بعد مرور عدة ساعات.. كانت "إسراء" استعادت قوتها قليلاً بعدما أخذت دوائها اللازم. بينما ظل "فارس" جالس بجوارها على الفراش، مصطنع البرود واللامبالاة لنظرات "إلهام" الحارقة، وحديثها الصارم. تقول بتعقل، وهي تجذب الغطاء على وحيدتها وتدثرها به جيداً: "ميصحش كده يا بيه.. مش معني إننا في بيتك إنك تتحكم فينا وتخدش حيائنا بالشكل دا يا ابني". "هطمن على إسراء وهخرج على طول يا مدام إلهام".
قالها "فارس" وهو يقوم برفع الغطاء عن وجه "إسراء" التي تختبئ أسفله عن عينيه الجريئة، وتتحدث بغيظ بصوت خفيض يظهر عليه التعب: "ما تحترم نفسك بقي يا جدع انت، وقوم من جنبي.. انت ايه معندكش حاجة اسمها حياء، ولا خشوع". جذب الغطاء بعيداً عن وجهها، ومال بوجهه عليها قليلاً، ونظر لعينيها التي تفقده صوابه بفتنان، وتحدث بابتسامة ماكرة قائلاً بهمس:
"دا أنا كده مؤدب معاكي علشان خاطر مخدتش حياء مدام إلهام.. لكن لو عليا عايز استخبي معاكي تحت الغطا والله". شهقت "إسراء" بعنف، وتحول وجهها لكتلة حمراء، وبلحظة كانت أخرجت يدها السليمة من أسفل الغطاء وهمت بضربه على ملامحه الوسيمة وهي تقول بصوت مرتعش بعدما كادت أن تذوب من شدة خجلها: "ا ا انت قليل الأدب".
لكنه أمسك يدها، ورفعها على فمه قبل باطنها بعمق، وهو يضحك بصوت عالٍ مستمتعاً بخجلها الذي يجعل قلبه يتراقص فرحاً، وتحدث من بين ضحكاته بصعوبة قائلاً: "صدقيني أنتي أول واحدة أكون مؤدب معاها كده". جحظت عينيها من جرأته، وملمس يده الضخمة على يدها الصغيرة، لتلجمها الصدمة أكثر حين شعرت بشفتيه على يدها. فتوجهت بعينيها لوالدتها التي تنظر لـ"فارس" بفم مفتوح ببلاهة على آخره غير قادرة على استيعاب أفعاله المشينة بالنسبة لها، وتحدثت
بصوت تحشرج بالبكاء قائلة: "الحقيني منه يا ماما.. انتي سكتي ليه بس". انتبهت "إلهام" على حالها. استجمعت قوتها، وجذبت "إسراء" عليها حتى أصبحت جالسة على قدمها، ووضعتها برفق بالجهة الأخرى من الفراش، وجلست هي حائل بينهما، وبين فارس الذي يشاهد ما فعلته بنظرات منذهلة. "يعني هي كده بقت بعيد عني مثلاً؟! قالها "فارس" بتهكم. لتجيبه "إلهام" بحده قائلة:
"اسمع يا أخينا أنت.. احترم نفسك واتقي الله، وبطل اللي بتعمله دا، وملكش دعوة ببنتي خالص علشان متنزلش من نظري". غمزت له وأكملت بهمس: "خليني أقف معاك وأخليها توافق على جوازك منها.. بدل ما أقف ضدك". تهللت أسارير "فارس"، وحرك رأسه لها بالإيجاب، وهب واقفاً، وسار نحو الخارج، وهو يقول: "انتي تأمريني يا مدام إلهام". بعدت "إسراء" الغطاء عن وجهها، ونظرت بعين واحدة تتأكد من ذهابه.
لتتفاجأ به يقف على باب الغرفة ينظر لها ببراءة مزيفة، وهو يقول: "شوفتي يا إسراء أنا مؤدب إزاي وبسمع الكلام وهخرج دلوقتي.. بس طبعاً هرجعلك تاني في كلام كتير لازم أقولهولك وأنتي هتسمعيه، وتنفذيه بالحرف". غمز لها بعبث مكملاً: "يا ساحرة". أنهى جملته وأغلق الباب خلفه. لتتنهد "إسراء" براحة واعتدلت جالسة وتتحدث بإصرار قائلة: "إحنا لازم نمشي من هنا يا ماما قبل ما السافل المغرور دا يرجع". "هنروح فين يا إسراء؟!
قالتها "إلهام" بأسف، وهي تمسد على شعر ابنتها بحنو. عقدت "إسراء" حاجبيها، وبدهشة قالت: "هو إيه اللي هنروح فين يا ماما؟! .. هنرجع بيتنا طبعاً". حركت "إلهام" رأسها بالنفي وببوادر بكاء قالت: "مش بالسهولة دي يا حبيبتي". نظرت لها "إسراء" بعدم فهم. فتابعت هي بعدما ابتلعت غصة مريرة بجوفها: "الموضوع طلع كبير أوي.. أكبر مننا وممكن نروح فيها أنا وأنتي وبنتك كمان لقدر الله يا بنتي". اذدردت "إسراء" لعابها بخوف، وبقلق قالت:
"دا مكنش رأيك أمس، وكنتي بتصحيني علشان نمشي من هنا.. إيه اللي حصل يا ماما.. احكيلي". بكت "إلهام" واردفت بحسرة قائلة: "سلفك عرف إنك هنا في بيت صاحب الشركة اللي كان جوزك شغال فيها، ومش بس هو اللي عرف.. دا الحتة كلها، وسمعتنا بقت على كل لسان يا إسراء، وتامر حالف ليخلص عليكي ويغسل عار أخوه". ضحكت "إسراء" بسخرية ودمدمت بتساؤل قائلة:
"اممم، ومين بقي اللي قالك الكلام الفارغ دا.. أكيد المغرور فارس بيه علشان يلوي دراعنا، ونفضل تحت رحمته هنا صح؟! أخرجت "إلهام" زفرة نزقة من صدرها واجابتها بأسف: "لا مش هو.. أنا اتصلت على "إيمان" من تليفون الست "خديجة" اللي تقرب للواد الجرئ دا علشان أطمن على بنتي، وهي اللي قالتلي". شحبت ملامح "إسراء" والتزمت الصمت. لتكمل "إلهام" حديثها بتعقل قائلة:
"لازم نفكر كويس قبل ما نعمل أي حاجة يا بنتي.. أنا مش مستغنية عنك، ولا عن حفيدتي.. أنا عايشة علشانكم يا إسراء". أنهت جملتها، وأجهشت ببكاء مرير. لتضمها "إسراء" وتربت على ظهرها بحنان مغمغمة: "أهدي يا ماما.. أكيد هنلاقي حل". صوت طرقات رقيقة على باب الغرفة. جعلت "إسراء" تنتفض بفزع، وتبتعد عن والدتها، وتختبئ سريعاً أسفل الغطاء. ضحكت "إلهام" من بين دموعها، واردفت بثقة: "لا دا مش هو المعدول.. هو مبيخبطش وهو داخل.. اطمني".
"معدول إيه بس يا ماما.. قولي معوج.. مايل.. منيل". هتفت بها "إسراء" بغيظ شديد وهي تصك على أسنانها. "ممكن أدخل". قالتها "خديجة" بنبرة مرحة، وهي تطل برأسها من باب الغرفة. ابتسمت لها "إلهام" وهي تقول: "طبعاً يا ست "خديجة".. دا البيت بيتكم، واحنا ضيوف عندكم". خطت "خديجة" لداخل وأغلقت الباب خلفها، واقتربت منهما جلست أمامهما على الفراش، وتحدثت بابتسامة بشوشة قائلة:
"خديجة بس يا إلهام، وبعدين أنتوا أصحاب مكان، ولا إيه يا إسراء.. طمنيني عليكي عاملة إيه دلوقتي". لم تجبها "إسراء". بل تطلعت بها بعينين متسعتين بعدما لمعت برأسها فكرة ستكون منقذها الوحيد، وحسمت أمرها بتنفيذها. "حضرتك والدة فارس بيه؟! أردفت بها "إسراء" بلهفة. لتبتسم لها "خديجة" ابتسامة تخفي بها حزنها وهي تقول: "لا يا حبيبتي.. أنا عمته، وفارس بيعتبرني زي مامته". وجهت "إسراء" نظرها للهاتف الذي بيد "خديجة" وهمست بخجل:
"طيب ممكن أعمل مكالمة أطمن على بنتي؟! "طبعاً ممكن.. اتفضلي". قالتها "خديجة"، وهي تعطي لها الهاتف بعدما قامت بفتحه. طلبت "إسراء" الرقم الوحيد الذي تحفظه. ليأتيها الرد على الفور. "الوو أيوه يا خالتي إلهام.. طمنيني إسراء فاقت ولا لسه". أجابتها "إسراء" قائلة: "أنا إسراء يا إيمان". بكت "إيمان" وهي تقول بلهفة: "إسراء.. انتي كويسة يا حبيبتي؟! "الحمد لله على كل حال.. طمنيني على بنتي.. بتعيط يا إيمان".
"بتعيط شوية، وبتلعب شوية.. متخفيش أنا معاها وأكلتها وحميتها وحطاها جوه عنيا.. بس المهم انتي أوعي تيجي يا إسراء.. تامر قايد نار، وحالف ليرتكب جناية لو شافك". اعتلت ملامح "إسراء" الغضب وهي تقول: "هيقولي إيه يعني.. فهمي جوزك إني معملتش حاجة غلط يا إيمان". صمتت لبرهة، وأكملت بجملة جعلت عيني "خديجة" تتسع على آخرها حين قالت: "أنا بشتغل عند الست خديجة خدامة علشان أصرف على علاج أمي وبنتي يا إيمان". شهقت "إيمان" بعنف مردفة:
"خدامة يا إسراء؟! "إسراء" بقوة مزيفة: "أيوه خدامة.. لا عيب، ولا حرام مدام بالحلال، واعملي حسابك وعرفي جوزك إنني هاجي آخد بنتي". "علشان خاطر ربنا بلاش تيجي دلوقتي يا إسراء.. أنا خايفة عليكي يا حبيبتي، واطمني على بنتك، والله أنا بعتبرها بنتي وانتي عارفة يا إسراء.. خليكي عندك، وأنا هحاول أجبهالك.. بس انتي خليكي.. علشان متحصلش مصيبة، ونرجع نندم كلنا". ترقرقت عيني "إسراء" بالعبرات، وبصوت اختنق بالبكاء قالت:
"طيب بوسيهالي، واحضنيها أوي يا إيمان على ما أشوفها". "عنيا يا حبيبتي، وانتي خلي بالك من نفسك وابقي طمنيني عليكي علشان أنا لازم أقفل.. تامر شكله جه.. سلام دلوقتي". أغلقت "إسراء" الهاتف، وأعطته لـ"خديجة" مغمغمة: "شكراً". "على إيه بس يا إسراء، وليه قولتي إنك بتشتغلي هنا.. انتي متعرفيش إن فارس طلب إيدك من والدتك؟! قالتها "خديجة" بهدوء، وهي ترمقها بنظرات متفحصة. تود رؤية رد فعلها.
"مستحيل أتزوج بعد جوزي الله يرحمه.. هو كان آخر الرجال المحترمين بعد والدي الله يرحمه هو كمان، وبنظري مبقاش في رجال خلاص في الدنيا دي، وخصوصاً فارس بيه المغرور بزيادة". قالتها "إسراء" بحدة، وملامح جامدة رغم عبراتها التي تهبط على وجنتيها ببطء. "انتي عارفة لو فارس سمع كلامك دا هيعمل فيكي إيه؟! أردفت بها "خديجة" بنبرة محذرة. أخذت "إسراء" نفساً عميقاً، وتحدثت بقوة زائفة قائلة:
"مبخافش غير من اللي خلقني، ولو حضرتك معندكيش شغل ليا.. قوليلي وأنا هدور على مكان تاني أسترزق منه.. لو عندك يبقي جزاكي الله كل خير، وجميلك هفضل شايلاه على راسي العمر كله". نظرت لها "خديجة" بنظرات منذهلة مرددة: "بترفضِ تبقي صاحبة القصر، وعايزة تشتغلي خدامة فيه؟! أطبقت "إسراء" جفنيها بعنف، وفتحت عينيها، ونظرت لـ"خديجة" تستجديها قائلة:
"أنا طالبة مساعدتك.. فارس بيه شكله مش هيسبني أخرج من هنا بسهولة، وحضرتك بتقولي إنه بيعتبرك زي مامته.. يبقى أكيد ليكي كلمة عليه.. فارجوكي احميني منه.. يا تخرجيني من هنا.. أو توافقي أشتغل عندك". احتضنت "خديجة" وجهها بين كفيها، وتحدثت بأسف قائلة: "حبيبتي لا أنا ولا غيري لينا كلمة على فارس، ورفضك ليه دا هيسبب مشكلة مش هينة.. فنصيحتي ليكي تفكري كويس، وبلاش تعاندي". هبت واقفة، وسارت نحو الخارج وهي تقول:
"فكري كويس يا إسراء، وأنا هبعتلكم العشا علشان تاخدي علاجك". استدارت ونظرت لها نظرة ارتعد منها قلب "إسراء" وأكملت بابتسامة مصطنعة: "وأوعي تقولي الجملة بتاعت مفيش رجال دي قدام فارس.. صدقيني هتزعلي أوي من رد فعله، واللي هيعمله وقتها". وجهت نظرها لـ"إلهام" وتابعت: "عقليها يا إلهام". أنهت جملتها، وسارت للخارج غالقة الباب خلفها. "أنا ليه بيحصلي كل دا؟! همست بها "إسراء" بصعوبة من بين شهقاتها الحادة.
لتزيد والدتها من ضمها، وتربت على ظهرها بحنو متمتمة بصوت متحشرج بالبكاء: "استغفري ربنا يا بنتي، وارضي وقولي الحمد لله، وبمشيئة الله ربنا هينصرك". تأوهت "إسراء" بقوة، وبنحيب قالت: "أنا خايفة يا ماما.. لو كدبت على نفسي مش هكدب عليكي انتي.. أنا مرعوبة من فارس المغرور دا.. مش عارفة هو ناوي يعمل إيه معايا بعد اللي عملته، وقولته لعمتو، وأكيد هي هتقوله". رفعت وجهها ونظرت لوالدتها بأعين تغرقها الدمع، وتابعت بلهفة شديدة:
"خوفي عليكي انتي وبنتي أكتر من خوفي على نفسي.. لو عليا أنا بتمنى أموت وأرتاح". "بعد الشر عليكي.. دا أنا ما صدقت لقيتك يا ساحرة". همس بها "فارس" الذي يتابع حديثهما باهتمام، وقلب زحف له القلق حين رأى بكاء ساحرته الذي يهدد بالانهيار.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!