داخل قصر الدمنهوري. بعد مرور عدة دقائق، أغلق "فارس" المياه الباردة التي تنهمر بغزارة عليه وعلى "إسراء" التي بحالة يرثى لها بين يديه. قام بجذب منشفة كبيرة ولفها بها بإحكام، لتسرع "خديجة" الواقفة تنظر بشفقة لـ"إسراء" التي تجاهد لفتح عينيها، ولكن شدة تعبها لم تسعفها. جلبت منشفة أخرى صغيرة ووضعتها على شعرها، وحملها "فارس" بين يديه، وسار بها للخارج بخطوات حذرة، خلفه "خديجة" تتحدث ببكاء ونبرة راجية:
"على مهلك عليها يا فارس.. البنت شكلها بتموت ولا إيه؟! جملتها جعلت قلبه ينتفض بفزع لا يعلم سببه، وشدد من ضمها لصدره مغمغماً بهدوء مصطنع: "أهدي يا ديجا.. أول ما حرارتها تنزل هتبقى كويسة." جلس بها على الفراش، ووضعها بحرص عليه ودثرها جيداً بالغطاء، مكملاً بنبرة تهديد: "مش كده يا دكتورة." "هعمل كل جهدي، وإن شاء الله هتبقى كويسة جداً يا فارس باشا." أردفت بها الطبيبة وهي تقوم بتعبئة وتجهيز بعض الحقن والمحاليل الطبية،
وبعملية تابعت: "بس لازم نغير لها الأول هدومها المبلولة دي قبل ما أعلق لها المحلول، والأفضل لو ننقلها المستشفى؟! "هجيب لك المستشفى لحد هنا، بس هي مش هتخرج من القصر." قالها "فارس"، وهو يعدل وضع "إسراء"، وهم بخلع المنشفة عنها. لتشهق "خديجة" بعنف، وتركض نحوه، أمسكت يده وهي تقول بدهشة: "أنت بتعمل إيه يا ولد؟! أجابها "فارس" ببرود: "هقلعها الهدوم المبلولة!! "أنت ليه مصر تحسسني إني مربتكش في ثانية يا فارس؟!
قالتها "خديجة" ببكاء مصطنع، وهي تسحبه من يده بقوة حتى هب واقفاً ودفعته لخارج الغرفة، مكملة بأمر: "اتفضل على أوضتك غير هدومك أنت كمان، وأنا هجيب لها هدوم من عندي، وهغير لها." على مضض سار معها للخارج، بينما عيناه مثبتة على تلك الجميلة النائمة، محدثاً نفسه بانبهار: "ساحرة." وجه نظره للطبيبة وتحدث بصرامة، وحده: "خلي بالك منها، وكلمي المستشفى تبعت لك كل اللي تحتاجيه.. المهم عايز أشوفها كويسة بأسرع وقت.. مفهوم."
"مفهوم يا فارس باشا." أغلقت "خديجة" باب الغرفة خلفهما، ونظرت لـ"فارس" بابتسامة عابثة مرددة: "غير هدومك على ما أغير للبنت هدومها، وهجيلك علشان تفهمني إيه اللي بيحصل ده بالظبط يا فارس باشا." أنهت جملتها، وربتت على كتفه برفق، وسارت نحو غرفتها بخطوات مسرعة. نظر "فارس" لغرفة تلك من يدعوها بالساحرة متمتماً بسره: "ياترى لما تفوقي وتعرفي إنك في بيت فارس الدمنهوري اللي كل الستات تتمنى تعدي بس من قدامه هتعملي إيه؟!
ابتسم بمكر مكملاً: "شكلنا هنتسلى، ونقضي وقت لذيذ سوا يا إسراء." بدأ يفتح أزرار قميصه واحد تلو الآخر، وهو يسير نحو غرفته، بل جناحه الخاص. بالقرب من قصر الدمنهوري. يقف "تامر" حاملاً بيده "إسراء" الصغيرة، ويتحدث بغضب بصوت خفيض حتى لا يزعجها قائلاً: "أنت ماشي ورايا ولا إيه يا عماد؟!
"يا جدع أنت قلت لك إنت ابن منطقتي، وميهونش عليا أشوفك بتضيع كل حاجة في لحظة غضب.. أنت لو روحت ببنت أخوك لقصر الدمنهوري هتتاخد منك، وهتبقى خسرت أخوك وبنته كمان.. عشان كده جريت وراك، وقلت أنبهك للصح." قالها "عماد" بخبث. زحف القلق والخوف لقلب "تامر"، وضم الصغيرة لـ صدره بلهفة، ونظر لـ "عماد" وقال بتهكم: "وايه هو بقى الصح اللي أنت يا عماد هتنبهني ليه؟! جذبه "عماد" نحو التاكسي الخاص به، ودفعه للداخل برفق، مكملاً بجدية:
"تعالى بس نقعد في العربية خليني أفهمك." تنهد "تامر" بنفاذ صبر مغمغماً: "اخلص يا عم عماد في أم يومك ده مش فايق لرغيك." "لما تسمعني هتعرف إن كلامي صح وهتشكرني." أردف بها "عماد" بثقة وهو يستدير حول السيارة وجلس بجواره بمقعد السائق، وتابع قائلاً بما أمله عليه ذلك الشيطان المسمى بـ"سيد":
"دلوقتي أنا قبل ما أجلك شفت رجالة فارس الدمنهوري وهما واخدين أم مرات أخوك ورايحين بيها على القصر عند بنتها.. تقوم أنت رايح لهم برجلك بالبت الصغيرة، وطبعاً أمها هتصرخ وتمسك في بنتها، وأنت مش هتقدر تقف قدام فارس باشا ده." ابتسم بانتصار حين لمح القلق والخوف ظهر على وجه "تامر". بدأ يقود سيارته مبتعداً عن محيط قصر الدمنهوري، وهو يقول:
"بنت أخوك أنت أولى بتربيتها، واطمن طول ما هي معاك يبقى هتجيب لك أمها لغاية عندك، وساعتها هتعرف تاخد منها تار أخوك، وتريحه في نومته، وليك عليا هكلم لك كل رجالة الحتة، والسواقين حبايبي اللي يتمنوا يخدموني وهنكون في ضهرك، ولو فارس ده فكر يبعت الحرس بتوعه علشان ياخد منك البت هتبقى معركة هيطير فيها رقاب يا صاحبي." داخل جناح فارس.
يقف أمام المرآة يمشط خصلات شعره الحريرية بعناية. أمسك زجاجة عطره المفضل ذو الرائحة المثيرة، ونثر منها الكثير، وهم بالخروج من الغرفة متجه نحو تلك الساحرة، ولكن طرقات رقيقة على الباب يعلم هو صاحبتها جعلته ينفخ بضيق، ويقول بملل: "ادخلي يا ديجا عارف إنك مش هتسكتي غير لما تعرفي كل حاجة." "بالظبط كده." قالتها "خديجة" بعدما خطت للداخل، وأغلقت الباب خلفها، وسارت نحو أقرب مقعد واضعة قدم فوق الأخرى وبأمر قالت: "احكي حالاً."
تنهد "فارس" وهو يقول: "قلت لك هحكيلك بس خلينا نطمن على إسراء الأول." ضيقت عينيها، ورمقته بنظرة متفحصة، وهي تقول: "اطمن يا فارس.. إسراء أخدت الدوا اللازم وراحت في سابع نومة، والدكتورة جنبها، وقالت مش هتفوق قبل الصبح.. فتفضل احكي بالذوق وفهمني إيه اللي بيحصل.. علشان أنا مش أبجورة في البيت ده." أخذ "فارس" نفس عميق، وبدأ يخبرها بكافة شيء حتى انتهى.
"يعني "إسراء" دي للدرجاتي ساذجة علشان تقولهم إنها عارفة عنهم كل حاجة، وإنهم حرامية، وفاكرة إنهم هيسبوها في حالها بعد كلامها ده؟! هتفت بها "خديجة" بذهول. حرك "فارس" رأسه بيأس متمتماً: "ما أنا بقول لك أنا بحياتي مشوفتش بغبائها." ابتسم بإعجاب، وتابع بعبث: "غبية بس تجنن." لكزته "خديجة" بكتفه، وبتساؤل قالت: "طيب أنت ليه ساكت على اللي اسمه سيد ده بعد ما عرفت حقيقته؟ ظهر الغضب على وجه "فارس" وبتعقل شديد أجابها:
"سيد ده أنا ممكن أفعصه هو واللي وراه كلهم.. بس كده مش هعرف أوصل للراس الكبيرة." عقدت "خديجة" حاجبيها قائلة: "مش فاهمة قصدك؟ "فارس." "يعني سيد ده مجرد ديل لتعبان كبير.. لو قطعته التعبان هيهرب وهيفضل عايش مش هيموت.. فدلوقتي أنا ماسك ديل التعبان اللي هو سيد، وعن طريقه هوصل لراس التعبان، وأقطعها من جذورها." "ولحد ما توصل لراس التعبان "إسراء" هتفضل معانا هنا؟! أردفت بها "خديجة" بدهشة.
ليدهشها "فارس" أكثر حين قال بابتسامة مصطنعة، وهو يحرك رأسه بالإيجاب: "هي ووالدتها وبنتها اللي جايين في الطريق." همت "خديجة" بالرد عليه، لكن طرقات على الباب وصدع صوت إحدى العاملين بالمنزل باحترام قائلاً: "فارس باشا رئيس الحرس عايز يقابل سيادتك، ومعاه واحدة ست." هب "فارس" واقفاً، واتجه نحو الخارج وهو يقول: "دي أكيد والدة إسراء." "استني خدني معاك أرحب بيها.. دي مهما كان في بيتنا، وإكرام الضيف واجب."
قالتها "خديجة" وهي تسير بجواره لخارج الجناح. بردة القصر. دفع إحدى الحرس الكرسي المتحرك التي تجلس عليه "إلهام" الباكية بصمت. "أهلاً وسهلاً يا مدام إلهام." قالها "فارس" وهو يقترب منها بخطواته الرزينة الواثقة حتى توقف أمامها مباشرة مكملاً: "أنا فارس الدمنهوري صاحب الشركة اللي جوز بنتك كان شغال فيها." "بنتي.. هي فين بنتي.. دي خارجة تعبانة أوي امبارح، وأنا قلت لها متخرجش مسمعتش كلامي، وأديني مش عارفة هي فين دلوقتي."
قالتها "إلهام" ببكاء حاد. لتقترب منها "خديجة"، وتربت على ظهرها بحنان قائلة: "متخفيش إسراء هنا معايا فوق." نظرت لها "إلهام" وقالت بلهفة: "بنتي هنا.. هي فين.. هي كويسة.. حصلها حاجة.. أبوس إيدك وديني عندها.. عايزة أطمن عليها." جلس "فارس" على أقرب مقعد وتحدث بتعقل قائلاً: "مدام إلهام أهدي من فضلك، واطمني إسراء كويسة، وهتطلعي تشوفيها وتطمني عليها كمان بس لازم أتكلم معاكي الأول." "إلهام" بابتسامة من بين دموعها:
"أنت يا ابني شكلك راجل شهامة، وزوق زي ما إسراء بنتي قالت لي عنك." اعتلت ملامح "فارس" الدهشة، وتحدث بذهول قائلاً: "إسراء قالت لك عني كده؟! أجابته "إلهام" بتلقائية: "أيوه يا ابني شكرت لي في أخلاقك، وقالت لي إنك هتساعدها تاخد معاش جوزها الله يرحمه." انبلجت ابتسامة على وجه "فارس" قمعها سريعاً، حين أجهشت "إلهام" بالبكاء وتابعت برجاء:
"بس الله لا يسيئك يا ابني ساعدنا نرجع بنت إسراء اللي عمها خدها مني غصب عني.. إسراء روحها في بنتها، ومتقدرش تبعد عنها لحظة واحدة." أثناء حديثها صدع صوت رنين هاتف "فارس": "لحظة واحدة وابقى معاكي." أنهى جملته، وأجاب على الفور: "إيه الأخبار؟ "تامر ركب تاكسي، وشكله راجع بيته، واحنا وراه يا فارس باشا." "خليهم وراه، واستنى مني تليفون." قالها "فارس" وأغلق الهاتف، ونظر لـ"إلهام" وقال بهدوء:
"أنا عرفت اللي تامر عمله معاكي، والكلام اللي قاله في حق بنتك، وأنا أقدر أجيب بنت إسراء منه في غمضة عين.. بس هجيب البنت من عمها بصفتي إيه؟! لو عملت كده هبقى بأكد كلامه علينا فعلاً." ابتلعت "إلهام" ريقها بصعوبة وهي تقول: "عندك حق يا ابني." جحظت أعين "إلهام" حين قال "فارس": "علشان كده أنا بطلب منك إيد إسراء يا مدام إلهام." نظرت له "إلهام" نظرة يملؤها الحزن، وبأسف قالت: "بنتي مستحيل توافق تتجوز بعد جوزها يا ابني."
جملتها أشعلت غضب "فارس" ولكنه تحكم بغضبه، وقال بثقة: "مافيش حاجة اسمها مستحيل، وأنا واثق إنها هتوافق." تابع محدثاً نفسه بغرور: "مقدرتش ترفض فارس الدمنهوري." لتحرك "إلهام" رأسها بالنفي وبثقة عمياء قالت: "بنتي مش هتوافق.. دي بتعشق جوزها، ومش هتكون زوجة لغيره." صك "فارس" على أسنانه، وهب واقفاً وهو يقول بتحدي: "هتوافق.. أنا هخليها توافق."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!