"أنت بتخرف بتقول إيه يا جدع إنت؟! قالها "تامر" بغضب عارم، وهو يقبض على عنق إحدى رجال "سيد شعلان". دفعه الرجل بعيداً عنه بعنف، وتحدث بلا مبالاة قائلاً: "وأنا مالي يا عم تامر أنا بقولك شوفت مرات أخوك بعيني، والباشا فارس الدمنهوري شالها على إيده وركبها عربيته، وجيت أقولك علشان إنت ابن منطقتي، وميصحش أشوفك بقرون لامؤاخذة. تقوم إنت سايب المعزة السايبة اللي عندكم وتمسك فيا أنا؟!
إنهال عليه "تامر" بلكمات عنيفة متتالية، وبثقة تحدث قائلاً: "مرات أخويا أشرف من الشرف يا ابن ال***." أسرع المارة بالطريق بإبعادهم عن بعضهما. ليصرخ الرجل بغيظ شديد قائلاً: "لو مش مصدقني روح شوفها بنفسك في قصر الدمنهوري. أكيد هياخدها على هناك زي كل مرة. وساعتها هتعرف إنها خلصت من أخوك علشان تعرف تاخد راحتها مع صاحب الشركة." تعمد رفع صوته بكلماته السامة حتى يتسبب بفضيحة على الملأ.
رمقه "تامر" بنظرة حارقة، وركض مسرعاً نحو منزل زوجة شقيقه. كانت ملامحه لا تبشر بالخير وكأن شياطين الأرض تملكت منه وتدفعه بقوة لارتكاب جريمة قتل. أقسم أن رأى "إسراء" الآن لن يتركها إلا وهي جثة هامدة لا محالة. وصل للمنزل وخطي مندفعاً نحو الداخل. لتقابله زوجته "إيمان" التي شهقت بعنف فور رؤيته بهذا الشكل، وتملك الفزع من قلبها حين رأته يصعد الدرج كل درجتين معاً متجه نحو شقة صديقتها الغالية التي تعتبرها بمثابة شقيقتها.
ركضت خلفه، وهي تردد اسمه بلهفة قائلة: "تامر.. استنى رايح فين بس؟! كانت "إلهام" تداعب حفيدتها، وتحتضنها بحب شديد متمتمة: "قلب ستك، ونن عينها يا ضنايا." قبلتها مرات متتالية. "نسخة من أمك وهي صغيرة يا إسراء. سبحان الخالق المبدع. ربنا يحفظك إنتي وهي يا حبيبتي، ويرزقك يا إسراء يابنتي بفرحة قريبة تعوضك عن تعبك وحزن قلبك؟! إنتفضت بهلع وبكت الصغيرة بخوف حين اقتحم "تامر" الباب الخشبي المتهالك، واندفع للداخل، وهو يصرخ قائلاً:
"إنتي فين يا مرات أخويا.. إنتي فين يا بنت الأصول؟! "أهدي يا تامر.. مينفعش اللي بتعمله دا." هتفت بها "إيمان" ببكاء، وهي تمسك ذراعه تسحبه نحو الخارج. دفعها بعنف بعيداً عنه. لتسقط أرضاً وتتأوه بصوت خفيض، ولكنها هبت واقفة واسرعت بالركض خلفه مرة أخرى. اندفع هو لداخل الغرفة الوحيدة الجالسة بها "إلهام"، ووقف أمامها مباشرة وتحدث بأنفاس متهدجة تدل على شدة غضبه. "بنتك فين يا إلهام؟ نظرت له "إلهام" بذهول، وتحدثت
بخوف من هيئته قائلة: "في إيه يا تامر يا ابني.. عايز إيه من إسراء؟! مال "تامر" عليها قليلاً، وصرخ بوجهها فجأة قائلاً: "أنا مش ابنك.. إنتي واحدة متعرفيش تربي، وردي عليا قوليلي فين بنتك الصايعة اللي مرافقة صاحب الشركة وقتلت أخويا علشان يخلللها الجو معاه يا إلهام؟! لطمت "إيمان" وجنتيها وازدادت نشيجها، وهي تستمع لحديث زوجها اللاذع. بينما اشتعلت أعين "إلهام" بالغضب، وضمت حفيدتها بيد، ودفعته بيدها الأخرى بكتفه بكل قوتها
مرددة بصراخ هي الأخرى: "أخرس يا قليل الأدب.. قطع لسانك.. أنا بنتي متربية أحسن تربية، وصاينة شرف أخوك وهو في قبره، ويله اطلع بره من هنا. أنا ساكتة على عمايلك دي لغاية دلوقتي علشان خاطر إنت أخو رامي اللي كنت بعتبره ابني. لكن توصل إنك تتهجم عليا بالمنظر دا وتغلط في بنتي. يبقى تطلع بره بدل ما ألم عليك الناس وأعملك محضر في القسم كمان." ابتسم لها "تامر" ابتسامة مصطنعة، وتحدث بهدوء مخيف قائلاً:
"عندك حق. بنتك وإنتي أدرى بيها وبتربيتها." توجه بنظره للصغيرة التي تختبئ بخوف داخل حضن جدتها، ومد يده جذبها منها بالقوة غير عابئ لصرختها، وصرخات "إلهام" تردد بنبرة متوسلة: "سيب البت يا تامر.. حرام عليك.. سيب البت هتكسر إيديها." "بنت أخويا.. لحمي، وأنا أولى بيها، وبنتك اللي مرمغت شرف أخويا في الطين، والله ما هسيبها." قالها وهو يسير بالصغيرة نحو الخارج بعدما تمكن من أخذها من جدتها بصعوبة.
اقتربت "إيمان" بلهفة تساند "إلهام" التي أوشكت على السقوط من أعلى الفراش وساعدتها على الاعتدال بجلستها وهي تقول بنحيب: "حقك عليا أنا يا خالتي، واهدي ونبي وأنا هجبلك إسراء لما تامر يهدي." ضربت "إلهام" بكلتا يديها على صدرها مرددة ببكاء حاد: "خد البت يا إيمان.. خد مني البت.. أقول لأمها إيه لما ترجع.. يا حرقة قلبك يابنتي اللي مش عايزة تهدي، ولا تنطفي." رفعت عينيها الباكية للسماء وصرخت بحرقة من صميم قلبها:
"ظلموا بنتي ياااارب.. اتهموها في شرفها، وبنتي عفيفة، وإنت عالم بيها ياارب.. اااه يا إسراء.. إنتي فين يا ضنايا." *** داخل قصر الدمنهوري. صف "فارس" سيارته، وهبط منها حامل بين يديه "إسراء" الغائبة عن الوعي. سار بها بخطى مسرعة نحو الداخل. لتقابله امرأة بأواخر عقدها الرابع. ذات وقار وهيبة شديدة. عقدت حاجبيها ورمقته بنظرة مندهشة مرددة: "فارس.. إيه اللي بيحصل دا؟! وجهت نظرها لـ "إسراء" وتابعت بفضول: "ومين دي؟!
"هقولك يا عمتي.. بس قوليلي الدكتورة اللي بعتها على هنا وصلت، ولا لسه؟ قالها "فارس" وهو يصعد بها الدرج وعينيه مثبتة على ملامح "إسراء" الفاتنة رغم شحوب وجهها. "اسمي ديجا يا ولد إنت فاهم، وإياك تقول عمتي دي تاني." قالتها "خديجة" بغيظ، وهي تصطك على أسنانها. وصعدت خلفه الدرج بلهفة، وفضول شديد. "أنا هنا يا فارس باشا." أردفت بها الطبيبة، وهي تنتفض واقفة، وتركض بهرولة خلف "فارس" الذي تحدث بأمر: "تعالي ورايا بسرعة."
انتقى غرفة تقع جوار غرفته الخاصة، وسار بها لداخلها. اقترب من الفراش، ووضعها بحرص وهو يتأملها بنظرة إعجاب واضحة. لكنه أخفاها سريعاً. حبس أنفاسه، وسحب يده من حولها ببطء لينتفض قلبه وجسده برجفة طفيفة، ولكنها راقته كثيراً. اعتدل واقفاً يهندم ثيابه بهنجعية، وقد عادت ملامحها الصارمة، وتحدث بنفاذ صبر موجهاً حديثه للطبيبة التي تنظر له بنبهاار، وهيام. "ما تشوفي شغلك يا ماما!!
تنحنحت الطبيبة بحرج، واقتربت من "إسراء" وبدأت تفحصها بدقة تحت أنظار "فارس" الجامدة، ونظرات "خديجة" له العابثة حين شعرت بقلقه الذي يجاهد بإخفائه. بدأت الطبيبة تبعد عن "إسراء" حجابها ليظهر خصلات شعرها الحريرية بلونهم الكستنائي الساحر، وهمت بخلع عبائتها. لتسرع "خديجة" نحو "فارس" بخطوات هادئة، وسحبته من يده نحو الخارج متمتمة بخجل: "استنى بره يا ولد يا فارس يا نوتي." رفع حاجبيه بدهشة مردداً كلمتها: "نوتي؟!
أشار على جسده مفتول العضلات مكملاً: "كل دا ونوتي إزاي يا عمتي؟! "اممممم." دمدمت بها "خديجة" بتحذير. لتتعالى ضحكات "فارس" وأشار لها أن تهدأ وهو يقول: "طيب خلاص متزعليش يا ديجا، وادخلي للبنت اللي جوه دي، ولا أدخلها أنا." لكزته بقبضة يدها بكتفه برفق، وعادت لداخل الغرفة، وهي تقول قبل أن تغلق الباب:
"يا سلام على الإنسانية.. يا سلام على الشهامة اللي نزلت عليك. بس أنا فاهماك كويس يا ابن أخويا، وعارفة إنك هتموت وتشوف البنت لابسة إيه تحت هدومها." "دي حقيقة فعلاً." قالها "فارس" بابتسامة لعوب. لتتورّد وجنتا "خديجة" بحمرة الخجل، وبغضب مصطنع قالت: "مافيش فايدة فيك.. خليك إنت هنا وأنا هفضل معاها، وإياك تدخل يا فارس. خليك مؤدب مرة واحدة، ولما أخرجلك هتحكيلي كل حاجة بالتفصيل. فاهم." أنهت جملتها واغلقت الباب بوجهه.
جعله يعض شفتيه السفلية بغيظ مغمغماً: "ماشي يا عمتييييي." مسح على جبهته صعوداً بشعره كاد أن يقتلعه من جذوره من شدة غيظه محدثاً نفسه: "مؤدب إزاي بس يا ديجا بعد ما شفت بيجامتها الروز اللي طيرت عقلي المرة اللي فاتت." تراقصت ابتسامة ماكرة على محياه الوسيم مكملاً: "ياترى لابسة لون إيه المرادي تحت عبايتك اللي تجنن دي يا إسراء؟! رفع إحدى حاجبيه، وهم بفتح باب الغرفة وهو يقول: "وأنا هحير نفسي ليه.. أنا هدخل أعين بنفسي."
أوقفه رنين هاتفه. فأخذ نفس عميق، وضغط زر الفتح وتحدث بصرامته المعهودة قائلاً: "إيه الأخبار؟! أجابه الطرف الآخر على الفور: "كل اللي قولته حصل فعلاً بالحرف يا فارس باشا. رجالة سيد وصلوا لـ تامر أخو رامي وبلغوه بوجود مرات أخوه في القصر عند سيادتك. بقى زي المجنون، وطلع على بيت مرات أخوه خد البنت الصغيرة واحنا وراه دلوقتي. شكله جاي عندك في القصر." ساد الصمت لبرهة. قطعها "فارس" بتساؤل:
"ووجدة البنت فين دلوقتي، وإزاي سبته ياخد البنت بالسهولة دي؟ "إحنا عرفنا إن جدتها قعيدة، وللأسف سمعنا صوتها وهي بتصرخ وبتنادي عليه زي المجنونة." أطبق "فارس" جفنيه بعنف، وتحدث بأمر قائلاً: "ابعت عربية تجيب جدتها على القصر هنا حالاً، وخليكم ورا تامر دا، وبلغوني بكل جديد." "تحت أمرك يافندم." أغلق هاتفه، وهم بفتح الباب مرة أخرى. لتسبقه "خديجة" التي فتحت الباب، وتحدثت بفزع وخوف ظاهر على ملامحها:
"فارس الحق البنت حالتها صعبة أوي و؟ لم ينتظر لسماع باقي جملتها، واندفع نحو الداخل دون إرادته حتى أصبح بجوار "إسراء" على الفراش التي بدأت تتشنج بقوة، وتصطك على أسنانها بعنف، وعينيها زائغة. أسرع بإحتوائها داخل ذراعيه كمحاولة منه لتهدئتها، ونظر للطبيبة نظرة ارتعد قلبها منها، وهو يقول بصوت عالٍ للغاية: "إيه اللي بيحصلها دا انطقي." أجابته الطبيبة بصوت مرتجف:
"درجة حرارتها عالية جداً بسبب التهاب شديد في جرح إيديها، ولازم ننزل الحرارة بحمام ميه بارد حالاً." بلحظة كان حملها "فارس" بين يديه للمرة الثانية. وخطى بها لحمام الغرفة. أحكم يده حول خصرها، وأوقفها على قدميه، وفتح صنبور المياه بيده الأخرى. لتنهمر المياه الباردة فوقهما جعلتها تشهق بقوة، وتنكمش داخل حضنه متمسكة بثيابه بكلتا يدها، وجسدها بدأ يهدأ قليلاً، وتهاوت بين يديه. حاوطها بذراعيه سريعاً.
رأسها تتوسط عنقه، وانفاسها الساخنة تلفح بشرته تجعله يغلق عينيه بستمتاع متمتماً: "طلعتيلي منين." "رامي." همست بها بصوت يكاد يسمع، وهي تحاوط عنقه بوهن، وتتأوه بتعب شديد، وبدأت تبكي بضعف وتهذي بكلمات اعتصرت قلبه حين قالت: "متسبنيش.. خدني من الدنيا دي.. أنا تعبت." "مش هسيبك." همس بها داخل أذنها وهو يزيد من ضمها بقوة داخل صدره. بمكان آخر. "سيد بيه الواد أخو رامي واخد بنته وطالع على قصر الدمنهوري."
قالها أحد رجاله بخوف شديد. ليصرخ "سيد" بأمر قائلاً: "أوعى يدخل بالبنت الصغيرة القصر. لازم تفضل بره. دي اللي هتجيب رقبة أمها تحت رجلينا." "يعني نعمل إيه يا بيه؟! أجابه "سيد" بشيطانية: "امنعوه يوصل بيها للقصر بأي طريقة، هدده. خوفه. اضرب عليه نار. المهم البنت تفضل بره سطوة الدمنهوري. علشان طول ما هي بره أمها هتخرج وتبقي عايزة تشوفها، وساعتها أجيبلك خبرها."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!