الفصل 3 | من 39 فصل

رواية جحر الشيطان الفصل الثالث 3 - بقلم ندي ممدوح

المشاهدات
26
كلمة
7,081
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 8%
حجم الخط: 18

ما زال للعشق بقية. قال رجل لذي النون وهو يعظ الناس: يا شيخ، ما الذي أصنع؟ كلما وقفت على باب من أبواب المولى صرفني عنه قاطع المحن والبلوى. قال له: يا أخي، كن على باب مولاك كالصبي الصغير مع أمه، كلما ضربته أمه ترامى عليها، وكلما طردته، تقرب إليها، فلا يزال كذلك حتى تضمه إليها. تجمع كل آل الشرقاوي في المشفى في انتظار أن يطمئنهم الطبيب على ملك.

كان حذيفة يزرع الممر ذهابًا وإيابًا، القلق ينهش قلبه، يود أن يمر هذا الوقت سريعًا، ولكن كما العادة الوقت لا يمر على قلوب أنهكها الخوف من الفقد. قلوبٌ فارغة من كل شيء في انتظار كلمة قد تُحييها وقد تميتها أيضًا وتدفنها تحت الثرى وهي حيةٌ تُرزق. وعلى المقعد أسندت أسماء رأسها على كتف سمر التي لفت ذراعها حولها تبث لها السند علها تطمئن. الدموع لا ترقأ من عيناها، الزمن توقفت عقاربه على لحظة رؤية ابنتها هكذا. هل ستخرج حية؟

هل ستراها مرة أخرى؟ هل ستضمها لصدرها؟ هل ستعود لها ضحكتها وفرحة أيامها؟ بجوارها كانت تجلس سجى وهي تحمل ابنتها أروى التي مشخصة العينين. منظر ملك لا يبرح مخيلتها كالوشم ظل في بالها لا يغادر. ضم يوسف أحفاده لصدره كأن هكذا يطمئن قلبه أنهم بخير، بأمان. لقد عادوا. بجواره كان فيكتور يربت على كتفه يطمئنه، يُطيب خاطره بأن ملك ستكون بخير.

أسندت خديجة رأسها إلى الجدار الموازي لغرفة العمليات التي بداخلها ملك. عمرو يحاوط كتفها، يحاول أن يروح عن نفسها، ولكن كيف؟ أما لمار فكانت تهز قدميها في توتر، تملك الهلع من فؤادها وسحقه، لا سيما كل أحفادها أغلى من أبنائها. لن تستطيع هي على فقد أحد آخر. أسندت رأسها إلى الجدار خلفها، مغلقة العينين، محادثة نفسها في ألم شديد بما ألَم بها:

أشتاق إلى نفسي، أن أجدها، أجل نفسي القديمة التي تحيا في هدوء وراحة وليست حياة كلها قلق من الفقد والخذلان، ليست حياة يحوم حولها الموت وأنا أنتظر وأشاهد من يأخذ من أحبتي قبلاً. فتحت أجفانها على سماع صوت الطبيب الخارج من الغرفة، ليهرعوا جميعهم نحوه في ترقب. فبادر الطبيب قائلًا بعينين تدور في وجوههم: الحمد لله الحالة بخير ولكن الجرح سبب مشكلة... اذدردت أسماء لعابها وهي تسائله: مـ... مشكلة إيه؟ صوب الطبيب

بصره عليها وهو يجيب: لقد فقدت النطق.. ولكن مع الوقت ممكن يعود لها… أهم حاجة تحاولوا تنسوها اللي حصل، السلام عليكم. أنهى جملته مستأذنًا وهو يربت على كتف يوسف الذي تبسم له مفسحًا الطريق ليمر. خر حذيفة ساجدًا يحمد ربه على نجاة طفلته، بينما انفجرت خديجة باكية في سعادة. أما أسماء فلم تستقبل كلام الطبيب برضا. شلت أطرافها ووميض من الذكريات شع في مخيلتها وصدى صوت قرة عينها ضج في ذهنها بقوة. ألن تسمع صوت صغيرتها مجددًا؟

هل ستحرم من ضحكتها التي كانت تزهر فؤادها؟ استدارت جالسة على المقعد بقلب كظيم يتلظى. لاحظ حذيفة ما حل بها، كان قد انتهى من سجوده لله، فأقبل نحوها، باسم الثغر، مشرق المحيا، وقال: حبيبتي ملك بخير. قولي الحمد لله أن متصبتش بأذى وأنها جت في فقد النطق بس. ردت أسماء من خلف دموع عينيها وهي مطرقة في عدم استيعاب: مش هسمع صوتها تاني! مش هتناديلي بـ ماما! مش هسمع ضحكتها، مش هتناديلي نلعب ونذاكر سوا.

ربط حذيفة على كفها الذي بين يديه، وقال وهو يضم رأسها إليه ملثمًا جبهتها: قولي الحمد لله. هتخف مع الوقت بإذن الله وهترجع ضحكتها تنور دنيتنا. أهم حاجة أنها بخير دلوقتي يا بنتي. أقترب ياسين ضاممًا إياه يبثها بالرضا قدر المستطاع. وألتف الجميع حولها ولم يذروها إلا حينما تبسمت ضاحكة في رضا. بعد مرور عدة أيام كان الصغار قد نسوا ما حل، وعادت لهم روح الحياة من جديد.

جلست خديجة على مكتبها الخاص في حجرتها، يمينها ممسكة بقلم تنقر به على سطح المكتب في شرود تام، وعيناها محدقة بدفتر ذكرياتها. ظلت على هذه الحالة مليًا وقد بدأت الدموع تترقرق في عينيها وهي تتذكر حالة ملك وما حل بأروى. أطبقت أجفانها لتنساب دموعها في ألم جم، وانكبت على الدفتر، تدون به ما يدور بخلدها، ويعتمل صدرها. لا سيما هذا الدفتر كان مؤنس لوحدتها، رفيقها السرمدي. فكلما غلبها حزن هرعت للكتابة، وكأن القلم راحة الفؤاد، يهون عليه كل مر، ويشاركها أحزانها.

وراحت تكتب باسمة، محلقة في عالم آخر ألا وهو الكتابة: الوجع لا يمر يظل أثره في الفؤاد ندبة لا تداويها الأيام، ويظل يؤلم الفؤاد لا هو يلتئم ولا يتركنا نحيا بسلام. أن تفقد نعمة من نعم الله تشعر حينها بالنقص، بالألم، ويضيق الفؤاد ذرعًا. هكذا كان حال ملك، صوتها الذي كان يملأ يومي فقدته بين ليلة وضحاها. هذا هو حال الحياة غير مستقرة. أنت الآن في حال وبعد قليل في حال آخر ولا ندري لماذا هذه الحياة لا تستقر؟

لماذا تهدينا أوجاع لا صبر لنا عليها؟

يتألم قلبي يا ملك لحالك ويفيض قلبي شوقًا لسماع صوتك، وتحن روحي لضحكتك تشرقها وتبهج أيامي. أعذريني يا حبيبتي أعذريني لم أستطع فعل شيء لكِ، ولكن يسعدني جدًا رضاكِ على هذا الاختبار بعدما حادثتك عن فضل الصبر. كنتِ وما زلتِ يا ملك ملاكًا أنتِ… بريء جميل لطيف عزيزة أنتِ. وآه من قلبك الراضي يا ليتني أملكه، أملك صبرك وحلمك ورضاكِ. آهٍ وآهٍ يا أروى ابنتي الصغيرة التي لم أنجبها. لا تتعجبي، لا غرو منذ نعومة أظافرك وأنا من أهتم بكِ من أجل سجى، لذلك أنتِ طفلتي. هذا الرهاب الذي أصابك من الدم والصدمة سيمر. هذا الوقت سيمر يا صغيرتي. العائلة هي كل شيء، يا ليت الجميع يعلم ذلك.

استغرقها الكتابة ولم تشعر إلا وصوت أمها يناديها قائلًا في اهتمام: خديجة… ملك هنا. همت خديجة بالرد عليها، إذ فُتح الباب وطلت ملك من خلفه، لتستدير خديجة بالمقعد بعدما أغلقت الكتاب وقد ذرت القلم على آخر صفحة كانت تدون بها. فتحت ذراعيها مغمغمة في نشوة: ملكووتي… تعالي.

ركضت ملك إليها معانقة إياها. ولم يمكثوا طويلًا وانضم إليهن أروى ولمياء. كانت خديجة عازمة على بث الصبر في أفئدتهم، تسرد عليهم قصص الصحابة، ليتناسوا ما مروا به. كان يجلس زين خلف مكتبه، منكبًا على بعض الملفات في جهد. تلقى رسالة على هاتفه كان فحواها غريب ومحير، إذ كان مضمونها: لقد عدت يا زين، وأقسم أني سآخذ روحك، حتى إذا كان على حساب روحي، فسآخذها بأي مقابل وأي شكل. سأحول حياتك إلى جحيم أنت وعائلتك.

طرف زين قليلًا وهو يعيد قراءتها، ثم هز رأسه في حيرة، ولم يلقِ لها بالًا، لذا وضع الهاتف جانبًا وانكب صابًا جُل اهتمامه في الأوراق التي أمامه. بينما هو مشغولًا إذ طُرق الباب ليرفع رأسه وما هم بالسماح للطارق حتى فُتح الباب ودلف منه شخصًا لم يتعرف عليه فـ رمقه في حيرة، وهو يهب غاضبًا، صارخًا فيه: من أنت يا هذا؟ وكيف تدخل مكتبي دون استئذان؟ تبسم الرجل وفك أزرار جاكته وجلس في أريحية وهو يتمتم وعيناه

تدور في المكتب بازدراء: ذوقك بالألوان لا يروق ليّ. ثم تنهد وهو يلتفت له بينما زين يطالعه مزهولًا، قال الرجل وهو يضع قدمًا على الأخرى في حركة تدل عن معرفته بقدر ذاته: لطالما لم يروقني أي شيء خاص بك حتى أنت نفسك. المهم لم تعرفني، أليس كذلك؟ رمقه زين بحيرة وهز رأسه نفيًا وهو يجلس مسندًا بمرفقيه على المكتب: لا، لم يزدني الشرف بعد. من أنت يا هذا أجبني. قال آخر جملته في حدة وهو يطرق المكتب ويطالعه شزرًا. فتبسم الرجل قائلًا

في هدوء: الأحسن أن لا تعرفني، والأهم أنك يستحيل أن تعرفني إلا إذا شئت أنا بذلك. نهض قائمًا ومال برأسه على زين وكفه مستندة على المكتب: إلى اللقاء لأننا سنلتقي كثيرًا بعد الآن. غمز له وحثا للخارج سريعًا قبل أن يسمع رد زين الذي أعترى قلبه القلق، وأمسك هاتفه سريعًا مجريًا اتصالًا لصديق له شرطيًا.

تناهى إلى سمر التي كانت جالسة تطعم شيماء وحمزة قرع الباب، فوضعت الطبق من يدها وهبت واقفة في سرعة، على علم مسبق بالطارق. فتحت الباب لترحب بمكة بمصافحة وعناق طويل. تمتمت سمر وهي تحتضنها: جدعة يا بت لما سمعتي كلام وجيتي. ميبقاش اسمي سمر إذا ما خليته يلف حوالين نفسه! ابتعدت مكة وهي تجيبها مترددة مرتبكة: بس خايفة حاجة تحصل، ويكتشف أن كل ده خطة مننا؟ دفعتها سمر بخفة في كتفها وهي تتمتم في غيظ:

ياختي يولع. هما عياله ولا مش عياله؟ ثم استدركت قائلة وهي تحدقها بنظرة حادة: هيكتشف إزاي يعني؟ ها؟ الموضوع هيفضل بيني وبينك بس يا ماما. يا اختي تعالي أدخلي نتكلم جوة يلا وفكِ كدا. دلف وتبعتها مكة وهي تفرق في كفيها. ما إن أبصرها حمزة حتى نهض سريعًا وأقبل إليها مصافحًا إياه في أدب وقال: عاملة إيه يا خالتوا طمنيني؟ داعبت مكة خصلاته وهي تجيبه في محبة: الحمد لله يا نور خالتوا. أنت عامل إيه يا حبيبي؟ استمعا لصوت سمر الصائح:

يا عم قعدها الأول وبعدين اسألوا وتوحشوا براحتكم. قال يعني ليكم سنة مشفتوش بعض؟ هز حمزة كفه ضاحكًا لمكة التي قهقهت لطريقة سمر في الحديث وجلست بجوارها بعدما أخبرت سمر حمزة أن يأخذ أخته ويلهو سويًا بالغرفة، فـ امتثل لها فورًا في احترام، وأخذ اخته شيماء ومضيا للغرفة. فـ ألتفتت مكة إلى سمر وتساءلت بما يؤرقها: أنس هيجي ولا لأ؟ نفت سمر مشوحة بكفها في امتعاض: لا ياختي مش هيجي فـ اطمني وخدي راحتك كدا. … ونفذي اللي قولته ليكِ.

زمت مكة شفتيها في رجاء قائلة: متأكدة إن مش هتحصل مشكلة؟ ربطت سمر على منكبها في تشجيع بيّن وغمغمت: متأكدة. توكلي على الله. يلا. أومأت مكة وأخرجت هاتفها وهمت بالاتصال على عثمان ألا أنها لغت وهي تحرك رأسها قائلة: لا، لا، لا مش هتصل هستنى هو يتصل...

ما كادت تنهي جملتها حتى علا رنين هاتفها معلنًا عن اتصال من عثمان، فما أن أبصرت الاسم ارتعتشت يديها وأنزلق الهاتف في حجرها. ألا أن سمر شجعتها، فجذبت الهاتف وردت عليه وهي ترتعد خوفًا وقلقًا: أيوه يا عثمان. صاح عثمان فيها متسائلًا: أنتِ فين وسايبة العيال لوحدهم؟ صمتت مكة لبرهة تستجمع أطراف شجاعتها وغمغمت في ثبات:

عثمان سمر تعبانة وأنس مكنش موجود ومش هيرجع أنهاردة من شغله فبالتالي هي اتصلت عليّ لأن أسماء في المستشفى وسجى وأنت عارف فمفيش غيري. إيه أسيبها تموت يعني وأرجع؟ لان صوته وهو يبادر في قلق: لا لا مش أقصد، طب هي كويسة؟ أجيلكم نوديها المستشفى؟ نفت مكة متشدقة: لا أصلًا في طبيبة جت وادتها علاج وطمنتني عليها، بس هبيت معاها أنهاردة. انتفض عثمان قائلًا: نعم ياختي تبيتي؟ أجابته مكة مؤكدة: أيوه يعني هسيبها لوحدها مثلًا.

-طب والعيال؟ تبسمت مكة في انتصار وهي تقول: آه صح خلي بالك منهم. شوف على الساعة أربعة كدا في درس رياضيات لمياء جهزها وحل معاها الواجب ووصلها. أم معاذ فأقعد ذاكر معاه. ومتنساش أول ما يرجعوا تغسل هدومهم وتروق أوضتهم. آه صح افتكرت خليك مع لمياء لحد ما تنام أوعى تسيبها أو تطفي النور عشان بتخاف. بالليل هتصحيك كذا مرة عشان تدخل الحمام تونسها يعني. كان عثمان تدريجيًا تتوسع عيناه ويرمش في عدم فهم فاغرًا فاه من الدهشة وما هم

بالاستفسار حتى قالت مكة: سلام دلوقتي عشان أشوف سمر لو عايزة حاجة كلمني. مع السلامة. أغلقت فورًا وهي تنفجر ضاحكة، تضرب كفًا بكف وبجوارها سمر لا تصدق أنها فعلتها. بدأ يفعل كما قالت له مكة مرغمًا، راح يذاكر لهما، ملك تارة ومعاذ تارة أخرى. كان كل شيءٍ جديدًا، لم يعتاد هو كل ذلك، كان يشعر بثقل على قلبه. وبينما هو يذاكر لـ "معاذ" إذ جاءت "لمياء" واقفة أمامه صائحة في صوت مختنق بالبكاء: بابا… أنت ليه مفكرتنيش بالدرس؟

أهو فاتني. نظر إليها في تعجب ممزوج بالغضب من نفسه، كيف سرقه الوقت ولم يعرف موعد درسها، كيف فاتته هذه؟ يا الله كيف يرضيها الآن؟ أطبق أجفانه محاولًا الهدوء والثبات، ودنا منها وهو يقول: حبيبتي بجد أنا آسف، أنا نسيت غصب عني. أمسك بكتفيها برفق وجثى ليصبح في إزاءها وقُال في رفق: متزعليش حقك عليَّ. أي رأيك أذاكرلك أنا الدرس اللي المفروض تاخديه أنهاردة.

كانت تضم شفتيها وهي تجاهد كي لا تبكي، وأبعدت كفيه في أدب جم وهي تتمتم في نبرة مختنقة لا تخلو من الاحترام: لا يا بابا… خير إن شاء الله، أنا داخلة أوضتي، بعد إذنك. نهت جملتها وأنصرفت من أمامه، مغلقة الباب خلفها، فنفخ في ضيق وهو يتنهد في قلة حيلة، ماذا عساه يفعل؟ ما كاد يستدير لـ معاذ، حتى أقبل في اتجاهه وهمس متبسمًا: بابا أنا جعان!

صُدم حقًا صُدم وتلاشت الراحة من على قسمات وجهه، لا يدري ما يفعل. ليس على دراية جيدة بأمور الطبخ، إذًا ماذا يجب أن يفعل؟ رباه أرفق بحاله، تبسم له مداريًا امتعاضه، وقُال متصنع البهجة يمدح في نفسه: ماشي وأنا كمان جوعت، هخليك تدوق دلوقتي أكل مأكلتوش من إيد ماما.

أومأ معاذ مصفقًا، لا يعلم بما يعانيه في قرارة نفسه، ولجأ إلى المطبخ وجلس معاذ على مقعد الطاولة متابعًا إياه بعينيه، بينما فتح الثلاجة على أمل أن يجد بها شيء فقط للتسخين، ألا إنه فرغ فاه حينما لم يجد شيئًا في الثلاجة، أذرد لعابه وهو ينظر إلى معاذ ولا يدري لما خُيل له نظرة شماتة بعينيه وهو يحثه على الإسراع في إعداد شيء. حسنًا إذا كان لا بد من أن يعد شيئًا سيعد.

بعد ساعة تقريبًا أنهى إعداد المكرونة مع بانيه، ووقتما بدأوا الأكل آنذاك بصقوه سريعًا في قرف بيّن، ونظر الصغيرين له بنظرة محتجة واجمة. ونهضت لمياء دون كلمة بينما ضم معاذ وجهه بين كفيه وهو يحرك كتفيه في قلة حيلة وردد: شكلنا هننام من غير عشا، فينك يا ماما بس؟ وتنهد حامدًا الله ثم نهض مغادرًا إذ وقف قبل خروجه من المطبخ ملتفتًا برأسه قائلًا:

أنا هدخل أذاكر يا بابا متنساش أغسل الأطباق ولم الأكل. وكمان روق المكان ياريت، وقبل كل ده مريلة ملك موسخة ياريت تغسلها وتنشفها عشان هتروح بيها المدرسة. أنهى جملته وغادر دون انتظار ردًا ألبتًا، تاركًا والده غارقًا في صدمته، مزهولًا مما قاله، ينظر في أثره محملقًا والدهشة لا تفارقه. حسنًا كيف سيفعل كل ذلك بمفرده؟ ياويله كيف ينتهي بالأساس، آه لماذا تعبت سمر في هذا اليوم بالتحديد، نفض رأسه مستغفرًا فيما ذهبت به أفكاره.

وراح يلم الأطباق التي حقًا كان الأكل فيها رديء للغاية، وجلاهم في صعوبة وهو يشعر بالتيهة. ما إن فرغ شرع في غسل ما يحتاجه للذهاب به إلى المدرسة وما أن نثرهم على الحبال، حتى رمى نفسه على أقرب أريكة وجدها في تعبٍ جم مما بذله، وما كادت عيناه تغفى حتى نهض ليوضب المكان، وتبسم في ظفر ما أن انتهى، وكرر قبل أن يخلد للنوم أن يطمئن على الصغار، ففتح الباب وجدهما قد غطوا في ثباتٍ عميق كُلٌ إلى فراشه، لا إراديًا وجد البسمة تشق

ثغره، وللحقيقة هذه أول مرة يراهم فيها نائمًا، لطالما كان يعود ليلًا متأخرًا للنوم فقط ولربما رآهما قبل ذهابه للعمل. ساقته قدماه ليتوجه صوب فراش معاذ وقبل رأسه، يا الله كل ما يشعر به من ألمٍ وهم وتعب ومجهود قد مُحى من فؤاده. دثره جيدًا في الغطاء، وتوجه إلى فراش لمياء قبل وجنتها، وأحس فجأة بكفين صغيرين تلتف حول عنقه وصوتٍ رقيق

يهمس في نعاس أذاب قلبه: نام جنبي يا بابا عشان أنت وحشني. نظرت إليه في أعين بريئة لامعة فوجد نفسه يستلقي بجوارها فرحًا مسرورًا، الحبور قد غمر قلبه انغمارًا، وسعادة لا توصف ولذة لم يتذوقها قبلًا، وجد حاله يتشارك الحديث معها، أخبرته عن افتقدهما له، فـ علم خطأه وكم فوت على نفسه نعمة كبيرة من الله بصحبتهما. نام هذه الليلة في راحة لم يعتادها قبلًا، وقد علم مدى خسارته ببعده عنهما طيلة الأيام الفائتة.

وتعجب كل العجب من بعض الآباء الذين يعاملون أبناءهم معاملة الأعداء، يضربوهم، ويخوفوهم، ويدعون عليهم ظنًا منهم أنهم هكذا يتعلمون. يشتد عودهم، لا يدرون أنهم يسببون كرهًا في قلوبهم وشعورًا بالفتور، ولا غرو للأبناء أن يجلسوا في حضرتهم وجلين، متوترين، على أعصابهم، يخشوا حتى التفوه بحرف. يا للعجب وأشد عجب، لا يدرون لذة النعمة التي أنعم الله بها عليهم.

هذه هي الحياة أغلب المرء يعامل أبناءهم معاملة جافة غليظة، يتسببوا بكره الأبناء، ولا يدركوا أنهم غارقين في لذة لا تعادلها لذة في الوجود. استيقظ عثمان في صباح اليوم التالي على صياح حاد ويدًا تهزه في قوة، وصوتٍ منزعج، يهتف: يا بابا ليه كدا، إزاي متصحناش للمدرسة؟ فرك عثمان عينيه محاولًا التركيز، وأطال النظر في معاذ، قبل أن يعتدل في جلسته، وقال: هي الساعة كام؟ ثم تابع وهو ينظر بجواره إلى لمياء التي تململت

في انزعاج أثر الصوت: أختك نايمة يا بني واطي صوتك دا! ضرب معاذ الأرض بقدمه وقال في عصبية: أنا عايز ماما، إيه ده؟ أنهى جملته وغادر، لـ يزم عثمان شفتيه في استياء وهو يتمتم: أعمل إيه بس يا ربي؟ شعر برأس لمياء توضع على قدمه مستلقية، وفي صوتًا رقيق، أردفت في رفق بانتقاء كلمات أكبر من سنها:

متعملش يا حبيبي، أنت عشان بعيد عننا فمش عارف عنا إيه حاجة وكأنك مش موجود. لا بتعرف إمتى بنروح المدرسة ولا إمتى حتى بنرجع، إمتى بننام وإمتى بنصحى وإمتى نقعد وإمتى نذاكر وإمتى نقعد مع خديجة تحفظنا قرآن وتحكيلنا سيرة الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم. تابعت وهي ترفع رأسها قليلًا وتنظر في عينيه:

بابا واحنا أصلًا إمتى بنشوفك ولا بنقعد سوا. تعرف إننا أحيانًا كتير كنا بنفكر إنك مش بتحبنا بس ماما كانت بتقولنا أنت قد إيه بتحبنا. لُجمت كلماتها قلبه، لعل توقف نبضه لوهلة، وربما نهشت كلماتها روحه كإنها وحشٌ مفترس. لماذا عُقد لسانه وتغرغرت عيناه دمعًا، ظل وجهه مسودًا وهو كظيم، ود لو يتوارى من أمامها الآن، ربما تهذي فقط، حقًا تفضيله للعمل جعل طفليه يحسا بأنه لا يحبهم وهو الذي يذوب حبًا فيهما؟

يا حسرة قلبه على هذا الوقت الذي ضيعه بعيدًا عن هذا الفردوس الذي خُلق له، ومنه، وفيه. تنحنح بعد هنيهة لا يدري ما يقول، ولكنه همس في صدق: لمياء… أنا بحبك يا جنة أبوكِ وأنتِ ومعاذ قد بعض، أنتوا حياتي أصلًا، بس يا بابا… بابا ظابط شرطة يعني غصب عني وطبيعي أغلب الوقت مش موجود ولكن. أسترسل في وجه مستنيرًا وهو ينظر إليها في اهتمام: من النهارده وعد مني مش هضيع لحظة في وقتي من غيركم.

صاحت لمياء مصافقة وهي تعانقه في حبور جم، وفجأة وكان كالإعصار يركض معاذ ليقفز عليهم معانقًا إياهم في فرحة. وسلبًا لحظةً من العمر ربما لن تتكرر، وعسى الفرحة تغادرهم، فـ الحياة لا تظل على حالها، فما بين الثانية والأخرى حياة، ربما موت لشخصٍ وربما ولادته. أبتعد معاذ مفركًا في كفيه في توتر مفعم بالارتباك وغمغم وهو ناكس الرأس: بابا على فكرة احنا مفتتناش المدرسة. رفع عثمان حاجبيه وقد ساور الشك قلبه، وقال في حدة: أومال؟

إشارة لمياء بالصمت لمعاذ حيثُ وضعت سبابتها على شفتيها وهي تحذره بعينيها. ثوانٍ وكانت تتأوه إذ أن عثمان أمسك مؤخرة رأسها متمتمًا وهو يهزها: مخبين إيه عليَّ ومش عايزة يتكلم يا قردة أنتِ؟ تملصت لمياء من بين يديه في صعوبة، وقالت متصنعة الغضب وهي تعقد ذراعيها: ماما هي اللي قالت نعمل كدا، واصلًا لو مصحناش على المنبه ومن غير ماما فمستحيل العيال يروحوا من غيرنا لأننا كلنا بنروح سوا. ذُهل مما صرحت به الآن،

فقال وهو يردد بصره عليهما: وليه ماما تعمل كدا؟ هزت لمياء كتفيها بعدم معرفة، بينما زم معاذ شفتيه وهو يهز رأسه لا يعرف. لامست لمياء بسمة خبث بدت على علامات وجه والدها، فدقت فيه النظر ثم نظرت لمعاذ تحادثه بالحركات فكانت تحرك كتفيه تتساءل عما يخطط والدها، فحرك معاذ كتفيه صعودًا وهبوطًا بعدم معرفة. كان عثمان يتابعهم بعينيه في حيرة، وقد احتقن وجهه بالتعجب ما لهم يتحادثان بالإشارات هكذا؟ صاح عثمان غارقًا في

دهشته ورأسه تدور بينهما: إيه بتتكلموا بالإشارات كدا ليه انتوا خُرص؟ ضرب معاذ براحته مقدمة رأسه وهو يغمغم: دي طريقتنا الخاصة في التواصل إيش عرفك أنت؟ نظر له عثمان في امتعاض، قبل أن يشير إليه قائلًا في خبث: أقعد يلا هنا جنبي واسمعوني. أنصاع له معاذ جالسًا بجوارهما على الفراش، وسرد لهم عثمان خططه.

_كانت مكة تجلس على الأريكة في شرود بينما سمر تقوم بتجهيز الإفطار، منشغلة الذهن على صغارها، هذه أول ليلة لا تنام معهما، هذه أول مرة تبتعد ليلة كاملة، هل استطاع عثمان الاهتمام بهما كما يجب؟ استغرقها هذه الأفكار ولم تشعر إلا ورنين هاتفها يتعالى منتشلًا إياها مما استحوذ عليها من أفكار لا جدوى منها في لهفة وقلب ينبض بالشوق هبت واقفة لتركض تجاه الهاتف الذي كان في إحدى الغرف، لتجيب سريعًا في أنفاس متهدجة: الو، عثم...

ما كادت تكمل اسمه حتى أتتها صرخته منتزعة قلبها من مكمنه: ألحقيني يا مكة الحقي لمياء وقعت أنا… أنا مش عارف أعمل إيه ولا أتصرف إزاي؟ شهقت مكة في خوف اتسعت حدقتاها في هلع وهي تردد في عجل وتغلق: أن… أنا جاية انتبه عليها. دارت حول نفسها، غشاوة عينيها تحجب عنها الرؤية، كأنها تائهة لا تدري ما تفعله، تشعر بفؤادها ينصهر انصهارًا. أنقذها صوت سمر القلق: في إيه يا مكة حصل حاجة؟ أجابته مكة والدموع تسبق كلماتها:

أيوه عثمان قلي لمياء وقعت مش عارفة بنتي جارلها إيه؟ ربتت سمر على كتفها في رفق: متقلقيش خير إن شاء الله. ساعدتها على ارتداء العباءة، لتركض مكة ومن خلفها سمر بدقائق. لجت مكة إلى الشقة شبه لاهثة، ألا أنها صُدمت ما أن رأت الشقة معتمة بشدة، وكل الأنوار منطفئة. أذردت لعابها في رهبة وقد تسلل الخوف لا إراديًا إلى أوصالها، تركت الباب منفرجًا على مصرعيه، وسارت في خطوات متمهلة للداخل حذرة، وهي تهمس في خوف ورأسها تتحرك

يمنى ويسرى لربما تبصر أحد: عثمان، معاذ، لمياء، أنتوا فين؟

كانت تدرك أن لا أحد خرج من الشقة هكذا طمأنتها حبيبة. انتفضت للخلف برعدة شديدة أحتاجتها وهي تصرخ في ذعر ما أن غُلق الباب في قوة مصدر صوتًا قوي، ولاح إليها شبح عند الباب ذو وجه مخيف يسيل منه الدماء، بينما عيناه بيضاء يخر منها الدماء تحدق بها في رعب. سال دمعها وهي تتراجع للخلف بأقدام تشعر أنها قد شلت لا تقوى على الحركة، وقلب قد توقف لتوه. كان الشبح يقترب في بطء شديد أثار رعبها أكثر، ودت لو تصرخ وتستغيث بأحد ولكن لسانها

قد عُقد. استمعت لصوت صراخ لصغارها فألتفتت بعشوائية حولها، حتى دنا الشبح أكثر فتخشبت في مكانها وأستشعرت بيدين تتلامسها في طريقه مرعبة، لا ليس يد بل أيدي جمة تتلامسها، صرخت بصوت عال وهي تحاول الفرار حتى جاء الضوء ووقع الصغار أرضًا في نوبة ضحك، وخلع عثمان القناع الذي كان على وجهه وهو يمسك ببطنه ويقهقه، بينما نظراتهم هي في وجوم، لا تصدق أنهم فعلوا ذلك. هتفت

مكة في غضب كاد يحرقها: انتوا ازاي عملتوا كدا؟ أنا كنت هموت من الخوف! توقفوا عن الضحك ليطرقوا الصغيرين رأسهم في أسف، وأقترب منها عثمان فما أن هم بأمسك ذراعيها حتى انتفضت مبتعدة قائلة في تحذير: أياك يا عثمان. نفخ عثمان في ضيق وتمتم: دا مجرد مقلب يا مكة عشان كدبك امبارح متكبرهاش بقا. لم تعيره أي انتباه كان قلبها أبيًا أن يسامح، نظرت إلى صغارها في عتاب فركضا محتضنا قدميها وهم يتمتموا:

متزعليش يا ماما بابا هو اللي أجبرنا نعمل كدا. متزعليش مني يا ماما أنا آسف. حركت مكة كفيها على خصلات كُلا منهم وغمغمت في بسمة هادئة: خلاص حصل خير تعالوا اقعدا مع خالتوا سمر تحت، عشان تشوفوا جدو يوسف وتقعدوا معاه. أخذت صغارها ونزلت في حين بقى عثمان يزفر في خزى وضيق من نفسه.

وما أروع الحياة حينما تهدينا شخصًا يُعلمنا كيف نحافظ على بعضنا بعضٍ، يحثنا على الاهتمام بأحبتنا، يعلمنا معنى أن نحافظ على أواصر الألفة بيننا كلا تنقطع ولا تدبل. هنيئًا لمن وجد شخصًا كهذا يكون دواءً من ندبات الحياة، وخليلًا للعبور في كل السبل لا يترك اليد ولا يرخي الوثاق، يظل مرشدًا للطريق، شخصًا إن غيرته الحياة لا يتغير معك، منارةً من ظلمة الحياة الحالكة، وبلسمًا للفؤاد المكلوم لعله يبرأ. يتمحور هذا الشخص في خديجة

ويوسف، الذي لم يكن جدًا للصغار، بل كان رفيقًا للدرب، يجلس ويلهو معهم طيلة الوقت، يعلمهم كيف يحبوا بعضًا ولا يحقدوا على أحد، لطالما ضرب لهم أروع الأمثلة، في علاقته هو وفيكتور، يسرد على مسمعهم تلك الأواصر التي نشبت في أنقى الصدف لتصبح أحلاها، فيكتور الذي كان على غير هدى فهداه الله وأسلم، فيكتور الذي كان النصف الآخر له، أو بالمعنى الأصح تؤم الروح وظلها الذي لا يفارق مهما فارق الأهل والصحاب والأحبة جمعاء. جلس الصغار حول

يوسف يتمازحون ويلهون في جوًا بهيج، ربما تلك اللحظات لا تعود مجددًا، ربما تولي هاربة تاركة جرحًا غائرًا في سويداء الفؤاد، لا تداويه الأيام، ولا تمحيه السنين، يجوز لجرحًا جديد أن يستتره خلفه، تلك كلها أمورًا مستترة في ضمير الغيب لا يعلمها إلا الله، وربما غدًا أجمل، أو عما قليل تمسي أسوأ، ومع ذلك أنها الحياة حيث لا مفر ستعاني حتمًا، إن لم تعاني فأعلم أن الحياة تبغضك.

تلقى زين مكالمة هاتفية وهو نائم ليصحو على أثرها. مد كفه ملتقط الهاتف ودون أن ينظر ليرى اسم المتصل أجاب قائلًا في صوتٍ ناعس: الو السلام عليكم. رد الطرف الآخر السلام لينتفض في جلسته من أن علم هويته، أنه صديقه الظابط وبالطبع قد أتى له بكل المعلومات. قد فارق النعاس جفنيه وهو يستمع لكلمات الظابط التي كانت كالأسهم تنطلق على فؤاده مباشرة تكاد تصيبه قتيلًا، عيناه توسعت على آخرهما كيف حدث هذا؟ كيف عاد بالأساس.

حذره الظابط وأغلق وظل زين على حالته، إذ علا رنين هاتفه في يده ليجيب وهو يذرد لعابه في توتر مربك: أنت عاوز إيه؟ أجاب الآخر في هدوء ونبرة لا تخلو من الحقد: أظن قد علمت من أكون؟ ثم استرسل بلهجته الطبيعية: عايز موتك يا زين وبما أنك عرفت فـ الانتقام هيبدأ من النهارده، ودع عيالك يا زين!

أغلق الخط فور انتهاء كلماته التي صعقت زين في رعدة قوية، ظل يصرخ ويهيل له الشتائم. جاءت عائشة ما أن تناهى لها صوت صراخه، لتقترب منه وهو يلهث وصدره يعلو ويهبط في منظر أرتابها: زين؟ مالك في إيه؟ حاجة حصلت في الشغل؟ نهض زين في حالة جنون، يدور حول نفسه في منظر مخيف، وتساءل في نبرة مريبة: العيال، العيال فين؟ حركت عائشة رأسها يمنى ويسرى في استياء من حالته الغريبة، التي لأول مرة تبصرها عليه، قالت في حيرة:

ما أنت عارف إن في الوقت ده أكيد بيكونوا في المدرسة! ظل يتنفس في عنف لدقائق وهو يزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا، ليتنفس في انتظام رويدًا رويدًا ويرنوا إليها ممسكًا مرفقيها قائلًا في أعين زائغة خائفة مما أخبره به صديقه الظابط، لقد علم أنه إن نجى فهذا حفظ الرحمن حتمًا، قال في رجا متوسل: عائشة، اسمعيني كويس جهزي الشنط عشان هننزل مصر أنهاردة، أنا هروح اجيب العيال.

أطالت عائشة النظر إليه في حيرة، ألم يكونوا ينون اليوم بالاحتفال بعيد ميلاد الصغيرين، فما باله الآن؟ وما أصابه؟ نظرت له في تيهة، وقالت في حيرة: أنا مش فاهمة حاجة في إيه؟ سحبها إلى صدره في قوة يكاد يغرسها داخله، بكل قوته… وخوفه… وقلقه. تسلل الخوف إلى فؤادها، حالته غريبة وهو أغرب يا ليتها تعرف ما حل به لن تنأى عنه إلا أن تعرف. غمغمت عائشة وهي تضمه، خفقات قلبه تحت أذنيها تصارع الحياة: زين حبيبي مالك إيه اللي حصل احكيلي؟

رد زين وهو يضم وجهها بين كفيه، خافيًا ما يستتر بين ثناياه: اسمعيني لو رجعت أو مرجعتش هتخدي العيال وتنزلي مصر، وتقولي للمار تكلم ضياء هيفهمها كل حاجة تمام. عبارته فطرت قلبها، الذي تصدع من خوفه، تدفقت الدموع بعينيها غير مطمئنة: هو في إيه؟ ليه بتتكلم كأنك مش هترجع؟ تبسم زين وقال وهو يلثم جبهتها في ود:

أنا هعمل أي حاجة عشان تكونوا بخير، مش هسمح لحاجة تحصلكم. لو مت اعرفي إني بحبك. أختي أسراء أمانة عندك هي وسجى خلي بالك منهم متسمحيش لحاجة تحصلهم. أنا لازم أروح اجيب العيال. هزت عائشة رأسها عدة مرات ممسكة بكفه في قوة ترجوه قائلًا وعينيها تتوسله: لا مش هسيبك تمشي… عشان خاطري! طمأنها قائلًا مرة أخرى وهو يربت على كفها براحتيه: مش هسيبكم أنا دايمًا معاكم بس هروح اجيب العيال تكونِ أنتِ جهزتي الشنط.

تركها لتنهار أرضًا وبدل ملابسه في عجل، وقبل مغادرته ارتفع بكاء صغيرته كأنها تناديه، تطلبه أن يودعها قبل رحيله، فـ اتجه حاملًا إياها بين يديه ضاممًا إياها إلى صدره بحنو وبقلبٍ يفيض شوقًا من الآن. لثم وجهها الصغير، لتتبسم له وتلاعبه فضحك لها وهمس بجوار أذنها: مهما فرقت السبل الأحبة سيأتي الأوان ويعودوا ويجمعهم القدر.

بكت الصغيرة ليخطف قبلة سريعة من وجنتها وهو يضعها على الفراش مغادرًا في عجل. كان الوداع مؤثرًا وانهم على دراية إنهم لن يلتقوا مجددًا، وتلك العائلة ستتلاشى. ثوانٍ وكان ينطلق في سيارته بسرعة جنونية، كاد أن يفعل على أثرها أكثر من حادث لكنه تفاداه. وصل المدرسة ودخل سريعًا شبه راكض متوجهًا صوب مكتب المدير ليعلمه أن أمرًا جلل قد حصل وعليه أخذ "وليد وإسلام" الذين حضرا بعد دقائق مزهولين. أمسك فيكتور بكف كلا منهما بيده في قوة يخشى أن يغيبوا عنه، استلقى السيارة وأنطلق ولاذ بالصمت لم يجيب عن تساؤلاتهم. تصاعد رنين الهاتف مع صياح الصغار رعبًا من تسرع السيارة، فقرر أن لا يجيب. ألا أن زاد الرنين مشوشرًا عقله الذي لا ينفك من التفكير، ليجيب وهو يذرد لعابه

ما أن علم ماهية المتصل: عايز إيه؟ لم يُجب أحد فهتف: رنيت ليه قول؟ أنت عايز إيه أصلًا، رجعت من الموت إزاي وقدرت تعمل كل ده إزاي؟ استمع لتنهيدة عميقة قبل أن يأتيه صوت المتحدث قائلًا في أسف: أنا لو منك مش هفكر وأشغل بالي بكل ده، هفكر إزاي هنجي نفسي وعيالي من الانفجار هو أنت متعرفش؟ مش في قنبلة في السيارة!

أنهى جملته وظل يقهقه في انتشاء مستمتعًا، في حين اتسعت حدقتا زين وهو يسمع لضحكاته تصم أذنيه، أسبل جفنيه مستسلمًا، وراح الآخر يقول من بين ضحكاته: إياك بقا توقفها عشان لو وقفت بــــــــــــــــوم هتنفجر. ضحك في انطلاق وقال في برود مخيف: وآه متقلقش أنا هاجي أشوفك وأنت بتموت.

أغلق زين الخط في وجهه، وسار على غير هدى منطلقًا، أسودت الحياة في وجهه وتيقن أنها النهاية لا محالة. أدمعت عيناه وشريط حياته تمر أمامهما. بعد ربع ساعة بالتحديد كانت سيارة سوداء تسد طريقه ويقف متكئًا بظهره على باب السيارة رجلٌ ذو بدلة سوداء اللون بيده الهاتف الذي حدد موقع سيارة زين، وتبسم له وهو يلوح بكفه مودعًا وهو يحرك شفتيه قائلًا: باي يا زين هخلص منك وبعدين على إخوتك وعيالك.

توقف زين بالسيارة مسبلًا جفنيه وشفتيه تهمس بالشهادة وعلى وجهه نظرة الرضا والراحة مستقبلًا الموت بصدر رحب، وفجأة كان الانفجار منطلقًا كالرعد، ويندلع الحريق محرقًا السيارة حرقًا، وتوقدت النيران تلتهمها التهامًا. هل هذه النهاية؟ أم إنها فقط بداية النهاية؟ من هذا المجهول؟ ماذا يقصد زين بعودته من الموت؟ ماذا سيكون مصير عائشة؟ كل هذا سنعرفه في الأحداث القادمة من؟ جحر الشيطان..... إحنا لسه في البداية خالص الجد لسه مجاش 😂

سؤالنا الديني أنهاردة 🙈 ما أول هدية أُهديت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة؟ عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها) قال: ثم أي؟ قال: (ثم بر الوالدين) قال: ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) رواه البخاري ومسلم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...