن إبليس رفض أن يسجد، وتكبر على أمر ربه، فسأله الله -عز وجل -وهو أعلم: {يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين} [ص:75]. فَرَدَّ
إبليس في غرور: {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [ص: 76]. فطردَه الله -عز وجل -من رحمته وجعله طريدًا ملعونًا، قال تعالى: {فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين} _[ص: 77 -78]. فازداد إبليس كراهية لآدم وذريته، وحلف بالله أن يزين لهم الشر، فقال إبليس: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين . إلا عبادك منهم المخلصين} [ص: 82 -83]. فقال الله -تعالى -له: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} [ص:85].
طافت عينا خديجة في الصغار، فوجدتهم يحدقون بها في حماس ودون صوت، أو حركة، ينصتون في اهتمام شديد، وهل يوجد شيء أجمل من هذا يستمعون إليه؟ أسبلت أجفانها وهي تستنشق عبير الكلمات وقالت وهي تطالعهم في محبة: "خُلقت حواء من ضلع سيدنا آدم _عليه السلام". "لماذا سُميت حواء يا خديجة؟ " تساءلت بهذا السؤال لمياء في تعجب ممزوج بالحيرة. فـ أردفت خديجة وهي تنظر إليها: "لأنها خُلقت من ضلع حي وهو ضلع آدم". ثم استرسلت وهي تردُد
بصرها في الجميع: "في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: استوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً".
يوصي رسولنا وحبيبنا بالمرأة لنرفق بها، ونحتوي ضعفها ونحسن معاملتها، كلا نحزنها أو نأتي عليها ونعاملها بالمعروف، أن نتجاوز ونصفح عن سيئاتها وأخطائها، نحتويها ونكن لها اليد التي تأخذها من النور إلى الظلام، فهي بحاجة لمن يعلونها على السير دون عوائق. قالت أروى بانبهار: "هل وصى علينا الرسول يا خديجة! حقًا؟ أومأت خديجة لها بعينيها وتابعت: "أجل يا قلب خديجة؛ أمر الله -سبحانه
-آدم وزوجته حواء أن يسكنا الجنة، ويأكلا من ثمارها ويبتعدا عن شجرة معينة، فلا يأكلان منها؛ امتحانًا واختبارًا لهما، فقال تعالى: {يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدًا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} [البقرة:35]. وحذَّر الله -سبحانه -آدم وزوجه تحذيرًا شديدًا من إبليس وعداوته لهما،
فقال تعالى: {يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى . إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى. وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى} [طه:117 -119]. وأخذ إبليس يفكر في إغواء آدم وحواء، فوضع خطته الشيطانية؛ ليخدعهما، فذهب إليهما،
وقال: {يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ . وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) [الأعراف/20]. أي أنما نهاكما ربكما عن الأكل من هذه الشجرة من أجل أن لا تكونا ملكين.[طه:120]. فَصَدَّق آدم وحواء كلام إبليس بعد أن أقسم لهما، ظنًا منهما أنه لا يمكن لأحد أن يحلف بالله كذبًا، وذهب آدم وحواء إلى الشجرة وأكلامنها.. وعندئذ حدثت المفاجأة؟
!! لقد فوجئ آدم وحواء بشيء عجيب وغريب، لقد أصبحا عرايا؛ بسبب عصيانهما، وأصابهما الخجل والحزن الشديد من حالهما، فأخذا يجريان نحو الأشجار، وأخذ يقطعان من أوراقها ويستران بها جسديهما، فخاطب الله -عز وجل -آدم وحواء معاتبًا: {ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} [الأعراف: 22]. فندم آدم وحواء ندمًا شديدًا على معصية الله ومخالفة أمره وتوجها إليه -سبحانه -بالتوبة والاستغفار،
فقالا: {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}[الأعراف: 32]. وبعد الندم والاستغفار، قبل الله توبتهما ودعاءهما، وأمرهما بالهبوط إلى الأرض والعيش عليها.) وبهذا الذنب هبط آدم وحواء إلى الأرض...
نقر ياسين على غرفة والدته ليطمئن عليها. أدار مقبض الباب ودفعه قليلًا ليطل برأسه فوجدها كـ جثةٌ هامدة تنام على جانبها تضم صورة الحبيب إلى صدرها، العينان الشاحبتان المنهمكتان تدلان على أنهما لم يكتحلا بنوم ولم يرقأ لهما دمع. خطى للداخل بتمهل كلا يزعجها، ثم جلس بجوار رأسها ملثمًا جبهتها استتبعها بكفيها، وأردف بحنو: "أمي، أنتِ كويسة؟
لم تجبه وإنما انتفضت معتدلة بعد دقائق كمن تذكر شيءٌ فجأة ونهضت قائمة متجه إلى خزنة الملابس لتفتح إحدى ضلفتيها. تابعها بعينيه حتى اقتربت منه بدفتر صغير مدت كفها به له واردفت: "الدفتر ده أبوك كان كاتب فيه أدوية الناس اللي محتاجة كل شهر كان بيبعتهم من غير الناس دي ما تعرف مين اللي بيوصلهم الأدوية دي، فـ دلوقتي أنت هتعمل بوصية والدك وهتكمل أجر والدك". بلهفة وعينان دامعتان قال ياسين بإيماءة بسيطة: "بابا كان بيعمل كدا؟
تنهدت حبيبة بثقل وتابعت بجفاء: "وفي أسماء ناس محتاجة عمليات كلم أسماء ترتب كل حاجة". هوت دمعة من عين ياسين وهو يتأمل الدفتر بحزن. كم اشتاق لوالده، لرائحته تغمر المكان فتزيده بهجة. أكد لوالدته التي عادت إلى الفراش بقلبٍ ميت قائلًا: "وعد يا ماما طول ما فيا نفس هكمل مشوار بابا".
حينما لم يأتيه رد، تنهد في ألم ووقع بصره على الصينية التي تقبع عليها أطباق الطعام كما هي، فآخذها ووضعها على الفراش أمامه بعدما جلس وظل يلح عليها لتأكل دون جدوى، ولا زال يحاول جاهدًا حتى دلفت سجى بالصغير قائلة بمرح متصنع: "لينا مكان معاكوا ولا نمشي؟ ألتفت ياسين باسمًا لها وأشار لها برأسه لتدخل: "تعالي يمكن الواد يوسف ينجح في اللي أنا فاشل فيه".
وعلى ذكر اسم الحبيب أشرقت ملامحها بنور الحياة مهللة، لم تغب عن عينيه البسمة التي تلألأت على ثغر والدته فأخذ يوسف من سجى وقال وهو يقربه من والدته التي لم تره للآن: "يوسف زعلان منك يا ماما عشان لسه مشفتوش". علقت أبصارها بالصغير وهي تعتدل لتضمه لصدره وتلاعبه بهمس فاتسعت ابتسامة ياسين، وقال: "ممكن تاكلي يا ماما عشان خاطرنا". قالها مقربًا المعلقة من فمها لكنها لم تبالي حتى بالنظر إليه،
فدنت سجى بحذر وقالت: "ممكن تاكلي عشان خاطر يوسف طيب ولا هتزعليه منك؟ قفزت أروى فجأة على الفراش صائحة: "لا هي هتاكل من إيد أروى عشان متزعلش". صرخ فيها ياسين معنفًا: "يا بنت هتكبي الأكل". زَمَّت أروى شفتيها وهي تأخذ منه المعلقة قائلة: "طيب ابعد انت كدا عايزة آكل ستو حبيبتي".
راحت أروى تأكلها برفق وقد استجابت لها حبيبة تحت دهشة ياسين الذي رفع حاجبه عجبًا مرددًا: "بقيت تاكل من إيد بنت ابنها وابنها لأ، أنا غلطان أصلًا إني جيت أتحايل". قالها متذمرًا كالاطفال لتلكزه سجى في بطنه بمرفقها قائلة بضحكة خفيفة: "أُسكت".
أخبرهم عثمان بعدما جاء بكل المعلومات الخاصة بشاب الدراجة أنه موجود في ملهى ليلي، ليتوجهوا على الفور. هبطت لمار وفيكتور درجات الدرج القلائل ودخلا يتلفتون حولهم عنه، لا سيما قد كان المكان مرشق بالنساء والرجال والألوان حمراء وخضراء تشع في المكان ورائحة الخمر تعبق المكان والأغاني الصاخبة تسد الأذان. المنظر كان كفيل ليوقد بداخلها الغضب على ما غارقون فيه هؤلاء الذين نسوا أنفسهم وانغمسوا في الحياة الدنيا وملاذاتها فأستهوتهم ونسوا ما عند الله.
نفخ فيكتور بضيق وهو يدفع أحد السكارى قائلًا: "هو فين دا ملهوش أثر هنا، غور يا عم من وشي الساعة دي". دقت لمار النظر في الوجوه جيدًا، ثم تبسمت في ظفر ما أن تراءى لها جالسٌ على أحد الطاولات مع فتاة فمالت برأسها ضاحكة: "حبيبنا مشرف أهو وبيضحك كمان". غابت بسمتها وحل محلها الغضب وهي تجز على أسنانه هامسة بصوتٍ مخيف: "يا حرام هتختفي ضحكته للأبد دلوقتي".
أنهت جملتها سائرة بخطوات سريعة وعلى غرة منه ضربة بكفها الطاولة لتنتفض الفتاة بينما ارتعب الشاب قائلًا بارتجاف: "إنتِ مين؟ وازاي تضرب..... لم يكمل كلمته، إذ أمسكته لمار من مقدمة ملابسه هامسة بفحيح: "عملك الأسود، موتـــــــــــك.. أنا موتك".
حاول الشاب نزع يدها بملامح مرتعبة بينما توقفت الحركة من حولها وهدأت الأغاني. نزع الشاب كفها وركض سريعًا متعثرًا في رجل المقعد ونهض وهو ينظر لها بزعر. لكنها تقف ببسمة ماكرة على ثغرها تعقد ذراعيها في برود. ما كاد الشاب أن يركض حتى باغتته فيكتور بركلة قوية أطاحته للخلف ثم انكب عليه يبرحه ضربًا. هم بعض الشباب بالاقتراب للفصل عنهم وقد ساد الهرج والمرج لكن طلقة رصاص أُطلقت من سلاح لمار للأعلى جمدتهم بمكانهم وفروا هاربين ما أن صرخت فيهم بـ: "كله يطلع مش عايزة أشوف حد هنا وإلا كله هيشرف في الحجز".
استغل الشاب غفلةً من فيكتور الذي يلهث في تعب ودفعه للخلف وهو يقفز واقفًا راكضًا للخارج، لتهرع لمار إليه تساندة على الوقوف. لمح الشاب الباب متبسمًا كمن ردت له الحياة. ذُهلت نجاته هو من النجاة من تلك المرأة التي لم يرَ مثلها في الوجود. تلاشت بسمته سريعًا ما أن ظهر ياسين أمام الباب يسده بعرضه ورفع كفه ببسمة سمجة ملوحًا له في برود، ثم أعاد كفيه خلف ظهره. استدار الشاب ملتفًا خلفه يبحث يمنى ويسرى عن أي مخبأ يستتر فيه عن أعينهم. رَ الباب الخلفي فارغًا فهرول إليه سريعًا ولكن على غرةٍ تعثر في قدم لمار التي بُسطت في طريقه وقبل أن يعتدل بادرته لمار بعدة لكمات كالمتغيبة. أبعدها ياسين عنه ما أن انهار الشاب غارقةً
ملامحه في دمائه: "هيموت كدا من غير ما يعرف حاجة سيبيه". دفعته لمار وهي تمسح على وجهها بكفها ماسحةً على وجهها تقول في صوت متهدج لاهث وهي ترفع سبابتها: "احمد ربنا أنه نجاك من تحت إيدي وإلا كان زمانك بيدفنوه ويقروا عليك الفاتحة". تاوه الشاب صارخًا وهو يرمقها بحذر وخوف من أن تبطش به مجددًا. ضرب ياسين على صدر الشاب قابضًا على ملابسه يرفع جذعه للأعلى ليوجه وجهه الغاضب وجأر فيه: "قتلت أبويا ليـــــــــــــــــــــــــــه".
قال جملته بلكمة على وجه الشاب جعلته يهتز مرتخيًا. ولولا كف ياسين القابض عليه لكان سكن جسده أرضًا. اعتدل ياسين في وقفته وسحب الشاب خلفه وبكفه الآخر سحب مقعدًا وأجلسه بعنف عليه ورفع قدمة ليضعها بجواره ومال إليه بجذعه قائلًا بتهديد وهو يخرج سلاحه أمام نظراته المرتعبة: "هتحكي كل حاجة ولا هتلف ودور؟ أنا معنديش وقت وأنت مفكش رصاصة وتموت أصلًا".
هز الشاب رأسه وهو يذرد ريقه في ارتياب مغمغمًا بصوت متهدجٌ: "معرفش.. معرفش حاجة". أنزل ياسين قدمه وهو يحك ذقنه بتفكير يرمقه من طرف عينه هامسًا في برود: "أعصابي بتتفلت بسرعة ولو تفلتت مش هقولك على العذاب اللي هتشوفه، وبــــــــــــردوا هتقول". صرخ بأخر جملته وهو يضرب كفه في الطاولة، بينما جلست لمار في برود وهي تعقد ذراعيها. يجاورها فيكتور. قبض ياسين على عنقه واقترب
منه بشدة وهمس في هدوء: "صدقني أنا ماسك نفسي عنك عشان مقتلكش بالعافية فـ احكي احسن لك". هز الشاب رأسه نفيًا، فـ أطلق ياسين طلقة نارية في ذراعه ليصرخ الشاب من الألم وهو يبكي بحرقة ممسكًا بذراعه التي تسيل منه الدماء. ولكن ضغط ياسين على جرحه قائلًا في قسوة: "هااااا شايف أنا حلو معاك إزاي هتحكي ولا لأ". أشار له برأسه على السلاح فهز الشاب رأسه قائلًا من وسط شهقاته: "هحكي.. هحكي.. اللي انتوا عايزينه، بس ابعد ده عني".
قالها وهو يرفع كفه على وجهه بنظرات مرتعبة من السلاح، فوضعه ياسين خلف ظهره، ثم ربت على كتف الشاب قائلًا ببساطة: "احكي سامعك أهو". بأنفاس متضطربة وصوتٌ راجف ردد الشاب: "حسن اسمه حسن........ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ انتقام يليه آخر وتقع أرواح الأبرياء متساقطة كأوراقٍ بالية دون ذنب لا لشيء إلا من وطأة الانتقام......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!