أيقظه رنين هاتفه الذي وقته على الساعة الرابعة عصرًا. مد ذراعه يوقف رنينه المتواصل المزعج، قبل أن يعتدل جالسًا على طرف الفراش، وتنهد مدلكًا جبينه بالسبابة والإبهام، ثم مسح بكفه وجهه ومط ذراعيه متثأبًا وقام واقفًا ودلف لدورة المياه ليستعد لما عليه فعله. لقد غفى ساعتين بالتحديد لم تنقص ولم تزد. لم يلبث أن خرج ليرتدي ملابسه التي كانت عبارة عن بنطال جينز أسود اللون يعلوه معطف طويل أسود ليقيه من البرد القارص بالخارج. خطف
عينيه المطر الخفيف المتساقط من نافذة غرفته فأزاح الستار وراح يتأمله بجمود وفي قراره بسمة مشتاقة للحبيبة التي تعشق هذا الجو وتذوب شغفًا للهفو تحت المطر. أستنشق نفسًا عميقًا قبل أن يستدير خارجًا من الغرفة. وقبل أن يهبط الدرج توقف مكانه على
صوت والده الآتي من خلفه: "أراس.. هل كل شيء جاهز؟ زفر بملل وهو يستدير. أسبل جفنيه وهو يجيب بصبر: "نعم.. لماذا تسأل هذا السؤال الغبي مرارًا وتكرارًا؟ هل أخطأت يومًا في أي مهمة أقوم بها؟ لا أظن هذا! أم لك رأي آخر؟ وقف جومالي أمامه واضعًا كفيه في سترته، يقول في برود: "كلامك صحيح، لكن ما الذي يزعجك في سؤالي لا أعلم! أرتكن اراس إلى دربزين الدرج بجسده وهو يردف: "لا شيء يا أبي.. منذ خرجت من السجن تبدو غريبًا."
هز كتفيه سريعًا وردد وهو يهبط الدرج: "كل الأمور ستسير على ما يرام يا أبي لا تقلق أنت."
صعد سيارته وأنطلق ينهب الأرض. أنهى عدة أشياء سريعًا قبل أن يوقف سيارته مع تمام الساعة 11 مساءً أمام منزل شاهق الأرتفاع ذو طراز مذهل تحيطه الرجال والسيارات. ولج للداخل برزانة وخطوات ذادته وقار وهيبة وقف أمام رجال جالسين حول طاولة عليها كؤوس من الشاي والقهوة. وقفوا له احترامًا. ما أن طل عليهم بطوله و وسامته. كان عريض المنكبين رياضي الجسد أسمر اللون والخصلات لكنها عيناه غريبة فهي عن قريب تبدو مائلة للرمادي ومن بعيد خضراء. صافحهم جميعًا قبل أن يجلس في زهو وخيلاء وأخذوا يتحدثون عن الصفقة.
فجأة! ران صمت مباغت ليكور قبضته في عصبية لا أحد يدرك سببها. وقتمت عيناه للغاية وقطب حاحبيه وهو ينظر لهم شزرًا. زمجر في غضب مفرط وهو ينهض جأرًا: "كيف استطعتم فعل هذا؟ لقد بعتوني.... ارتجف الرجال رعبًا، وتردد أحدهم قليلًا، قبل أن يردد في خوف: "من الذي خانك يا سيد اراس؟ وهل نخونك بعد هذه العشرة." نظر له اراس في برود مغمغمًا: "لقد كدتم تقتلون أخي يا هذا.. تقتلـــــــــــــوا أخي."
قالها، وفي لمح البصر كان يخرج مسدسين مطلقًا عليهم غير تاركًا فرصة ليستدركوا الموقف. استطاع فقط رجل واحد بالهرب ولكن رصاصة اراس استقرت بقدمه تطرحه أرضًا، قبل أن يقفز عليه من فوق الطاولة، قابضًا على مقدمة سترته يهتف في حدة: "أين تظن نفسك ذاهبًا يا هذا؟ تمتم الرجل وهو يحدق فيه برهبة: "أراس اتركني أنت تعرف أخي لن يرحمك انه سفاح! "أوه، خوفتني يا رجل فليأتي السفاح وتمساح إذ تريد."
قالها واطلق على صدره في برود، مط شفتيه وهو يبصر الرجال يهرولون للداخل بعدما تناهى لهم اطلاق النار. تمتم متذمرًا: "يا الله لماذا تأتون متأخرين لقد كدت أن أصاب بملل رهيب."
سيل من الرصاص اندفع نحوه فقفز سريعًا على جانبه ليتفادهم ببراعة وهو يطلق الرصاص بكلا كفيه يصيب بمهارة، فتخرج رصاصته لا تخيب موقعها، ليصيب عدد لا بأس بها. وقفز واقفًا يركض تجاه الدرج منحني الظهر. اختفى بغتة من بينهم، ليدوروا الرجال حول بعضهم في زهول وتعجب لأختفاءه المفاجئ. توارى وراء الجدار، وهو يتأفف في ملل ثم رمى السلاح في الهواء وتلقاه في كفه قبل أن يطلق رصاصة في الاتجاه الآخر، مما جعل الرجال كل اهتمامهم ورصاصتهم في هذا الاتجاه. وبالفعل ما هي إلا ثواني وحدث ما خطط له حيث نفذت ذخائر الرجال وأعتراهم الزعر حين خرج هو من مخبئه مشهرًا
سلاحيه يطلق ببراعة وتمتم: "مفاجأة! ضحك بخشونة وهو يرى تساقطهم واحدًا تلو الآخر ونجح بعضهم في الأختباء. زم شفتيه إذ أنتهت رصاصته فـ ارخى كفيه بسؤم. خرج الرجال من مكامنهم ما أن توقف سيل الرصاص ليقفز اراس ٠على الدربزين ويهوى بجسده للأسفل ثم انزلق متدحرجًا تحت الطاولة، لينحنوا الرجال بأجسادهم ينظروا أسفلها. فأصابتهم الدهشة إذ لم يكن له أثر.
ولحظة ظهر بينهم مصفرًا بإستمتاع يغرز في أعناقهم بمهارة نصل حاد ليتساقطوا كالوراق البالية. وبيسراه لكم فك من حاول أن يقترب منه وركله وكال للآخر ضربًا مبرحًا قبل ان يهوى بحافة كفه كالسيف على مؤخرة عنقه ليسقط على وجهه فاقد الوعي. بقى واحد فقط فطأطأ رقبته وقفزا على بعضهما وفي آخر لحظه من الهجوم تنخى جانبًا متلقيًا جسده بكلمة قوية في صدره تبعها أخرى على فكه سالت لها الدماء وعقبها بأخرى في معدته ليسقط مترنحًا.
بعد ما انهى عليهم، قال ساخرًا وهو يطالع اجسادهم بإزدراء: "ما هذا يا رجل لم أستمتع ما هذا الملل... تستحقون ذلك يا أنذال فمن يخون اراس حفر قبره بيده... قبل ساعة بالتحديد، صف سيارته التي لا تتسع ألا لراكبين فقط، وألتفت للفتاة التي بجواره عاقدة ساعديها في حنق وتمتم في أمر: "لن تخرجي من السيارة يا هنا، حسنًا؟ أبتسمت هنا أبتسامة صفراء، واجابته دون ان تلتفت: "حسنًا يا أخي العزيز لن أنزل." ثم ألتفتت في عنف صارخة
وهي تحل ذراعيها تلوح بهما: "أتظنني صغيرة يا آجار ام ماذا؟ أهتم بنفسك يا هذا واخرجني من دماغك. أنا سأفعل ما أريده فقط."
قالتها، وعادت تنظر أمامها تضم ذراعيها، ليحدجها آجار بمقت وما كاد بتعنيفها حتى تناهى له السيارات القادمة معلنة عن بدأ تبادل الشحنة. ترجل من السيارة مهندمًا معطفه بعد أن اوصاها بألا تخرج من السيارة مهما كان السبب. سار بهيبة نحو الرجال الذين وقفوا امام سيارتهم. كان الظلام يلف المكان إلا من ضوء القمر والنجوم التي تتلألأ على صفحة السماء. أقترب رجل يبدو من هيئته انه سيدهم بحلته الأنيقة الباهظة وصافحه وهو يتمتم:
"هل كل شيء جاهز سيد آجار؟ أومأ آجار قائلًا في هدوء: "بالطبع، ويمكنك أن تطالع بنفسك." تبعه الرجل إلى حيث شاحنات بيضاء اللون كبيرة الحجم ثم أزاح مزلاجها الحديدي ويدفع أبوابها على مصرعيها ويقفز داخلها في مهارة ورشاقة وجذب سلاح من إحدى الصناديق الخشبية بين كفيه يجريه للرجل الذي ألتقطه سريعًا بأنبهار يقلب فيه في رضا وناوله له قائلًا: "أعجبني... قفز آجار من السيارة وأغلق بابها بأحكام، وألتفت للرجل قائلًا وهو ينفض كفيه:
"بضاعتنا ليست كأي بضاعة يا رجل، ستعجبك حتمًا." وتابع وهو يخبط على كفه: "هيا قل للرجال أن يتحركوا." اومأ الرجل بعيناه، وأشار لرجل من رجاله ليقترب بحقيبة كبيرة تحتوي على النقود ليفتح ساحبها مقربًا إياها من وجه آجار الذي أرتسمت على ملامحه الرضا وهو يلتقطها غالقًا سحابها. وفجأة! سحبت الحقيبة من يده بعنف، و وجد فوهات مدافع آلية تصوب نحوه، فرفع كفيه على رأسه، ناظرًا للرجل بغضب افلح في اخفاءه وهو يتمتم: "ماذا تفعل بالظبط!
قهقه الرجل في انبساط وهو يجيب في برود: "لقد أمرونا بتصفيتك سيد آجار." قال آجار رافعًا حاجبيه: "حقًا؟ اتدري مع من تلعب أنت؟ وبمن توقع نفسك؟ نفى الرجل برأسه بأسف مصطنع وقال: "للأسف لا، ويؤسفني أني لن أعرف لأنك ستذهب للجحيم." ابتسامة باردة ارتسمت على محياه وهو يردد في برود مستفز: "سنرى من سيذهب للجحيم يا هذا." تجاهل الرجل كلماته وأستدار لسيارته ليصعدها وينطلق بسرعة وهو يلوح له قائلًا لرجاله:
"أنهوا عليه يا رجال وأياكم أن يفلت منكم." دار آجار ببصره على الرجال وتساءل قاطبًا حاجباه: "كم يقاضيكم هذا الرجل؟
تبادلا الشباب الخمس النظر في تعجب، ولم يتصوروا أن تلك اللحظة قد كانت قادرة على جعل آجار يشتت انتباههم عنه لينقض فجأة على المدفع الآلي الذي امامه يدفعه ليسقط من يد الرجل اعقبها بلكمة اطاحت بفكه. وفي ذات اللحظة كانت ركلة منه تصيب الرجل الذي خلفه. وكال عدت لكمات للآخر بيسراه ليسقط أرضًا. التحم هو والرجل الآخر لتصيبه لكمة في فكه سالت لها خيط رفيع من الدم على زاوية فمه. لكمة في صدره يليها أخرى في معدته يعقبها أخرى على عينيه جعلت الرجل يسقط أرضًا يتلوى من الألم. فجذب السلاح من على الأرض وأطلق عليهم في برود. قبل ان يتسمر في دهشة على صوت طلقة نار من الخلف. ليلتفت فيجد احدهم مطروح أرضًا. وهنا تبتسم في ظفر متمتمة وهي
تضرب السلاح بكفها في مرح: "يا الله، كنت ستكون ميتًا الآن لولاي." غمز لها بمرح وهو يتوجه إلى السيارة شبه راكضًا: "دومتي منقذتي يا فتاة... لم يكن لدينا وقت. زمت شفتيها وهي تتبعه لتستقر بجواره. تسأله في تردد: -هل سنلحقه؟ لا بد أنه ابتعد. تجاهل سؤالها تمامًا، وقد احتقن وجهه بشدة وهو يضغط على دواسة البنزين ليقود بسرعة فائقة جعلتها تسحب أنفاسها تتشبث بحافة النافذة بجوارها.
أستطاع بمهارة أن يلحق بسيارة الرجل الذي خدعه. فتخطى الشاحنات، وسار إزاء سيارة الرجل مباشرة ليتطلع عبر النافذة. متلاعبًا بحاجباه يغمغم ببسمة باردة: -ما رأيك بهذه المفاجأة؟ كاد (الرجل) أن يموت غيظًا وهو يسب رجاله. صرخ في رجاله ليطلقوا النار. فتجاوز آجار سيارة الرجل ما إن بدأ سيل الرصاص يرشق نحوه. ليقهقه في استمتاع وهو يسحب صمام الأمان مخرجًا ذراعه للخارج يطلق بمهارة وهو يبطئ من حركة السيارة ليصبح في موازاتهم. وحذت
(هنا) حذوه، إذ أنها أمسكت سلاحًا بكل يد وبرزت بجزعها من النافذة تطلق عليهم بشراهة. الشراسة تزداد من كلا الطرفين. لكن (هنا) نجحت في إصابة أغلبهم إن لم يكن كلهم. في حين تعمد (آجار) الإطلاق على سيارة الرجل.. يستهدفه. يريده. ونجح، إذ انحرفت سيارة الرجل يمينًا لترتطم بإحدى الأشجار وكان سائقه يسقط رأسه على عجلة القيادة غارقًا في دمائه. فأوقف (آجار)
بدوره سيارته ووثب منها متوجهًا للأخرى ليجذب الرجل بحدة دون أدنى شفقة ودون كلمة. هوى بقبضته على وجهه وصرخ فيه هادرًا في عصبية: -أظننت أنك نجوت؟ أظن لم يخبروك من أكون؟ مال على أذنه هامسًا بنبرة مخيفة: -أنا الموت يهرب مني يا هذا. ولا أترك خائنًا. ارتعد الرجل حين صوب (آجار) السلاح نحو رأسه بعد أن هوى على جبهته بجبهته، ليتهاوى جسده أرضًا. وقال لـ (هنا) التي تقف ببرود وبيدها حقيبة النقود:
-أخشى على قلبك الرقيق أن يرى انفجار رأس كهذا. أغلقي عينيكِ صغيرتي. تأففت (هنا) ملوحة له دون اكتراث. لتدوي صوت الطلقة مخترقة جبهة الرجل بثقب انفجرت منه الدماء. التف (آجار) متوجهًا نحوها يغمغم بمرح غامزًا بمكر: -ما رأيك في أدائي؟ ملايين وشحنات تعادلها كم نحن محظوظون يا فتاة. ما كادت (هنا) تجيبه حتى جاءهما صوت (أراس) يقول من خلفهما: -رائع كالعادة مثل صديقك يا فتى. وفتح ذراعيه مستقبلًا (آجار)
بهما وهو يربت على ظهره متسائلًا: -أنت بخير؟ هل أصابك أحد بأذى؟ هم بإجابته لكنه عاد مطبقًا شفتيه ببسمة سخرية ما أن تمتمت (هنا) بسخط وهي تتجه للسيارة: -يا إلهي يسأل عن صديقه كأن أخته غير موجودة ولم تكن في خطر هي أيضًا. نكز (أراس) كتف (آجار) مشيرًا له: -يا بني ستحدّثنا هذه الفتاة. أخشى أن نقتل بعضنا غدًا. تعالت قهقهاتهم وهما يأخذا مقعديهما في السيارة. ويوصلا (هنا)
إلى البيت. ثم توجها لملهى ليلي استقرا بداخله أمام بعضهما على مقاعد متوسطة الطول مستديرة. ليضع النادل أمامهما فور جلوسهما كوبين بداخلهما سائل أبيض تجرعوهما جملة واحدة وهما يعدا برأسيهما للخلف ثم للأمام بشكل لاذع. من تأثير طعمه. ران عليهما الصمت للحظات بدا فيها شرود (أراس) كأنه يفكر في شيء ما. قاطبًا حاجبيه بضيق بدا جليًا على سماته. فسأله آجار في اهتمام: -فيما تفكر؟ هل حصل شيء؟ أجابه (أراس) دون أن يلتفت:
-هذا الهدوء يحيرني. ويقلقني. (آجار) رأسه بعدم فهم وهو يرتشف من مشروبه الذي وضع أمامه للتو: -لا أفهم ما هو الشيء الذي يحير ويقلق أراس جيهانغير؟ أسند (أراس) بمرفقه على الرخامة وبكفه الآخر التقط مشروبه. وأردف بعد ما تجرعه كله: -أبي... جومالي منذ خرج من السجن يبدو طبيعيًا بصورة تثير قلقي يا رجل. هادئًا طول الوقت لم يفتح الموضوع أو يتطرق له. أخشى أن يفعل شيئًا للمار الشرقاوي. -إذن هذا هدوء ما قبل العاصفة؟
-يبدو كذلك يا صديقي.. لكني لن أسمح أن يصيبها وعائلتها أي مكروه. خرجت من سيارتها الواقفة أمام مشفى للأمراض العقلية. بفستان واسع محتشم وحقيبة يد. وراحت تتهادى بتمهل للداخل تحيي من يقابلها ببسمة لطيفة. حتى فتحت باب إحدى المكاتب وغمغمت ببسمة على محياها مندهشة: -دارين هنا.. بتعملي إيه يا بت؟ قالتها. وأغلقت الباب خلفها لتزم (دارين) فمها وهي تتمتم محتجة بالإنجليزية: -ماذا؟ هل تحاسبيني على زيارتي لأبي؟ حدجتها (عائشة)
بغيظ وهي تضم هيثم الذي نهض من مقعده مطوقًا إياها بين ذراعيه مغمغمًا: -حبيبة قلبي إيه الزيارة الحلوة دي؟ أستطرد ملثمًا جبهتها: -خلصتِ شغلك؟ ردت (عائشة) وهي تهز رأسها: -أيوه.. وجيت قلت نطلع نتعشى سوا. استوت (دارين) ناهضة وهي تستعد للمغادرة حيث أخذت تلملم أشياءها وهي تقول: -أعذراني من هذه السهرة اللطيفة سأذهب إلى عمتي إسراء.. فقد وعدتها بالذهاب إليها هذا المساء. قطب (هيثم) حاجبيه بضيق وقال: -هل ضروري أن تذهبي ربما غدًا.
أيدته (عائشة) قائلة بحنو: -هيثم معه حق اذهبي غدًا إليها أم اليوم سنخرج سويًا في سهرة جميلة. هزت (دارين) رأسها لتتطاير خصلاتها المسترسلة إلى ظهرها حول وجهها وقالت: -آسفة لكما حقًا. لكنّي وعدتها وللحق اشتقت لها. قبلة وجنة والدتها متابعة: -أعدك أن نخرج مرة أخرى. أشار لها (هيثم) بآمر: -حسنًا يا ابنتي العنيدة سنوصلك معنا.. هيا.
خرجا معًا من المكتب. وبينما كانوا يسيروا في الرواق إذ فجأة من إحدى الغرف دوى صوت صراخ يليها أشياء بدأت تُلقى من داخلها. فتراجعوا مزعورين. وضرب شيء ما ظهر (عائشة) التي أطلقت صرخة مدوية وهي تلتصق بـ (هيثم) فـ انفجرت (دارين) ضاحكة عليها. ليرمق (هيثم) فتاة مصابة بحالة نفسية تُدلّى رأسها إلى جانبها الأيسر تتحرك في وقفتها وألقت عليهم شيئًا. ليضم (هيثم) عائشة وهو يتنحى بها جانبًا منحنى الرأس. مال بغتة على أذن دارين مغمغمًا
بلهجة ضاحكة: -بقولك إيه. خدي أمك واستنيني تحت لتتجنني تاني مش ناقص أنا. ضربته (عائشة) في صدره بينما غادرا المكان لينتظراه في السيارة. ولم يمكث إذ جاء وانطلق بهما فورًا ليوصل (دارين) أولًا إلى عمتها ثم توجها إلى إحدى المطاعم المطلة على النهر ليتناولا العشاء. ما كادت (دارين) بالدلوف إلى البناية. إذاك أقبلت عليها عمتها وزوجها ضياء باسمين الثغر. حيتها عمتها ببسمة عذبة وهي تضمها بحنو مشتاق لصدرها مغمغمة:
-ياااه أخيرًا شفتك حاسة إن ليا سنة. الدنيا واخدكِ مننا كدا؟ أعتذرت لها (دارين) وهي تصافح ضياء بود: -معلش يا عمتو أنتِ عارفة الكلية وقرفها. ضمت (إسراء) وجهها بكفيها وقالت برفق: -مش مهم أهم حاجة إنك بخير يا بنت الغالي. ثم تابعت وهي تمسك كفها: -يلا الحفلة رايحة تبدأ. استقرا في السيارة التي قادها (ضياء) في سرعة وغشاهم الصمت لفترة قليلة قبل أن تقول (دارين) في هيام: -يا إلهي لا أصدق أني سأرى جان أرسلان الآن. ضحكت (إسراء)
بخفوت تشير لها بمرح: -بلى صدقي ستريه الآن. غطت (دارين) وجهها بين كفيها وهي تهمس لنفسها: -ستريه يا دارين المغني الذي تذوبين به عشقًا ستريه يا فتاة أخيرًا.
قالتها. وأطلقت صرخة سعيدة. فما استقرت السيارة برقت بعيناه عبر النافذة لا تكاد تصدق أنها قاب قوسين أو أدنى من رؤيته. خفق قلبها بجنون لتضع كفها عليه تحاول تهدئة خفقاته. ترجلت بعد برهة من الزهول وعدم التصديق لتسير مع عمتها وزوجها للداخل حيث الحشد المتجمع بشدة حول المسرح الكبير. فور ولوجهم خيم صمت مفاجئ فتعلقت كل الأنظار على المسرح وقطعت الأنوار. ألا من بقعة ضوء مستديرة بيضاء قبعت على الستار خلف المسرح وأنسابت موسيقى
لطيفة عذبة تدغدغ القلوب بعذوبتها. وظهر شاب فاره الطول. عريض المنكبين. بملامح جذابة ساحرة رغم بساطتها. مرتديًا بنطال جينز فوقه تشيرت أسود اللون. يحمل جيتاره مسبل الجفنين مستمتعًا بما يغرده في تؤدة وهو يسير خارجًا إلى المسرح يتبعه الضوء مثبتًا عليه مع حركاته كأنه قد وُصم به. علت شهقات الفتيات في إعجاب وهن يلوحون بكفوفهم. بينما ازدادت الموسيقى صخبًا وانامله برشاقة تلعب على أوتار الجيتار بإتقان وسلاسة. وعلا صوته مع بعض
الحركات الراقصة وهو يقترب ليصافح معجبيه في سعادة. حتى انتهت أغنيته وأصابعه معًا ليقف رافعًا كفيه ضاحك الوجه مع التصفيق الحار من الحضور. ليضع يمناه على صدره منحنى الرأس يحييهم بمودة وامتنان. واستدار عائدًا من حيث خرج وهو يخلع الجيتار ليمسكه بكفه. يناوله لإحدى الشباب الذي أسرع نحوه يستلمه منه. بينما توجه هو لغرفته الملحقة بالمكان وارتمى على أقرب أريكة مستلقيًا عليها متنهدًا في ثقل. ما هي إلا للحظات وكان يثب واقفًا يجذب
معطفه من على المشجب المعلق به ليضعه خلف كتفه ويسر للخارج صاعدًا دراجته النارية وينطلق بها بسرعة فائقة. أرتكن بها في جانب إلى شط البحر. وترجل عنها وأزال الخوذة ليضعها في موضعها. واستدار متخصرًا وهو يأخذ نفسًا عميقًا يملأ رئتيه بالهواء النقي. لفحته برودة الجو. ليضم ياقتا معطفه لبعضهما وفرك كفيه وهو يسير رغم جنح الظلام ويجلس أمام البحر. وراح يتأمل أمواجه المتقلبة في شرود كالح الوجه. وأحاط بكفيه ساقيه. يشكي للبحر والبحر
يشكيه...
يشكيه أن يكف عن أواجه فهو غير مجبور ليتحمل أحزانه. كان صامتًا.. ساكنًا عكس هيجان قلبه المتفطر حزنًا حتى وشم بين شغاف. يحاكي البحر عن آهاته ويستمع البحر بل يغوص بها في أعماقه ويدفنها هنالك في القاع. البحر أوفى صديق للأسرار. لا يغدر لا يخون لا يبوح لا يتملل لا يكل. كلا لقد اعتاد وجوده كـ رفيق يؤنس وحدته يبوح بما يعتمله. وكـ رفيق وفي يطبطب على أوجاعه بهوائه المنعش فيجدد فيه الحياة.
فاق من غمرة أفكاره على كف وُضعت على كتفه وصوت أنثى رقيق للغاية يتساءل في قلق بلغ ذروته: -جان! ما بك يا حبيبي؟ أأنت بخير؟ طمئن قلبي. غمرته الراحة غمرًا، وتلاشى الكمد عن قلبه كمن لم يكن، وافتر ثغره عن بسمة رائعة هادئة وهو يجذب كفها بحنو، ملثمًا إياه بامتنان وغمغم مرتكزًا بعينيه في عينيها الزرقاوين: -بخير ما إن رأتك عيناي، وبلل عذب صوتك قلبي الظمآن.
كسى وجهها حمرة الخجل وهي تجاوره في استحياء، فاستدار للخلف مستندًا بكفيه، فارداً ساقيه أمامه وهو يتساءل: -كيف خرجتي؟ التفتت إليه مجيبة: -ألهيتهم وجئت، كنت أعلم أنك هنا. قال (جان) برفع حاجب وهو يميل إليها بمكر: -وكيف عرفتي أني هنا؟ أطرقت برأسها في خجل من عينيه الثاقبتين، وقالت وهي تطبق جفنيها: -لقد أخبرني قلبي! تنهد في راحة ورضا، وكأن عوض هذه الحياة تمثل فيها في زهرته (ناردين)
، اسم على مسمى، فتاة بيضاء البشرة، ذات عينان زرقاوان، وشعر أسود مخلوط بالبني، نحيلة الجسد... أراح رأسه على كتفها لتطوقه بذراعها وهي تسأله في لهفة: -كيف كانت حفلتك.. لم تمهله الرد بل استطردت معاتبة نفسها: -ربااه، كيف أسألك هذا السؤال؟ أكيد كان حفلًا رائعًا مبهجًا كالعادة يضج بالنجاح. تمتم في حزن وهو يغمض عينيه: -كان ينقصكِ، كنت أتمنى وجودكِ فقط، حينها ربما كنت سأكون سعيدًا من قلبي وليس متظاهرًا.
أبعدت رأسه وهي تحاوط وجهه بكفيها وتنظر لعينيه وهي تقول في حب: -كيف لم أكن معك؟ وأنا روحي وقلبي دائمًا معك... أنا معك وإن لم أكن، تذكر هذا، حسنًا. أومأ رأسه وهو يتمدد، واضعًا رأسه في حجرها، يتأمل وجهها المشرف عليه عن قرب، لتسأل هي وأناملها تداعب خصلاته: -أخبرني كيف هربت من معجباتك؟ ضحك بخفوت وهو يقرص وجنتها: -كحال كل مرة حبيبتي، بالتخفي والمغادرة كاللص. ضحكت ضحكة ساحرة رقيقة، خلبت قلبه، فهام فيها.
دوى صوت الصيحة المميزة لاعبي الكراتيه، وانقض (خالد) على (حمزة) بلكمة تفاداها الآخر بمهارة وسدد له أخرى، ليرتد (خالد) للخلف ويقفز سريعًا واقفًا، وصوب إلى وجهه ركلة قوية صدها (حمزة) بساعده، وفجأة قفز بمهارة طائرًا في الهواء، يدور بجسده، وكانت ساقاه في وقت واحد تلتف حول رقبة خالد تطرحه أرضًا، مر هذا بلمح البصر بطريقة لم يستوعبها خالد الذي ترنح قليلًا فاقدًا اتزانه، ليمد حمزة كفه له، فأمسك به خالد ونهض، وببسمة ماكرة جذب
(حمزة) ليوقعه أرضًا ويثبته بركبته على صدره، وأنامله العشر تلتف حول رقبته، فما إن استوعب (حمزة) حتى رفع قدمه راكلًا خالد الذي تشقلب للأمام، صدح صوت المدرب وهو يقول مصفقًا في إعجاب شديد: -رائع يا شباب، أحسنتم صنعًا، في كل مرة تبهراني. رنا إليه الشابان وصافحاه بشكر، ودار بينهم حوار قصير قبل أن يأخذ كل منهم حقيبته على استعداد لمغادرة الساحة، ليقطع طريقهما شاب يقول لاهثًا وهو يلتقط أنفاسه: -فينك يا حمزة؟
مدير المخابرات يطلبك للحضور فورًا. والتفت لخالد: -وأنت كمان يا خالد. ضرب حمزة على ذراعه وهو يقول: -شكرًا يا أشرف، هنروح حالًا أهو. طرق (خالد) طرقًا خفيفًا على باب المدير، فأتاهما صوت يأذن لهما بالدخول، وبنبرة قد شابها القلق: -ادخلا يا شباب. دخلا، فأشار لهما المدير بالجلوس، وهو يميل للأمام، تاركًا الملف من يده، وشبك أنامله وهو يردف في حسم: -عندك مهمة ضروري يا سيدة المقدم.
أومأ حمزة، بينما أشار المدير لـ خالد وهو يناوله ملفًا ما: -خالد، خذ الملف ده وادرسُه كويس، عايز القضية دي مفيهاش ولا غلطة، وفهمتك إيه اللي هتعمله. أخذه خالد ونهض سريعًا وهو يقول: -اعتبرها انتهت سيادتك. أدى التحية وغادر المكتب، ليلتفت المدير إلى حمزة الذي نظر له بدوره باهتمام شديد، فـ قال المدير: -تعرف (كريم عبد الله) أومأ حمزة برأسه في هدوء، فتابع المدير دون انتظار رد:
-كريم عبد الله مقدم مصري ذهب في مهمة لأمريكا واختفى من فترة وجيزة، صنع قنبلة متفجرة على هيئات صغيرة لا يمكن لأحد أن يعرف كنهها، واختفى هناك بطريقة مفاجئة... المطلوب منك... عاد المدير للوراء في مقعده وتابع: -أنك هتعرف هو فين، ومتسمحش لأي من كان بأخذ التصميم مهما كلفك الأمر. ضيق حمزة عينيه وهو يقول: -معنى كدا إن في حد عرف بالتصميم، وبسببه خطف كريم. أومأ المدير مؤكدًا: -بالظبط كدا. في هدوء أمام حمزة بعينيه، فـ
أضاف المدير وهو يتنهد: -ستقلع طائرتك غدًا في الثامنة صباحًا، وهتكون معاك الملازم أروى ياسين. صُدم وجف حلقه فجأة، وما هم بالاعتراض حتى أشار له المدير قائلًا: -ستنفذ ما أقوله أيها المقدم، اتفضل. خرج حمزة كالح الوجه غاضبًا، وخرج من مبنى الاستخبارات.
دخل لمنزله لتستقبله والدته بفرحة عامرة وقد أعدت كل ما يشتهيه، بل راحت تطعمه بنفسها بنفس راضية سعيدة، خرجت أخته من غرفتها، فما إن أبصرته حتى قطبت حاجبيها بضيق وبدا البغض على وجهها جليًا وهي تتمتم لنفسها: -جه حبيب أمه، يكش تروح مهمة وما ترجع منها أبدًا، وربنا يأخدك. تنبهت لذاتها حين اقترب (حمزة) يحضنها بشوق صادق، هامسًا بلهفة: -شيماء.. عاملة إيه يا حبيبتي؟ وحشتيني.
بادلته العناق وهي ترمق والدتها من خلف ظهره ببسمة، فما إن غابت والدتها داخل المطبخ حتى ابتعدت بكره مغمغمة: -رجعت ليه؟ صُدم من سؤالها المباغت، لكنه أجاب بهدوء وبسمة لطيفة: -ماشي تاني يا شيماء، اطمني. شوحت بكفها له هامسة بجوار أذنه: -أحسن... يا رب ما ترجع تاني.
قالتها، وانصرفت مخلفة وراءها ذاك الذي تسمر موضعه مبهوتًا حزينًا، وأنفطر قلبه من كلماتها القاسية، توجه لغرفته صافقًا الباب خلفه، وأخذ يعد حقيبة سفره، وهو كالح الوجه وعقله منهك من التفكير، لماذا ذاك الكره الطاغي في قلب أخته؟ لماذا هما ليس مثل خديجة وخالد أو ملك ومالك أو لمياء ومعاذ، مقربون يدردشون يتمازحون يخافون على بعضهما بعضًا؟ لماذا؟ هل وصل بها الحال لتدعي عليه؟! ألهذه الدرجة تكره.
استلقى على الفراش مشبكًا كفيه خلف رأسه، محدقًا في السقف في شرود، وقد جفاه النوم وأبى أن يزور جفنيه، وأبت الأفكار إلا أن تنهك تفكيره حتى يبيد، بعد وقت طويل كان النوم قد رأف به لياخذه في سبات عميق.
فتح عينيه في صباح اليوم التالي، على أشعة الشمس التي تسللت بخفة من بين فتحات النافذة، وصوت رقيق محبب لقلبه، يطربه، هي لا غير، أوقف رنين منبه هاتفه وهو يعتدل، ولم يلبث طويلًا إذ خرج من الغرفة رافعًا الحقيبة على كتفه، رسم بسمة خفيفة على وجهه وهو يردد في لطف: -إزيك يا أروى، عاملة إيه؟ منورة. تسارعت دقات قلبها بين أضلعها وهي تذدرد ريقها مرتبكة، وحاولت أن تبتسم ففشلت وهي تجيب ناكست الرأس بحياء: -بخير الحمد لله... بنورك.
قالتها ونهضت على الفور حاملة حقيبتها، فسأل في دقة: -أنتِ جاهزة؟ أكتفت بهز رأسها، فأشار لها لتتبعه بعدما ودع والدته الباكية ككل مرة إذ خرج لمهمة، ولم ينفك من توصياتها الحاسمة أن يحافظ على أروى وينتبه لها، وهو يجيب بكل أدب "حاضر".
كانت عيناه معلقة على باب غرفة أخته، ود لوهلة أن تخرج تحضنه وتودعه كما تفعل خديجة مع خالد في كل مهمة يخرجها، ثم تبسم متهكمًا، فـ أخته تتمتى موته، المعتوهة تظن أنه أخذ منها حب الجميع، دائمًا ما تعايره أنه ليس له أم، وأنه قاسمه في أمها، بل أخذها منها. كانت الأفكار المتواترة تنغص قلبه وهو يستقل السيارة بجواره أروى التي يحاول تجنبها قدر الإمكان.
اتخذ مقعدهما في الطائرة التي أوشكت على الإقلاع، وبدأ في ربط حزام الأمان مع صوت المضيفة، ليميل على أذنها هامسًا باختصار بعد الأوامر عليها.
سارت شبه راكضة في رواق المشفى كأنها فراشة تحلق تنشر السعادة في كل مكان ببسمة عينيها المميزة، القرآن الكريم ينساب من عدة أجهزة متفرقة في كل المشفى، فتدب السكينة بالقلوب رغم عنها، دلفت إلى مكتبها تلقي عليه حقيبتها وهي ترتدي على عجل معطفها الطبي وتخرج مجددًا، في تلك الأثناء ظهرت أمامها ممرضة تقول بأنفاس متقطعة: -دكتورة خديجة، الحمد لله أني لقيتك، محتاجينك في غرفة العمليات ضروري.
أومأت بعينيها وهي تتجه على عجل لغرفة العمليات وترتدي قفازيها في سرعة.
بعد ساعات مرت قضتها في غرفة العمليات، خرجت وهي تخلع قفازيها ببسمة متسعة، وقد هش قلبها، لقد نجحت عمليتها وكملت بالبشر، تنهدت في راحة وهي تنحرف يسارًا متوجهة لآخر الرواق في غرفة تتصدر وجهته، ودارت مقبضته لتفتح منه فتحة صغيرة، وتطلعت بعينيها إلى أطفال تلهو وقد لفهم الفرح، فتأملتهم قليلًا كأنها تطمئن قلبها أنهم سعداء فرحون لا يتألمون، وأغلقت الباب بحذر حتى لا يصدر صوت يزعجهم وحتى لا يروها، فإذا رأوها لن يتركوها ترحل وتتركهم وهي منهكة.. متعبة للحد الذي لا تطيقه.
جلست خلف مكتبها وأسندت رأسها عليه علها تستريح قليلًا، ندبات قلبها المتقرحة تقرحًا عميقًا أبى ذلك، إذ أدمعت عيناها، ورفعت رأسها ساهمة في قهر، جذبت دفتر من درج مكتبها وقلم من بين عدة أقلام وفتحت دفته، وظلت شاردة قليلًا قبل أن تنكب كاتبة:
"ليت الحزن لا يطرق باب قلوبنا يومًا، فلا ندري ما هو ولا نتذوقه وتغرقنا مراراته، هنيئًا لمن أجتازه عابرًا الحياة كأنه لم يكن، أم هؤلاء.. هؤلاء الذين أبوا أن ينسوا لحظة واحدة مما قدمته لهم الحياة التي تكدرت في وجوههم دون إنذار، الذين أقسموا ألا ينسوا وطرقوا ندبات أرواحهم دون دواء، نحن من بأيدينا أن ننسى، فإن عزمنا على النسيان سننسى، سنمحى من قلوبنا كل لحظة ألم، يا ليتنا نمتلك عزم هؤلاء للنسيان ونتخطى ونتابع السير."
تركت القلم وأغلقت دفة الدفتر بحرص، استرخت في جلستها، وأسندت رأسها للخلف مطبقة جفنيها اللذان انسابا منهما الدموع كأنهما نهرين لا يخطأ طريقهما. وأقتنصت ذكرى أليمة. تتكرر يوميًا ما إن تصحو، حيث تستيقظ لتجد والدتها في وجهها صارخةً فيها أنها قد تخطت الثلاثين، هل ستظل دون زواج؟ هل ستترك ذكرى أليمة تعيق الباقي من حياتها؟ إلى متى ستظل ترفض كل عريس يتقدم وقد باتت عانسة؟
لماذا لا يفقهون أن الزواج أرزاق يرزقه الله لمن يشاء خير كان أو شر، وأن قطار الفتاة لم يمر سيمر حتمًا ليقلها إلى محطتها التي ستخوضها مع من يختاره النصيب لها. صرخة فجأة صرخة مكتومة، أرتج لها قلبها ودك دكًا أليمًا وهي تردد في همس لنفسها:
-مش كل حاجة الجواز، امتى تفهموا أنه نصيب، هيجي هيجي مهما طال، إيه الفرق سوا اتجوزت صغيرة أو كبيرة، ما هو كله واحد أصلًا، والجواز لا بد منه، مفيش حاجة اسمها عانس يا ماما، الناس هي اللي أطلقت الكلمة دي وخلاص. أطرقت برأسها بنشيج مؤلم يفطر القلب وقالت بقهر وذل: -مش السبب يا أمي، اللي عشته أنا مجبورة، ما أوفقش على أي حد، وإلا هيقتلكم. يا شيخـي هل سيستجيـب اللـه لـي؟
يا بـنـي والله كـل الأدعيـة التـي صعـدَت إلـى السمـاء ستنـزل يومـًا إلـى الأرض، كـلـهـا، فـقـط إصبـر.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!