"إسراء".. تجلس على الفراش بملامح شاحبه من شدة تعبها، تحمل صغيرتها بين يديها وتقوم بإرضاعها. الطعام الوحيد المتاح لديها. كتمت آهة نابعة من ألم قلبها، وليس ألم ذراعها الذي لم يشفَ بعد رغم أنه مر عليه أكثر من أسبوع. ولكن قلة غذائها وعدم توافر المال لجلب الدواء جعله لم يلتئم، بل زادت حالته سوء، وهي تتحامل على نفسها أضعاف فوق طاقتها. شعرت بدوار عنيف يجتاحها، وبدأت تتصبب عرقًا غزيرًا. فضمت صغيرتها بحب تستمد منها بعض القوة،
متمتمة بضعف: "يارب اديني الصحة لخاطر أمي وبنتي". جاهدت حتى لا تفقد وعيها، ومدت يدها لكوب من الماء موضوع على كرسي صغير بجوار الفراش. ارتشفت منه قليلاً، وعدلت وضع صغيرتها التي غاصت بنوم عميق، ووضعتها بحذر بجوار والدتها النائمة بعدما أمطرتها بوابل من القبلات المتفرقة على وجهها الملائكي.
أخذت نفسًا عميقًا، وغادرت الفراش بوهن متجهة نحو عباءتها السوداء، ارتدتها على عجل، وحجابها من نفس لون العباءة. واقتربت من والدتها، مسدت على يدها بحنو ومالت على أذنها قائلة بهمس: "ماما أنا خارجة يا حبيبتي.. إسراء نايمة جنبك، وأنا بأمر الله هحاول متأخرش عليكم". فتحت "إلهام" عينيها ونظرت لها، وتحدثت بلهفة حين لمحت شحوب وجهها: "رايحة فين يا بنتي، وإنتي شكلك تعبانة أوي كده؟! توجهت بنظرها للشرفة وتابعت بذهول:
"هتخرجي إزاي دلوقتي، والشمس لسه مطلعتش يا إسراء؟! ابتسمت لها "إسراء" ابتسامة باهتة، وبأسف قالت: "الجو مغيم شوية، وشكلها هتمطر، واطمني الساعة سبعة ونص يا ماما". اعتدلت "إلهام" وجلست على الفراش، وبقلق قالت: "طيب قوليلي إنتي رايحة فين بس يا بنتي.. أنا ببقى قلقانة عليكي، ومش عارفة إنتي فين ولا بتعملي إيه". ربتت "إسراء" على ظهرها بحنان بالغ، وأردفت بتنهيدة:
"يعني هكون بروح فين يا ماما.. اديني بلف يمكن ربنا يكرمي بأي حاجة أشتغل فيها.. مش عايزة أهلك تقلقي عليا يا حبيبتي، ولو إسراء جاعت اديها لقمة عيش تاكلها على ما أرجع، وإن شاء الله ربنا يرزقني وأرجع لكم بأكلة حلوة". "طيب ريحي قلبي يا بنتي وقوليلي إيه اللي حصل معاكي لما رحتي لصاحب الشركة.. قولولي يا بنتي الراجل عمل معاكي إيه، إنتي من يومها مش عجباني ولا اللي قولتييه دخل دماغي يا إسراء".
أردفت بها "إلهام" بصوت متحشرج بالبكاء. أطبقت "إسراء" جفنيها بعنف لكبح عبراتها، ورسمت ابتسامة زائفة على ملامحها الفاتنة، وتحدثت بجدية قائلة: "وأنا من إمتى بخبي عليكي حاجة يا ماما!! الراجل طلع في منتهى الذوق زي ما قولتلك، وخد مني الورق، وقالي هيتابع الإجراءات بنفسه بس طلب استنى عليه أسبوعين تلاتة على ما يخلص شغل مهم في إيده، وهيبعتلي معاش رامي الله يرحمه لحد عندي كمان". رمقتها والدتها نظرة متفحصة، وحركت رأسها بالإيجاب،
وهي تقول: "ادينا داخلين في الأسبوع التاني أهو.. وماله نستنى ونشوف إيه اللي هيتم، والميه تكدب الغطاس". "ادعيلي".. قالتها "إسراء" وهي تسير نحو الخارج، غالقة الباب خلفها، ووقفت أمامه تبكي بصمت متمتمة بسرها: "أقولك إيه بس يا ماما.. اللي حصلي على إيد المغرور ده ميتقالش". جففت عبراتها، وهبطت الدرج بخطى مرتجفة حين داهمتها برودة الجو الشديدة.
"توكلت على الله".. همست بها بقلب يستجدي المولى أن يرزقها رزقًا حلالًا من حيث لا تدري ولا تحتسب. تسير بطريقها كالسيف، غافلة عن تلك السيارة التي تتابعها منذ خروجها من منزلها. بها مجموعة من الرجال يتابعون كل ما تفعله ويقومون بتصويرها. ... بقصر الدمنهوري.. رنين هاتف باستمرار أزعج ذلك الوسيم الذي أوشك على النوم بعد مكوثه بإحدى الملاهي الليلية حتى شروق الشمس.
اعتدل بتكاسل، وأمسك هاتفه، ضغط زر الفتح، وتحدث بصوته الصارم قائلًا: "إيه الأخبار؟ أتاه الرد سريعاً: "فارس باشا.. البنت خرجت من بيتهم زي كل يوم بتلف على المحلات تسأل عن شغل.. بس شكلها انهاردة تعبانة أوي، ورجعت أكتر من مرة، وكل ما تحس إنها هتقع بتقعد على الأرض". انتفض من على الفراش، وهب واقفًا وسار نحو غرفة الثياب، أخرج ملابس له وبدأ يرتديها وهو يقول بأمر: "ابعتلي لوكيشن بمكانها حالًا". "أمرك يا باشا".
أغلق الهاتف، وتابع ارتداء ثيابه محدثًا نفسه بغيظ: "أنا شفت حريم كتير يمكن بعدد شعر راسي.. لكن مشوفتش زيك ولا زي غبائك يا إسراء!! صك على أسنانه حين تذكر حديثها المتهور التي ألقته بدون ذرة تفكير منها. .. فلاش باااااااااااك .. كان يقبض على عنقها بقبضة يده بقوة، كاد أن يزهق روحها، ولكنه ابتعد عنها ببطء حين أخبرته أنها أرملة لإحدى العاملين بشركته. تطلع لها قليلاً، ومن ثم سار للخارج بخطوات مسرعة.
لتسرع هي، وتعتدل بوهن جالسة، وبحثت بعينيها عن عباءتها. وجدتها موضوعة بجوارها على الفراش. نزعت تلك الإبرة من يدها الموصلة بمحلول معلق بجوار الفراش. وارتدت ثيابها، وهبت واقفة بصعوبة. وسارت نحو الخارج بخطى مجهدة. كان "فارس" يقف أمام الباب واضعًا كلتا يديه بجيب سرواله. شهقت بصوت خفيض حين لمحته. رمقته بنظرة محتقرة وهي تقول: "حيوان بهيئة إنسان". نظر لها نظرة دبّت الرعب بأوصالها، واقترب منها مال على أذنها، وهمس بوعيد:
"سمعتك على فكرة، وهحاسبك على غلطك ده". ضحكت ساخرة. ضحكة أظهرت جمال وفتنة ثغرها المزموم، وبصوتها الساحر قالت: "هتقول لرجالتك تضربني بالنار تاني؟! قالتها، ولم تنتظر منه إجابة، وبدأت تسير نحو الخارج متمتمة: "حسبي الله ونعم الوكيل". "استني".. أردف بها "فارس" بحدة أوقفتها دون إرادتها. سار نحوها، وتابع حديثه وهو يشير نحو مجموعة من العاملين يقربون نحوهما. "إنتي مش جاية عايزة معاش جوزك؟ "إسراء" بنظرة حارقة:
"يغور من وشك المغرور ده يا فارس بيه". "لو غلطتي تاني صدقيني هندمك على اليوم اللي اتولدتي فيه". قالها "فارس" بابتسامة مصطنعة، وهو يتعمق النظر لعيينها الواسعة التي تأثر بجمالها لينتبه على صوت أحدهم يقول بعملية: "فارس باشا أنا "سيد شعلان" مدير المصنع اللي كان شغال فيه رامي حسنين". "شنطتي".. قالتها "إسراء" وهي تجذب حقيبتها من يد إحدى الواقفين بعنف. على مضض ابتعد "فارس" بنظره عنها، ونظر لذلك الشخص وتحدث بصرامة قائلاً:
"ليه متصرفش لأهل "رامي" معاشه لغاية دلوقتي يا أستاذ سيد؟! أجابه قائلاً: "لأنه اتطرد من الشغل يا فندم بعد ما اتماسك وهو بيسرق". "اخرس قطع لسانك.. أنا جوزي أشرف منك، ومن اللي مشغلهم كلهم". صرخت بها "إسراء" بغضب عارم، وصمتت لبرهة وتابعت بهدوء مريب: "يا سيد يا حرامي ياللي بتسرق الراجل! نظرت لـ"فارس" وأكملت بأسف مصطنع:
"المغرور ده ولبستها لجوزي الغلبان، وموته بحسرته بعد ما اتهمته إن هو اللي سرق.. بس ربك مبيرضاش بالظلم وخلى جوزي يحكيلي تاريخكم الأسود كله، وكنت ناوية أقوله لصاحب الشركة". شحبّت ملامح "سيد" وازداد لعابه بصعوبة، وهو يتنقل بنظره بينها، وبين "فارس" الواقف يتابع كل ما يحدث بصمت، وهدوء مريب. أخذت "إسراء" نفسًا عميقًا، ونظرت لـ"فارس" بستحقار، وأكملت قائلة:
"بس اطمن يا سيد يا حرامي أنا مش هحكي لولي نعمتك عن عمايلكم السودة خصوصًا بعد ما شفت كمية الغرور اللي عنده دي". أنهت جملتها، وسارت من أمامهم جميعاً. ليسرع "سيد" ويتحدث بخوف ظاهر على محياه: "دي بتكدب يا فارس باشا.. أنا شغال مع سيادتك من أكتر من 15 سنة من أيام محمد باشا والد حضرتك، وتاريخي يشهد عليا". أشار له "فارس" بالصمت، وسار من أمامه وهو يقول: "هاتلي ملف رامي ده على مكتبي حالًا". "أمرك يا باشا".
انتظر حتى اختفى "فارس" عن عينيه، ونظر لإحدى الواقفين جواره، وتحدث بأمر: "البت دي لازم تحصل جوزها بأسرع وقت.. قبل ما تقول للباشا اللي تعرفه عننا.. عايزها تموت من غير نقطة دم.. تقطعوا عنها أي وسيلة مساعدة.. خليها تموت من الجوع ومتلاقيش اللقمة.. مفهوم". ابتسم له رجل ابتسامة شريرة مرددًا: "طبعاً مفهوم.. دي رقبتها يا رقبتنا يا كبير". بينما بعث "فارس" رسالة للحرس الخاص به محتواها:
"عايز حراسة مكثفة على البنت اللي هتخرج من الشركة دلوقتي". حرك رأسه بيأس محدثًا نفسه: "مش هيسبوها بعد كلامها ده". نهاية الفلاش باااااااااااك .. ارتجل سيارته، وقاد بنفسه خلفه سيارات الحراسة الخاصة به متجهًا نحو العنوان التي تتواجد به تلك الساحرة. كانت "إسراء" تستعد للنهوض بعد جلوسها فترة على جانب الطريق حين داهمها دوار عنيف، وبدأ جسدها يرتجف بوضوح. وتتعرق بغزارة رغم أنها تشعر ببرودة شديدة تكاد أن تكسر عظامها.
استطاعت الوقوف بصعوبة بالغة، وسارت نحو إحدى المتاجر، وهمت بدفع الباب الزجاجي. ليوقفها رجل الأمن الواقف على الباب قائلاً: "ملكيش شغل هنا يا ست.. اتكلي على الله يله". تلاحقت أنفاسها دليلًا على شدة تعبها، ونظرت له بذهول، وبصوت ضعيف قالت: "انت عرفت إزاي إني هسأل عن شغل؟! وبعدين ما إنتو معلقين ورقة على الباب أهي طالبين ناس تشتغل". "يله يا ست من هنا الله لا يسيئك مش ناقصين مصايب".
قالها الرجل بنبرة راجية، وعيناه زائغة بينها، وبين سيارة زجاجها معتم تقف على مقربة منهما. امتلأت عينا "إسراء" بالعبرات وبعدم فهم حدثت نفسها: "هو إيه اللي بيجرالي ده يا ربي.. كل ما أدخل مكان يقولولي ملكيش شغل عندنا.. أروح فين بس يارب.. أنا تعبت أوي". اندفاعها بالحديث جعلهم يضعوها داخل دائرة مغلقة. هما مجموعة من الرجال الفاسدين يعملون داخل شركة الدمنهوري. يمحون كل من يكتشف عيبهم، وهي أعلنتها صريحة أنها تعلم عنهم كل شيء.
ظلت تسير بالطرقات بلا هوادة. خطواتها مرتجفة تدل على شدة تعبها. عيناها تملؤها العبرات، ولكنها تأبى الهبوط. ضاقت عليها من جميع الجهات. تقفلت بوجهها كل الأبواب. كيف ستعود للمنزل بدون علاج لوالدتها، وطعام لصغيرتها؟!
ظلت تسير حتى توقفت بجوار إحدى المطاعم. تطلعت على الجالسين بالداخل تتابعهم بخجل واحراج شديد، وقلب يعتصر ألمًا مبرحًا يكاد أن يزهق روحها. ازدردت لعابها بصعوبة، وألقت بكل شيء عرض الحائط، وأولهم كرامتها، وعزة نفسها. رسمت ابتسامة هادئة على ملامحها الفاتنة الحزينة، وخطت نحو الداخل حتى وصلت لإحدى العاملات بالمكان، وتحدثت بصوتها الناعم قائلة: "لو سمحتي يا آنسة مش عايزين حد يشتغل معاكم هنا؟! رمقتها الفتاة بنظرة منذهلة لثيابها
غير المنمقة وأجابتها بأسف: "لا مش عايزين". اقتربت منها "إسراء" خطوة، وهمست باستحياء ورجاء قائلة: "طيب ممكن تديني أي حاجة آكلها حتى لو بواقي أكل من اللي بترموه؟ شهقت بفزع حين قبض على معصمها يد قوية. استدارت تنظر بغضب لصاحب تلك اليد. لتتسع عيناها حين وجدت ذلك الرجل الذي تلقبه هي بـ "المغرور". جحظت عينا "فارس" حين لمح شحوب وجهها الشديد، وتحدث بنبرة حاول جعلها لينة، ولكنها خرجت جامدة كعادته:
"اهدي يا إسراء أنا هنا علشان أساعدك". "مش عايزة مساعدة منك أنت بالذات". همست بها بضعف، وهمت بدفع يده بعيدًا عنها بعنف، ولكن خانها جسدها. هنا ولم تحتمل أكثر. انقطعت أنفاسها وشعرت أن روحها تنسحب من جسدها، وفي لحظة كانت استسلمت لدوارها، وسقطت بين يديه فاقدة الوعي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!