ما زال للعشق بقية. المحب لا يعرف الفراق أبدًا. فلاش الكاميرا لا يكف عن التقاط الصور لجسد حسن المجسّى أرضًا. قوات الشرطة تحيط بالمكان، تفحصه بدقة. نظرات الدهشة مصوبة نحو عائشة التي تنزوي بأحد الأركان، تحاوط ذراعيها في قدامها مسندة ذقنها إلى ركبتيها، تنظر بأعين غائرة وجلة بوجوه الجميع.
انتفضت بغتة واقفة ما إن لمحت والدتها تدخل بلهفة، لتغدو سريعًا ترتمي بين ذراعيها تستتر من العالم فيها. حاوطتها لمار بكلا كفيها تبثها بالأمان. ابتعدت على صوت والدها، يتساءل في لهفة ونبرة قلقة: "عائشة.. أنتِ كويسة يا حبيبتي؟
شهقت عائشة باكية تلقي بذاتها بين ذراعيه، تشد بقبضتيها على ملابسه كأنه الأمان الذي لا تود البعد عنه، أمان لطالما طمأنها ولفها بسكينة تتطامن إلى قلبها، أمان لا يوجد مثله نظير. فأمان الأب وحنان قلبه وابتسامة عينيه وضمتهما ودفء ذراعيه لا يمكن أن يكون في مثله. يظل دائمًا هو الملاذ والمتسع مهما ضاقت الحياة. ما زال أدهم يحتويها بكفيه يهدأها، حتى فجأة رفعت رأسها تنظر لعينيه مباشرةً، وقالت: "بابا.. هو فين إسلام ووليد؟
حتى زين مشفتهوش؟ أنا عايزة أروح أدور عليهم." تبادل أدهم ولمار النظر في دهشة. لم تلبث طويلًا أن تلاشت ما أن قال ظابط في ود واحترام: "أنا آسف جدًا يا سيادة اللواء لمار وأدهم، ولكن لازم ناخد المتهمة." أدارت لمار رأسها تطبق جفنيها في ألم. لم تتوقع يومًا أن تلقي القبض على قطعة من قلبها وبتهمة قتل! لم ينتظر الظابط أكثر، بل جذب عائشة ليكبلها بالأصفاد. وأمام أنظارهما ساقت ابنتهما إلى سيارة الشرطة، لتدمع عينا لمار
وهي تهمس في حسرة موجعة: "عملتِ إيه في نفسك يا عائشة؟ شعرت بكف أدهم يطوق كتفها وهو يهمس في خفوت بجوار أذنها: "خير إن شاء الله، مش هنسيبها وهتخرج متقلقيش. قولي يا رب." سارت معه للخارج لترفع عينيها إلى السماء تناجي الرحمن بفؤادها أن يمر هذه الأيام على خير، ولا يؤذيها في أحد من أحبتها مجددًا، ترجوه أن يرفق بحال ابنتها وحالها، وتسأله العوض والجبر.
بأقدام مرتعشة خطت داخل المشفى. تتطلع حولها في اشتياق للغائب الذي كانت تضج روحه فيها. المشفى ليست كما هي، بها شيء ناقص. بسمة غائبة، وفرحة ضائعة. الجميع في حالة حزن، أطباء، ممرضين، مرضى. فالغائب ليس أي أحد، إنه شخص كان يغمر الجميع بحنانه وكرمه. بذل جهده لفرحة من حوله. وبذل كل ماله في سبيل الله. للفقراء والمحتاجين والمساكين. لم يقل: "لا أدخر المال قد أحتاجه غدًا!
إنما كان يقول: "قد لا يأتي عليّ غدًا، فلماذا أدخر مالًا لن ينفعني؟ لم تشعر خديجة بدمعها الذي يهوى على وجنتيها، وكم حمدت نقابها في تلك اللحظة الذي تتوارى خلفه الدمعات. وقفت أمام الحجرة التي بداخلها وعد. تستجمع رباطة جأشها، تتنهد وتزفر عدة مرات، ثم أدارت المقبض ودلفت وهي ترفع نقابها، مشرقة المحيا ببسمة تتألق على ثغرها. جلست بجوارها تُحادثها ربما تُبدي أي ردة فعل. لم تلبث أن بدأت تتلو القرآن بصوت شجي مطرب الآذان.
كان رحيم يسير بطريقه للمشفى شارد الذهن مشتت. موجة غريبة تمتلكه من الضياع. وسوس له الشيطان قائلًا: "لماذا لا تطلقها؟ لماذا ستدفن نفسك مع امرأة شبه حية! ولماذا ستحافظ عليها؟ سيركض عمرك دون أن تشعر أن ظللت بحوارها. أتركها وتزوج بأخرى."
وابل من الأفكار تجتاحه بلا هوادة وهو يسير كالمتغيب، كأن ثمة من يشده من يده ويفكر بدلًا عنه. وطأة قدميه المشفى، وفجأة حدق فيها مزهولًا لا يدري متى وصل. ثم انفض رأسه وتابع طريقه بوقار ورزانة. استمع لصوت خديجة فعلم أنها بالداخل فطرق الباب وانتظر قليلًا حتى أذنت له، فدخل بصمت واتجه إلى الأريكة وجلس عليها دون أن ينبس، مما أثار عجبها. لكنها رجحت ذلك لإرهاقه البادي على وجهه المنهك. عادت لقراءتها مجددًا.
رويدًا رويدًا بدأ رحيم يطرف بأجفانه في ثقل غير قادر على فتحهما، كأن ثمة من يغلقهما عنوة. ألمه رأسه حتى أحس بأنها ستنفجر فظل يحركها يمنى ويسرى دون صوت. صفير حاد اخترق أذنيه ليسدهما وهو يميل بمرفقيه إلى فخذيه. ولم يلبث إذ إن عاد بجسده للخلف ورأسه أيضًا وغفى. لم يغفى تمامًا، كلا، إن روحه قسرًا ذهبت لمكان آخر.
فجأة وجد نفسه داخل غرفة مظلمة وحية تسعى تجاهه، فأحتار لم يدرك ماذا يفعل ولا يوجد طريق للخروج. ظل يبعد عنها يمنى ويسرى حتى طلع في وجهه وجه أسود مخيف ذو بؤبؤ عينين حمراء كالدم. فأتسعت عيناه وهو يهوى للخلف بظهره على الجدار جاحظ العينين به. أنقذه صوت خديجة المنادي بقلق قائلة وهي قريبة منه بعدما صرخ مستغيثًا مرتجفًا متقلبًا كمن يواجه كابوسًا: "رحيم.. رحيم.. رحيم.. أنت كويس؟ فوق مالك، بسم الله الرحمن الرحيم.. رحيم."
بصعوبة رمش بعينيه ينظر إليها في تيهة وهو يهز رأسه يمنى ويسرى. فابتعدت خديجة آتية بقارورة مياه كانت بجانبها وناولته له قائلة برنة قلقة: "رحيم، خد اشرب." تناولها منها وتجرع منها وللعجب كان حلقه جافًا للغاية مرًا. ثم سكب حفنة بيده ومسح بها وجهه وهو يتنهد بقلب خافق. تساءلت خديجة مرة أخرى عما به، وما هم بإجابتها حتى مال برأسه كاتمًا فمه بكفه شاعرًا بالتقيؤ، فوثب واقفًا وحث الخطى إلى دورة المياه تحت أنظار خديجة الذاهلة.
دقائق وخرج وقد تلاشى الإرهاق وشحوب وجهه. فتقدمت إليه تسأله بلهجة قلقة: "رحيم أنت كويس؟ اجيبلك دكتور؟ هز رحيم رأسه نفيًا، وقال: "لأ مفيش داعي. شكلي خدت دور برد.. هو إيه اللي حصل؟ تساءلت خديجة بنبرة وبسمة قَلِقَتان: "متأكد؟ أنت كنت بتحلم بـ إيه؟ "حلم إيه؟ هو أنا نمت؟ " سأل متعجبًا. فأردفت خديجة: "أيوه نمت وكنت بتنادي على وعد وبتتنفس بالعافية." رفع رحيم حاجبيه وقال في دهشة: "أنا مش بنام في النهار أبدًا."
ثم هز كتفيه وقال في بساطة: "يمكن غفيت شوية. والله ما أنا فاكر أي حاجة. مش عارف ليه." توجه إلى وعد ملثمًا جبهتها وكفها الموصل بمحلول تغذية. أستدار لـ خديجة وهو يعتدل، وقال: "هروح أكلم الدكتور أعرف لو في جديد ولا حاجة. خليكِ جنبها." أومأت خديجة في تيهة. كل شيء يبدو غريبًا. ما بال رحيم؟ تقسم أن هناك أمرًا ما. لوهلة يكون هو ذاته، وأخرى لا؟ هزت كتفيها واتجهت جالسة جوار وعد تعود لتتلو القرآن مجددًا.
لم تمكث طويلًا وإذ بالباب يفتح بعد طرقة واحدة وتدخل والدتها والصغار معها ويتحول الهدوء إلى ضجيج محبب لقلبها. أقترب عاصم مقبلًا رأس والدته يسأل عن صحتها، لكنه لم يتلق إجابة. فجذبته ورد لحضنها. وبحنان أم أردفت في أذنه: "متزعلش يا حبيبي ماما تعبانة عشان كده مش بترد عليك." هز عاصم رأسه متفهمًا، وابتعد عنها ليقف مع الصغار. فتساءلت خديجة وهي تميل على أمها: "مفيش أخبار يا ماما عن عائشة؟ هتخرج إمتى من السجن؟ سكتت ورد لهنيهة
قبل أن تجيبها شاردة: "ربنا يستر. عائشة حالتها وحشة." أدمعت عينا خديجة وهي تدعو في نفسها لها. في زنزانة يسودها الهدوء. السرائر الحديدية مصفوفة بجوار بعضها يعلوها أخرى. المسجونات يتخذن كُلًا منهن فراشًا. منهن النائمات في غمرة أحزانها، ومنهن الصائحات الجالسات دون صوت يتفكرن. أما هي كانت تقبع فوق فراشها تضم قدميها لبعضهما تحاوطهما بذراعيها. تارة تهذي بأبنائها وزوجها، وتارة... تارة ماذا؟
تصيح صارخة مرتجفة رعبًا بات قلبها معمورًا بالرهبة. ترى حسن بغتة يظهر أمامها غارقًا في دمائه، فتظل تصرخ وتصرخ وهي تنزوي آخر فراشها حتى تتجمع حولها النسوة يهادونها بشفقة. منهن الساخطات الذين يرغين ويذبدن، ومنهم اللاتي يشفقن عليها فيجلسون بجانبها يحاولون معرفة ما بها، لكنها تبقى محدقة في الفراغ كأنها يتراءى لها شبحًا لا يرى إلا لها.
مرت الأيام تباعًا دون جديد. لا شيء يمر أو يزول، ولا الأيام تولي، ولا النور يضيء قلبها. وذات يومٍ كانت مستلقية على جانبها فوق الفراش الحديدي، تحدق في حسن الذي يتراءى لها جالسًا يحدق فيها بحقد. طلع الدمع بعينيها حين نهض مقتربًا منها، فانتفضت شاهقة وهي تستوي جالسة متسعة العينين تهز رأسها بجنون، تبسط كفها لعلّه يقف، ألا أنه تابع سيره نحوها والدماء تغرقه غرقًا. فوضعت كفها ونهضت مبتعدة عن الفراش بحذر تسير بظهرها للخلف
وهي تهمس في خوف شديد: "متقربش لأ، لأ متقربش، خليك مكانك ابعد عني، ابعد عني." أمسكت بها مسجونتان وهتفت إحداهما بقلق: "مين يا حبيبتي اللي ميقربش؟ تعالي اقعدي هنا، واستهدي بالله؟ نطقت إحداهما بسخط: "يكش يا شيخة عفريت يلهفك صرعتينا ليل نهار بعفاريتك."
دفعت كفيهن عنها وتابعت سيرها بأعين مرتعشة تترقرق بالدمع حتى ارتطمت بطاولة الطعام الذي جاء أنفًا. ألتفتت للخلف بحذر فوقع بصرها على نصل حاد فجذبته سريعًا وحادت ببصرها إلى طيف حسن ثم طعنته بقسوة وهي تهتف: "قولتلك متقربش ابعد عني."
فتحت عينيها على الصراخ الذي دوى حولها وتجمهر النسوة جوار جسد زميلتهن ذا الجسد المسجى أرضًا تتأوه بألم وهي تمسك جرح بطنها الذي ينزف بغزارة. علا صراخ عائشة وهي تهز رأسها غير مصدقة أنها طعنت إحداهن. فُتح الباب واندفع سيل العساكر ليسعفوا المصابة، بينما جذبوا عائشة معهن ليضعوها في المنفردة.
في يوم جلسة الحكم، تجمع كل آل الشرقاوي جميعهم داخل القاعة، بقلوب وجلة مرتجفة خوفًا مليئة قلقًا. رأوا عائشة في يدها الأصفاد مع أحد العساكر يجرها خلفه حيث وراء القضبان الحديدية. أدمعت أعين الفتيات وهم يهرعون نحوها ممسكين بأعمدة الحديد يحادثونها ويبثونها بالأمل، لكن هي في وادٍ آخر تمامًا. هدوء عم المكان وعاد الجميع لأماكنهم ما أن دخل القاضي بجانبه المستشارين.
وما بين أقوال الشهود والأدلة التي أثبتت جرائم حسن وقتله ليوسف وخطفه لعائشة، أثبتت ورد أنها قتلته دفاعًا عن نفسها، كما أنها تعاني من حالة نفسية أدت لذلك وأثبتت التقارير صحة ذلك. أوضحت ورد أن عائشة ليست في وعيها تمامًا، فما تدري ماذا تفعل. فحكمة المحكمة بإيداعها في مشفى الأمراض العقلية تحت المراقبة.
في غرفة في مشفى الأمراض العقلية، كانت عائشة تتشبث بـ أدهم تنظر إليه في رجاء وإستغاثة تبكي بحرقة ترجوه ألا يتركها، ألا أنه أشاح بوجهه وهو يشير للممرضات ليقتربن فسحبوها عنوة وقام الطبيب بحقنها بحقنة مهدئة حتى هوى جسدها بين ذراعيهم ليهوى قلب أبيها معها، وأمها التي تتطلع من الزجاج الخارجي بألم. قاموا برفعها على الفراش. ومر الطبيب المكلف بحالتها بجوار لمار. وقبل أن يدخل نادته: "دكتور.."
التفت لها الطبيب ومكث حتى أقتربت إليه فتبسم لها مشيرًا للغرفة مردفًا: "أنتِ والدة المريضة اللي جوه؟ هزت لمار رأسها، وقالت: "آه." مد الطبيب كفه هاتفًا ببسمة هادئة: "دكتور هيثم، الطبيب المعالج لحالة عائشة." صافحته لمار بدورها معرفة عن نفسها، ليأخذها إلى مكتبه بعد خروج أدهم ليقصوا عليه حالتها فتعهد لهم بأن تعود قريبًا بأفضل حال.
غادر الاثنان فهب هيثم واقفًا وخرج من مكتبه وتوجه لحجرتها. فتح بابها وطل برأسه متأملًا إياها قليلًا قبل أن يخطو للداخل بتمهل. وطالع ملامحها الشاحبة بأسف وهو يردف بصوت هامس: "صعب اللي عشتيه يا عائشة؟ أنا مقدر حالتك جدًا. الله يكون في عون قلبك ويصبرك على فراقهم ويجعلهم شفعاء لكِ يوم القيامة." سحب مقعدًا وجلس عليه قرب رأسها وظل يحاكيها وهي غائبة تمامًا.
من بوابة المطار كانت تخرج لمار تنظر حولها كأنها تبحث بعينيها عن أحد حتى وقع بصرها عليه فتقدمت إليه باسمة وهي تقول: "ضياء.. أخبارك إيه؟ أومأ ضياء في هدوء، مغمغمًا: "بخير. نورتي المكان." ثم تنحى باسطًا كفه مشيرًا لها، قائلًا: "أتفضلي... سارت لمار حتى استقرت داخل السيارة في المقعد الخلفي، بينما أخذ ضياء المقعد الأمامي بجوار السائق الذي انطلق فورًا. ألتفت ضياء برأسه قائلًا:
"هاخدك تستريحي الأول وبعد كده أحكيلك كل حاجة بخصوص ماهر ده." نفت لمار في غضب هادر لا يقبل النقاش: "لأ أحكي دلوقتي واحنا في الطريق عنده، ولا أنت مش عارف مكانه؟ في هدوء أجاب ضياء في ثقة: "عارف طبعًا." دار بعينه للسائق ممليًا له العنوان، ثم عاد ببصره إليها وهو يستند بمرفقه على ظهر المقعد مردفًا:
"اللي عرفته عن ماهر ده أنه مصري الجنسية، ومشترك هنا مع منظمة من المافيا يقودها جومالي جهانغير راجل محدش قادر يمسك عليه أي حاجة لحد الآن حتى ابنه الظابط." ارتفع حاجبا لمار دهشة وقالت في اهتمام: "ظابط؟ تابع ضياء مؤكدًا: "أيوه كان ظابط وانفصل لأسباب غير مؤكدة كان من الكوماندوز. المهم زين مسك حاجات ضد ماهر." أطرق برأسه قليلًا وعلى وجهه علامات الحزن، لتحثه لمار على المتابعة، فأضاف قائلًا: "عشان كده ماهر ده قتله!
تعلقت أنظار لمار فيه مليًا، واستشعرت بحلقة مفقودة. أخترق صوت ضياء أفكارها وهو يقول مع إيقاف السيارة: "وصلنا." نظرت عبر النافذة تفحص المكان بعينيها في حذر وهي تسأل: "هو عايش في بيت جومالي؟ رد ضياء وهو يستعد للخروج من السيارة: "آه.." فتحت لمار الباب بحدة وهتفت بصرامة: "خليك أنا هدخل لوحدي." "بس... بنظرة من عينيها لم يتم عبارته وأغلق الباب مجددًا. تقدمت لمار من الباب فسد طريقها رجل وهتف أحدها في غلظة:
"لا يمكنك الدخول يا امرأة، من أنتِ؟ قلبت لمار بصرها بينهما في غضب، ولكنها سيطرت عليه وهي تقول: "إن لم تبعدا عن طريقي الآن لا تلومان إلا نفسيكما! رد الشاب ساخرًا: "حقًا؟ وماذا ستفعلين يا امرأة؟! قال الآخر ضاحكًا: "أقسم أني قد أدفئها بين أصابعي ولن آخذ فيها دقيقة، هيا اغربي عن وجهي."
كالأعصار تحركت لمار بغتة، دارت حول نفسها، لتحطم بقدمها أنف إحداهما، وبيمناها لكمة فك الآخر. انحنيًا للأمام يتأوهان بألم وزعر وفي ثانية كانت تهوى لمار بقبضتيها فوق عنقيهما ليخرا أرضًا، فضحكت هي وهي تضرب كفيها مغمغمة في حماس: "يا رجل لقد جعلتما الحماس يعود وكنت قد فقدته."
تلاشت ضحكتها بغتة كما انطلقت وبصقت عليهما وهي تدفعهما بقدميها وتدخل في خطوات سريعة حتى حاوطها رجال كثر، رافعين أفواه مدفعاتهم الآلية بوجهها، في زم شفتيها في ملل، هامسة: "آه يا إلهي، هذا الجسد الذي هرم ليس كالسابق ولكني لها." ما كادت أن تقاتلهم حتى تقدم رجل ذو وقار يسير في هيبة نحوها ذو حلة سوداء وخصلات غلبها الشيب. تفحصت هيئته بنظرة سريعة قبل أن تدفع الرجال من طريقها وهي تهمس: "أبعدا عن طريقي." وتابعت
وهي تقف أمام جومالي بتذمر: "يا هذا؟ أيصح أن تودع رجال كهذا؟ من لكمة واحدة خروا أرضًا، عيبًا عليك! رد جومالي بذات البسمة الهادئة: "معكِ حق سيدتي، وجب عليَّ تغيرهم جميعًا." وواصل منبهرًا: "لقد أعجبتيني جدًا كيفية دخولك دون خوف والقضاء على رجالي." ثم انحنى للأمام وهو يضع يمناه على صدره: "أحييك صدقًا من كل قلبي، لمار الشرقاوي وزادني شرفًا رؤياكِ." في جمود غمغمت لمار في عصبية هادرة: "أين ماهر يا هذا؟
هز جومالي كتفيه مجيبًا في بساطة: "موجود، ولكن تفضلي لنتحدث." تبعته لمار حتى جلسا داخل منزله، فمال للأمام قليلًا واردف: "أتريدين حربًا؟ تبسمت لمار ضاحكةً وقالت في ثقة: "إن كان لا بد فهو كذلك." مالت للأمام وهي تشبك كفيها قائلة بلهجة مخيفة: "أريد ماهر يا هذا وإلا ستندلع حرب سيموت فيها الكثير... وسآخذه." عاد جومالي بظهره لظهر المقعد فاردا ذراعيه على حافته في استرخاء قائلًا:
"أنا لا أدري ما بينكما، ولكننه أحد رجالي وأنا لا أترك من طرق بابي يريد مساعدتي. أنا ليس لي عداوة معك يا لمار، وماهر تعالي سأريك مكانه." هب واقفًا مع انتهاء عبارته وخطى للخارج ولحقت هي به، دلفا لمنزل صغير الحجم بجوار منزله الكبير، ثم وقف على الباب قائلًا لها: "ماهر هنا وأنا أسلمه لكِ بكل إرادتي، لكني لا أريد حربًا خاصةً معك." حدقت فيه لمار قليلًا، قبل أن تولج للداخل كالأعصار تبحث في كل زاوية ألا أنها لم تجد أحد.
فخرجت مكفهرة الوجه تجأر في وجه جومالي وهي تجذب سلاح أحد رجاله بغتة مشهرة إياه في وجهه: "هل تلعب معي يا هذا؟ لا يوجد أحد بالداخل." رفع جومالي كفه موقفًا رجاله الذين رفعوا مدافعهم الآلية على لمار، وقال: "لمار.. كنت صادقًا معي، وأنا لست على دراية بمكانه ولا متى وكيف خرج. بالأخير أنا غير مراقب تحركاته." صمت للحظة ثم قال في ثقة: "لا بأس سأعرف لكِ أين هو حالًا." ارتفع صوته مناديًا في صرامة: "نجيب... نجيب." جاء نجيب ركضًا
يهمس في عجل: "أؤمرني يا سيد جومالي! أمره جومالي وهو لا يحيد ببصره عن لمار: "اعرف ليّ أين ماهر بأسرع وقت يا نجيب." رد نجيب وهو يتراجع بظهره: "اعتبره تحت قدميك في الحال." أنهى جملته وتلاشى. تلاشى تمامًا في لمح البصر ليقول جومالي لـ لمار: "أنتِ اليوم في ضيافتنا." ما كادت شمس هذا اليوم أن تغيب حتى كان هذا الـ نجيب يلقي تحت قدميها شاب نحيل حنطي البشرة متوسط القامة ويهتف في جمود: "هذا ماهر سيدتي."
ظنت أنها لم تسمعه، إذ أسبلت جفنيها على عينيها المجهدتين، مسترخية تمامًا على الأريكة، فأنفرجت شفتيه وما كاد بإعادة ما قاله حتى فتحت عينيها على آخرهما بطريقة جمدت الدماء بعروقه فانتفض للخلف وللحق هذه أول مرة يهاب أحد. تبسمت لمار بسمة مخيفة وهي تهز رأسها يمنى ويسرى مغمغمة: "اخرج يا نجيب ثمة فأر عليه أن يدخل المصيدة." أومأ نجيب عدة مرات، وفر هاربًا في عجل، مغلقًا الباب خلفه، وانتفض مرتعشًا ما أن جاءه صوت جومالي يسأله:
"لماذا خرجت.. ما بك ما هذه الحالة؟ أردف نجيب لعابه قائلًا في خفوت وهو يمسك قلبه المرتجف: "إنها تبدو.. تبدو مخيفة، هذا الرجل سيخرج ميتًا لا محالة." تبسم جومالي بسمة مخيفة وهو يربت على كتفه، وقال: "أحسنت صنعًا...
أومأ نجيب في فخر. بينما في الداخل نهضت لمار في تمهل لتدب الرعب بمهجة الشاب الملقى أرضًا. واتجهت نحو الطاولة التي يعلوها طبق من الفاكهة وفوقه سكين أخذته واتجهت نحوه، فزحف الشاب للخلف بأعين تكاد تحرج من محجريهما. تقدمت لمار إليه على مهل، حتى انحنت عليه ملوحة السكين أمام وجهه مغمغمة ببسمة هادئة كأنها تتحول: "أنت لست ماهر.. أليس كذلك؟ أومأ الشاب تلقائيًا سرعان ما أدرك ذلك ونفى برأسه مستنكرًا، يردد في تهدج:
"أنا.. أنا ماهر.. ماهر." من فرط غضبها طعنته بالنصل في ذراعه ليصرخ وهو يتلوى أرضًا ممسكًا بذراعه الذي يسيل منه الدماء، فعادت لمار سؤالها فقال الشاب بنبرة شبه باكية: "أنا لست ماهر، أنا أحد رجال السيد جومالي وقعت بيننا مشادة، بسبب المخدرات وأنا أسير لديه منذ بضع أيام... التقط أنفاسه وهو يتابع لاهثًا: "اليوم جاء نجيب وقال ليّ أني سأقول باني ماهر لكِ وإلا سينهون نسلي جميعهم." أمسكت لمار بفكه تثبته وهي تسأل:
"إذن أنت تعمل في المخدرات؟ أومأ الشاب في ألم شديد وصل لذروته فبدأت أنفاسه تتلاشى، فقالت لمار في بسمة ساخرة: "إذن تستحق الموت... قالت جملتها وهي تعتدل واقفة وفي لحظة كانت تضغط على الزناد تطلق عليه رصاصة، فسكن جسده تمامًا، لذا همست لمار لنفسها: "إذن ستعرف الآن مع من تلعب يا سيد جومالي." ارتسم على ثغرها بسمة ماكرة وهي تتجه لتفتح الباب وتخرج لتقابل جومالي في وجهها، فشكرته في امتنان مصطنع ثم قالت:
"يجب أن أرحل الآن يا سيد جومالي.. تشرفت بمعرفتك يا رجل." رفعت سبابتها مشيرة له في تحذير: "جثة ماهر بالداخل لا تنس أن تدفنها جيدًا فاكرام الميت دفنه." أومأ جومالي قائلًا في ثقة: "بالطبع سيدتي، ولكن لماذا العجل في السفر فلتبقي في ضيافتنا لعدة أيام أخرى." نفت لمار شاكرة: "لا لدي مشاغل في القاهرة هذا يكفي، شكرًا لمساعدتي." تبسم جومالي في بساطة، وقال بنبرة بها رنة الانبهار:
"على الرحب والسعة سيدة لمار، أنا لن أنسى امرأة شجاعة مثلك لن تتكرر." ردت لمار في ثقة وعين تبرق: "بالطبع، أعدك أنك لن تنساني ما دمت حيًا." ثم ودعته ورحلت مغادرة المكان أجمعه في ثقة تحسد عليها وبسمة خبيثة. تنهد جومالي في ارتياح وبسمة مظفرة وفتح الباب فما كاد بدفعه للخلف حتى دوى انفجار دفعه للخلف ليرتطم أرضًا ناسفًا نصف الغرفة آخذًا معه نصف وجهه. صرخ صرخة مدوية رجت المنزل رجًا. صوت الانفجار أتى على أثره كل الرجال ركضًا.
يليها صوت أبواق سيارات الشرطة. بعد عدة أشهر، ربما مرت أو ربما لم تمر، فهي نعم تمر لكنها تكون ثقيلة على قلوب في غمرة الأحزان. تمر.. ولا الجروح تبرأ.. ولا الألم يزول.. ولا الكسر يجبر.. ولا حرقة القلب تنطفئ ولا العيون تكتحل بنوم ولا ترقأ من دمع. فتح هيثم باب غرفة عائشة بعد نقرة بسيطة على الباب وطل برأسه في ابتسامة مرحة زادته وسامة وردد في مرح صفي محب: "أخبار مريضتنا إيه؟
تبسمت عائشة وهي تلتفت إليه تحيد ببصرها عبر النافذة وتعتدل جالسة، وقالت: "بخير يا دكتور الحمد لله." وسألت في لهفة: "هي خديجة لسه مجتش؟ نفى هيثم وهو يجذب مقعد وجلس على مقربه منها: "لأ لسه... غالبًا عندها امتحان النهارده.. فمؤكد هتتأخر." وأستطرد في اهتمام: "طمنيني عنك عاملة إيه؟ عادت عائشة ببصرها نحو النافذة، وقالت: "بخير...
عادت شاردة مرة أخرى، ترفع ساقيها تحاوطهما بكفيها تسند رأسها على ركبتيها إلى جانب اليسار وراحت تتابع بعينيها دون شغف العالم في الخارج، فـ تنهد الطبيب وقال في خفة: "إيه رأيك ننزل الجنينة تحت؟ ردت نافية دون أدنى حركة: "لأ." هتف هيثم يرغبها في النزول: "الجو النهارده حلو جدًا والشمس مشرقة والقعدة فيها جميلة خاصةً وسط الورد." ثم أردف هامسًا في نفسه: "وأنا ناقصني وردتي يا وردتي." تنحنح مغمغمًا ليستعيد جديته، وقال:
"يلا ننزل دا جزء من العلاج يلا بينا." تأففت بضيق وهي تنظر له بحنق قبل أن تعتدل في مجلسها وتتخطاه للخارج وهي ترغي وتذبذ بصورة جعلته يضحك بصوت مكتوم، وتبعها وهو يتذكر أيام مجيئها الأولى كيف كانت تضربه حتى سببت له جراحًا عدة في جسده من الأشياء التي كانت تلقى إليه فيتفادى بعضها والآخرى تصيبه.
سار بجوارها في الحديقة عاقدًا كفيه خلف ظهره مستمتعًا بهذه اللحظة التي لن تتكرر، فما ندري متى يزورنا الفرح أو يتذكرنا. راحت تتأمل الورود وهي تسير على العشب الأخضر، وأخذها تفكيره لغمرة الأحزان فـ خُيل إليها صغرييها يلهون حولها، وزين بجلس فاردا ساقيه متكئًا للخلف بكفيه، غزا الحنين مهجتها بشدة، وفاض قلبها شوقًا، يا ليتها تستطيع أن تداوي ندوبها بفيض هواهم. جرحها ما زال داميًا لم يبرأ. ولن يبرأ.
أخترق شرودها المتواتر صوت هيثم مناديًا: "عائشة.. روحتي فين؟ هتفت بتلقائية مطلقة، بثغر يتلألأ ببسمة مشرقة نادرًا ما تشرق: "عند العيال... تلاشت بسمتها وهي تختلس النظر له كأنها تتذكر واقعها الذي تناسته لدقائق، تنهد هيثم وأشار لها على مقعد قريبًا منهما: "تعالي نقعد." سارت دون أن تنبس حتى جلست وجلس بجوارها وساد الصمت قاطعه هو في مرح: "ما أروع النهار." لم تجبه ولم تبد أنها استمعت إليه، فمال إليها هامسًا بصدق:
"اتكلمي باللي في قلبك يا عائشة، الكلام بيهون أحيانًا، شاركيني وجعك." لم يتلق أي ردة فعل غير شرودها الطاغي، فقال في محبة خالصة: "عائشة لازم تفوقي لنفسك عيشي حياتك أنتِ لسه عندك بنوته زي القمر محتجالك وناس كتير محتاجالك.... قال آخر عبارته بحالمية، وتنهد مجددًا وأردف: "متعتبرنيش الطبيب المعالج اعتبريني صديق مستعد يشاركك أحزانك قبل أفراحك ويحتوي وجعك بكل رحابة صدر.... قاطعته قائلة ونظرها معلق بالفراغ:
"مش مصدقة أنهم راحوا، بطريقة كل ما افتكرتها توجع قلبي وتموته، حاسة أني لما أخرج من هنا وأرجع البيت هلاقيهم مستنيني، ويعاتبوني عشان بعدت." شهقت دون بكاء، وقالت بصوت متهدج من الألم: "مش مصدقة أني قتلت إنسان." ترقرق الدمع بعينيه ولكنه أبى أن يراهم أحد فاقحمهم في مهدهم مجددًا، وتنهد في وجع قائلًا في هدوء:
"دي حاجة غصب عنك يا عائشة، مكنتيش في وعيك، دي حاجة لا تُحاسبي عليها، أنتِ مقتلتش عمدًا عن سبق إصرار وترصد، عقلك كان مغيب." وأكمل مستطردًا في صدق: "عيالك وزوجك شهداء في الجنة يا عائشة من مات محروقًا مات شهيدًا عسى يكونوا شفعاء لكِ يوم القيامة أبشري دي حاجة تفرح." سكت لهنيهة وأستأنف في راحة:
"الفراق صعب أنا عارف ومفيش أصعب منه وخاصةً الموت لأننا بنبقى متأكدين أننا مش هنشوفهم تاني، بس كمان اللي بيصبر قلوبنا أنهم عند الأحَن مننا كُلنا (الحنان) ربنا رحيم أوي بينا بيختبرنا ومن حمد وشكر زاده. قولي الحمد لله وكوني راضية النفس الأرواح أمانة ربنا متغلاش عليه، عيالك في الجنة، ويا لها من فرحة دي جنة يا عائشة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر." بكت عائشة في صمت ولهج لسانها بالحمد قبل أن تقول
بصوت متعثر باكي مرتجف: "كان نفسي حتى يكون لهم قبر متى وحشتوني أزورهم وأروح أقعد معاهم وأحكي وأشكي، كان نفسي.... اختلج صوتها بالبكاء فـ دفنت وجهها بكفيها فـ تنهد هو في وجع واعتصر ألم قلبه بداخله وهو يقول في مرح: "البنت خديجة مجتش ليه؟ تصدقي البنت دي بحبها كدا لله في لله من الناس اللي متتكررش ومش هننسى إن لولاها مكنتيش هتخططي مرحلتك دي." ضحكت عائشة بخفوت ضحكة لم تصل لـ عينيها، وقالت:
"فعلاً خديجة نسمة من الهواء تتحط على الجرح يطيب." "علمتني معلومة مهمة إن أي حاجة بتتعالج بالقرآن، لأن القرآن دواء لأي مرض جسدي أو روحي أو نفسي حتى، ربنا يحفظها." أطلق ضحكة فجأة عالية مزلزلة لتلتفت له في دهشة متعجبة فقال وهو غير قادر على كبح ضحكته: "في بداية الأيام لما دخلت عندك وبقيتي تصرخي وترمي عليَّ كل ما تمسكه إيدك وفجأة لقيت صوت خديجة جاي كدا من الخلف بيصيح في عيال إخوتك يعضوني.....
شاركته هذه المرة عائشة الضحك وهي تتذكر الموقف ولم تخف عليها ضحكته الساحرة التي ظلت تتابعها في شرود غير متوقع.
استلقى إلى الفراش مشبكًا كفيه أسفل رأسه شاردًا في معتوهته، بسمة مشتاقة مظفرة طافت على شفتاه، مرتاح النفس والقلب عما فعله فيها، حتى لا تكرر فعلتها، سيعلمها من أول وجديد كيف تثق به ثقة عمياء لا يشوبها شائبة، ضحك بإنطلاق وهو يعتدل جالسًا حتى أدمعت عيناه، وخطفته ذكرى سعيدة منذ أسبوعان بعد تعمده الاختفاء عنها تمامًا لأشهر، أما طفليه فكان يحادثهم خلسة عند أخيها في الهاتف، تذكر حفل توقيع روايتها بهذا اليوم بالتحديد تعمد
الظهور، وللحق كان يود أن يشاركها فرحتها بكتابها.. كتابها الذي كان له فترة لا تكترث به في خضم أحزانها، ورآها بين حشد من الناس تتجمع حولها فتبسم وتبسمت عيناه وقلبه.. بسمة مشتاقة تفيض بالحنين، ووقف على بعد حتى لا تبصره يتأملها في شغف واضعًا كفيه في جيبي بنطاله، كانت باهتة بدا الحزن جليًا على ملامحها، هزل جسدها للغاية كأنها لم تعد هي. التهمها الحزن التهامًا فلم يتبق منها إلا فتات حطام، ترقرق الدمع في عينيه بغتة بين
أجفانه اللذان أسبلهما سريعًا ليخمد عبراته قبل عبورها إلى وجنتاه.
تعلقت في لحظة أنظارهم لا يدري كيف أبصرته فـ نهضت على الفور هاتفة باسمه بلوعة وهي على وشك البكاء، فـ أسرع هو هربًا من المكان أجمعه، دفعت الناس في طريقها بعينين تبحثان عنه في لهفة وقلب موثوب، تلفتت حولها كالمجنونة تنادي باسمه، حتى أقبل ياسين ركضًا إليها ممسكًا بكتفيها، يتساءل في قلق: "في إيه اهدي.. الناس بتبص علينا." هزت رأسها وهي تجيب ورأسها يدور بحثًا: "حذيفة يا ياسين.. حذيفة كان هنا."
ترك كتفيها وهو يعقد حاجبيه متسائلًا: "كان هنا؟ أنتِ متأكدة." ألقت نفسها بين كفيه ليستقبلها بحنو صادق وهو يربت على ظهرها مهونًا، كان يدرك أنها تبكي حتى لو كان ألف نقاب يواري وجهها، بكت على صدره بصوت مكتوم، حتى انتفضت بغتة مبتعدة تهتف في لهفة: "حذيفة أكيد في الشركة أنا لازم أروح." قال ياسين مستنكرًا برفع حاجب: "نعم ياختي؟ والناس دي؟ هزت كتفيها باللامبالاة، هاتفة ببساطة: "تتعوض."
تركته واقفًا مزهولًا وهي تحث الخطى إلى السيارة، مغمغمة: "يلا يا ياسين اخلص مفيش وقت." كاد أن يلطم أو يصاب بالجنون لكنه لم يجد بدًا من أن يأخذها، فاستدار إلى السيارة متذمرًا وهو يسب حذيفة في نفسه. أثقلها الكتمان فـ قالت دون أن تلتفت إليه: "في رأيك ممكن يسامحني." قالتها، وتجمعت العبرات بعينيها، فتبسم لها ياسين عبر مرآة السيارة قائلًا في ثقة:
"هيسامحك أصلًا حذيفة عمره ما بيشيل منك، وبعدين ده طلقك وردك في ذات اليوم كأنه نسي فجأة." قالها، بفم متبرم هازئًا، فـ همست لتأكد لقلبها: "متأكد." أومأ ياسين لها بعينيه في حنان مردفًا في مرح: "متأكد طبعًا، وحتى يا ستي لو عمل نفسه زعلان كتير، هخطفهولك وهبجهولك أهم حاجة ولا تزعلي انتِ." ضحكت بخفة مرددة: "تخطفه مرة واحدة." "أمال في حد يقدر يزعل بنت يوسف."
أوقف السيارة أمام الشركة، فترجلت في لهفة تركض للداخل دون انتظاره، فمغط شفتيه في سخط وهو يترجل ليلحق بها شبه راكضًا، فما أن أستدركها حين وقفت بغتة وظلت تميل وهي تنظر لـ حذيفة الذي يقف مع فتاة زميلته يبدو أنه يراجع ملفًا ما، فـ أمسك بمرفقها كلا تسقط أرضًا قائلًا بضحكة: "اجمد."
رمقته في مقت، وهي تجز على أسنانها وفي لمح البصر كانت تختفي من أمامه تتحرك في عصبية تجاه حذيفة الذي تعمد أن يبين لها أنه لم يرها، فجأة كانت تديره بحدة مردفة بعصبية وهي تتخصر: "مين دي يا أستاذ حذيفة؟ وبتضحك ليها كمان! رفع حذيفة حاجبيه واخفضهما وبلامبالاة نظر لزميلته متابعًا معها حديثه، فتأججت النيران بعينيها، وأحرقتها الغيرة، فديرته مرة أخرى تقول في نبرة ممتزجة بالسخرية: "مين السنيورة دي كمان؟ رد حذيفة في برود
مستفز وهو يميل إلى أذنيها: "واحدة بخونك معاها، فيكِ تقولي حبيبتي." من فرط عصبيتها وهي تحدجه في غضب دبت الأرض بقدميها وصاحت فيه في ثقة: "أنت مستحيل تخون أصلًا." تقدم خطوة.. فتراجعت خطوة، فـ أمسك كتفيها هامسًا بخفوت: "مين قالك أني مخوّنتكيش." تطلعت في عينيه وهي تجيب هامسة: "لأني واثقة في حذيفة." انفرجت شفتاه ببسمة ساخرة وتركها فجأة عائدًا لزميلته في حين بقت هي متسمرة مكانها تعيد ما لفظت به توًا.
ألتفتت فجأة تبحث عن ياسين الذي جلس واضعًا ساقه فوق الأخرى يتابعهما بإستمتاع. نقلت بصرها إلى حذيفة الذي أشاح بعينيه فورًا عنها. فاق من شروده على صوت إشعار في هاتفه، فتبسم وهو يلتقطه بخفة وسرعة، وينقر أزراره وكما توقع نشرت منشورًا لتلين قلبه به كحال كل يوم، وراحت عيناه تلتهم أحرف المنشور في شغف: "وفي نهاية يومي الأليم، وقبل أن أطبق أجفاني غارقة في نوم عميق متمنية أن تزورني في حلم ما، اشتقت إليك يا أجمل هداية القدر."
إلى ابني. لم يرتوي قلبه من حروفها فراحت عيناه ترتوي من كلمات قلبها مرارًا وتكرارًا دون كلل أو ملل، حتى وصل إليه إشعار رسالة أخرى منها، فتحها سريعًا فكانت: "أشتاق لبسمة عيناك لتهون آلام قلبي." اشتقتُ إليك يا حذيفة، لم أعهدك قاسي القلب، أمات حبي أم هُدم حتى تعاقبني بما لا أستطيع عليه صبرًا، يا خليل الله إن أحزنت قلبك مجددًا، ألن تغفر لقلب يتلوى شوقًا وفقدًا؟ اتسعت ابتسامته أكثر، ولم يتحكم بأنامله التي بدأت تكتب لها:
"والله؟ بدا له أنها لم تخرج من الشات، كأنها قد كانت تشعر أنه سيجيب وراها تكتب حتى ظهرت له رسالتها المزهولة: "إيه ده؟ حذيفة.. أنت رديت يعني أنت حذيفة؟ ضحك بإنطلاق وانامله تنقر كاتبة: "لا عفريته." وصل إليه ردًا لم يخطر بباله قط: "حيوان... بارد معندكش دم." رمش بعينيه وهو يعيد قرأتها حتى كتب مزهولًا: "ده أنا.؟ فين أسماء الرقيقة اللي لسانها كان بينقط عسل من شوية." بعثت له إيموشنات ضاحكة قبل أن يصله:
"دي في المنام يا حبيبي." نظر بازدراء للرسالة قبل أن يكتب متبرمًا: "أنا غلطان إني رديت أصلًا." كتبت إليه في لهفة: "حذيفة استنى متمشيش." رد في مرح: "أمشي؟ أنتِ شايفة عفريتي قدامك." أغمضت عينيها في عصبية وهي تضرب على لوحة المفاتيح في حدة: "حذيفة.. امشي من وشي." أرسل لها إيموشن يلوي فمه مع رسالة مضمونها: "والله أنتِ اللي بعتي مضربتكش على إيدك." قرأت رسالته وكادت تموت غيظًا وهي تعض على شفتيها قبل أن تكتب:
"يا رب تتحرق وأنت قاعد." رد إليها في برود مستفز: "أنتِ اللي هتولعي دلوقتي." أنهى رسالته عائدًا بظهره لظهر الفراش ضاحكًا في انتشاء ومرح.
جفنيها يغشاهما الدمع، لا تدري لماذا تشعر بالوحدة منذ قطعها، وسلم حالتها لطبيب آخر، نعم هي المخطئة تستحق ذلك فهي من قست عليه بالكلمات الجارحة وطردته شر طردة، لكنها تشتاق لا تنكر لكلماته اللطيفة التي تدخل إلى قلبها فترطبه وتنعشه وتملأه أملًا، كان يشاركها أحزانها ويفهما دون حديث، كان يعاونها أن تكون بخير، لقد كان ذروة النجاة التي أنقذها من هوة الضياع، حسمت أمرها أن تراه الليلة ستخرج من هذه الغرفة وتذهب لمكتبه حتمًا ستتأسف له، سترجوه أن يعود، تود رفيق الحياة بجوارها.
تمتمت وهي تنهض من فوق الفراش: "أنا مش هقعد كدا لازم أشوفه." تسللت على أصابع قدميها وفتحت الباب بحذر وأخرجت رأسها، وراحت تنظر يمنى ويسرى في ترقب، فوجدت الممر خاليًا فتسللت للخارج وهي تغلق الباب ببطء كلا يصدر صوتًا. وصعدت الطابق الذي به مكتبه في حذر شديد. وقفت أمام غرفته تفرك كفيها في توتر بالغ وما همت بطرق الباب حتى فُتح وظهر هو متسائلًا بتعجب: "عائشة.."
وقفت أمامه مطرقة الرأس كالمذنبة، وران صمت مفاجئ على كليهما، قاطعه هو مرددًا في دهشة: "عائشة.. أنتِ بتعملي إيه هنا؟ رفعت عينيها إليه وهي تقول في تلعثم: "أنا.. أنا جاية أشوفك." مال برأسه ملتفًا يمنى ويسرى وهو يشير إليها بالدخول: "ادخلي." دلفت وأغلق الباب وقال بلهجة جافة: "إيه جايبك في وقت زي ده؟ لو حد شافك هيتكلم عنك كلام وحش." فاضت عيناها بالدمع وهي تنظر له في براءة قائلة وهي على وشك الرحيل:
"كنت هطمن عليك، أنا ماشية." سد الباب بكفه وقد رق قلبه لدموعها وهمس بلين: "أنا مش بقول كده عشان تزعلي، بقول كده بنصحك من خوفي عليكِ." ابتسمت فـ لمعت عيناه بهجة وتساءل في حنو: "كنتِ جايه ليه بقا؟ لم يعطها الفرصة لتجيب بل تابع بهمس رقيق: "افتقدتيني صح؟ أومأت برأسها في صدق، وهمست مطرقة في حياء: "أنا آسفة." "أنا بحبك...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!