الفصل 16 | من 39 فصل

رواية جحر الشيطان الفصل السادس عشر 16 - بقلم ندي ممدوح

المشاهدات
18
كلمة
4,882
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 41%
حجم الخط: 18

كل شيء بدا غريبًا، مخيفًا، رغم ذلك مدهشًا. نعم، قد لا تدرك كم قضت من الوقت وهي محبوسة في حجرة تشبه الخيال، إذ ألوانها الباهية وفراشها الكبير الغريب الجميل أيضًا، الأرائك والمقاعد، كل ما حولها ذا جمال باهر. كم مرّ؟ أيام أم ساعات؟

وما حل بالشاب الذي كان معها لا تدرك. كل ما تتذكره وهي تسير في هيبة وسط حشد من الرجال يفسحون لها الطريق في وقار، بينما تسير مبهورة مشدوهة في السماء الصافية وشمسها الذهبية التي بدت أكثر روعة على صفحة النهر الجاري وشلاله الخاطف للألباب. وتنتشر الأشجار والزرع والورود والزهور بألوان شتى خلبت قلبها من أول نظرة، حتى أنها لم تحيد بناظريها عنهما، حتى لجت إلى قصر عتيق مهيب شامخ يجذب النظر إليه. ألوانه الذهبية ذات الإطلالة الرائعة أثارت دهشتها. وعلى أسكفته أرفقها رجل واحد فقط، وبقي الباقون بالخارج. ولجت إلى قاعة يحفها الرجال الذين بدوا لها أنهم حراس وجنود، كانوا يحيون الرجل في وداعة. أشار لها بكفه لتقف وتجاوزها واقفًا قبالتها مباشرة، وغمغم في لهجة

حادة لم تخلو من الاحترام: -سيأتي الأمير براء. لا تراوغي معه، فهو برغم احترامه الشديد للنساء لا يرحم أحدًا إذا تعلق الأمر بالأميرة. كوني مطيعة وأخبريه بما تعرفينه ودون إسهاب، واحذري الكذب يا فتاة. تدلى فكها في بهتة وسكتت هنيهة محدقة فيه في صدمة قبل أن تسأله: -أقسم لك بأني لا أفقه حرفًا مما تتفوه به. ماذا تقول؟ وماذا تريد؟ تقدم إليها في خطوة حادة وهو يزم قائلًا وكفه يضغط على سيفه في غضب جم:

-حسبك، ها أنا بدأت تراوغين. لا تفلتي أعصابي وتضطريني لقتلك. لم يتمم عبارته أن هتف هاتفًا من خلفه: -يا صهيب، حسبك يا رجل. هل هكذا نعامل ضيوفنا؟ إذدرد صهيب لعابه وهو يلتفت منحنيًا في وقار ويده موضع قلبه، وقال: -عذرًا مولاي، لكنك تعرف لا أحب المراوغة. هي بدأت تفقدني أعصابي.

لم تشعر حين أشار للجميع بالانصراف بإشارة من يده، إذ كانت منشغلة في التفحص في تعجب لكل ما تقع عيناها عليه. أقبل الأمير نحوها ويمناه خلف ظهره يسير في تؤدة ووداعة حتى وقف أمامها. فرفعت عيناها إليه فتقابلت النظرات وبقيت لثوان، حتى قطع السكون صوته المهذب مرحبًا ببسمة لطيفة: -مرحبًا بكِ يا جميلة في قصر الأمير براء. اتسعت عينيها وهي تصيح في دهشة وتصفق في حماسة: -البراء ابن مالك الأنصاري؟ قطب حاجبيه متسائلًا في تعجب:

-من هذا؟ ثم أردف في نبرة حادة وهو يدور حولها: -يبدو أنك ستراوغين حقًا. إذن فأنتِ لا تعلمين من أكون وما أفعله في أمثالك. وقف حين وصل قبالتها وصاح بصوت أكثر حدة وارتفاعًا: -أين الأميرة ميليا يا فتاة؟ أين أختي؟ تقهقرت للخلف مذعورة. عيناه المتسعة بدت مخيفة للغاية. وجهه المحتقن بحمرة الغضب بدا كأنه سينفجر، حين صرخ مرة أخرى، هزت منكبيها مجيبة في خوف وتوتر: -من ميليا؟ ومن هي أختك؟

نظرت حولها فلم تجد غيرها معه، فازداد الخوف في قلبها وتسلل إلى سويداءه. في حركة واحدة وجدت نفسها يجذبها من معصمها القابض عليه في قسوة يقربها إليه وهو يجز على أسنانه قائلًا في صوت كالفحيح: -الأمير وابنها أين يا فتاة؟ لا أحد يعلم باختفائها أبدًا، فلماذا نطقتِ باسمها حين رأيتي صهيب؟

أسبلت جفنيها تواري عبراتها التي أشرفت في مقلتيها، وودت أن تنأى عنه وتستتر في جان الذي لم تعلم أين أخذوه آنفًا. قالت في نبرة على وشك البكاء وهي تنظر إلى عيناه في رجاء، وذراعها يجاهد أن ينفلت من قبضته: -ابتعد يا هذا، أنا لا أعلم من أختك. قراءة اسمها صدفة، منقوشة على سترة ذاك صهيب. -حقًا؟

صاح بها الأمير في تهكم غير مصدق وهو يحرر ذراعها ويبتعد خطوتين. وبقى يتابعها ويمعن النظر إليها في سكون هز قلبها رعبًا. ثم قال في لهجة تقطر دهشة وهو يشملها بنظراته: -لماذا تبدين غريبة؟ ملابسك وهيئتك، من أي الممالك أنتِ؟ فغرت فاه مشدوهة وهي تردد في بهتة: -ممالك؟ ممالك إيه دي وتبع إيه؟ ضيق عيناه متسائلًا في تعجب: -ماذا؟ حكت (دارين) فروة رأسها وهي ترفع شدقيها في تهكم من نفسها، وعصرت جفنيها مجيبة في جفاء:

-أنا لا أدري من أختك أو أين هي، وأنا لست من هنا. لا أعرفك ولا أعرف أين أنا ولا هذا المكان. كل ما في الأمر أن الطائرة سقطت بنا وبفضل الله نجونا وأمسينا هنا. لاح لها شبه ابتسامة متهكمة ظهرت على زاوية فمه قبل أن تنقلب ملامحه ويصيح في حدة وهو يحل عقدة ذراعيه من خلف ظهره ويصفق بهما: -أيها الحراس. فور ندائه، حضر حارسان مذودان بسلاحين في غمدهما، ووقفا ناكسي الرأس في انتظار أمره الذي لم يطل. وقال وهو يحدج دارين في غضب جم:

-خذوا هذه وزجوا بها في السجن. أما أن تبوح بما في مكنونها أو أن تموت جوعًا. اتسعت مقلتي (دارين) في صدمة وراحت تصرخ أن يفلتوها وتستنجد بـ (جان) ، لكن لم يزد صراخها إلا جرًا لها عنوة حتى زجوا بها في غرفة. تنبهت (دارين) من ذكرياتها على صوت انفراج الباب ووقوف الأمير (براء)

أمامها كحاله جميل جذاب أنيق في ملابسه الغريبة، واضعًا كفاه خلف ظهره يرمقها في تمعن ونظره شاملة. دنا من الفراش لتعتدل واقفة أمامه وران عليهما السكون للحظات قبل أن يسألها بصوته الرزين الهادئ:

-للآن أعاملك جيدًا وليس لي حاجة في أذيتك صدقًا. وقد تراجعت عن إصدار أمري في سجنك وأودعتك هنا، ولكنك لا تتفوه بحرف. وهذا كثير وأنتِ ليست أفضل لدي من أختي التي هي حياتها في خطر. ربما أستطيع إنقاذها هي وطفلها. فأنا وزوجها نبحث عنها دون جدوى. وإزاء حياة أختي قد أخل بكل المبادئ والقيم. صوته الرخيم اشتد قساوة وهي يضيف من بين أسنانه:

-لن أمهلك فرصًا أخرى. أما أن تجاوبين أو سيكون مأواكِ السجن ودون طعام حقًا كما أمرت. هاتي ما عندك أفضل لكِ. الأميرة (ميليا) أميرة مملكة ميليا أين هي؟ كادت أن تموت خوفًا وبدأت ترتعش أمامه. دموعها التي هوت إلى وجنتيها لم تهز فيه شعرة وهو يقف في شموخ أمامها. ولكن صوتها الباكي الحزين هز قلبه الصلد الذي لم يعرف الحب يومًا. بل ربما انتفض متزلزلًا وهي تشهق في بكاء صامت مرددة في قهر:

-بالله لا أدري من هي وأين هي. كل ما حصل كان في محض الصدفة لا أكثر. أين جان؟ أريده، أريد أن أرحل من هنا. سكتت هنيهة تخفي وجهها بين كفيها تعتصر صورة أمها التي ممكن أن تكون في عداد الموتى الآن أو في مشفى الحالات النفسية. لن تسامح نفسها إن كانت السبب أبدًا. راحت تهزي في نبرة أقشعر لها بدنه الضخم: -أمي يمكن أن أخسرها إن لم أعد لها. اتركني أرحل أرجوك.

نظرتها المغشية بالدمع رقت قلبه ولم ترق ملامحه وارخت جسده. وربما ظنت أنه سيتركها، لكنه حطم آمالها حين تشنجت ملامحه وشد قامته في شموخ رافعًا رأسه مجيبًا في نبرة حادة كالسيف: -وأنا ممكن أن أخسر أختي وابنها. وهذا ما لا اسمح به. لذلك ستبقين في السجن.

الحياة بدت كقبر حالك السواد، أو ككلاليب من المصائب والهموم تلتف حولها فتكتفها بشدة فلا تستطيع الحراك. الحياة لم ترأف بها في كل فرصة تسنح لها تقتص منها كل ما تريده دون ذرة رحمة. بين أربع من الجدران باتت حبيسة بينهم. تنام وتصحو في مكانها، بل تقسم أن النوم قد فارقها كما الحياة. الأرق فقط كان أنيسها وصوت جان. أسندت رأسها في وهن من قلة الزاد إلى الجدار وهمهمت لتطمئن قلبها الخائف: -حقًا أن اسمك ليس جان؟ أم أنك فقط تمازحني!

تبسم آجار من الطرف الآخر وهو يزفر في ملل مجيبًا: -قولي أنك تموتين خوفًا وترديني أن أتكلم حتى تطمئني! نفخت (دارين) وهي تعتدل قليلًا للأمام مسندة بكفيها على حافة الأريكة الصغيرة التي تأويها: -حسنًا، هذا حقيقة ولكني لا أصدقك. هل حقًا ليس اسمك جان؟ -أخبرتك مرارًا وتكرارًا اسمي آجار. لا أدري من جان هذا. -أشعر كأني في درب من الخيال! هذا غير ممكن أن يكون هذا الشبه بينكما. هل لديك أخ مغني؟ ارتفع جانب فم (آجار)

ببسمة ساخرة وأجاب في تهكم وهو يعقد ذراعيه: -وهل تظنين أن رجل عائلته من المافيا أن يكون لديه أخ مغني؟ همست (دارين) في تعجب: -إذن لك عندي أن أريك المغني جان. أنا من أكثر معجبيه. إنه يشبهك كثيرًا جدًا. طرقت في رأسها فكرة فقالت في حماسة: -أم أنك تود إخفاء هويتك عني؟ قهقه (آجار) مجيبًا في قلة حيلة: -يا إلهي! ما نقوله نعيده. أقسم لك بأني لست مغنيًا. بعدم تصديق لوت (دارين) شدقيها متمتمة: -طيب! تحسس (آجار)

ندوب وجهه الغائرة، والقى نظرة إلى كدماته الزرقاء وتميز غيظًا لثوان وهو يتذكر، ضرب الجنود المبرح له حين انفعل وصاح على صوت صراخ (دارين) حتى فقد الوعي. أتاه صوت (دارين) تقول: -جان يا هذا أنا جائعة. بترت عبارتها انفعاله مرددًا: -اخبرتك أن إسمي آجار، آ ج ا ر، أحفظيه عن ظهر قلب هيا. -حسنًا، ألست جائعًا يا آجار. شدت على حروف اسمه في تعمد وتابعت في صدق وهي تتضرر جوعًا:

-اكاد أموت من الجوع ولو بقيت لساعات أخرى دون طعام أظن أني سأفارق الحياة. طعنته جملتها في قلبه لكنه هام فجأة سارحًا وقال وبسمة حزينة تبزغ فوق شفتيه: -أجوع؟ أنت لا تعلمين ما عانيت يا دارين، الجوع ليس بالأمر المهم بالنسبة لي. كلماته المبهمة لم تستغيثها، فقالت: -أوه أنا جائعة. ثم قالت في تزمر وهي تنظر إلى بطنها: -واخرتها هتموتي جعانة يا فقرية، أنا قلت وشي نحس.

قبل أن يتقدما الرجال، ضحك هو معطيًا إشارة بنزول ستارة عن مرأى المسرح، وبالفعل تجلت فور إشارته، فجذبها من معصمها قسرًا وركض بها للخلف ومنه لزاوية جانبية. ترك معصمها وهو يلهث، واضعًا يمناه في جذعه والآخر يلوح به وهو يغمغم ناظرًا لها في ضيق: -ماذا فعلت يا وجه المصائب؟ لماذا هؤلاء يركضون خلفك! أي مصيبة تلك! انفرجت شفتيها لتهينه، لكن قاطع صوتها مجموعة من الشباب والفتيات يقبلن إليه، وقال إحداهما: -ما الذي حصل يا جان؟

لم يكن هذا في العرض، من هذه؟ قالها وهو يؤشر بازدراء إلى (لمياء) التي تشجنت ملامحها وصاحت فيه منفعلة وهي تتخطى جان: -ماذا تقصد بإشاراتك هذه يا هذا؟ هل تدري مع من تتحدث؟ حركت فتاة كتفيها في دهش مرددة: -من هذه يا جان؟ من أين لك معرفتها؟ لم تسنح لأحد الفرصة بالرد، فما حصل جعلهما مصدومين، إذ أمسكت (لمياء) بكف (جان) وركضت وهي تهتف: -اسكت يا وجه الفقر أنت! وأنتِ هي ستوصلني يا رجل.

كان يجب عليها فعل ذلك بوجود شخص، وإن كانت شخصيته سخيفة، ولكنه يبدو شخصًا جيدًا يمكن أن تأمن له. جذب ذراعه فجأة في عنف وقد تبدلت نبرة صوته الهادئة المازحة إلى جدية غاضبة وهو يهتف فيها: -ماذا تفعلين يا مجنونة؟ أين تأخذيني! من أنتِ لتجذبيني هكذا وتركضين ومن أعطاكِ الحق في ذلك؟ وقفت كالبلهاء تمامًا لثوانٍ، وكلماته قد استشعرتها بفضاحة ما فعلت، فكيف لها أن تفعل ذلك؟ لكن طرأ خاطر في خاطرها، فرفعت حاجبها تسأله في وجوم متحلق:

-وإنتِ لماذا ارتضيت الجري معي كل هذا؟ "تبدو ذكية" هكذا ردد بينه وبين نفسه، فتنحنح حاكًا مؤخرة رأسه في حيرة من هذا المأزق، فتبسم قائلًا ببساطة بعد هنيهة من الصمت: -أنتِ سحبتيني دون أن تأخذي رأيي ولم أستطع الرفض، فقد كنتِ خائفة! أليس كذلك؟ عقدت (لمياء) ذراعيها، ورمقته في مقت وهي تدمدم: -بالفعل معك حق، والآن أنت حر، انطلق إلى حفلتك ومعجبينك وجمهورك، فأنا لا أريدك أن تساعدني أن أصل لأخي!

ولم تنتظر إجابته، كانت تتميز غيظًا. بقى جان مكانه مطويًا شفتيه قبل أن يناديها قائلًا: -يا هذه انتظري. وقفت دون أن تلتفت، فما إن أدركها بسط كفه مشيرًا لها على السير مغمغمًا: -أين أخيكِ؟ هزت كتفيها بدليل عدم معرفتها، فسار بجوارها وسأل: -إذاً أين ستجديه؟ أجابته تلقائيًا: -هو من سيجدني. -ما اسمك؟ -لمياء، وأنت؟ -جان. التفتت له وهي تهز رأسها في حسرة، وهمست في نبرة حزينة: -مغني.. قاطعها بإيماءة من رأسه، وقال:

-ولم تقوليها هكذا! هي موهبة. -موهبة لا ترضي الله. إزدَرْدَ لعابه وسار معها شاردًا مليًا قبل أن يقطع السكون السائد بينهما مرددًا: -لماذا كان هؤلاء الرجال يلاحقونك؟ سكتت (لمياء) لبرهة قبل أن تقول مدارية: -ولا حاجة، متشغلش بالك أنت، أنا هعلمهم إزاي يقفوا في طريق بنت الشرقاوي. اكفهرت ملامحه وقطب حاجباه وهو يحدقها في عدم فهم، فأبتسمت في بلاهة وقالت ما جال في خاطرها: -معك هاتف!

أومأ ولم ينبس، واستل جواله مناولًا إياها، فاخذته وسكنت في مكانها تضرب أرقام أخيها معاذ، قبل أن تستمع لرنين الهاتف الذي لم يطل، وسرعان ما جاءها صوته متلهفًا: -السلام عليكم، مين؟ لمياء؟ ارتسمت البسمة على وجهها، فأشرق في روحه الأمل، وراح يتأملها وهي تتحدث بتلقائية تخبر أخيها في مكانهما.

كان معاذ برفقة مالك، الذي علم منه باختفاء لمياء حين كان يحادثه، حقيبتها الملقية أرضًا كانت قد بثّت الرعب في أوصالهم. وصل إليها في غمضة عين بسيارة مالك، ليترجل معاذ وتركض هي مختفية في حضنه وتنفجر باكية، وأخذ يربت هو على ظهرها ويتفحصها بعينيه ليطمئن قلبه أنها بخير. اقترب مالك منهم وراح يسأل عما جرى، لكن لم يتلق إلا البكاء.

تبسم جان في حزن، مرآة لصورة الإخوة أثارت في قلبه أشياء كثيرة مفتقدها حد الموت. هوت دمعة قسرًا من مقلتيه تأثرًا، من كان يظن أن هذه الفتاة التي كانت تخانقه مذ قليل دون ذرة خوف، ما إن وجدت أمانها حتى انفجرت منهارة، تاركة نفسها تأمن في حضنها الأمن، وسندها الذي لا يميل. كم جميل رؤيتهم هكذا. قاطع شروده قول مالك له: -شكرًا يا…… أتاه صوت لمياء فورًا وهي تكفكف دموعها بظهر كفيها كطفلة صغيرة: -كلمة بالانجليزي، ميعرفش لغتنا ده.

قهقه مالك مغمغمًا وهو يضرب كفًا في كف: -أنت في أي ولا أي، مخليك في اللي أنت فيه، مش مكفياك البلد جيبلنا من بلاد برا! -مالك؟ عنفه معاذ بنظرة صارمة وهو يترك كتف لمياء مقتربًا من جان يصفعه وهو يشكره بامتنان. بينما خلع مالك سترته وأهداها للمياء التي جذبتها منه في قرف وارتدتها، لينظر لها في اشمئزاز قائلًا: -وإذا مقروفة منها بتخديها ليه؟ باردة.. وبعدين إيه اللي حصل معاك؟

اشتعلت ذكريات ما عاشته آنفًا، فاغرورقت الدموع عينيها، فطل القلق من مقلتي مالك وهو يسألها في سورة من الغضب: -حد اتعرضلك؟ أنطقي! ضربة كف تلقاها من معاذ الذي همس له في غضب: -اكتم بوقك لحد ما نروح ونعرف إحنا في الشارع، وسيب البنت، انت مش شايف خايفة إزاي. جز مالك على أسنانه مكورًا قبضته، بينما رمق معاذ لمياء بنظرة فهمتها لتنكس رأسها، فضم كتفها وغادرا مخلفين خلفهم جان الذي ينظر في أثرهم، بنظرة مفعمة بالوداع للمياء.

تناهى له صوت (دارين) الذي هز كيانه وهي تئن، فنهض من غفوته واثبًا مسندًا بكفيه إلى الجدار الفاصل بينهما، وقال: -داريـــــــــن! أنتِ بخير ما بكِ؟ لم يصل إليه رد، فجن جنونه، وفي سورة من الغضب ودون تفكير راح بكتفه يضرب الجدار، لا هم له إلا الاطمئنان عليها، أن يراها بخير وكفى، وأن كان فيه موته، ليموت في سبيل أن تكون بخير.. نعم، تلك العابرة يشعر بالمسؤولية تجاهها وهو لم يعتاد خذلان أحد، وخاصة إن أوصاه عليها أخيه.

تهدل كتفه وأرتكن على الجدار مع صوت سقطة قوية نبأته أنها لها لـ (دارين) التي لم يدخل الذاد في جوفها مذ أيام. هرول نحو الباب الحديدي ذو القضبان السوداء وصرخ بصوته كله وهو يشد فيه، لكن لم يكن أقوى من الباب، ولكن صوته أحدث جلبه. جاء على أثرها إحدى الجنود وما كاد أن يعنفه، حتى بادره آجار إذ مد كفيه من الفتحات جاذبًا إياه من ملابسه وثبته في الباب وقبض على عنقه مردفًا بنبرة كالفحيح المميت:

-انظر يا هذا، أن أردت أن لا تموت الآن، ستنقذ الفتاة. حسنًا!

مع كل كلمة يلفظ بها كان يعتصر عنقه غير عابئ بأن يموت في يده، وقد كاد أن يموت حقًا إذ اتسعت عيناه وتهدجت أنفاسه وعلا وجيب صدره لولا أن تركه آجار أخيرًا وهو يلهث يحدجه في غضب ويؤشر له بأن يرحل. فسعل الجندي وفي طريقه ألقى نظرة مختلسة على دارين الفاقدة للوعي، فأكمل طريقه متعجلًا. لكن ما رآه كان عجيبًا، إذ كان الأمير لأول مرة يركض لخارج القصر وخلفه زوجته، فلحق به دون تفكير. لقد رأى الأمير (براء)

وصيفة أخته أو بالأحرى رفيقتها مقبلة إلى قصره تسقط تارة وتسير متعثرة تارة غارقة في الدماء تلهث، فاتسعت عيناه وهو يهرول خارجًا من الشرفة بل إلى خارج القصر بأكمله، صارخًا في صهيب أن يسرع إليها، وقبل أن يهبط درجات الدرج ذهبية اللون كانت الفتاة تسقط، ولكن استقبلتها ذرعاه وحال بينها وبين الوقوع الذي لو تم لفقدت وعيها في الحال. لم ينبس إذ راحت هي تلتقط أنفاسها المتعالية في صعوبة بينه للجميع الذين رمقوها في دهش، وقالت بصوت يهدهده الإغماء وعيناها

مثبتة في عيني الأمير: -ألحق الأميرة يا أمير، إنها... إنها في خطر قد لا تصل إليها. قاطعها قائلًا وعيناه من صدمته تكاد أن تخرج من محجريهما: -أين هي؟ أين الأميرة؟ أجيبِ! شهقت شهقة عميقة رفعت صدرها وأرخت رأسها وهي تردد في تعجل وهي تشعر بدنو أجلها، فكان لا بد قبل أي شيء أن تبوء بوصية أميرتها التي كانت بمثابة أخت: -توصيك الأميرة أن ترجع حق ابنها الأمير الصغير، تم ذبحه.

صمتت مليًا، وهو من فرط صدمته لم ينبس بحرف، يظنها تهذي، هل حقًا مات ابن أخته؟ الذي كان ابنه؟ إنه أول فرحته الصادقة. نظر إليها مداريًا دموعه حين همهمت في همس بطيء وحروف متقطعة وصلت لمسامعه: -ميليا تخبرك أنها لن تسامحك إن لم توقف ما يجري وتأتي بحق من قتلوا. في هذه المرة حل الخوف في عينيها وشخص بصرها من الرعب وهي تنظر فيم وراءه قبل أن تهم برفع سبابتها التي سقطت فورًا وسقط رأسها فوق حجره.

أصابه الهلع وهو يهزها لتجيب عن أسئلته، ثم نظر في جنوده صارخًا فيهم في إحضار طبيب، وحملها سريعًا مهرولًا بها لغرفة أخته. عمدت (لمياء) على إخفاء الأمر لفترة عن معاذ حتى لا يفعل ما لا يحمد عقباه، وها هي تتوسط الدائرة المتمركزة حول (خديجة)

التي تستعد أن تلقي درسها. العيون تناظرها في تلهف، والقلوب مشتاقة لكلماتها وحديثها وصوتها. الآذان صاغية تهفو إليها بكل حب. تحمحت بعد ردح من الزمن كانت تستعيد ثباتها وتقلب ما ستلقيه إليهن. جالت ببصرها في الوجوه وأردفت ببسمتها المضيئة فوق شفتيها:

-سيكون حديثنا اليوم.. غير أي حديث آخر، حديث سيحلق بنا إلى عالم آخر، عالم سيعلمنا أن هذا العالم ما نحن فيه إنما هو زائل، حديث سيفيقنا من غفوتنا وغفلتنا لنصحو ونعلم أن ما نبنيه ونجمعه ونسكنه زائل، أننا يومًا ما سنرحل غير تاركين خلفنا أي شيء. ربما قلب أحبنا بصدق يدعو لنا بين الحين والآخر. بالاخير لن يبقى لنا إلا الذكرى الحسنة، هذه هي الحياة. فيا ابن آدم..

يا من تظن أنك لن تموت، غارقًا ومنغمسًا في ملاذات الحياة، تجمع الأموال وتبني البيوت وتنجب الأطفال، تحل لنفسك كل محرم. ناسي أن كل نفس ذائقة الموت، حتى الأنبياء قد ماتوا، فما بالك يا ابن آدم لا تتعظ. نسمع الأذان فلا نلتفت، وربما نكسل أن نقوم إليه، رغم علمنا أن الصلاة أول ما نحاسب عليها. وربما إذا أدناها تعجلنا، لا نخشع ولا نطمئن ولا نتذوق طعمها وحلاوة القرب من الله.

أيتها النساء، انظرن إلى عمر بن الخطاب، الفاروق العادل الذي بشره الرسول بالجنة، يبكي خوفًا من خشية الله، يبكي أن يُسأل عن رعيته وهو المبشر بالجنة العادل، فهل بشرتكم في الجنة لتتمسكوا هكذا في الحياة الدنيا؟ أتعلمون كيف تخرج الروح من الجسد؟ والله لو علمتم، لمتّم في هذه الدنيا. كلنا سيذوق الموت، وربما يكون خفيفًا أو شديدًا، فهذا على حسب أعمالنا وحسناتنا. قال الرسول: "إن للموت سكرات".

وقد قال مبينًا لنا سهولة خروجها من روح المؤمن ومن الكفار فقال: "إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت

حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. فتخرج، فتسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟

فيقولون: فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى سماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوا عبدي إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى. فتعاد روحه فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟

فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء: صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابًا إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له: من أنت؟

فوجهك الوجه يجيء بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي. وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه،

فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب. فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فتقطع منها العروق والعصب، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟

فيقولون: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح له، ثم قرأ: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ}.. فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا. فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري.

فينادي مناد من السماء: كذب عبدي، فأفرشوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب لا تقم الساعة." رواه أحمد والحاكم وصححه الألباني في صحيح الجامع.

سكتت خديجة تلتقط أنفاسها لهنيهة وقد أدمعت عينيها، وهي تجيل في عيون من حولها التي تتطلع إليها في تأثر منهن، من بكى ومنهن من أدمع، وتابعت: "المحتضر يرى ملك الموت، فأن كان من أهل الجنة يراه في صورة حسنة، ويرى ملائكة الرحمة بيض الوجوه، معهم أكفان من الجنة يجلسون منه مد البصر. ثم يأتي ملك الموت فيجلس عند رأسه فيقول: يا فلان أبشر برضى الله عليك، فيرى منزلته في الجنة.

ثم يقول ملك الموت: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. وأما إن كان من أهل الشقاوة، فإنه يرى ملك الموت في صورة أخرى، ويرى ملائكة العذاب سود الوجوه، معهم أكفان من النار وحنوط من النار. ثم يأتي ملك الموت ويجلس عند رأسه، ويبشره بسخط الله عليه، ويرى منزلته من النار، ويقول ملك الموت: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، أبشري بسخط من الله وغضب." تهدجت أنفاس خديجة لوهلة وأضافت: "ومن علامات حضور الموت.. شخوص البصر، فـ

عن أم سلمة رضي الله عنها: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شخَص بصره وأغمضه، ثم قال: إن الروح إذا قبض تبعه البصر..) الحديث. ورواه مسلم وأحمد. وبرودة الجسد، والله أعلم. أما من علامات حسن الخاتمة..... فعن معاذ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) رواه أبو داود والحاكم. وعن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله

صلى الله عليه وسلم يقول: (موت المؤمن بعرق الجبين) أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وغيرهم. وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر) رواه الترمذي. اللهم نجنا من فتنة القبر ووحشته وظلمته وعذابه.

ومن علامات حسن الخاتمة أن يموت على طاعة من طاعات الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، كما لو مات في صلاة أو في صيام أو في حج أو في عمرة أو في جهاد في سبيل الله أو في دعوة إلى الله. ومن يرد الله به خيرًا يوفقه إلى عمل صالح فيقبضه عليه. وعن أنس رضي الله عنه قال: مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وجبت) . ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وجبت) . فقال عمر

ابن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت؟ فقال: هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في أرضه. أسرعوا بالتوبة إلى الله، فما تعلم نفس متى الأجل. أتدري ما السفود؟ السفود هو عود من الحديد يشوى فيه اللحم. فتخيلوا معي أن روحك تخرج كالسفود من جسدك فتقطع أعصابك، هل تتحمل يا ابن آدم؟ جاء في كتاب التذكرة بأحوال الموتى وأمور الحياة عبارة حفرة في قلبي لا تبرحه، إذ

يقول الشيخ رضي الله عنه: أيها الناس، قد آن للنائم أن يستيقظ من نومه، وحان للغافل أن ينتبه من غفلته قبل هجوم الموت بمرارة كؤوسه، وقبل سكون حركاته وخمود أنفاسه ورحلته إلى قبره ومقامه بين أرماسه.

أيها الناس، والله إن زماننا قد أغمر بالفتن وانغمسنا فيها انغماسًا، ونسينا الآخرة وما فيها، ونسينا أن الموت آتٍ لا محالة، فاعمل لآخرتك وجنتك وليس لحياتك، فما هي إلا دنيا زائلة وأننا بها عابرو سبيل سنرحل، فهذا ليس بيتنا ولا مسكنًا، ونرجو الله أن يرزقنا حسن الخاتمة ولا يأخذنا ونحن مفتونون عاصون. تنهدت تنهيدة عميقة وهي تغلق أجفانها، وقالت باسمة:

"أتمنى أن يكون درسنا اليوم قد ترك بكن أثرًا ما، وغير فيكن شيئًا ما، ودرسنا المقبل سيكون عن مراحل القبر إن شاء الله تعالى، فأستعدوا له أيما استعداد." بعد بعض من الوقت مر في أسئلة البنات التي أجابت عنها خديجة برحابة صدر، وغمزة للبنات وخرجن حتى لا يتأخرن، فما أن وطأت أقدامهن أعتاب المسجد، حتى عقدت خديجة حاجبيها في تعجب وهي ترمق خالد المكفهر في دهشة وقالت موجهة حديثها لأروى: "مال الواد ده؟ هزت أروى كتفيها، وقالت:

"مش عارفة." أقبل خالد إليهن برفقة حمزة ووقف أمام أروى متسائلاً في غلظة: "ممكن أعرف إيه اللي سمعته ده؟ ردت أروى ببراءة ولم تتدرك ماهية السؤال: "إيه مش فاهمة؟ إيه اللي حصل؟ هم بتعنيفها، لكن صوت خديجة هدأه وهي تقول: "خالد أهدئ." أومأ برأسه وكظم غيظه وهو يقول من بين أسنانه: "فهميني يا أروى إزاي هتستقيلي؟ مش ده عملك اللي تحديتي الكل عشان تدخليه؟ بسهولة كدا هتتخلي عنه؟ حصل إيه؟ متأكد إن في حاجة."

تحولت نظرات الفتيات إليها في دهشة وعدم تصديق، بينما رمقت هي حمزة بنظرة سريعة وقالت: "عشان ده اللي كان لازم يحصل من الأول، ده مش مكاني ولا ليا يا خالد، أنا لولاكم... قالتها وهي ترمقهما سويًا وأردفت في صدق: "كان زماني ميتة. أنا مليش كتير متعينة وعلى أصابع اليد القضايا اللي مسكتها، ولولا لمار مكنتش اتقبلت. أنا مشاعري بتحكمني، ده مش مكاني، أنا منفعتش ليه ولا هو نفع لي." اعتصر خالد جفنيه، وبادر حمزة متسائلاً بتشكك:

"متأكدة من كلامك؟ همهمت أروى وهي تنظر له في أسى: "يا ريته كان كلامي." كلامها المبهم لم يفهم أحد كنهه. لم ينبس خالد بحرف حين سحبه حمزة مغادرين المكان، وأثناء سيرهما قال خالد في حدة: "متأكد إن في حاجة حصلت خلتها تاخد القرار ده، أنا عارف أروى كويس." ربت حمزة على كتفه مجيبًا: "صدقني كدا أفضل ليها، هي في أمان." وبعدين يا عم، ما ساكنة معاك في نفس البيت، عاوز إيه تاني؟ ضحك خالد لمزحته وغمغم مشاكسًا:

-ملكش دعوة يا عم، خليك في ريتاج. قهقه حمزة، محركًا رأسه نفيًا وقال: -يا أدي ريتاج يا بني، قلت معجب مش بحبها، بتفهموا إزاي بس. رفع خالد حاجبه، فلكزه حمزة مغمغمًا: -امشي خلينا نشوف وراءنا إيه، تلاقي عاصم بيدعي علينا.

لم تسلم أروى من تساؤل البنات حتى وصلن إلى المنزل، وجلسن حولها وما ظلن في ثرثرتهن وإصرارهن على معرفة لم فعلت ذلك حتى رن جرس الباب. توجهت خديجة لفتحه وهي تعدل من نقابها، فوجدت ضابط شرطة مشهرًا الكرنيه الخاص به، وغمغم في أدب: -السلام عليكم. -وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته. -عندي أمر بالقبض على الأستاذة لمياء عثمان زيد. اتسعت عينا خديجة وهي تشهق في صدمة، جاء على إثرها كل من بالمنزل وهي تصيح:

-إنت بتقول إيه، أكيد غلطان. ارتجفت لمياء وهي تكاد تبكي من فرط الخوف، في حين ضمتها مكة وهي تسب الظابط الذي ما زال مغلفًا كلماته بالأدب، وهو يردف: -أنا جاي من غير قوة ولا حاجة، احترامًا للعائلة، ولكن ضروري إنها تيجي معايا. صاحت فيه أروى غاضبة: -لا بقا، إنت اتجننت، مين دي اللي تيجي معاك، وقضية إيه؟ استل الشرطي ورقة، أنفضها في وجه أروى وهو يغمغم: -في محضر في الآنسة لمياء بأنها... بأنها بتشغل البنات في الزنا.

صفعة قوية أطاحت بوجهه للجهة الأخرى من لمار، وهي تخرسه في صوت عالٍ: -اخرس، قطع لسانك. علا بكاء لمياء وازداد نحيبها وهي تهز رأسها وترتعد، أمسكت لمار بياقة قميص الظابط الشاب وهي تصرخ فيه: -إنت سامع نفسك بتقول إيه، فوق، دي بنت لمار الشرقاوي. نكس الظابط رأسه، قائلًا في أدب واحترام، فإن التي أمامه كانت سببًا في تدريبه ونجاحه، وحق لها أن تفعل به ما تشاء في لحظة غضب:

-أنا جاي بنفسي آخدها، وحتى حين تثبت براءتها، هتفضل في مكتبي، وإنت عارفة ده أضراره إيه، ولكني متأكد من براءة الآنسة، ولكن ده واجبي يا فندم، وإنت أكتر حد عارف إنه غصب عني. تنحت لمار جانبًا، مشيرة له قائلة: -اتفضل تابع شغلك يا سيادة الرائد، وهناك هعرف كل حاجة، ومين اللي قدم البلاغ وليه. ظل عينيها ووجهها غمامة سوداء مخيفة، وقبضت جفنيها وهي تستمع لاستنفار لمياء بها وبكائها الذي مزقها مع صراخ مكة وصياح الباقيين.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...