الفصل 15 | من 39 فصل

رواية جحر الشيطان الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندي ممدوح

المشاهدات
20
كلمة
7,688
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 38%
حجم الخط: 18

وَقفت خديجة أمام المشعل تعد العشاء للجميع، لم يكن هُنالك غيرها. وبينما هي تعد وتقلب ما أمامها، ظهرت وعد بغتة خارج المطبخ على مقعدها بمقلتين تقدح شرارًا ووجهًا يطفر غضبًا. حدقت في النار المشعلة أسفل الإناء، فإذا بنار مهيبة مخيفة ترتفع. تلقائيًا اندفعت خديجة مصعوقة من هول ما رأت، متقهقرة للوراء حتى أوشكت على السقوط على ظهرها لولا تمسكها بحافة الطاولة. بسملت تلقائيًا، فهدأت النار حتى توارت تمامًا وكأن شيئًا لم يكن.

قامت وما زال بصرها معلقًا على الموقد أمامها، فأطفأت الشعلة سريعًا وولّت هاربة متوجسة خوفًا، وقد ظنت أنها تتوهم ذلك أو خُيّل لها. ظلت عيناها زائغة طيلة الوقت، تتلفت يمنى ويسرى في وجل. وجُل ما في نفسها أنها تتخيل فقط، رغم أن مظهر النيران وهي ترتفع حتى كادت أن تلامس السقف لا يبرح ذهنها. راحت تطمئن فؤادها وتتلو بعضًا من الذكر الحكيم لتُسكن روعها الهائج. ومر باقي الليل في سلام.

كان القلق يتآكل من شِغاف قلبها بشدة، بل يلتهمه التهاما. لكنها كالعادة لا تبوح لأحد. وكيف تبوح وهي خرساء؟ كحياتها الخرساء تمامًا، حتى الألم باتت تخرسه في فؤادها وتجمحه بداخلها. حين يفيض قلبها ألمًا وينبض بالأوجاع، تهرع إلى لوحاتها وفرشاتها وألوانها فترسم ألمها عساه يبرح فؤادها، لكنه كالغراء يظل ملتصقًا مهما حاولت نزعه. فالحزن يبقى مقيمًا داخل الفؤاد لا يُبرح مكانه مهما جار عليه الزمن.

وعبر نافذة غرفته كان يرتكن بجنبه على حافتها، عاقد الساعدين، مرتخي الرأس إلى الجدار، يتأملها دون ملل كأنها لوحة بديعة صعب إبداعها مرة أخرى. يتبسم قلبه ويزهر مع كل حركة، همسة، التفاتة منها، فتفعل في قلبه فعل السحر أو أشد وتأخذ قلبه المتيم بها. وما زال على حاله من تأملها المشدوه، حين هتف فيه مالك في مشاكسة حينما دخل ولم يشعر به وأمسك به يتأمل ملك: "يا جدع ارحم قلبك بقا.. والله حرام."

أُجفل معاذ مضطربًا وتبسم في توتر مردفًا: "في إيه يا عم؟ وبعدين في حد يدخل على حد كدا؟ قال مالك وهو ينظر للأسف ويده على منكب معاذ: "عشان في حد فقد عقله ممكن مش منتبه للباب ولا اللي بيخبط وعقله في جهة تانية خالص مالص." ضربه معاذ على صدره يدفعه للدخل وهو يهتف في جدية: "طب أبعد يا خفيف يا خفيف."

سقط مالك متعثرًا من إثر دفع معاذ على الأريكة، ودون انتباه اندفع الآخر فوقه. وقبل أن يتداركا نفسيهما أو ما حصل وهما على وضعهما المضحك حيث مالك جالس وفوقه معاذ بكامله، انطلقت ضحكات خالد وعاصم. وابتدر خالد قائلًا وهو يضرب كفًا بكف متحسرًا: "اي ده اموت وأعرف الدنيا جرى فيها إيه، مش مكسوفين من نفسهم وانتوا بتعملوا كدا! تبادلا مالك ومعاذ النظر في دهشة والتفتا إلى عاصم الذي قال في أسف وهو يربت على كتف خالد:

"هي الدنيا كدا يا بني مفيهاش أمان حتى مع الصحاب." "توبة استغفر الله دول عايزين طلقتين في نفوخهم جبولنا العار چبر يلمهم." انتفض معاذ مبتعدًا وكذلك مالك الذي أسرع نحو الفراش وامسك بالوسائد يلقيها عليهم قائلًا في غيظ: "بتقول ايه يا زفت إنت؟ چبر (قبر) يلمك وحدك." تلقف الشابان الوسائد وهما يقهقهان، وتقدم خالد وهو يقول في جدية: "هو انتوا كنتوا بتعملوا إيه؟ غمز له مالك وقال مازحًا: "تيجي أقولك؟

أومأ خالد موافقًا واقترب بأذنه من فم مالك الذي صرخ في صوت عالٍ، جعل خالد يقفز في مكانه وهو يسد أذنه دافعًا إياه للخلف بازدراء. وبعد انخراطهم في الضحك والمزاح الشافي للفؤاد، جلسا على فراش معاذ يتهامسون. علا رنين جوال خالد ورفعه في عجل وهو يرد على حمزة الذي طلب منه الحضور لأمر عاجل هو وعاصم، فغادرا على الفور. تنهد مالك وهو يستلقي مشبكًا كفيه خلف رأسه قائلًا:

"يا رب ترجع دارين بخير، أنا خايف اوي عليها وعلى خالتوا عائشة." "وأنا كمان." قالها معاذ وهو يحذو حذوه، وتابع داعيًا في تمنى: "يا رب يرجعها لينا بخير ويحفظها من كل سوء... أمن مالك على دعائه في تضرع، وقال فجأة في مكر: "تعرف يا مالك؟ انا في وحدة هنا بحبها حب يا بني ميتوصفش واحلى حاجة فيها انها مش بتتكلم وبتحب الرس.... آه آه ايدك يا غبي.." صرخ بها مالك منتفضًا حين انقض عليه معاذ من ملابسه ثائرًا في وجهه يهتف في غضب جلي:

"أياك يا مالك إلا ملك أنت سامع والله أنا.... قاطع كلماته ضحكات مالك وهو يعتدل جالسًا يضرب كفًا بكف، وقال في حسرة من بين ضحكاته ويهز رأسه في أسف: "يا عيني على الحب لما يبهدل صاحبه، يا ابني كنت عاقل جرالك إيه الله يحرقك، إلا ملك مين." قهقه بملء فيه وقال: "ملك دي اختي يا غبي، الحب عمل فيك آيه، عقلك اتلسع خالص ما شاء الله." دلك معاذ مؤخرة عنقه في حرج وبسمة بلهاء، فوضع مالك كفه على منكبه وقال وبصره معلق ببصر مالك:

"مينفعش تحب حد من غير ما تقرب من الشخص ده وتعرف اللي في قلبه ليك عشان متتوجعش، حاول تتقرب منها يا معاذ واعرف إذا بتكن لك حاجة ولا لأ، أنت كنت اقرب حد ليها ويمكن ما زال فــ متعلقش نفسك في حبال دايبة ممكن توقعك في اي لحظة، أحسم مشاعرك يا معاذ وشوف مشاعرها." صمت معاذ مفكرًا وكلمات مالك تدور وتتقلب في ذهنه، وخيم عليهما السكون. قاطعه صوت معاذ يقول في ترديد: "في رايك احاول أبين لها؟ رد عليه مالك في بساطة:

"طبعًا يا بني هتستنى إيه؟ أنت ما شاء الله بتشتغل وتصرف على نفسك من صغرك وشاب وحليوة وشقتك وبتجهزها من تعبك ومهندس قد الدنيا اثبت نفسك رغم صغر سنه، هتنتظر إيه عايزين نفرح بيك يا خويا." لوى معاذ فمه في سخرية من كلماته، فرفع مالك حاجبه دهشة وغمغم: "إيه يا خويا مش عجبك كلامي." هم معاذ أن يجيبه فأخترق جلستهما صوت لمياء وهي تدخل ممسكة بصنية محملة بمشروبات وبضع شندوتشات لهم تقول في حنق: "لا مش عجبه ولا في حاجة عاجبه."

وضعت الصنية في عنف أجفلهما وقالت: "خدامة ابوكم عملتلكم العصير والسندوتشات يارب ما تعجبكم زي ما انتوا مش عاجبني." رمقتهما في سخط وهي تغادر في إكبار. لم يتمالك أي منهم الرد إذ ظل بصراهما معلقًا في أثر ذهابها قبل أن ينظرا لبعضهما في بلاهة ويقول مالك في تعجب: "هي البت دي مالها بينا كدا بتعاملنا كدا ليه كأننا عدوينها." مط معاذ شفتاه وهو يهز كتفيه علامة عدم المعرفة وشوح بكفه قائلًا وهو يلتقط الصنية يضعها في حجره:

"سيبك يا عم منها هي على طول كده." "غريبة اوي، البت دي لازمها تربية." دفعه معاذ بالسندوتش في صدره مغمغمًا: "متحترم نفسك يا عم انت خُد كل وانت ساكت." قضم مالك من السندوتش على مضض وقال: "إيه البيت اللي الواحد ميعرفش يهزر فيه ده؟ وتابع وهو يأخذ قضمة أخرى: "ليه سدين نفسي على الأكل دايمًا كدا اكل فين يعني؟ حدجه معاذ في بلاهة قبل أن يقهقه عليه في غلب ويتابعه وهو يأكل واحدًا تلو الآخر.

لملمت أشياءها مع جرس إنذار انتهاء الحصة. وقبل مغادرتها الفصل أوقفها صوت فتاة تقبل نحوها في عجل، وقالت وهي تمد يدها بورقة مطوية: "مس لمياء، اتفضلي."

تناولتها منها ببسمة وانصرفت. لقد حازت على حب طلابها بدرجة كبيرة لم تكن تتخيل أن تصل إليها. كما أنهم باتوا يعتبرونها أختًا وصديقة، فأصبحوا يبثون لها بما في قلوبهم وهي تنصحهم. قررت بعمل ما قاله لها أخوها معاذ بخصوص صندوق الصدقة، وبالفعل وجدت إقبالًا من الطالبات يتصدقن بعد ما قصت لهن عن فضلها. ثم قررت بأن تخصص حصة على أن يكون كل موضوع فيها غير الذي قبله. فمثلًا.. أول حصة طلبت منهم مقالًا عن "سر السعادة" لتعلم تفكير كلٍ منهن. وفي أخرى قصت عليهن قصة من قصص الصحابة التي تضمن عبرة. وهأنذا كانت هذه المرة للأسئلة التي تدور في خلدهن على أن يكتبوها في ورقة وهي ستجيب ببساطة، سوا موضوع شخصي أو مشكلة ما، أو هم يعتمل قلوبهن.. إلخ.

جلست خلف مكتبها وراحت تنفض الرسائل واحدة تلو الأخرى. وبينما هي كذلك إذ جذب انتباهها فتاتين يبكيان في آخر الرواق من فصلها، فقامت في قلق واتجهت إليهم وسألتهم أن كان بهما شيء. فما أن نطقت بسؤالها حتى ارتتمت إحداهن في حضنها تبكي بشدة، فربتت على ظهرها في قلق وأخذتهما إلى مكتبها. انتظرت لمياء حتى هدأت الفتاة تمامًا فسألتها في إلحاح حتى همهمت بنبرة مختنقة وهي تشهق: "المديرة قالتلي لو مدفعتش المصاريف هترفض!

ضيقت لمياء عينيها، وقالت: "وإيه سبب انك لسه مدفعتيش لحد الآن يا آية؟ انفجرت الفتاة باكية مجددًا وهي تهمس في خفوت: "بابا سبنا.. بسبب الديون اللي عليه.. وماما مش معاها عشان تدفع لي المصاريف.. وكمان احتمال تتحبس عشان ديون بابا." خيم السكون عليهن، والد الفتاة هرب، والأم يمكن أن تُسجن بسبب الديون المتراكمة على كاهلها! ليس بأمكانها فعل أي شيء! وبالطبع المدرسة لن تُقدر ذلك.

ضمت لمياء كفيها في راحتيها وبزغت بسمة مطمئنة على ثغرها، وقالت في هدوء: "ولا تبكي ولا تزعلي نفسك بإذن الله محلولة.. قومي روحي فصلك ومتشليش هم ولا تفكري." ثم برفق مدت أناملها تزيح دمعها، فترددت الفتاة والقلق يستبد بها وهتفت في قلق: "تقصدي إي يا مس لمياء؟ قالت لمياء وهي تربت على كتفها: "ثقي فيا ومتفكريش يلا." انصرفت الفتاتين، وقد عزمت هي على سداد مصروفاتها المدرسية، ودفع ديون أبيها ليعود لهم.

جلست خلف مكتبها وانكبت على قراءة فحوى الورق، وإذ بها فجأة كمن أصابه مس كهربائي، إذ ارتجفت واقشعر بدنها واتسعت مقلتاها وهي تكرر إعادة كلمات إحدى الورق: "مس لمياء، أنا مش عارفه أقولهالك إزاي، بس أنا تعبانة اوي، بكره البيت بتاعنا جدًا، باجي المدرسة وبتمنى ما تخلص ولا ينتهي الدوام، بخاف اوي أروح."

رمشت بعينيها تحاول استيعاب ما تقرأ من كلمات وضحت لها أن صاحبة الرسالة تواجه تحرش من عمها وهي غير قادرة على النطق لأي أحد من والديها. كلماتها زلزلت قلب لمياء التي تكاد تموت رعبًا من تلك الفكرة. طوت الرسالة مجددًا وقد تجمدت الدموع بحدقتيها تكاد تغلبها، وأحست بالتيهة والعجز.

رن الجرس معلنًا عن انتهاء الدوام، فنهضت بقلب مكلوم مثقل بالألم ولملمت أشياءها شاردة وخرجت تسير كالمتغيبة، تنظر في وجوه الفتيات في غرابة، حتى أنها لم تجب على بعد التحيات من الفتيات أو سلامهن. كيف تشعر بهن؟ وهي تحدق في وجوههم تبحث عن وجه صاحبة الرسالة، تود أن تسألها كيف ما زالت تحيا بذاك العبء القاتل، والسر المميت. ما زالوا صغارًا هما في نظرها في الثانوية العامة ما زالوا على غير كفاءة لتلك الحياة وثقلها.

وجدت نفسها في المشفى. لماذا جاءت ولِمَ بالتحديد لا تدرك ذلك. شيء ما ساقها إلى ها هنا، شيء لا تدرك كنهه بالأساس.

اِدردت لعابها وهي تسير في الرواق مبتغية مكتب مالك بعد ما علمت بوجوده فيه من إحدى الممرضات. وقفت لمياء أمام الباب حائرة تريد أن تعود أدراجها. وبداخلها شيءٌ كالمغناطيس يجذبها. أخذت نفسًا عميقًا تستعيد شتات نفسها ورفعت كفها تطرق على الباب بخفوت، فجاءها صوته العملي يأذن لها بالدخول. ففتحت الباب فما أن رآها حتى صاح غير مصدقًا أنها أمامه: "إيه ده لمياء؟ ضيّق عينيه، وقال مازحًا: "يا ألف نهار أبيض دا انتِ ولا أنا بتخيل."

"هرجع تاني وربنا." قالتها لمياء في غضب وهي تشير للخارج، فاعترض قائلًا وهو ينهض: "ترجعي إيه بس.. أنا بهزر معاكِ.. نورتي مكتبي يا ست البنات.. تعالي أقعدي." جلست وجلس مقابل لها، فتنحنحت وهي تضع حقيبتها فوق المنضدة الفاصلة بينهما وقالت في جدية: "جيالك في موضوع مهم يا ملك.. بخصوص حالة نفسية اعرفها." أبدى اهتمامًا حثيثًا وهو ينصت في تركيز، فتابعت قائلة: "هو ممكن لما بنت عندها 16 سنة وتتعرض للتحرش أنها تصاب بحالة نفسية؟

رمقها في تفكير وهو يضع أنامله أسفل ذقنه مفكرًا، وصمت لبرهة قبل أن يجيبها في تأني: "بالطبع لازم تُصاب يا لمياء، على العكس تمامًا دي ممكن تقلب معاها بعقدة، أنها تكون خايفة طول الوقت من اقرب ما ليها، وبتشكك في كل اللي حواليها، أبوها اخوها عمها خالها ولادهم هكذا لكن لو خضعت للعلاج المبكر فـ شيء أكيد هتخف." صمت لهنية وهو يميل بجذعه مشبكًا كفيه متسائلًا: "مين دي يا لمياء؟

تساءل، لكنها لم تسمع. لم تكن معه، غائبة مفكرة تائهة. لقد تذكرت صاحبة الورقة، الفتاة التي دائمًا هادئة من وسط زميلاتها. لا تتحدث إلا لماما، وجودها طفيف للغاية كأنها غير موجودة، مع أنها لا تنكر تفوقها وذكاءها. تنبهت من شرودها على ترقعت أنامل مالك في وجهها وهو يقول: "إيه يا بنتي روحتي فين؟ التفتت له لمياء وقالت في ترقب: "ولو المتحرش حد قريب ليها؟

تحلى مالك بالجدية والعملية وهو يعقد كفيه متكئًا لظهر المقعد وبدأ في شرح الحالة لها وكيفية العلاج وضرورته وسلبيته. كانت تبكي بصوت مكتوم مبحوح وهي تتحدث في الجوال قائلة في توسل ورجاء: "عشان خاطري يا علي.. عشان خاطري متسبنيش مش هخرج من غير أذنك تاني بس بالله عليك متسبنيش.. أنا اموت لو سبتني." قاطعها الطرف الآخر قائلًا في تأفف: "ما خلاص بقا يا شيماء قولتلك خلاص وحلي عن نفوخي أنا مش ناقص."

أنهى عبارته واغلق المكالمة، لتثور مهتاجة تبكي في عنف يمزق القلب. لقد شغفها حبًا وحسم الأمر، وأصبحت متيمة به. حبيبها وخطيبها هو لكنه قاسي ربما، فتارة يعايرها أنها كانت تحادثه قبل الخطبة، وتارة يهددها بالهجر إن خالفت كلامه. غير مسموح الخروج من باب البيت دون إذنه، وإن خرجت قام عليها جلدًا بالسوط على فؤادها الضعيف في حبه. في أحيان يطلب صورها بملابس تكشف أكثر ما تستر. ما المانع أن تبعثها لهُ تحت بند الزواج وإنه العاشق

الولهان الذي يخاف عليها أكثر من أبيها ومشتاقٌ حد الموت، وأن أبت هاج وثار وأبتعد مهددًا إياها بالبعد والرحيل، فتعود إليه ذليلة منكسرة وتفعل ما يريد كالمتغيبة. وهي متغيبة حقًا في عشقه، عمياء القلب والبصيرة لا ترى حقيقة خدعة التي زُينها لها في إطار الحب الزائف الذي سيتهاشم من أدنى ارتطام طفيف. حقيقةٌ أن مرآة الحب عمياء فصاحبها لا يرى عبرها إلا المظاهر، وما خفي فيها كان أعظم وأمر.

كم مر من الوقت لا يهم فقد استيقظ شيطان نفسها الذي يصور لها السعادة في بث الكره في قلوب محبيها لمن أحبوا. اعتدلت وكفكفت دموعها واجرت اتصالًا على أروى. لم يدم الرنين طويلًا إذ جاء رد أروى تقول في لطف: "السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته يا شوشو.... فينك يا بنتي مش باينه ليه؟ تحمحمت تُجلي حنجرتها لتمحو أثر البكاء، وهي تبتسم قائلة: "الحمد لله يا رورو أنتِ عاملة ايه يا حبيبتي؟

"بخير الحمد لله.. بردوا منوتيش تخرجي كدا وتيجي." "إن شاء الله هاجي." سكتت لهنية ثم قالت في نبرة تقطر مكرًا وغلًا: "ألا صحيح عملتِ إيه في اخر مهمة أصل اللي سمعته ميطمنش." "ايه اللي سمعتيه.. قولي يا شيماء على طول، في أي؟ قالتها أروى في توتر ممزوج باللهفة. فردت شيماء ببسمة خبيثة خفتت عن عيني أروى وهي تقول في أسى مشوبة التردد: "أصل حمزة بيقول.. بيقول أنك يعني! سألت أروى بصوت خافت باهت وهي تذردرق ريقها:

"قال إيه يا شيماء، بالله لتقولي وألا هزعل منك." "لا لا مفيش حاجة انا بهزر." قالتها بأسف متعمد، فصاحت فيها أروى وهي تكاد تجن: "بالله لتقولي يا شيماء والا بجد مش هكلمك تاني." تنهدت شيماء تنهيدة عميقة وبخت سمها مغمغمة في خبث يُذهل الرائي من تمثيلها المتقن: "الصراحة مش عارفة أقولهالك إزاي، ولكن.. حمزة بيقول انك فاشلة ودا مش مكانك، وإنك...

مش بتعرفي تعملي حاجة وانك في كل مهمة بتكوني زي الهبلة او زي اللي غرقان ومبيعرفش يعوم، وكان بيشكر في حبيبته ريتاج بيقول انها ممتازة جدًا وناجحة وشايف ليها مركز أعلى في خلال أيام وبأنك هتفضلي زي ما انتِ... أروى، الو اروى."

نظرت في الهاتف فإذا بها أغلقت فانخرطت في نوبة من الضحك والسعادة. كيف تقتنص سعادتها من أحزان الآخرين وتفرقهم لا تدري لكن هي كذلك، تعلم علم اليقين بحب أروى لأخيها الذي تكرهه وتحقد عليه وعليها كثيرًا. لماذا أخوها محبوب من الجميع إلا هي؟ لماذا لا يحبها أحد ويفعل لأجلها أي شيء وليس شخص تتوقع رحيله في كل حين ووقت. هل حدث وأن رأيت أحد يأخذ سعادته وفرحة فؤاده وبهجة حياته من حقده وغيرته على الآخرين؟

إذ لم تجد فاحذر فهم كثر حولك توخى الحذر والأنتباه فهؤلاء يمثلون الحب ببراعة ويتقنون بث سمومهم بالقلوب. جمعت لمياء الشباب والفتيات في حديقة المنزل بعدما نظمت جلسة من عدة مقاعد واهتمت أن يكون للشباب مكان خاص ليس ببعيد ولا قريب عن الفتيات حتى يتناقشوا. حضر الجميع لرغبتها.. بالطبع ما عدا شيماء ابنة عمتهما سمر. وعلى الرغم الحزن القائم في قلوبهم على دارين لم يوقفوا أعمالهم، فقررت أن تقضي وطرًا معهما.

في صفين متقابلين كانا الشباب والبنات يجلسون بينهما لمياء تروح وتجئ، وتحمحمت ثم بدأت حديثها كأنها تعطي درسًا لطلابها في الصف: "بصوا يا عيال." تبادل الشباب النظر في دهشة وهم يرددون جميعهم في صوت واحد: "عيال؟! " لم تبل لمياء بذهولهم.. بل رمقتهم بنظرة حادة من خلف نظارتها قبل أن تعدلها وتهتف في حدة: "سكوت مش عاوزة صوت، أسمعوني." غشاهم الصمت وأوحيت وجوههم الاهتمام الشديد لحديثها حين قالت في حدة:

"عايزين نشترك في حاجة تساعد الناس، إحنا أكبرنا خلاص وكل واحد فينا بقي ليه شغل خاص، ومفيش مشكلة لو حددنا مبلغ بسيط من قبضنا نساعد بيه الناس." قاطعتها خديجة قائلة وهي تضم ذراعيها: "ما إحنا بنعمل كدا يا لمياء!!! سكنت لمياء عن تحركها واستدارت ناظرة لها، وقالت: "حاجة عن حاجة تفرق يا خديجة! بدا الاهتمام على وجه خديجة، بينما أضافت لمياء:

"لما أنا أطلع مبلغ لوحدي مش هيكون زي ما هنطلع مبلغ كلنا في فرق، فكرة كتير لحد ما وصلت لحل." قاطعها خالد متسائلًا في اهتمام: "اللي هو؟ التفتت له لمياء وقالت بنبرة تقطر حماس:

"أننا نعمل زي جمعية أو مكتب نضيف فيه أسماء الناس اللي محتاجة أدوية ومش في إمكانيتها تجيبوه، اللي محتاج عملية أو علاج أو كشف ودي حاجة سهلة علينا وخاصةً إن المستشفى تحت أمرنا.. ندور ونبحث في القرى عن أسماء الناس المحتاجة ونقدم المساعدة من غير ما حد يعرف وطبعًا هنعلن أننا بحاجة لمساعدة من الأشخاص اللي في مقدورها." قال مالك مندهشًا: "دا ليه كل ده؟ صوبت لمياء بصرها إليه وهي تتابع:

"إحنا منعرفش كل الناس يا مالك وأغلب الناس متعرفش، إحنا بالجمعية دي هنشترك فيها كلنا ونشوف الجماعة رأيهم بس بعد ما نقرر." ثم قالت في جدية وهي تعد على أصابعها: "هنشوف بنات محتاجة تجهيز ونساعد أهلها، ناس عليها ديون ونساعدهم، شباب محتاجة شغل نساعدهم، نساعد الفقراء وخاصةً الأمهات اللي عيالهم." سكتت وأغلقت جفنيها في عنف، وقالت في وجع وهي تفتحهما في بطء: "اللي عيالهم رموهم ونحاول نوفر لهم رعاية."

رن الصمت إلا من همس خفيف بينهما، في حين فاضت عينا لمياء في ألم وذكرى أليمة تجوب في خاطرها تتذكر ذات يوم عندئذ وجدت امرأة تهتش في الطرقات أخذتها إلى المركز وهناك جاء أولادها، رأتهم كيف كانوا يصرخون عليها وينكزوها بكل قسوة، علمت حينها أنها أُصيبت في سكتة دماغية أدت لفقدانها العقل فباتت كالطفل الصغير، بحاجة لمن يرعاها ويعلمها كيف ترتدي ملابسها وتخلعها وكيف تأكل وتشرب وقضاء الحاجة، باتت كالرضيع بحاجة لمن يطعمه ويهتم بهِ من كل ناحية، فكانوا فيها من الزاهدين.

لاقت لمياء القبول لفكرتها من الجميع وقرروا بالفعل بتجميع المال فيما بينهم كما أنهم قرروا إعلان ذلك لمن أراد أن يساعد ممن معه. بسمة مشرقة أُضيئت وجه خديجة وهي تشعر بالفخر، كم جميل أن يتعاونا على فعل الخير فيأتون يوم القيامة يدخلون الجنة سويًا وكما كانوا في الدنيا مترافقين متجاورين سيمرون بإذن الله في الجنة هكذا وأقرب.

فكرت كثيرًا، بل طال بها التفكير، حتى أخيرًا وصلت إلى حل. بحثت في ملف الفتاة عن رقم والدتها ووجدته و دونته في هاتفها، وقررت بعد انتهاء اليوم الدراسي أن تحادثها. وكانت قد حادثت الفتاة التي كانت تبكي بإنكسار وهي تروي لها ما يحاول عمها فعله وكيف حاول في عدة مرات التقرب منها. نصحتها لمياء أن لا تخرج من غرفتها في حضرته حين يأتي لزيارتهم وأن اضطر الأمر تغلق الباب على نفسها وتتصنع النوم، ولم تخبرها بقرارها أنها ستحادث

والدتها في ذاك الأمر. أكدت لها أنها معها ووعدتها بعدم تركها. وحين ذهبت إلى المنزل وتناولت شيء بسيط وأعدت قهوتها، دخلت إلى حجرتها واغلقت بابها وجلست فوق فراشها عاقدة ساقيها تمسك بين راحتيها فنجانها ساهمة. شاردة تفكر فيم تنوي فعله. كانت خاوية نوعًا ما، لا تشتهي شيئًا ألبتًا. فأرتشفت رشفة من قهوتها ووضعتها جانبًا، وتنهدت في عمق تنهيدة محملة بالثقل والحيرة، أغلقت عينيها وراحت تحادث نفسها وتشجعها أن تفعلها وتنقذ الفتاة

التي لا حول لها ولا قوة. من عم لا تسوقه إلا شهوته منغمسًا انغماسًا تام في ملذات الحياة.

التقطت هاتفها واجرت الاتصال، وانتظرت الرد الذي لم يطل وإذ بها يأتيها صوت امرأة تردد السلام. فردت لمياء السلام وعرفتها عن نفسها وأنها مدرسة نرمين. ثم صمتت قليلًا، وقالت في تردد: "كنت عاوزة اقولك بس لحضرتك أنك تهتمي ببنتك شوية، وتاخدي بالك منها، لأن البنت مش كويسة وبتشتكي من... قاطعتها الأم في نبرة فظة غليظة: "بتشتكي؟ تشتكي من إي!؟ أنتِ عاوزة تقولي إيه بالظبط أنتِ شكلك وحدة مجنونة ولا إيه؟ صكت لمياء على أسنانها

واندفعت في غيظ قائلة: "بنتك بتشتكي ان عمها بيتحرش بيها وأسأليها عندك وعرفي منها وحافظي على بنتك عشان متخسريهاش بتفكر تنتحر واعرضيها على دكتور نفساني وامنعي عمها ده من دخول البيت دا إذا كنتِ خايفة على بنتك السلام عليكم." أغلقت الخط في عنف وهي تكاد تنفجر غيظًا. ولم تكن تدرك أن المكالمة كان قد سمعها الزوج والعم لأن المرأة كانت فاتحة مكبر الصوت. وقد أوقعت نفسها في مأزق ربما لن تحور منه وربما تحور.

الحزن والهم يخيمان على فؤادها بظلالهما، كالحة الوجه، حائرة، شاغلة البال في من؟ تلميذتها التي لم تأت إلى المدرسة وتركتها تتخبط في أفكارها تكاد تصعق من القلق عليها. تُرى ما الذي حدث لها؟ ما الذي قد يكون فعلته أمها بعد ما حادثتها؟ طوفان من الأسئلة يعصف خلدها. كانت في طريقها إلى ركنها المريح.. حيث سعادة نفسها. إلى دار المسنين لتزور المرأة التي قابلتها يومًا تحس بالراحة حين تراها وتفرح نفسها.

تبسمت تلقائيًا ما أن تذكرتها فـ أشرقت في القلب بسمة، طوت جل حزنها خلف شغافها حين وقفت السيارة أمام بوابة الدار الشاهقة، فترجلت متنفسة في عمق كأنها تستنشق عبير وطنها بعد طول غياب وخطت للداخل بقلب يرفرف فرحًا للقائها. تهادت في الرواق تلقي السلام على القائمين فيه ببسمتها التي لا تفارق ثغرها، ويرد عليها الجميع السلام في غبطة.

ضاقت حدقتاها وهي تقف محلها محدقة في باب غرفة المرأة المسنة المنفرج على عقبيه، ثم سارت في حدة. دخلت إلى الحجرة كالأعصار ووقفت متجمدة في صدمة، لم تتخيل أن تجد لديها أحد. وهي التي لها سنة في الدار لم يزرها غيرها؟ فما الذي تغير؟ من ذاك؟!

ليس بأحد أبنائها فهي قد رأتهم قبلًا، هذا في الأساس يبدو غريبًا، غريب الطلة.. غريب الشكل، بشرته السمراء سمار حلو جذاب، ليس أسمر للغاية، سمرته غريبة جميلة، شعره مسترسلًا إلى جبهته من شدة نعومته ممشطًا بتصريحة جذابة أيضًا، شعره أفضل من شعرها الذي تتمنى أن ينعم يومًا. بدا عليه التوتر، وناظرها في انتظار أن تتكلم لكنها لم تفعل، بقت تحملق فيه فقط.. لا شيء غير ذلك. ما الذي ينبغي فعله الآن؟ "أنت مين؟

طالعها في استفهام وهو يقطب حاجباه ودون أن ينبس هم أن يتجاوزها خارجًا، لكنها أبت أن تتركه دون معرفة هويته، فـ أسرعت في الوقوف قبالته تسد عنه الطريق للخارج بذراعيها وصاحت فيه مجددًا في عنف كأنها على وشك خوض حرب: "بقولك أنت مين؟ إيه مبتسمعش؟! عقد ذراعيه ورد في هدوء: "ولما أخبرك من أكون؟ رفعت حاجبها في مقت مردفة في سخط: "آه أنت مش مصري بقا؟ تعرف ست ام احمد منين.. أنا اول مرة أشوفك هنا؟! تبسم هازئًا وردد في تهكم:

"وما دخلك أنتِ؟ هم أن يغادر مرة أخرى لكنها لم تسمح له وقد استشاطت غيظًا: "والله ما أنت معدي غير لما أعرف أنت مين الأول؟ ضيّق عينيه نافثًا غضبه وقال من بين أسنانه: "ومن أنتِ؟ وماذا تقربيها؟ ارتخى جسدها تمامًا وبدا عليها التفكير وهي مطرقة الرأس، فـ ابتسم في سخرية وما كاد أن ينصرف أو يخطو خطوتين هتفت فيه في غضب: "وأنت مالك أصلًا أنا مين؟ إيه الفقر ده! رمقها من رأسها لأخمص قدميها قبل أن يهز رأسه مغمغمًا في ازدراء:

"حُثالة! اتسعت مقلتاها في صدمة وكادت تموت غيظًا. أخذت ثوانٍ تتنفس في سرعة وعيناها متسعة وهي تنظر لسيره في الرواق مصفرًا، فخرجت تتعثر وهي ترفع إحدى قدميها تفك رباط حذائها وعلى حين غفلة منه صوبته تجاهه ليضرب في صدره وتقف متخصرة في تشفٍ. شفت قلبها ونفسها وتنفست في راحة. استدار لها ببطء والغضب يشع من عيناه الساحرتين، فـ ادردت لعابها وابتسمت في بلاهة ثم لوحت له وركضت إلى الغرفة تغلق بابها خلفها.

زمجر هو في غضبٍ جم وما كاد أن يتبعها حتى تجمعن حوله الممرضات ليأخذن صورًا معه، فأستعاد بسمته الساحرة وهو يلتقط معهن الصور واحدة تلو الأخرى وقد نسى أمر لمياء تمامًا. ارتكنت إلى الباب بعد غلقه واضعة كفها موضع قلبها ذا النبضات المتسارعة تهدأ من روعتها. تنفست الصعداء حين طال الوقت ولم يتعقبها، فـ تبسمت ضاحكة من قلبها وهي تدنو من المرأة تقص عليها ما حصل: "شفتِ يا ام احمد الواد البارد ده بس ضربته...

يااااه كان نفسي تشوفي شكله اول ما فردت الكوتش ضربت في ضهره." شهقت متذكرة فردة حذائها فقالت وهي على شفا حفرة من البكاء: "يا رب اطلع ألاقي فردة الكوتش يا رب، وألا هرجع إزاي حافية أنا." بقت ساكنة لدقائق قلائل تفكر قبل أن تقفز في حماس مصفقة، وقالت وهي تجثو على قدميها أمام المرأة التي تتابعها في انبهار: "مقولتلكش أنا جايه انهاردة أأقضي اليوم كله معاكِ.. معاك لوحدك يا جميل." قالت المرأة وهي تمسك كفيها في رجاء:

"عاوزة أحمد ابني وعماد ومجدي." امتقع وجه لمياء ولمعة في مقلتيها الدموع وقالت في حنو وهي تقبل كفيها: "هييجولك بإذن الله يا ماما متقلقيش هما بس مشغولين شوية وهييجولك." أبتسمت المرأة مبتسمة فأشرقت بسمتها وجه لمياء، التي ما أن أحست أنها قد قضت حاجتها على نفسها حتى نهضت تشمر ساعديها وهي تقول في محبة مازحة: "اخص عليكِ يا توتة كدا تعمليها على نفسك، لكن ولا يهمك بنتك اللي ربنا بعتها ليكِ موجودة."

أسندت المرأة وأخذتها إلى الحمام. في هذا الأوان كان هو يقف خلف الباب يده متخشبة على مقبضه وقد ابتسم في صفاء وهو يتمتم: "أظن أني سأسامحك لِمَ فعلتيه أيتها المجنونة ذات القلب الكبير." كان قد سُئل عليها الممرضات الذين ما صدقن أن يتحدثن معه فـ أخبره أنها هي من تعول ام أحمد وتدفع تكاليف الدار، بل وتأتي كل أسبوع لتقضي يومًا معها وترعاها بنفسها، بل ربما أتت كلما كان لديها وقت فتقضيه معها وترعاها.

أنتشله من شروده رنين الهاتف فـ أجاب وهو يغادر من الدار بأكمله: "نعم.. أنا آتى.. هل كل شيء جاهز، إذن سنتقابل في مكان الحفلة." وأغلق راكبًا السيارة التي استأجرها حتى يقضي وطرًا من هُنا. وقفت لمياء على باب الدار في انتظار أخيها معاذ الذي حادثته ليأتي لأخذها مذ دقائق. كانت سعيدة.. بل سعيدة للغاية تكاد ترفرف كفراشة بجناحيه تجوب الحياة والطرقات مبتهجة. ولم لا!

وهي قد فعلت أمرًا لله ربما ينقذها يوم القيامة من أهواله، أو يكون سببًا في دخولها الجنة. الجنة التي تشتاق إليها. يا الله عن تلك اللذة الغارقة فيها، لذة لا تعادلها أية لذة في الوجود.

لفحتها برودة الجو فعقدت ساعديها وراحت تفرقهما ربما يبثها هذا ببعض الدفء، وقد حسمت أمرها أن تسير خارج الشارع علها تجده وتغادر. ورغم أن الليل ألقى رداءه سارت على دجاه متوجسة خفية تتلفت حولها. تمشي حافية في إحدى قدميها تزم شفتاها وتدمدم عساها تؤنس نفسها. باغتها فجأة ظهور شخصين من الرجال أمامها فوقفت تطالعهم في وجل وقلب مزعور لكنها تحلت بالشجاعة ورفرفت بأهدابها وهتفت في قوة وهي تتراجع في تأني: "انتوا مين؟

أقبل الرجل بعينين مفعمتين بالمقت والانتقام ووقف قاب قوسين أو أدنى منها وقال في صوت أجش أقشعر له جسدها: "أنا عم نرمين يا أستاذة لمياء." اِدردت لعابها في رهبة، وسرعان ما رفعت رأسها في كبرياء تنظر في عينيه في تحدٍ، وغمغمت في حدة: "وعايز إيه يا عم نرمين؟ مش مكسوف من نفسك تظهر قدامي." ثم ضحكت ساخرة بجانب فمها وأضافت وهي تستجمع أطراف شجاعتها:

"ولا هتتكسف إزاي وأنت مش مكسوف من ربنا ولا مراعي بنت اخوك الصغيرة اللي زي بنتك.. إلا صحيح اخوك هيعمل إي لو عرف؟! دار حولها فسري الرعب في أوصالها، وقال: "هو أنتِ متعرفيش يا أستاذة؟ دارت معه حيث يدور تخشى أن يهاجمها على غفلة منها، سكت هنيهة في تعمد مبتغيًا خوفها أكثر وقال في صوت هادئ لا يخلو من الخبث:

"اصل انا اخويا مش بيصدق الغرباء أمثالك، بيصدق اخوه من لحمه ودمه، وبنت اخويا انا هعرف إزاي هردعها وتبقي تحت طوعي تقول اللي آمر بيه.. ولكن" وقف ساكنًا ووقفت في دورها، كلمة "ولكن" أرعبتها. نظرته لجسدها زادت من دقات قلبها وقالت في صوت باهت وقد تجلى الخوف في عينيها وبدا لها جليًا: "ولكن إي؟! طال صمته وهو ينظر لها نظرات شهوانية حقيرة قبل أن يردد وهو يعض على شفته السفلى: "مين هينقذك انتِ مني؟ وتابع غامزًا في مكر:

"وخاصةً انك طلعتي صاروخ كدا وقمر." وقال في نبرة حاقدة: "أنتِ اللي جيتي في طريقي يا بنت الناس متلوميش إلا نفسك ومحدش هيقدر يضرني عشان هضره، وأنتِ كل همك تضريني وتكرهي اخويا فيا وأنا هنسفك." ضحكت لمياء في خوف وهي تقول في ثقة: "دا انا ناوية اسجنك وهخليك تقضي باقي عمرك في السجن."

أشار بكفه للرجل الذي معه فامسك بذراعين لمياء بكف والكف الآخر كمم فمها ورغمًا عنها وعن مقاومتها كان عم نرمين يرفع قدميها واتجهوا صوب السيارة التي لم تكن بعيدة، وقد كان بابها الخلفي مفتوحًا، لكن قبل أن يدفعوها بداخلها استطاعت لمياء بحركة بارعة تعلمتها من جدتها أن تفلت قدمها وتهوي بوجه عم نرمين.

دفعت الرجل بساقها فسقط على ظهره على إثرها، وقبل أن يتدارك أحدهما شيئًا كانت ترفع قدمها تطيح بالأخر وتضرب حقيبتها في وجهه وتولي هاربة منهم وهم خلفها قد ركضوا تلقائيًا وراءها وهم يتوعدوها. أشارت لكل سيارة تمر أن تقف لها، لكن ولا واحدة ارتضت. التفتت خلفها فإذا بهم على مقربة منها، فـ انطلقت غير عابئة بالسيارات التي تروح وتجئ كخلية النحل. ضربة بها سيارة فـ انزلقت الحقيبة من يدها لتستند على مقدمتها كلا تقع، وامسكت معدتها

من أثر الضربة متألمة. أشارت لسائقها لكنه ألقى عدة سباب لها وأنطلق يسابق الريح ففاضت عيناها دمعًا وهي تتابع ركضها على جانب الطريق كالمتسولة. نعم من يراها يظن هكذا، تركض كالمجنونة تتلفت حولها والدموع تسيل إلى وجنتيها، حافية القدم رثة الثياب والهيئة حتى خمارها متشعث، وبتنا في زمن كله لا يهمه إلا نفسه. ذهبت عن جميع المرء المروءة والجدعنة، زمن غريب وناس أغرب. يقولون على بعض الحيوانات وحوش ويا للعجب نسوا الوحوش التي تحيا

وسطنا، أليس نحن بزمن أمسى فيه الناس وحوشًا؟

قد جن الليل وضجيج السيارات يربكها ويصيبها برعدة وربما صعقة في فؤادها ولم يملوا من اللحاق بها، انحنت تركض في شارع نائي ليس فيه سيارات إلا لماما، ضاقت بها الحياة بما رحبت كما ضاقت بها الطرق وخلت ومادت، وأحست بدنو أجلها تقسم بأنها ستقتل نفسها إن أمسكوا بها. وقفت تلتقط أنفاسها لاهثة وتهدأ بكفها ضربات قلبها التي تتسارع في أضلاعها حتى كاد أن يقفز من مكمنه خوفًا. لاح لها من بعيد أضواء منبعثة وصوت موسيقى عالية فـ اطمأنت

قليلًا، ونظرت وراءها لتشهق متقهقرة للخلف ما أن أبصرتهما فـ أطلقت ساقيها الريح إلى حيث مصدر الموسيقى الصادرة. رأت فتيات وبنين يترقعون بأناملهم في تناغم مع الموسيقى وهم مطبقي الأجفان ويدندنون مع الأغنية الصادرة بالإنجليزية. توغلت بينهم وخلفها الرجلان باحثين عنها، انسد الطريق أمامها ولم يتزحزحا البنتين من أمامها فوقفت تتلفت والخوف يطل من عينيها حتى وجدتهم خلفها قاب قوسين أو أدنى يتبسمان لها في تحدٍ سافر، ونظرة متشفية فـ

أين قد تذهب وهي الآن في قبضتهما. لكن هيهات أن فكرا على التغلب من حفيدة لمار الشرقاوي عكس ما في فؤادها من فزع، رغم هشاشتها ورقة قلبها ألا أنها في طرفة عين جذبت الفتاة من خلفها في حركة سريعة ودفعتها على الرجلين وتوغلت وسط الحشد حتى ارتقت سلالم وهي تنظر خلفها وإذا بها تجد أحد يجذب كفها في راحته ويلفها في حركة راقصة ويضع كفه الآخر على كتفه وكفه الآخر حول خصرها في حذر كلا يلمسها. كانت متسعة العينين تحدق فيه في عدم تصديق،

صوته الساحر والسالب للألباب لم يهز بها شعرة واحدة، على العكس تمامًا أوقد النيران في قلبها، كانت كالمتغيبة يسوقها هو كيف يشاء وكما يحلو له هل ينتقم عما فعلته هي فيه في الصباح؟

أنى لها أن تعرف. دار بها فجأة دون توقف لدقيقة كاملة وصوته يغرد حتى وقف لاهثًا ينظر لعينايها وهي كذلك وضج المكان بالتصفيق. ثم الهمهمات المتفاجئة من هيئتها، أنى لها بتلك الهيئة في حفل كهذا ومع أشهر مغني أجنبي؟ هذا غير معقول؟ أهذا جزءًا من العرض أم ماذا؟ كادت أن تنأى عنه لكنه أبى تركها حتى تذكرها فدفعها للخلف وهو يتراجع خطوتين صائحًا وهو يرمقها في اشمئزاز: "هذا أنتِ أيتها الغبية؟ نظر لها ثم نظر لجمهوره وردد في ازدراء:

"يا الله ماذا سيقولون الآن، ألم يوجد غيرك لتخرجي أمامي؟ ما الذي جاء بكِ جواري مكانك بالأسفل، ثم ما هذه الحالة تبدو كالمتشردين." صاحت فيه لمياء غاضبة وهي تتقدم في عنف وهو يتراجع مندهشًا من جرأتها: "من المتشردة يا حقير، وهل تظن نفسك مغني أقسم لك أن صوتك يلم علينا الحشرات يا حُسالة، ثم كيف تمسك بكفي وترقص معي يا حقير."

كان صوتها يعلو تدريجيًا مع عبراتها، كان قد عم السكون والجميع استمع لحوارهم متعجبون ينظرون لهم في استمتاع وترقب. معتقدين أنهم يقدمون عرضًا. قبل أن يهم هو بتوبيخها صاح صوت غليظ: "هتروحي مننا فين يا أستاذة؟ تلقائيًا رفعا نظريهما تجاه الصوت لترتجف لمياء وهي تردد في تلعثم: "روحت فيها خلاص.. اعمل إي دلوقتي، يا رب."

قبل أن يتقدما الرجال ضحك هو معطيًا إشارة بنزول ستارة عن مرأى المسرح وبالفعل تجلت فور إشارته فجذبها من معصمها قسرًا وركض بها للخلف ومنه لزاوية جانبية.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...