الفصل 1 | من 17 فصل

رواية غرام في المترو الفصل الأول 1 - بقلم ولاء رفعت

المشاهدات
23
كلمة
4,439
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

نسمات الصباح المنعشة والشمس ساطعة في سماء حي دار السلام بمحافظة القاهرة. وفي إحدى الحواري الشهيرة، يصدح من هذا المنزل القديم صوت الشيخ محمد رفعت الصادر من المذياع. أعلى المنضدة في الردهة والمائدة الصغيرة التي تتوسطها، وُضعَ أعلاها صحن من البيض المقلي وآخر به الفلافل الساخنة ذات الرائحة الشهية وصحن ثالث به قطعة من الجبن الأبيض. صوتها يدوي في الإرجاء

تنادي علي أهل المنزل: "الفطار جهز، ابتسام يا ماما يا سعيد، يلا الطعميه هتبرد". خرجت من الغرفة شقيقتها التي تدرس في آخر صف بالثانوية العامة، كانت تغلق زر كم القميص. "بالله عليكي يا غرام أعمليلي ساندوتش طعميه وواحد جبنة، أنا لبست ومش هعرف أحضر الساندوتشات". عقب شقيقها ذو الثلاثة عشر عاماً: "وأنا كمان يا غرام أعمليلي زي إبتسام وضِيفي ساندوتش بيض". صاحت مازحة: "هو فيه إيه؟

ما أنا زيي زيكم وورايا شغل كمان، ومستعجلة وعايزة أمشي، مفيش حد منكم خلي عنده دم وقولي عنك يا غرام واعملولي الساندوتشات". ابتسمت والدتها السيدة عزيزة، امرأة في منتصف عقدها الرابع. يبدو علي ملامح وجهها الذي يتميز بالشحوب إمارات التعب والمرض. ربتت بحنانها الغادق علي كتف ابنتها: "حبيبتي ربنا يخليكي ليهم، أنتي سندهم وكمان هتبقي أمهم من بعدي".

ألتفت إليها بعتاب طفيف: "ربنا يديكي طول العمر ويباركلنا فيكي يا أم غرام، بالله عليكي وأول وآخر مرة تقولي كده". عقبت ابتسام بمرح: "أنتم هتقلّبوها حزن كده ليه، والله أنادي لكم على طنط عدلات تيجي تضحكم". صاحت غرام مازحة: "لأ أبوس إيدك دي بتاكل وداني من الرغي، وتشيلني ذنوب الحارة كلها من النم عليهم، الحمدلله أنا فطرت". تناولت حقيبة اليد خاصتها وحقيبة أخرى ترتديها على ظهرها. أشارت

إليها والدتها إلى الطعام: "كمّلي فطارك يا بنتي قبل ما تمشي". "مش قادرة يا ماما، ما أنتي عرفاني لما بكون جعانة باكل، أنا يا دوب أشرب كوباية الشاي وهاروح ألحق آخد البضاعة من مدام رشا". "وإنتي راجعة ماتنسيش تعدي على أختك أحلام تطمني عليها وطَيّبي بخاطرها". زفرت بضيق وأخبرت والدتها: "ليه محسساني إني قسيت عليها؟!

يعني عاجبك عيشتها مع جوزها كل أسبوع يرنّها العلقة وتيجي تغضب يقوم البيه يكلمها يضحك عليها بكلمتين ولا كأنه عمل فيها حاجة، وتمشي من غير ما تقولنا ولا كأننا أهلها". أمسكت والدتها يدها برجاء: "طيب عشان خاطري، روحي اطمني عليها حتى من على الباب وارجعي، أنا خايفة ليكون المنيل سمير عمل فيها حاجة". لم تجد مفراً من طلب والدتها حيث لا ترفض لها أمراً،

فقالت على مضض: "حاضر يا ماما، هاروح لها وأدعي ربنا إن ما أشوفش خلقة جوزها، لأن لو شفته مش عارفة ممكن أعمل فيه إيه". "أنا عارفة إنك عاقلة ومش هاتعملي كده". نهضت الأخرى وهمت بالذهاب: "أستأذن أنا بقي عشان اتأخرت سلام عليكم". صاحت شقيقتها وتركض خلفها: "استني خديني معاكي يا غرام". وعندما خرجت كلتيهما من المنزل وجدا الجارة الثرثارة -عدلات -تبتسم بشفتيها الغليظتين وتسألهما: "رايحين فين تعالوا".

"عن إذنك يا خالتي عدلات متأخرة على الشغل". أشارت لهما نحو باب منزلها: "ما تتفضلوا تعالوا أفطروا". ردت ابتسام وهي تهم بالمغادرة: "سابقناكي تسلمي". خرجت وتنفست الصعداء، فقالت غرام إليها: "خدي بالك من نفسك وأول ما ترجعي قوليلي". أومأت لها وبإجابة مقتضبة قالت: "حاضر". *** ننتقل إلى مدينة الشيخ زايد حيث الفلل والقصور والمنازل داخل وحدات سكنية. وبداخل الوحدة التي تشمل الفلل، تقع فيلا عائلة الشريف.

رأفت الشريف رجل أعمال شهير وصاحب علامة تجارية مسجلة في مجال الملابس «Y& N»، وذلك أول حروف من أسماء ابنيه، نور ويوسف. فالأول يبلغ من العمر الثلاثة والثلاثون ربيعاً، متزوج من «كاميليا عبيد» التي درست معه في المرحلة الجامعية وجمع بينهما علاقة حب اكتملت بالزواج وانجبت الصغيرة الشقراء «تولين» ذات الثمانية أعوام. بينما الثاني يوسف الذي يعيش عازب مدلل، والسبب يعود إلى والدته السيدة منيرة، والتي تبلغ منتصف عقدها الخامس.

كانت لا تدرك إنه قد أصبح رجلاً راشداً ولم يعد الابن الصغير. وفي غرفة المائدة يتجمعون أفراد العائلة، وعلى رأس الطاولة السيد رأفت يبتلع قطعة الخبز الفرنسي بعد أن قام بدهنها بقطعة زبدة. "لسه ما عرفتش حاجة عن اللي بيقلد البراند بتاعنا وبيوردوا للمحلات؟ ألتفت إليه

ابنه الأكبر نور وأخبره: "أنا بعت رجالة للمحلات دي وبيسألوا أصحابها عن المورد أو التاجر اللي بيشتروا منه البضاعة، وعلى بكرة بالكتير إن شاء الله هيكون عندك حضرتك التقرير". انتبه رأفت إلى ابنه الآخر يوسف حيث كان شاردًا في صحنه وآثار النوم ما زالت على وجهه ذو البشرة الحنطية. "وإنت يا يوسف بيه، عملت إيه في موضوع الدعايات؟ كان سؤال ساخر من والده مثل كل مرة. ربتت الصغيرة تولين على

ذراع عمها وتخبره ببرائتها: "أونكل چو، كلم جدو". انتبه إلى الصغيرة وكأنه استيقظ لتوه من غفوة، فسأل والده: "حضرتك كنت بتقول إيه؟ ابتسم والده هازئاً: "هاتسمعني إزاي صح وإنت قاعد زي المساطيل، طبعاً كنت سهران لحد الفجر زي كل يوم ولا كأن ليك أهل عايشين معاك". تدخلت منيرة لتوقف زوجها عن توبيخ ولدها المدلل: "براحة يا رأفت عليه، دي أول مرة يسهر من شهر وانت من بعد ما شغلته معاكم ومطلع عينه في الشركة". حدق إليها زوجها بنظرة

نارية قابلتها بعدم اكتراث: "أهو دلعك الزايد ده ليه فسده، وأنا عمال أصلحه وأشيله المسئولية، ابنك يا هانم لسه تامم الثلاثين سنة يعني المفروض كان متجوز وأب كمان". وكأنه استيقظ لتوه فأجاب على والده: "وأنا مش هيعيش زي ما حضرتك عايز، دي حياتي وأنا حر فيها". نظر رأفت إلى زوجته يعاتبها بحدة: "سمعتي يا منيرة هانم؟ تدخلت كاميليا لعلها تهدأ من الوضع المشتعل: "معلش يا أونكل بالتأكيد يوسف ما يقصدش".

نهض يوسف وصاح بغضب: "لأ يا كاميليا أقصد، هو عايزني نسخة من جوزك نعم حاضر ويبقي ماليش أي رأي ولا شخصية". نظر إليه شقيقه نور وقال معاتباً: "شكراً يا يوسف". خالجه الحرج الشديد لما قاله للتو فأبتعد عنهم بخطوات سريعة. نهضت والدته خلفه تناديه: "يوسف، يا يوسف". توقف فاستدار إليها: "حضرتك عايزة تقوليلي حاجة أنتي كمان؟

لكزته في عضده وتنهره: "اتلم أنا لو قلبت عليك زعلي وحش أوي، أنا بنادي عليك عشان أقولك بعد ما تخلص شغل عدي عليا في النادي تسلم على طنط راندا وماهي بنتها". بدا على وجهه الامتعاض والضيق: "ماما ياريت تخرجيني من جو أصحابك وبناتهم، خصوصاً راندا وبنتها". "يا سلام مش دي ماهي اللي كنت هاتجنن عليها وارتبطوا ببعض سنة وبعدين سيبتها من غير سبب؟!

"أديكي قولتي، كنت يعني فعل ماضي وانتهي، ما ارتحناش مع بعض هي دماغها تافهة وعايزة واحد أتفه منها، وأنا ماليش في الجو ده، ياريت بقي تقفلي على الموضوع وما تفتحيهوش تاني". قد وصل غضبها إلى ذروته، حدقت إليه بنظرة نارية قائلة بوعيد: "براحتك، ولو وقعت في مشكلة تاني أنا مش هقف معاك ولا أحوش ما بينك وبين أبوك". دنا منها وقام بتقبيل جبهتها فقال: "وأنا واثق ومتأكد عمرك ما هاتعمليها، باي باي موني".

غادر وتركها تشعر بالحنق، فهي بالفعل السبب في عدم تحمله المسئولية، وكم كرهت عتاب زوجها ولومه الشديد لها. كما ترى في عينيه الآن نظرة ساخرة فبادلته بعدم مبالاة وصعدت إلى الأعلى. *** وفي الشارع الخلفي لمنزل عائلة غرام، صوت المذياع مرتفعاً فالشيخ يتلو آيات من سورة البقرة. تحمل صغيرها وتضعه على الأريكة.

تزوجت أحلام منذ ثلاث سنوات بمن أحبته ويدعى سمير، وهذا منذ خمس سنوات مضت كانت تبلغ عشرين عاماً حينها كانت تعمل بائعة في الصيدلية، والآن هي زوجته وأم ابنه محمد ذو العامين وينادونه باسم «ميدو». تضع أمام طفلها الألعاب وتخبره: "اقعد هنا والعب لحد ما أشيل الأكل وهاجيبلك الزبادي اللي بتحبه". ردد الصغير بسعادة: "بادي، بادي". قامت بتقبيل وجنته: "هاكل خدودك المقلبظين يا روحي".

"وطي الراديو ده بدل ما أسقف لك على خدودك أنتي على الصبح". كانت صوتاً رجولياً كالنشاز قاطع وصلة المرح بينها وبين صغيرها. ألتفت إليه وقالت بامتعاض: "جري إيه يا سمير من ساعة ما صحيت مش طايق نفسك، وبعدين أنا معليه الراديو عشان القرآن، خليه يملأ الشقة بركة ويطرد الشياطين منها". اقترب منها فابتعدت خطوة إلى الوراء خوفاً. قبض على عضدها وصاح يسألها: "قصدك عليا أنا شيطان؟ ابتلعت

لعابها وأخبرته بخوف وتردد: "والله ما قولت كده، أنا قصدي يطرد الشياطين اللي بتوقع ما بينا وبتخليك تتخانق معايا وتمد إيدك عليا زي ما أنت عامل فيا كده". نفض ذراعها وقال: "أيوة زي أمك وأختك غرام كده بالظبط، كل ما تروحي ليهم يقوموكي عليا كأني أكلت ورثهم وأنا مش عارف". "لأ وانت الصادق، بتذل بنتهم و بتهينها ديماً ومش بتتفاهم معاها غير بالضرب على طول، ياريتني ما كنت اتجوزتك يا أخي".

جلس على الكرسي أمامها ووضع ساق فوق الأخرى، يخرج علبة السجائر من جيب قميصه القطني والولاعة، يشعلها وينفث دخاناً كثيفاً. يخبرها بتعجرف: "والله ما ضربتكيش على إيديكي عشان تتجوزيني وأنتي عارفة طباعي كويس". أدركت ما يرمي إليه من أمرٍ تحاول نسيانه منذ ثلاث سنوات، تتمنى أن يعود بها الزمن وتغير كل ما حدث، لكن ما الفائدة من كلمة -ياليت كلمة ظاهرها ندم وباطنها حسرة وجرح لن يندمل. ***

اجتازت غرام مسافة كبيرة سيرًا على الأقدام حتى وصلت أمام متجر لبيع الملابس ومستلزمات المرأة. وقفت قليلاً تلتقط أنفاسها قبل أن تولج إلى الداخل. تعلم ما ينتظرها كل يوم في الصباح والمساء... "سلام عليكم". ألقت التحية فأجابت السيدة

رشا بتحية مماثلة ثم أردفت: "جيتي في وقتك يا غرام، المرة دي جايبة تشكيلة عبايات وفساتين هاي كوبي من براند مشهور، العباية عندهم ممكن تعدي الألف جنيه لكن إحنا هنبيعها بـ 300 وبس و تبقي شاطرة لو خليتي العرض اللي تاخد عبايتين يبقي بـ 500 وعليهم طرحة وبندانة هدية". ترددت غرام أن تخبرها بما يدور في رأسها، فهي تعلم خصال هذه المرأة الأربعينية. تبدو أمام الناس مرحة وذات قلب حنون لكن يظهر معدنها عند الغضب، لذا

اكتفت الأولى بقول مقتضب: "ما تقلقيش، هاعمل زي ما حضرتك قولتيلي". ابتسمت الأخرى فأشارت إليها: "طيب اقعدي استريحي على الكرسي ده عقبال ما أطلع أجيبلك الحاجة ونازلة". وقبل أن تتفوه غرام بكلمة رأت الفرح يتراقص في عينين رجب، شقيق رشا هذا الشاب الثلاثيني الذي لا يعرف معنى للمروءة والشهامة. يعيش بغرائزه الحيوانية كما يحلو له، يركض خلف كل ما هو صعب المنال، ويزداد تشبثاً إذا كان هذا المنال يتجسد في غرام.

الفتاة الشرسة أمام كل ضبع يظن إنها فتاة ضعيفة، فبرغم إنها لا تمتلك جمالاً ساحراً أو عيون ملونة بل ملامحها مثل أغلب الفتيات المصرية، البشرة القمحية والعيون ذات اللون البني. ترتدي وشاحاً يُغطي خصلات شعرها ما بين الأسود والبني، غالباً تعقصه على هيئة كعكة محكمة بربطة شعر مطاطية.

جسدها ما بين الرفيع والممتلئ، ومع كل ذلك فهي أنثى بالنهاية، ولو امتلكت جمالاً وسطاً فما زال يطمع فيها أمثال رجب، فالمحرك لدى هؤلاء الضباع ما هي إلا الشهوة! عندما ذهبت شقيقته ترك عصا النرجيلة من يده على المنضدة ونهض فاقترب من غرام. سمع صوت زفيرها الذي يخبره عن عدم تحملها لوجوده جوارها: "مفيش صباح الخير يا رجب؟ أو عامل إيه يا ريجو؟ أي كلمة حلوة تطري على القلب منك للغلبان، اللي هو أنا يعني". ألتفت إليه وعلى

وجهها كل إمارات الغضب: "غلبان؟! قصدك تقول أنت تِعبان، ويا ريت تبعد عن وشي عشان لما بشوفك اليوم بيقفل". اجفلها بصوته المزعج: "جري إيه يا بت؟ أنتي نسيتي نفسك ولا إيه؟! أومال لو كنتي حلوة، ده كلك على بعضك ما تسويش في سوق البنات قرش واحد". "فعلاً ما أساويش قرش، لأن اللي زيي ما بيتقدروش بالفلوس، إحنا غاليين أوي، لكن أنت بقي في نفس السوق ده ما تساويش ربع جنيه".

ظل يعيد كلماتها في رأسه حتى أدرك الإهانة التي وجهتها إليه أو ربما قصف جبهة جعل دمائه تكاد تفور من الغيظ. صاح مرة أخرى بغضبٍ جم: "نهار أبوكي أسو... "إياك تجيب سيرة أبويا الله يرحمه على لسانك". "إيه اللي بيحصل يا رجب؟ كان سؤال رشا التي تنزل على الدرج وتحمل كيساً أسود كبير. سبقته غرام قبل أن يخبر شقيقته بالافتراء: "مفيش يا مدام، المعلم رجب كان بيوصيني على البضاعة". عاد إلى الكرسي والنرجيلة خاصته، بينما

كانت رشا اللاصق بالسكين: "سيبك من أخويا وركزي في الحاجة اللي هديهالك". أخرجت عدة قطع من الثياب، كل قطعة مغلفة بغطاء بلاستيكي شفاف: "10 قطع أهم، ولو خلصوا ومحتاجة تاني كلميني وأبعتلك رجب بالحاجة". قامت غرام بفتح حقيبة الظهر وأخذت تضع القطع: "حاضر يا مدام". وبعد أن أخذت البضاعة غادرت المتجر متجهة إلى محطة المترو حيث مكان البيع المناسب لها.

فهي تعمل بائعة متجولة داخل القطارات في عربة السيدات وأحياناً خارج المحطة برغم ما تتعرض له من مضايقات من المارة وأيضاً من رجال الأمن داخل المحطة. وفي الطريق أوقفها صوت صديقتها هند، تخرج رأسها من المركبة ذات الثلاث إطارات: "غرام؟ يا غرام؟ ذهبت الأخرى إليها فتركت لها صديقتها براحاً لتجلس بجوارها: "اطلعي اركبي، جمال يوصلك عند المحطة وأنا هاكمل معاه لحد المصنع". "يا بنتي كملوا أنتم طريقكم عشان ما تتأخريش على شغلك".

أخبرها جمال وكان هو من يقود المركبة: "اركبي يا غرام، كده كده المترو في طريقي". صعدت إلى داخل المركبة وجلست ووضعت حقيبة الظهر على فخذيها. "إيه أخبار الشغل معاكي؟ سألتها هند فأجابت الأخرى: "الحمدلله، أهي ماشية". "ما تقلقيش أنا سمعت الحاج عبدالتواب صاحب المصنع بيقول إن فيه اتنين هيسيبوا الشغل آخر الشهر وكلمتوا عليكي وعلى أحلام أختك". "أحلام أختي؟! رفعت زاوية فمها جانباً ساخرة وتابعت: "أحلام شغلنتها الوحيدة جوزها".

"هو جه خدها ولا لسه غضبانة؟ "هما يومين اللي قعدتهم والتالت خلتنا نايمين وخدت ابنها ومشيت، هاموت وأعرف هو عاملها إيه مخليها ماشية وراه تقول آمين، يضربها تغضب وبدل ما تاخد معاه موقف ترجعله، ده لو كان ساحرلها مش هتعمل في نفسها كده". ضحكت هند على حديث صديقتها وعقبت: "ده مش سحر، ده الحب ياختي، بس أختك هي اللي بتحبه، لكن هو على عمايله معاها ما بيحبهاش".

"والله يا هند أنا وأمي وابتسام حتى الولاه سعيد أبو 13 سنة كلنا بنقولها كده، يعني أنا أسمع عن اللي يبيع كليته أو يبيع قرنية لكن دي اللي باعت كرمتها وببلاش كمان". تدخل جمال والذي كان متابعاً: "معلش على تدخلي في الحوار يا غرام، أختك غلبانة ومالهاش أي خبرة في الناس وحظها إنه سمير ظهر في حياتها وأقدر يخليها تحبه وتتعلق بيه، يعني عندك مثلاً أنا وهند حبينا بعض واتخطبنا ومحدش فينا يقدر يستغنى عن التاني، صح يا دودو؟

نظرت إلى صورته في المرآة وأجابت بعشق تنضح به عينيها وتلفظ به شفتيها: "صح يا عيون هند، بس طبعاً لو فكرت تزعلني أنا مش هغضب ولا هعيط، أنا حقي هاخده بإيدي أنت ونصيبك". "خليكي شاهدة يا غرام على صاحبتك، عشان لو في يوم لقيتو جثتي في أكياس أعرفوا إنها اللي عملت فيا كده". عقبت هند: "بعد الشر عليك يا حبيبي".

"ربنا يبارك لكم ويتملكم جوازكم على خير، يا جمال مفيش وجه مقارنة ما بينك وما بين جوز أختي، أنت ابن أصول لكن هو، خليني ساكتة أحسن". "ربنا يهديه ليها، يا عالم يمكن يتغير". "أتمنى، المهم أختي تكون بخير". "وصلنا". توقف جمال أمام الدرج المؤدي إلى المحطة. أخرجت غرام من حقيبة يدها ورقة نقدية: "اتفضل يا جمال". نظر إليها بعتاب ولوم ثم قال لهند: "شوفي صاحبتك يا هند". "خلاص يا غرام، جمال زي أخوكي وجارنا".

عقب جمال: "خدي فلوسك عشان ما أزعلش وأزعل صاحبتك". أخبرها بطريقة فكاهية فضحكت غرام: "ربنا ما يجيب زعل أبداً، أسيبكم أنا بقي سلام". ولجت إلى داخل المحطة وقامت بشراء تذكرة القطار، وعلى الرصيف فتحت الحقيبة وأخرجت قطعتين مختلفتين. وصل القطار للتو وانفتحت أبوابه، دخلت إلى عربة السيدات وبدأت تعرض للركاب البضاعة بمهارة تجعل الجميع يلتفت إليها ويبدأ الإقبال على الثياب وعروض الأسعار تجعل البعض منهن يشتري على الفور. ***

يقف يوسف في وسط بهو الاستقبال للشركة ويتجمع من حوله الموظفون يستمعون إلى تعليماته. فبالرغم من كونه مدلل لكنه في العمل جاد ومتقن للغاية: "عايزكم تسمعوني كويس، من يومين جاتلنا عينة من شغل شبه شغلنا بالظبط وعليه نفس التيكت بس طبعاً مضروب ومتقلد وفرق خامات وجودة. عملنا بحث عشان نوصل لمين صاحب المصنع اللي بيقلد شغلنا بس للأسف كل ما نسأل حد يدخلنا في متاهة، وفاهمين طبعاً إنهم مش هيقوله هو مين لأن كلهم بيستفادوا.

فأنا بقولكم اللي هيقدر يوصل لصاحب المصنع ليه مكافأة ست شهور". تصاعدت الهمسات بينهم، فقال أحدهم: "ما تقلقش يا مستر يوسف، يومين وهايكون عندك اسمه وعنوانه". ردد آخر: "أديني حضرتك يوم وملفه هايكون على مكتبك". عقب يوسف قائلاً: "أنا مش عايز كلام، وروني الفعل وزي ما وعدتكم بالمكافأة، يلا كل واحد يروح على مكتبه". تقدمت منه إحداهن تحمل بعض الأوراق وقلم: "مستر يوسف، ممكن حضرتك تمضي على الأوراق دي؟

صدح رنين هاتفه ويزيل اسمه في أسفل كل ورقة، أجاب والسماعة اللاسلكية في أذنه: "ألو؟ "هاي چو أنا ميري". "أزيك يا ميري، أخبارك إيه؟ "طبعاً مش بخير وانت بقي لك شهر مش معبرني ولا بتخرج معايا ونسهر زي كل مرة". انتهي من التوقيع وأومأ إلى الموظفة لتأخذ الأوراق وتذهب ثم مضى نحو الدرج يصعد إلى الأعلى. "معلش بقي أصل عندي شغل في الشركة فبضطر أصحي بدري وأنام بدري وزي ما أنتي فاهمة". صاحت بتعجب: "شغل؟!

Oh my God، معقول چو الشريف بقي بيشتغل؟! ابتسم وعقب بمرح كالعادة: "شوفتي بقي، ربك قادر على كل شيء". "ربنا يوفقك، أنا كنت بكلمك عشان أعزمك على الـ party عيد ميلادي الـ week end الجاي". "هحاول إن شاء الله". "تحاول إيه، ده أنت لو ما جتش هاخد الشلة ونيجي نحتفل عندك في الشركة النهاردة أنت حر". ضحك قائلاً: "خلاص هاجي أطمني". "هستناك، أسيبك بقي عشان ما أعطلكش، باي". "باي". أنهى المكالمة وما زال في طريقه إلى غرفة مكتبه الخاص.

توقف أمام مكتب شقيقه فوجده مشغولاً بالحاسوب، طرق الباب لتنبيهه: "ممكن أدخل؟ رفع عينيه عن الحاسوب وخلع عويناته، تركها على سطح المكتب وقال: "اتفضل". جلس يوسف أمام مكتب شقيقه يخبره معتذراً: "أنا آسف على الكلام اللي طلع مني الصبح، أنت عارف لما بتعصب ما بشوفش قدامي وبيخرج مني كلام أندم عليه". "طب خلي بالك لأن غضبك ممكن يخسرك أقرب الناس ليك". نهض واقترب من شقيقه ثم دنا منه رأسه: "وأدي راسك أبوسها، لسه زعلان مني؟

ابتسم نور وأخبره: "وأنا قبلت أسفك، بس خد بالك أنت المسئول قدام بابا أنك تعرف مين اللي بيقلد شغلنا". "ما أنت شاطر وذكي في الشغل أهو، أومال بقي لك شهر مدبسني في شغلك ليه؟ صاح يوسف متباهياً: "لأ أنا أعجبك أوي، بس لما تكون دماغي رايقة". رفع شقيقه يديه داعياً: "ربنا يزيدك روقان كمان وكمان". أخذ الآخر يضحك.

وعلى بُعد أمتار حيث مكتب رأفت الشريف، يقوم بالتوقيع على عدة أوراق وتقف بجواره «سوزي» المساعدة الخاصة به، ذات الشعر الأشقر البلاتيني والعدسات اللاصقة ذات اللون الفيروزي. ترتدي كنزة وأسفلها تنورة كلاهما يكاد يتمزق من فرط الضيق، رائحة عطرها الفواح يضرب أنفه. فعندما أنتهي من التوقيع رفع رأسه إليها وأخذ ينظر إلى ملامح وجهها المنير، سألها في هدوء يخفي نيران مشتعلة من شوق يكاد يلتهمه: "فكرتي في اللي قولته لك عليه؟ ظلت

تنظر بمكر ودلال وأجابت: "من غير ما أفكر، طبعاً موافقة، المهم هاكون مراتك يا فوفو يا حبيبي". ابتلع لعابه، فهذه صاحبة الجمال الصارخ اختطفت لبه منذ مجيئها هنا في الشركة، لم يمر سوى خمسة عشر يوماً على عملها ونجحت في السيطرة عليه. "يبقي تجهزي نفسك بالليل هاجي أخدك ونطلع على شقتنا وهناك هايكون مستنينا المحامي واتنين شهود". تلي حديثه رنين الهاتف وكان المتصل زوجته «منيرة»!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...