أشرقت شمس صباح يوم جديد.. "فارس".. لم يغمض له جفن.. ظل طيلة الليل بغرفة الرياضة المتواجدة داخل الجناح الخاص به.. يفكر بما يحدث له، وظهور تلك الساحرة بحياته التي تجعل ابتسامته تظهر على محياه الصارمة كلما تذكر نظرة عينيها الحزينة.. ابتسامتها الزائفة.. ملامحها الملائكية التي تروقه كثيراً..
توقف عن حمل الأوزان الثقيلة رياضته المفضلة، وأمسك منشفة قطنية يجفف بها عرقه، وسار نحو الخارج بخطوات مهرولة حين رأى إحدى الممرضات عبر شاشة عرض كبيرة تظهر كل شبر داخل وخارج قصره.. تسير الممرضة نحو غرفة "إسراء"، وبجوارها إحدى العاملات بالقصر تقوم بسحب عربة صغيرة موضوع عليها الطعام.. "أيه أخبار إسراء هانم دلوقتي؟! قالها "فارس" بصوته الصارم.. فأجابته الممرضة بعملية قائلة..
"الحمد لله يا فارس باشا.. الحرارة بدأت تهدي شوية.. بس الهانم رايحة في سابع نومتها. حاولنا كذا مرة نصحيها، ومش عارفين، ووالدتها طلبت نسيبها وهي هتصحيها بس للأسف نامت جنبها، ولازم الهانم تصحي علشان تاكل، وتاخد باقي علاجها".. "أنا هصحيها".. قالها "فارس" وهو يسير نحو الغرفة وفتح الباب، وخطى للداخل دون أدنى استئذان..
كانت "إلهام" تجلس بجوار "إسراء" بعدما أصرت أن تظل بجانبها رغم إلحاح "خديجة" عليها حتى تستريح بغرفتها بجوار غرفتها، وتترك الطبيبة والممرضات برفقة "إسراء".. غلبها النعاس بعد ساعات طويلة من البكاء الشديد حين رأت مدى تعب وضعف وحيدتها.. فنامت بثيابها، وحجابها وهي جالسة..
صوت أنين هامس جعلها تفتح عينيها بفزع، وشهقت بصوت خفيض عندما وجدت "فارس" يقوم بحمل "إسراء" الغارقة بالنوم أثر دوائها، ولف يده حول خصرها ورفعها قليلاً، وأسرع بالجلوس خلفها على الفراش جعل ظهرها مقابل صدره.. جحظت أعين "إلهام" من فعلته هذه التي أصابتها بالصمت للحظات.. انتبه "فارس" لها.. فنظر نحوها بابتسامة وهو يقول.. "صباح الخير يا مدام إلهام".. "خير أيه يا بيه؟!
أردفت بها "إلهام" بذهول وهي تتأمله بدهشة، وهو محتضن ابنتها بتملك، وجرأته شديدة ملتف بكلتا يديه حولها، ومستند بذقنه على كتفها.. في لحظة كانت مدّت يدها، وأمسكت يد ابنتها تجذبها عليها ببعض القوة غير منتبهة لتلك الإبرة الموضوعة بكفها مكملة حدّتها.. "حصلت تدخل عليا أنا وبنتي واحنا نايمين؟! .. أنا عارفة إننا في بيتك بس اللي بتعمله دا ميصحش يا بيه، واتقي الله، وأبعد إيدك عن بنتي"..
"أهدي يا مدام إلهام، وحاسبي إيد إسراء فيها كده النه".. قالها "فارس" بلهفة وهو يزيد من ضم "إسراء" داخل صدره بحماية.. لتبعد "إلهام" يده بعنف مغمغمة بغضب.. "يا بيه اختشي على دمك وسيب البت عيب كده".. أكملت بسرعة.. "وانا اللي فكرتك محترم".. لم تعطيه فرصة للرد عليها، ونظرت للممرضة الواقفة تتابع ما يحدث بنظرات منذهلة، وتابعت بأمر.. "أنتِ اللي واقفة تتفرجي.. شيلي السلك اللي في إيد بنتي دا أوامر"..
انصاعت الممرضة لها في الحال لتتفادي الأذى ليد "إسراء".. لتتمكن "إلهام" بضم وحيدتها بعدما تركها "فارس" بصعوبة، وهبَّ واقفاً وتحدث ببرود قائلاً.. "ليه كل عملك دي يا مدام إلهام!! .. أنا طلبت إيد إسراء للجواز يعني هي بقت في مقام خطبتي".. عدّلت "إلهام" وضع "إسراء" على الفراش، ودثرتها بالغطاء جيداً.. حتى أنها قامت برفع الغطاء على وجهها وشعرها.. ليرفع "فارس" حاجبيه وهو يقول بلهفة فشل في إخفائها..
"ابعدي الغطا عن وشها علشان نفسها".. تنهدت "إلهام" وتحدثت بتعقل قائلة.. "بنتي مش خطبتك لسه يا بيه، وحتى لو بقت خطبتك ميصحش تدخل عليها وهي نايمة وتحضنها بالشكل دا.. لأنها لسه مش حلالك، ومظنش إنها هتكون.. إسراء مستحيل توافق عليك يا ابني.. فمتعشمش نفسك بحاجة مش هتحصل".. صَكَّ "فارس" على أسنانه وهو يقول بغرور.. "بنتك مش هتكون غير مرات فارس الدمنهوري.. يعني ملهاش حرية ترفض".. أنهى جملته، وسار لخارج الغرفة بخطوات غاضبة..
تاركًا "إلهام" تنظر لأثره بخوف شديد من نبرة التهديد التي تملئ صوته.. أذْرَدَتْ لعابها بصعوبة، وأسرعت بإبعاد الغطاء عن وجه ابنتها، وحدَّثتها برجاء قائلة.. "إسراء فوقي يا ضنايا خلينا نروح بيتنا.. أنا عارفة إنك تعبانة أوي.. بس قومي يا بنتي عشان نمشي من هنا الله لا يسيئك، ولما نروح هسيبك تنامي زي ما أنتِ عايزة".. خبطت على وجنتيها برفق مكملة بصوت متحشرج بالبكاء.. "يا بنتي قومي متوجعيش قلبي".. "آآه يا ماما مش قادرة"..
همست بها "إسراء" بضعف شديد دون أن تفتح عينيها، تأوهت بقوة أكبر وبدأت تفتح عينيها ببطء متمتمة بوهن.. "بنتي فين".. فتحت عيونها أخيراً ونظرت حولها باستغراب مكملة بتساؤل.. "احنا فين يا ماما؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!