أشرق نور الصباح ليبدأ يوم جديد. مازالت غرام تلتزم غرفتها منذ أن عادت بالأمس. يهرب النوم من عينيها كلما تتذكر ما سيقع بها من شر على يد هذا اللعين رجب. "أنتي لسه نايمة؟ كان صوت عزيزة التي ينهش القلق فؤادها على ابنتها. جلست بجوارها، والأخرى تغطي جسدها كاملاً بالغطاء، لا تريد رؤية أحد. "قومي يا بنتي كولي لك لقمة، ده من امبارح الظهر وأنتي على لحم بطنك ونايمة." "معلش يا أمي، ممكن تسيبني لوحدي، تعبانة ومش قادرة أتكلم."
"لو تعبانة قومي أخدك على المجمع الطبي نكشف هناك." صاحت بالرفض وصوتها وشيك على البكاء. "أنا تعبانة نفسياً ومحتاجة أقعد لوحدي، حرام يعني تسبوني في حالي؟! نهضت عزيزة وترددت بحزن. "لا حول ولا قوة إلا بالله، يارب أبعد عنها الهم والحزن وريح قلبها." استيقظت ابتسام وخرجت على صوت والدتها فسألتها. "إيه يا ماما، مالها غرام؟ جلست عزيزة على الأريكة تخبرها والشجن يغزو ملامحها.
"والله ما عارفة يا بنتي إيه اللي صابها، خايفة تكون الولية اللي اسمها رشا جرحتها بكلمة ولا عملت معاها موقف، أصل أنا عارفة أختك نفسها عزيزة أوي." صدح جرس المنزل فقالت ابتسام. "أهي هند جت، سيبينا إحنا هنفرفشها ونقومها تخلص لك على التلاجة." فتحت الباب وولجت هند تلقي عليهم تحية الصباح. سردت لها عزيزة حال ابنتها منذ أن جاءت من الخارج بالأمس حتى الآن، فأخبرتها هند.
"ما تقلقيش عليها يا خالتي، أنا وابتسام عارفين هي بتفك إزاي." ولجت كل من ابتسام وهند بخطوات غير مسموعة إلى غرام التي تغمض عينيها وتمنع دموعها. يكفيها بكاءً منذ البارحة. لمست هند مشغل الموسيقى على هاتفها وبدأت الفتاتان في الغناء بشكل كوميدي. جذبت ابتسام الغطاء من فوق شقيقتها. نهضت وظلت تنظر إليهما بغضب لن يكتمل، فتحول إلى ابتسامة ثم ضحك من أفعال صديقتها وشقيقتها وطريقة غنائهم الفكاهية.
"يعني الواحد ما ينفعش يقعد مع نفسه؟! جلست بجوارها صديقتها وعقبت بمزاح. "أومال لازمتي كصديقة ولازمة أختك إيه لما نسيبك حزينة مع نفسك؟! ده يبقى حتى عيبه في حقنا، ما تقولي حاجة يا بوسي." ضحكت ابتسام بمكر. "أنا ممكن أروح لخالتي عدلات وأقولها يرضيكي نسيب غرام زعلانة، وهي مش هيرضيها، هتيجي تعمل الواجب مع غرام." ضحكت غرام رغماً عنها. "ده هيبقى عذاب مش اكتئاب." ضحك ثلاثتهم فقالت هند.
"بقولكم إيه، أنا النهاردة واخدة إجازة من الشغل وجاية آخد غرام، هننزل نشتري شوية حاجات وهي منها نتفسح." "وأنا معاكم." كانت ابتسام فسألتها هند. "مش المفروض عندك مدرسة دلوقتي؟ "مش هتفرق من يوم إجازة آخده، ده بعد إذن غرام طبعاً." ونظرت إلى شقيقتها تخشى أن ترفض. أومأت إليها الأخرى. "موافقة، بس قومي اعملي فطار لهند الأول." ولجت عزيزة وتشعر بالفرح عندما رأت ابتسامة ابنتها.
"أنتم خليكم قاعدين مع بعض وهعملكم أنا أحلى فطار هتاكلوه من إيدين خالتك عزيزة يا هند." صاحت ابتسام بمرح. "الله عليكي يا ماما يا اللي مدلعانا." نظرت إليها غرام وألقت عليها أمراً. "روحي ساعدي ماما." ذهبت دون مجادلة أو رفض، فهي تدرك أنها تريد التحدث مع صديقاتها كاتمة أسرارها. وبالفعل بعد مغادرة ابتسام، نهضت غرام وأغلقت الباب. سألتها هند بقلق. "إيه اللي حصل معاكي امبارح؟
بدأت تسرد غرام إليها كل ما حدث معها بالأمس. كلما استمعت صديقتها، كلما تشهقت من الصدمة. "يا ابن الـ... رجب، وإزاي سكتي ما رحتيش بلغتِ البوليس ليه؟ "أقولهم إيه؟! لو راجعوا الكاميرات ها يشوفوني أنا اللي داخلة بإرادتي جوة المحل، وهو كلب وخسيس ممكن يأجر اتنين يشهدوا زور ضدي، ومش بعيد يلبسني سرقة حاجة من عندهم." هزت هند رأسها بسأم.
"غلطانة يا غرام، معنى إنك ما تبلغيش عشان خايفة من فضيحة أو تهمة ده هيخليه يكررها تاني وتالت سواء معاكي أو مع غيرك." "أنا مش هكمل شغل معاهم تاني، وهكلم مدام رشا هاقولها أي أعذار." "وأنا بقولك قومي البسي وتعالي نروح القسم نعمل محضر عشان قلبي بيقولي إن الزفت اللي اسمه رجب مش ها يسكتلك وزمانه بيدبر لك مصيبة عشان ينتقم منك." "مش عايزة فضايح ولا بهدلة يا هند."
"وإنتي صاحبة حق، يعني هو اللي يخاف من الفضيحة مش أنتي، قومي بابا وجمال يعرفوا أمين شرطة هناك ممكن يخدمنا ويعلم رجب الأدب كمان." ترددت غرام في الموافقة حتى رضخت في النهاية. "خلاص اللي أنتِ شايفاه صح نعمله." *** رائحة دخان الأرجيلة يملأ المكان. صوت فقاقيع الماء داخل الوعاء الزجاجي يصاحبه صوت سعال شديد يتبعه نداء بصوته المزعج. "بت يا سماح، أنتي يا بت يا سماح."
خرجت من المطبخ تطلق زفرة بغضب تكبته داخلها خشية من الاحتكاك بوالدها وينتهي الأمر بتوبيخها بأفظع السباب والشتائم يصاحبها ضرباً مبرحاً ليصل صوتها إلى أهل الحارة. "نعم يا بابا عايز إيه؟ "مش أخوكي بعتلك فلوس امبارح؟ "أيوه، بس عشان تنكيس البيت اللي قرب يتهد في فوق دماغنا." "ما عنه ما اتجدد ولا اتهبب، هاتي الفلوس." أخبرته برفض تام.
"ما ينفعش يا بابا، دي أمانة وابنك لو لقاك أخدت الفلوس ومعملتش حاجة في البيت مش ها يب بعت حاجة تاني." نفث دخان الأرجيلة من أنفه وفمه. "خلاص هاتي 500 جنيه." "مش أنا لسه مديالك 200 امبارح؟! راحوا فين؟ طبعاً بتصرفهم على الهباب اللي بتشتريه من سمير جوز أحلام الله يحرقُه." "أنتي مالك، أشتري بيهم هباب، أرميهم أتبرع بيهم ملكيش دعوة، هتجبيهم بالذوق ولا أهزقك وأبعثر بكرامتك الأرض وفي الآخر برضه هاخدهم منك."
ذهبت إلى غرفتها وغابت قليلاً ثم عادت إليه. "خد." أخذهم والدها موبخاً إياها. "ما اسمهاش خد، اسمها اتفضل يا بنت الـ... ترك عصا الأرجيلة على المنضدة ونهض. "أنا نازل رايح مشوار، أرجع ألاقي الأكل جاهز، وياريت تعمليه بنفسك، جاتك البلاء." ذهب وتركها تنفث غضباً، فتذكرت أمراً هاماً عليها أن تفعله والمنزل لا يوجد به أحد سواها الآن! *** "يعني يا عم حمدي لو عملنا له محضر دلوقتي هايتقبض عليه ولا لأ؟
سألت هند أمين الشرطة صاحب والدها وخطيبها. أخبرها الآخر. "ها يتقبض عليه لو في حالة إنه دخلها المحل غصب عنها ومتسجل في الكاميرات كده وكمان فيه شهود، ده غير إنه ما حصلش اعتداء يعني لمسها، يعني مجرد محاولة وهتكون تحت بند التحرش." عقبت غرام بحزن. "مش قولتلك يا هند، مكنش ليه لازمة إننا نيجي هنا." "استني بس يا غرام، إحنا عايزين نعمل محضر عشان ما يحاولش يقرب منك تاني." التفت إلى الأمين وسألته.
"ينفع نعمله محضر حتى لو مش هايتقبض عليه؟ "ماشي هنعملكم بلاغ ولو صدر منه أي حاجة اتصلوا بيا فوراً وأنا اللي هاتصرف معاه." "تسلم يا عم حمدي." وبعد قليل... خارج القسم تمسك هند بورقة. "شيلي صورة المحضر دي معاكي وخبيها لأحسن خالتي عزيزة تشوفها، و خليكي في البيت لحد ما هانشوف آخرة الشيطان رجب ده هتبقى إيه." ***
ترتدي الحجاب أمام المرآة. تمسك بطرفه وتخبئ نصف وجهها، لا تظهر سوى محيط عينيها حتى لا يتعرف عليها أحد من الشباب والرجال كما تفعل على مقاطع البرنامج الشهير. تبتعد بمسافة وتلقي نظرة على العباءة القطنية التي تلتصق بكل إنش بجسدها ونسيج القماش الشفاف يظهر ما أسفله كما جاء إليها في التعليمات من نيكول. تقف أمام حامل الهاتف المثبت، تضغط على الإضاءة وترسل إليها رسالة صوتية. "أنا جاهزة يا مدام نيكول." جاء الرد كتابياً.
"تمام، أول ما يجيلك اتصال cam افتحي في الحال، جاهزة؟ "أيوه جاهزة." جاء لها بالفعل مكالمة مرئية من متصل مجهول الهوية، قامت بقبول الاتصال. لم ترَ سواها حيث المتصل يراها وهي لا تراه. جاء صوت رجولي بلهجة عربية. "أبغي ترقصين هالحين." وكالآلة دون إرادة تنفذ الأمر كما يقال إليها. أخذت ترقص وتميل بحركات خليعة حتى ألقى عليها أمراً آخر. "اخلعي هذي العباية وارقصين."
أذعنت للأمر دون تراجع، فالطمع لديها أطل حفنة دولارات جعلها تتخلى عن خجلها مع كل قطعة ثياب تخلعها. ظلت تنفذ دون اعتراض حتى جاء الأمر الأخير وهو أن تقف أمام الكاميرا بدون ملابس تماماً. توقفت لاستيعاب الأمر ولم تلبي نداء المتصل العربي حتى جاءت إليها رسالة من نيكول تخبرها بالآتي: «ليش ما بتردي على الزلمة؟ ... هاد اتفاق من الأول بيني وبينك وانتِ وافقتي عليه... لو انسحبتي تخسري كل شيء...
الدولارات وسمعتك يا حلوة لما العالم يتفرجوا على المقاطع تبعك» هذا تهديد صريح وعليها أن تتجنب حدوثه، فهي من اختارت هذا الطريق الخبيث وعليها أن تتراجع مع قليل من الخسارة بدلاً من التمادي مع كم هائل من الخسائر الفادحة.
علامة استفهام تنتظر إجابة محددة منها. وقفت أمام الكاميرا وتحاول منع دموعها من التساقط. تمد يدها إلى حمالة صدريتها اليمنى ثم اليسرى ثم مدت يديها إلى خلف ظهرها لتتحرر منها. احتضنت جسدها لإخفاء ما ظهر منها حتى جاء إليها الصوت آمراً. "و اخلعين القطعة الثانية الحين." *** "السلام عليكم يا عم رمضان." ألقى جمال التحية على والد هند والذي رحب به بحفاوة. "يا دي النور، يا دي النور، ده المحل نور." "منور بيك يا عمي."
جذب الآخر كرسي وأشار نحوه إلى جمال. "اقعد لما أجيب لك ساقع." "مفيش داعي يا عمي، أنا مش غريب." "لا غريب إلا الشيطان يا بني، أنت في مقام ابني اللي مخلفتهوش." "ده شرف ليا يا عمي، ربنا يبارك لنا فيك." فتح رمضان ثلاجة المشروبات الغازية وأخذ أسطوانة مشروب شهير وأعطاه إلى الآخر. "افتحها واشربها قبل ما تسخن، خطيبتك أول ما بترجع من الشغل تيجي تاخدلها واحدة وتخلصها في بوق واحد."
ضحك جمال فهو على علم بعشق خطيبته للمشروبات الغازية. "حضرتك هتقولي عليها، ما أنا عارفها، يلا خليها تشرب براحتها وأول ما نتجوز هخليها تبطلها عشان صحتها لما تكون حامل." "يارب يا بني يتمم لكم جوازكم على خير، وتملوا علينا البيت عيال." "ما أنا جايلك يا عمي بخصوص موضوع جوازنا." استمع الآخر إليه باهتمام بالغ. "خير يا جمال يا بني، لسه ما لقيتش شقة للإيجار ولا فيه حاجة تانية؟
نظر إلى أسفل والحرج على ملامحه ونبرة صوته يشوبها الخجل. "أنا عارف حضرتك صابر عليا كتير أكتر من سنتين مهلة عشان ألاقي شقة إيجار، وللأسف مش لاقي حاجة تناسبني أنا وهند أو تناسب المبلغ اللي معايا." "أنا عارف ومقدر ظروفك، عشان كده عرضت عليك تتجوزوا وتعيشوا عندي، وخالتك أم هند تراعيكم وتاخد بالها منكم." تبدلت ملامح جمال من الحرج إلى الامتعاض. "لأ طبعاً مش أنا اللي أقبل أعيش في بيت أهل مراتي." "يعني إحنا غرب بالنسبالك؟
"أبدًا والله يا عم رمضان، أنا أصلاً عايز أعيش معاها في بيت لوحدنا زي كل اتنين بيتجوزوا، بس أنا بقول كحل مؤقت، وهو... صمت، حثه رمضان على المتابعة. "إيه هو؟ "إننا نتجوز مع أمي لحد ما نلاقي إيجار مناسب." كان يتوقع الآخر هذا الحل لكنه لا يريده، بل لا يريد لابنته العيش مع والدة جمال، هذه السيدة ذات الطباع الحادة والكلمات اللاذعة التي تلقيها على ابنته وكأنها اختطفت جمال منها. "قولت إيه يا عمي؟ تنهد رمضان وأجاب بحيادية.
"بصراحة يا بني، الأمر ما يخصنيش، يخص خطيبتك وأمها برضو، أنا هابلّغهم واللي كتبه المولى هو اللي ها يكون." *** "لأ وألف لأ يا رمضان، يعني بنتي الوحيدة واللي ما ليَّش غيرها أسيبها تعيش مع عطيات العقربة؟! صاحت بها زوجة رمضان والذي عقب على حديثها. "ما تسمعي للآخر يا أم هند، ما تبقيش مندَفعة على طول كده، الجدع عايز يتلم مع بنتك في بيت واحد ومش استطاعتهم يأجر دلوقتي، نقوم إحنا والزمن عليه؟!
"وهو كان يحلم إنها تبقى ليه، لولا إن بنتك بتحبه وهو جدع محترم مكنتش هدخله البيت، واللي خلينا مستحملين أمه وأخته الحرباية عشان خاطره هو." ولجت هند من باب الشقة على حديث والدتها، شعرت بغصة تخشى رفض والدتها. "وفيها إيه يا ماما لما نتجوز مع أمه لحد ما نلاقي مكان مناسب للي معاه." رمقتها والدتها بغضبٍ عارم.
"بنتي أنتي ما تتكلميش خالص، أنا سمعت كلامك في كل حاجة قبل كده، المرة دي كلامي هو اللي هيتنفذ، مفيش جواز غير لما يلاقي شقة إن شاء الله أوضة فوق السطوح بس بعيد عن الحيزبونة عطيات." فاض الأمر لدى هند والتي ألقت ما في جعبتها غير مبالية للعواقب.
"أنا اللي قلتله كده مش هو، أنا قلتله مفيش حل غير نتجوز في أوضتك في شقة أهلك بدل ما بقالنا سنتين خطوبة وقبلها كل واحد فينا كان هايتجنن على الثاني، واحترمتك واحترمت أبويا لما طلب مني إننا نتعرف ونحب بعض عقبال ما ظروفه تسمح ويجي يتقدملي، وأنا اللي قلتله لأ لو عايزني تدخل البيت من بابه."
"وأنا وأبوكي وافقنا عليه عشان أخلاقه وجدع، واضطرينا نعصر على نفسنا ونستحمل أمه عشانه، لكن لو كان حبيبك عسل ما تلحسهوش كله، وأنا مش مستغنية عنك لما الحرباء أمه تحرق في دمك ولا تعمل فيكي حاجة." "وهو بيحبني ومش ها يسمح لحد حتى لو أمه نفسها إنها تأذيني، وأظن مرت مواقف كتير وشوفتي بنفسك." زفرت والدتها بنفاذ صبر.
"عندك أبوكي أهو أنتي حرة أنتي وهو، بس والله يا هند لو جيتي قولتي حماتي عملت فيا وسوت مش هرد عليكي غير بالشبشب فوق دماغك الناشفة، طالعة عنيدة زي أبوكي." احتضنها والدها معقباً. "ده العند وكل حاجة، حبيبة أبوها هنودة." "حبيبي يا بابا ربنا يخليك ليا، وعشان الكلام الحلو ده جبتلك صينية البسبوسة بالمكسرات اللي بتحبها." أخرجت الصينية من الحقيبة، صاح والدها مهللاً.
"أيوه بقى يا قلب أبوكي، وهااتصلك بجمال دلوقتي هقوله موافقين وكتب الكتاب والدخلة آخر الشهر." قفزت هند فرحاً بين ذراعي والدها. "حبيبي يا رمضان." زفرت والدتها من الغيظ. "براحتك أنت وبنتك، بكرة تجيلك معيطة بالدموع من اللي هاتشوفه في بيت حماتها، أبقى خلي البسبوسة أم مكسرات تنفعكم." ذهبت إلى غرفتها وصفقت الباب خلفها. ربت رمضان على رأس ابنته. "ما تزعليش من كلام أمك، لو حصل أي حاجة بيت أبوكي مفتوح ليكي ولجوزك."
تعلقت بذراعيها حول عنقه. "يا حبيبي يا بابا." *** تفتح منيرة باب غرفة نجلها فوجدته ما زال يغط في النوم بملابسه منذ الأمس. جلست جواره بهدوء، أخذت تربت على ظهره. "يوسف، يوسف." همهم زافراً بضيق، تقلب على ظهره، وبصوت يغلبه النوم. "ماما بليز سيبيني نايم مش قادر أفتح عينيا." "لأ هاتصحى وغصب عنك، عايز أتكلم معاك شوية." فتح عينيه بصعوبة، الرؤية لديه ضبابية. "وهو الكلام مش هايستنى لحد ما أصحى؟! لكزته بحنق في كتفه.
"ما أنت ولا على بالك، نايم من امبارح لحد النهارده المغرب، كل ده بسبب الزفت اللي شربته في النايت ورجعنا سكران." "طيب المطلوب مني إيه دلوقتي؟ سألها ويقاوم النوم مرغماً. "مطلوب إنك تقوم وتصحصح عشان اللي هقوله لك مش هاعيده تاني، امبارح خليت رقبتي قد السمسمة قدام أبوك، عمال يقول لي شفتي تربيتك يا هانم، هو ده اللي اتفقنا عليه من شهر يا يوسف؟ نهض وجلس مربعاً ساقيه، يدلك عينيه لعله يستعيد وعيه.
"وهو اليوم اليتيم اللي سهرت فيه بعد شهر شغل خلاص أجرمت؟ "آه طبعاً أجرمت، أنت شايل اسم العيلة وأي حاجة بتعملها في وشنا، أنا سيباك على راحتك ومش راضية أضغط عليك في موضوع الجواز لأنك راجل مش بنت، لكن هتسوق فيها وهتعيش حياتك بالطول والعرض مش هاسمح لك." زفر متأففاً، صاحت والدته.
"ولد، بدل تنفخ واتعدل أحسن ما أعدلك، والله لو ما اتلميت يا يوسف وصلحت من حالك لأسلم مسئوليتك لأبوك وبعد ما كنت بحوشه عنك هخليه يعمل فيك اللي هو عايزه، أقل حاجة ها يسحب منك رصيدك وما فيش عربية، ويسيبك تعتمد على نفسك لحد ما تتعلم الأدب." جاء حديثها بنتيجة عكسية، صاح بسخط. "وأنا مش عيل صغير عشان تهدديني باللي حضرتك قلتيه ده كله، أنا عندي 30 سنة مش عيل مراهق." ابتسمت بسخرية. "وفيه راجل ناضج يعمل اللي أنت بتعمله ده؟!
ما أخوك نور أهو من وهو أصغر منك، محترم ومستقيم، في ضهر باباك على طول وعلى شرط باباك خلاه يطلع عينه في الشركة لحد ما بقى المسؤول الثاني من بعده." نهض وبدأ يفك أزرار قميصه متجهاً نحو غرفة الثياب خاصته. ذهبت خلفه توبخه. "يوسف، أنا مش بكلمك؟ بتعمل إيه؟ أخرج حقيبة السفر وأخذ يضع داخلها ثيابه. "زي ما حضرتك شايفة كده بالظبط." التفت إليها وأخبرها بإصرار.
"هاسيب لكم الفيلا والعربية وكل حاجة وها روح أعيش مع نفسي عشان ترتاحي أنتي وبابا، معلش بقى ما هي الدنيا مش بتدي كل حاجة عندك ابن محترم زي نور وأنا الفاشل الصايع اللي ها أجيب لكم العار." ***
كانت العاشرة مساءً، تجلس ابتسام تستذكر دروسها وتتابع رسالة واردة كل حين من عثمان يخبرها كم هو يعشقها ويريد الأيام تمر سريعاً حتى تصبح زوجته. بينما سعيد الذي على مشارف سن المراهقة يختبئ أسفل الغطاء ويضع السماعات في أذنيه يشاهد مقاطع من التطبيق الشهير. تظهر فيه الفتيات والسيدات على شاكلة ما تفعله سماح. وقع أمامه مقطع لها بالفعل وعلى يقين إنها ابنة الجيران حيث أخبره أصدقاؤه المراهقون إنها صاحبة حساب على الـ TikTok باسم
«Hot Soso». يكفي هذا الاسم المستعار الذي يدل على محتواها الفاضح والذي تجني من خلفه مئات الدولارات. سراباً يركض خلفه ذوات النفوس الضعيفة حتى يجدن أنفسهن على حافة الهاوية، منهن تعود إلى رشدها وتختار التوبة وكثيرات من هوت في ظلام مدقع لا نهاية له في الدنيا وجزاؤه الجحيم في الآخرة.
تغفو عزيزة على الأريكة أمام التلفاز، بينما غرام تمسك بدفتر ورقي وقلم تقوم بحساب ما تبقى معها من المال وما هو مطلوب من مأكل ودروس تعليمية ومصاريف إخوتها. أجفلها صوت طرق عنيف على باب منزلهم، استيقظت والدتها فزعاً، خرج كل من سعيد وابتسام ليرى كل منهما من هذا الزائر المرعب. ارتدت غرام حجاباً على عجالة وفتحت الباب، وجدت جدراناً بشرية أمامها يرتدون ثياباً غير رسمية. سألها قائد هم. "ده بيت غرام المصري؟
ابتلعت لعابها خوفاً، فأجابت. "أيوه هو البيت وأنا غرام." أمرها الضابط بحدة. "معانا على القسم." سألته عزيزة وتمسك بابنتها. "فيه يا حضرة الظابط، بنتي عملت إيه؟ "بنتك متهمة في سرقة 50 ألف جنيه."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!