الفصل 3 | من 17 فصل

رواية غرام في المترو الفصل الثالث 3 - بقلم ولاء رفعت

المشاهدات
20
كلمة
4,574
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 18%
حجم الخط: 18

يجلس الطبيب بجواره ويمسك معصم يد رأفت لقياس نبض قلبه، متابعاً على العداد في هاتفه. بينما الآخر يفتح عينيه كل فينة والأخرى، والوهن جلي على ملامح وجهه. على الجانب الآخر من السرير تقف وتراقب الفحص وتبكي في آن واحد. بكاؤها بدافع الخوف أن يحدث مكروهاً لزوجها، وتضع في محل الاتهام أمام زوجته منيرة وولديها نور ويوسف. لاحظ الطبيب بكائها الصامت فأخبرها ليطمئنها:

"اطمني يا مدام سوزان، رأفت بيه بخير. هو بس اللي حصله إنه قلبه ما استحملش المنشط اللي خده." ونظر الطبيب إلى رأفت وتابع: "مش من أسبوع كنت عندي يا رأفت بيه وحذرتك إنك لو هتاخد أي منشط، تيجي قبلها تستشرني؟! أجاب الأخر بصعوبة: "ده مستورد يا دكتور." "مستورد ولا محلي ضررهم واحد. وأنت مريض قلب وضغط عالي، ومش أي منشط تاخده من دماغك. المرة دي الأزمة الحمدلله جتلك على خفيف، ولولا مدام سوزان لا قدر الله يا عالم كان حصلك إيه."

نزع الورقة من الدفتر وأعطاها إلى سوزي وقال: "دي الفيتامينات اللي هايمشي عليها والدوا الخاص لقلبه. كتبت له على بديل أحسن وأقوى، وراحة لمدة أسبوع لحد ما أشوفه الأسبوع الجاي." نهض وأغلق حقيبته: "أنا مضطر أمشي عشان ورايا ميعاد كشوفات في العيادة. لو في أي حاجة اتصلوا عليا على طول. حمدالله على السلامة يا رأفت بيه، سلام عليكم." "وعليكم السلام يا دكتور."

بادلته التحية وذهبت خلفه، وبعد أن غادر وأغلقت الباب ثم استندت عليه بظهرها وقالت بصوت لم يصل إلى زوجها: "ولما هو مش قد الجواز اتجوزني ليه؟! أحسن بصراحة كنت شايلة هم الموضوع ده وأهو اتحل لوحده. عقبال يارب يبقى أسبوع الراحة يبقى سنة وبعدها أخلع منه." تخرج من البناء التي تقطن به تتحدث في الهاتف: "صباح الخير يا جمال، بقولك يا حبيبي خمس دقايق وأنا وغرام هانكون جاهزين، أبقى عدي علينا قدام بيتها."

"ماشي يا حبيبتي، بس بالله عليكي يا هند ما تتأخروش. أول ما أزمر تطلعوا على طول." "حاضر، يلا سلام عشان وصلت قدام بيتها." أغلقت المكالمة وولجت إلى الفناء ثم ضغطت الجرس الخاص بمنزل عائلة غرام. فتحت السيدة عزيزة: "صباح الخير يا هنوده، اتفضلي." "صباح النور يا خالتي، أومال فين غرام؟ أشارت إليها نحو غرفة ابنتها: "ادخليها قاعدة جوة ومش عايزة تروح الشغل، وكل ما أسألها بتقولي أهو كدة." ربتت هند على ذراع والدة صديقتها:

"ما تقلقيش يا خالتي، هادخل أشوفها مالها." طرقت الباب ثم ولجت خطوة: "ممكن أدخل؟ نظرت إليها غرام وهي تجلس على الأريكة ذات الطراز الشعبي: "اتفضلي يا هند، أنتي مش غريبة." جلست بجوارها تسألها بقلق: "مالك حصل حاجة في شغلك؟ ولا اتخانقتي مع مدام رشا؟ تشعر الأخرى بالضيق والهم، بل بالإحباط والهزيمة. نظرت إلى صديقتها وعينيها يملأها الحزن:

"عمالة أدور في ساقية وشغل كله بهدلة ومش عارفة أوفر كل حاجة لأمي ولأخواتي. اللي جاي يا دوب بيقضي بالعافية، ولا الست رشا أبيعلها كل الكمية وتيجي تديني فتافيت يا دوب يقضوا مصاريف يومين بالعافية." وضعت هند يدها على ظهر غرام تربت عليها لتجعلها تهدأ ولو قليلاً: "استغفري الله، كل كرب وضيقة بعده فرج ووسع. أنتي بتسعي وربنا عالم بحالك، ما تعلميش يمكن ربنا شايلك حاجة أحسن يمكن النهاردة ويا عالم بكرة أو بعده." مسحت

دموعها بالمحرمة وعقبت: "ونعم بالله يا هند، أنا مش معترضة على اللي ربنا كتبهولي، بس أنا بني آدمة وليا طاقة. لما بفكر في اللي بيحصل بقول ياريتني كملت الكلية كان زماني بشتغل في شركة أو كاشير في أي مول ولا محل كبير. على الأقل أحسن من بياعة في مترو، اللي يسوى وما يسواش يضايقني ولا ظابط تفتيش يبهدلني إهانة وقلة قيمة. أنا أقسم بالله عمري ما حصل فيا كده لما أبويا كان عايش." أطلقت زخات من الدموع، تلقتها صديقتها بين ذراعيها،

مازالت تربت عليها: "اهدي يا حبيبتي، بإذن الله ربنا هيرزقك من وسع، وهايعوضك بالأحسن يارب. بس أنا ياما قولتلك يا غرام، لما توافقي على عريس محترم كان زمانك ملكة في بيتك." "يعني أتجوز ومين اللي يصرف على أمي وأخواتي؟! معاش أبويا الله يرحمه يا دوب على قد كهربا ومياه وغاز وعلاج أمي، لكن أكل وشرب ودروس ابتسام وسعيد أنا اللي بسددها." عقبت صديقتها:

"يعني لو قعدتي مش هتلاقي تاكلوا وأخواتك هيطردوا من الدروس. يلا قومي ووحدي الله، وطول الوقت استغفريه، وأدعي ربنا يرزقك وأنا قلبي حاسس هيديكي رزق كبير قوي، وبكرة تقولي هند كان عندها حق، بس أبقي افتكريني أنا وچيمي." ابتسمت غرام، فصديقتها تنجح دائماً في رسم البسمة والفرح على وجهها، كلما تمر بكل ضائقة. صدح صوت تنبيه المركبة في الخارج: "أهو جمال وصل بره، قومي بلا ألبسي بسرعة عشان نوصلك عند مدام رشا."

وهكذا استطاعت هند بأن تجعل صديقتها تنهض وتسعى إلى رزقها أفضل من الجلوس بين براثن الأفكار السلبية وتنهش من روحها كالوحش. ترجلت غرام من المركبة أمام متجر السيدة رشا، ملوحة بيدها إلى هند وجمال الذي انطلق نحو عمل خطيبته، لكنه توقف في منتصف الطريق ونزل ليجلس بجوارها: "فيه إيه يا جمال وقفت ليه؟ يشعر بالهم يتسلل إلى داخله فأخبرها بما حدث معه الأيام المنصرمة:

"المفروض كنا ندخل بعد شهرين لو في حال لاقيت شقة إيجار في خلال شهرين." تابعت الأخرى بدلاً منه: "ولافيت طول الفترة اللي فاتت ومالقتش حاجة مناسبة، صح؟ "أقسملك إنه مش بإيدي، وإن كان عليا عايز نتجوز النهاردة قبل بكرة، بس على يدك وأنتي عارفة كل حاجة."

"أنا إن كان عليا أنت عارف ممكن أستنى العمر كله، بس بابا آخر مرة قالك إنها آخر مرة نأجل فيها الجواز. هو بيحبك ومتفهم ظروفك، لكن ماما زي أي أم ده غير أنا بنتهم الوحيدة وشيء طبيعي مش هايعجبها الوضع." "طيب أنتي قوليلي أو شوري عليا أعمل إيه؟ أثرت الصمت قليلاً قبل أن تعرض عليه هذا القرار الذي تعلم ما يخلفه من رفض تام من قِبل والدتها قبل والدها:

"الحل إننا نتجوز في شقتكم مع مامتك لحد ما ربنا يفرجها وننقل لشقة مقدمتها وإيجارها على قد اللي معانا." وقع الحل على سمعه كالصدمة: "أنتي بتهزري؟! أنا لو قولت لعم رمضان ومامتك كده هيقولولي معندناش بنات للجواز إذا أصلاً ما طردونيش بعدها." "ما تخافش يا جمال، ماما وبابا بيعملوا لي أي حاجة فيها راحتي، وراحتي هي أكون معاك حتى لو هنعيش في النار." ابتسم وأمسك يدها يداعب أناملها، وسرعان جذبت يدها من يده: "للدرجدي بتحبيني أوي؟

أجابت بخليط من المزاح والرومانسية: "المفروض بعد اللي قولتهولك وهو أن أتجوز وأعيش مع حماتي في نفس الشقة ده أكبر جواب ودليل." "ومين قالك إن هابقى فرحان؟! أنا نفسي أنا وأنتي نقعد في بيت لوحدنا خاص بيا وبيكي محدش يضايقك ولا حتى يفكر يزعلك." "لاء يا حبيبي محدش يعرف يزعلني، بعرف أخد حقي، ولو معرفتش حبيبي هياخد لي حقي." عقب واقترب منها أكثر: "طبعاً هاخدلك حقك وأديكي فوقيه بوسة." كاد يقبلها، وضعت كفها على فمه محذرة إياه:

"وبعدين؟ مش متفقين ممنوع أي تجاوزات لحد ما أبقى مراتك على سنة الله ورسوله؟! صاح بسخط مازح: "لاء أنا كده بقى هاجي لعمي رمضان وأقوله بعد ما يوافق، إننا نتجوز في خلال أسبوعين، أنا مستحمل بقالي كتير." أخذت تضحك على اعتراضه كالطفل المتمرد، نهض وجلس على كرسي المقود وانطلق بالمركبة قبل أن ينفذ صبره ويرتكب فعلاً فاضحاً في الطريق العام. "أيوه يا عثمان عمال ترن ليه؟ أنا في المدرسة." تتحدث بصوت خافت داخل المرحاض:

"ما أنا عارف، هو ما ينفعش تزوغي من عندك؟ "أنت بتستعبط؟ ده لو اتقفشت هاخد فيها فصل، إحنا عندنا ناظرة ولا مرات أبو لهب نفسه." "على فكرة أنا واقف قدام البوابة ومفتوحة وفيه طلبة بيخرجوا منها." "دول بنات من سنة تانية رايحين في نشاط تبع المدرسة." "الحق عليا كنت هاخدك زي فسحة امبارح ونروح ناكل كريب وبيتزا ونحلي بالقشطوطة اللي بتحبيها ونطلع على الملاهي أركبك الألعاب اللي بتحبيها وأروحك في ميعاد رجوعك من المدرسة."

تفكر في الأمر ملياً، وجدت العرض مغرياً للغاية، كم تحب كل ما قام بذكره، فمنذ وفاة والدها حرمت من أغلب الرفاهية وذلك بسبب الحالة المادية التي أصبحت عائلتها تمر بها فأخبرته: "طيب استناني وأنا هاتصرف." وبعد دقائق كانت خلفه فوق الدراجة النارية. سألها: "مبسوطة؟ تتشبث به أو لنقل بالأحرى تحتضنه من ظهره: "فرحانة أوي." صاح لكي تسمعه من صوت الهواء والموتور: "ربنا يقدرني وأخليكي فرحانة كده ديماً."

دفعت دفة الحديث في اتجاه آخر حتى لا تصل معه إلى الأمر الذي تتهرب منه دائماً، أخبرها بعد ظهور النتيجة لديها سيذهب إلى والدتها وشقيقتها الكبرى غرام لطلب يدها وبعد انتهائها من مرحلة التعليم الجامعي سوف يتزوجها، بينما هي تمتلك طموح ليس له حدود، فآخر ما تفكر به الزواج من عثمان ابن الجيران الذي أحبها منذ نعومة أظافرها، ربما سبب عدم قبول ذلك يعود إلى المستوى الاجتماعي والمادي لدى عائلته لا يقل حالاً عنها، كم تحلم أن تخرج من بوتقة تلك الحارة المتعفنة إلى حي آخر أكثر رقي كما ترى في التلفاز، أحلام وردية وسط ظلام حالك يتخلله بصيص أمل تتشبث به لعل تتحقق أحلامها.

تقف غرام منذ أكثر من نصف ساعة في انتظار السيدة رشا، تنظر كل فينة وأخرى إلى ساعة هاتفها، فقد أخبرتها أن لديها أمر هام لدى مصلحة الضرائب ستنتهي منه وتأتي إليها لكي تعطيها البضاعة مثل كل يوم. "هاتفضلي واقفة عندك في الشمس كده لحد ما تتحرقي؟ كان صوته البغيض يأتي من داخل المتجر وهذا سبب آخر في انتظارها بالخارج. ألتفت إليه ورمقته بابتسامة كراهية: "وأنت مالك، خليك في حالك أحسن لك." شعر بالحرج وبداخله يكن لها وعيد عزم

على تنفيذه منذ البارحة: "براحتك خليكي عندك." فتابع بهمس: "ما بقاش المعلم رجب لو ما كسرتش عينك ونفسك وأخلي سيرتك على كل لسان يا غرام." رفع هاتفه وقام بإجراء مكالمة، انتبهت إنه يتحدث في الهاتف ثم اقترب منها: "أهي واقفة يا رشا مش عايزة تدخل." أعطى الهاتف إلى غرام وأخبرها: "خدي رشا عايزة تكلمك." أخذت الهاتف على مضض وترمقه بازدراء: "ألو يا مدام رشا."

"بصي يا غرام، شكلي هتأخر وحرام تستنيني كل ده، خلي رجب يديكي مفتاح المخزن فوق وخدي البضاعة اللي في أول كيس على يمينك أول ما تدخلي." "خلاص يا مدام مش مشكلة النهاردة، هابقي أعدي على حضرتك بكرة إن شاء الله." "أنا بكرة مسافرة البلد مش هابقى موجودة ورجب هو اللي هايفتح، وأنا عارفة إنك مش بتحبي تتعاملي معاه، ومعرفش هاغيب قد إيه، عشان كده بقولك خدي البضاعة اللي في الكيس كلها هتكفيكي 5 أيام لحد ما أرجع."

زفرت وصدرها يزداد ضيقاً، فقالت مرغمة: "حاضر يا مدام رشا، هاخد الحاجة ولما أبيعها هاعدي على المعلم رجب أديهاله." "لاء خليها معاكي أحسن." "حاضر، ترجعي بالسلامة." أعطت الهاتف إلى رجب والذي أعطاها المفتاح كما أخبرته شقيقته بحسن نية. تركته غرام منشغلاً في التحدث مع شقيقته وولجت سريعاً ثم صعدت على الدرج وقامت بفتح باب المخزن، وهو عبارة عن شقة شاغرة من الأثاث، تتخذها رشا مخزن.

وجدت الكيس الذي أخبرتها به، كان حمله ثقيلاً فقامت بدفعه جراً على الأرض وتتجه نحو باب المخزن بظهرها حتى اصطدمت بجسد كالحائط، تركت الكيس على الفور فزعاً والتفت إليه: "أنت طالع هنا ليه؟ أغلق الباب بقدمه وبدأ بفك أزرار قميصه، وعينيه تنضح بما سيقبل عليه: "هاكون طالع هنا ليه؟ تتراجع وتخرج من حقيبتها مبرد الأظافر دون أن تلفت النظر إليه: "أنا بحذرك يا رجب، أبعد عني أحسن لك."

"أنا قفلت باب المحل بالقفل، والمخزن مالهوش باب غير اللي دخلتي منه، يعني برضو على المحل المقفول بابه، مش هاتعرفي تهربي ومهما صرختي محدش هايسمعك."

خلع قميصه وألقى به على الأرض ثم وثب نحوها فكاد يمسك بها، لكنها كانت أسرع منه وقامت بتسديد إليه طعنة بهذا السلاح الضعيف، وبالفعل أصابه لكن لم يؤذيه بل انكسر ووقع على الأرض، شهقت بخوف، فهي الآن أشعلت جذوة الغضب لدى هذا الذئب الماثل أمامها، ظلت تجول ببصرها من حولها لعلها تجد شيئاً تدافع به عن نفسها فلم تجد، خطوة أخيرة إلى الوراء شعرت بأن أسفل قدميها شيئاً... "هتروحي مني فين أنا قتيلك النهاردة."

مد يديه لكي يجذبها إليه، وفي لمح البصر انحنت إلى أسفل حتى لا يقيدها واختطفت هذا الشيء من أسفل قدميها، فكانت عصا معدنية في مقدمتها خطاف صغير تستخدم في تعليق الثياب على المشجب المرتفع في حائط العرض. "مش عايز تبقى قتيلي خد يا روح أختك." عبارة ساخرة تزامناً مع ضربة من العصا المعدنية على رأسه من الخلف جعلته يترنح ويفقد الرؤية مع فقدان الوعي.

بصقت عليه وقامت بفتح الباب والركض إلى أسفل، تمكنت بفتح باب المتجر بصعوبة، أطلقت ساقها للريح حتى وجدت نفسها داخل المنزل لا تعلم كيف ومتى وصلت، ارتمت على مضجعها ترتجف خوفاً كلما تتذكر ما كان سيحدث معها، أخذت تتلو بعض الآيات والأذكار ليطمئن قلبها إلى أن غالبها النوم.

قد انتهت من التسوق للتو وفضلت السير على الأقدام لترى نظرات الإعجاب والصفير من كل رجل وشاب يراها، حية يتلوى خصرها يميناً ويساراً لخطف الأنفاس، توقف أمامها مركبة ذات الثلاث إطارات، نزل منها ونظرة التعلق التي باتت لديه منذ شهور تنضح من عينيه: "عنك يا سماح." "تسلم يا عاطف." تركه يأخذ من الأكياس وقام بوضعهم داخل المركبة، عاد إلى كرسي المقود وانطلق بها، توقف بالقرب من الحارة، سألته والقلق يساور قلبها: "وقفت هنا ليه؟

"ممكن تديني من وقتك خمس دقايق." أطلقت زفرة يتبعها تعليقاً: "والله كنت حاسة أخرة الجدعنة دي مصلحة، خير يا عاطف؟ استدار ليستطيع أن يتحدث معها وجهاً لوجه: "أنا عمري ما كنت بعمل حاجة عشان مصلحة، اللي عايزك فيه حاجة بعيد عن أي مصالح." زفرت بضيق ونفاذ صبر: "إنجز عندي غدا لسه هاعمله قبل ما أبويا يجي ويطين عيشتي." "حاضر مش هاأخرك، الموضوع وما فيه أنا... تردد في أن يلقي عليها هكذا دون مقدمات:

"بصراحة أنا بحبك من فترة كبيرة، وعايز أجي أطلب إيدك من عم مليجي أو من عماد أخوكي." رأى على وجهها تعبيراً لم يكن يتوقعه بتاتاً، قد وجد سخرية بل وضحكة هازئة للغاية: "هو أنا قولت إيه يضحكك أوي كده؟ توقفت عن الضحك بصعوبة فتحولت إلى شخصية أخرى لم تجل في خاطره يومًا:

"اسمعني يا عاطف وركز في كلامي أوي، أنا أبويا راجل على قد حاله بيشتغل في فرن عيش الصبح وبعد الظهر سباك على ما تفرج، يعني الحمدلله وبلا فخر الفقر راكبنا من ساسنا لراسنا، يعني يوم ما أطلع من بيت أبويا أروح لحد يخليني أتنفس هوا نضيف في حتة نضيفة مش أفتح البلكونة ألاقي فرشة أمك ومرصوص عليها الفجل والجرجير ولا بيتكم اللي لو بتوع الحي جم وشافوه هيطلعلوا قرار إزالة، يعني أنا وأنت على باب الله ولو اتجوزنا هندور نشحت عشان نعيش."

كانت صدمة ضارية لم تكن في الحسبان لديه، لكن قلبه الذي أراد أن يمحو حبه القديم بآخر جديد أخفق تلك المرة في اختياره: "أنا مش فقير يا سماح، التوكتوك اللي شايفاه ده ملكي أنا وجمال، والبيت اللي بتتمسخري عليه فيه شقة ملكي، ده غير إن كل شهر يجي لي عرض سفر من عنتر أخويا عشان أشتغل معاه في الكويت." ضحك بسخرية وعقبت: "ويا ترى هاتشتغل مع أخوك إيه؟! مبلط ولا هاتغسل صحون؟!

"وماله الشغل ده ولا ده، أهو كله بالحلال ورزقهم ماشاء الله يخليني أفتح بيت وأنا مرتاح." تربت على كتفه قائلة: "مالهوش يا أخويا، بس أنا أصلاً مش عايزة أتجوز، عندك البت يمني بنت ميمي بتاعت الطماطم اتجوزها، وأمها وأمك يضموا شغلهم على بعض ويفتحوا فرع لسوق العبور في الحارة." كانت تضحك من بين كلماتها، وحتى لا تثير غضبه أكثر من ذلك، تناولت الأكياس من داخل المركبة ثم لوحت يدها إليه بتهكم: "سلام يا سي عاطف."

تركته وذهبت ولم ترَ ألسنة اللهب في عينيه، ووعد بأن تأتي الفرصة وسوف يرد لها الصاع صاعين حينذاك. أصوات الموسيقى الصاخبة تصدر من تلك السماعات المنتشرة داخل قاعة الملهى، قرع كؤوس الخمر والمشروبات يشوبها أصوات ضحكات من بين هذه وهذا، فهنا وكر الملذات حيث كل المحرمات، خمر، مخدرات ونساء عاريات موسيقى يصاحبها كلمات خليعة، تلامس وعناق وقبلات تندرج تحت بند الزنا، إنه منتجع الشيطان وأعوانه. يجلس لدى البار ويشرب

الكأس العاشر حتى ثمل: "واحد كمان لو سمحت." أصابه الحازوقة من فرط ما تجرع من الشراب. كاد النادل يعطيه الكأس فقام بمنعه صاحبه وأخبره: "كفاية شرب يا يوسف ويلا بينا عشان أروحك." تدخلت إحداهن: "سيبوه يا رامي قاعد، ما صدقنا يرجع يسهر معانا زي الأول." "قعدي ساكتة أنتي وهي وملكوش دعوة." ثم مال نحو صاحبه يخبره بالقرب من أذنه: "يلا عشان منيرة هانم قالبة الدنيا عليك وعلى رأفت بيه." نزل يوسف من على المقعد واستند على كتفي الآخر:

"وصلني يا رامي وحياة أغلى حاجة عندك." "يا عم من غير ما تحلفني أنا أصلاً كنت هوصلك." ظل يسير به حتى الخارج، ركض الحارس ليفتح باب السيارة فوضع رامي يوسف داخلها، ثم ذهب ليجلس في مقعد القيادة، أخرج ورقة مالية أعطاها إلى حارس الملهى: "تسلم يا تايسون." وانطلق بالسيارة وجهته فيلا عائلة الشريف.

وفي بهو الفيلا من الداخل، تجلس منيرة أمام التلفاز، من يراها يحسب إنها تتابع برنامج أو مسلسل ما، لكن هي تنتظر كلا من زوجها وابنها، فالوقت قد تأخر ونور ابنها الأكبر عاد من الشركة السادسة مساءً. يتمدد في غرفته على السرير يتصفح وسائل التواصل الاجتماعي. انتبه إلى زوجته تخرج من الحقائب الكثير من الثياب والمتعلقات، لديها نهم الشراء بحاجة وأغلب ما تشتريه ليست في الحاجة إليه، لكن الشراء أصبح هوساً لديها. ترتدي ثوباً قصيراً

أمام المرآة: "بيبي، إيه رأيك في الـ dress ده؟ بدون أن يرفع عينيه عن هاتفه أجاب: "حلو." "حلو من غير ما تبص؟! "كاميليا، أنتي كده كده اشتريتي كل اللي عمالة تقسميهم دول، يعني حلو أو وحش رأيي مش هيفرق بالنسبة لك." ألتفت إليه بحنق: "وأنا اللي كنت عملالك مفاجأة، أوك زعلانة منك." ترك الهاتف ونهض ليذهب إليها: "إيه يا كوكي، بهزر معاكي، يا ستي أنتي أي حاجة بتبقي تحفة عليكي عشان أنتي اللي بتحليها." تعاقت بذراعيها حول عنقه:

"بجد يا نور؟ "بجد يا قلب نور." قامت بتقبيل خده ثم ابتعدت لتأتي بحقيبة: "أنا بقي جبتلك معايا هدية صغننة يارب تعجبك." أخرجت قميص قطني أبيض بنصف أكمام: "أتفضل يا بيبي، تيشرت هتليق عليك جداً." أخذه ويشعر بالسعادة، فأخيرًا بدأت بالاهتمام به: "الله حلو قوي يا حبيبتي." "دي القطعة الرجالي لكن الـ female منها نفس اللون، عاجبني ولاقيت البنت بتقولي عليه عرض لأنه معمول للـ couples والتيشرت بتاعك هدية."

خابت آماله إنها قد تذكرته ولو بهدية بسيطة، لكن هي لن تتذكره إلا عندما تريد البطاقة الائتمانية فقط! أصوات شجار بالخارج، جعلته يخرج ليرى ما يحدث... "عايزة مني إيه يا منيرة، أنا تعبان ومش فايق لك." "هو أنا لما بسألك كنت فين عشان أطمن عليك، تقوم قالب عليا؟! "كان عندي شغل كتير في الشركة كنت بخلصه، ها إرتاحتي؟ نظر نور إلى والده الذي شعر بالحرج أمام ابنه الذي يعلم أن والده غادر مبكراً من الشركة:

"فيه إيه صوتكم عالي قوي كده ليه؟ كان صوت يوسف الثمل ويسنده أحد الحراس الذي أخبر والديه: "أستاذ رامي وصلوا لحد البوابة." كان على رأفت استغلال موقف نجله إلى صالحه، فأشار لزوجته نحو ابنهما موبخاً إياها: "أتفضلي يا هانم تربيتك، جاية أنصاص الليالي عمال يطوح ويا عالم لو مكنش معاه رامي كان ممكن حصله إيه." نظرت منيرة إلى يوسف بغضب فقال وهو يترنح: "ما تبصليش كده أنا حر أعمل اللي أنا عايزه، خليكي فيه رأفت جوزك."

لم يشعر بحاله وهو يهوي على الأريكة يستسلم للنوم: "ياريت يا منيرة ركزي مع ابنك قبل ما يضيع ويضيعنا." كظمت الغيظ لديها، كما شعرت بالحنق، تركتهم وصعدت إلى غرفتها التي تفضل النوم بها بمفردها تاركة زوجها أيضاً في غرفة بمفرده. عاد نور وزوجته إلى الغرفة، عقبت كاميليا: "أنا واثقة أن أونكل رأفت بيعمل حاجة من ورا طنط موني." تمدد الأخر على ظهره وأمسك هاتفه: "هايكون مخبي إيه مثلاً؟ رمقته بثقة تحسد عليها:

"أنا متأكدة أونكل اتجوز أو مرافق واحدة، what ever، هو sure في حياته واحدة تانية." "الله أعلم، ولو كلامك صح ملناش دعوة." أكتفى بتلك الإجابة المريبة بالنسبة إليها، يعني إنه ليس لديه مانع أن والده يتزوج بأخرى، وما أثار القلق والشك في قلبها أن نور دائماً يتخذ والده قدوة ومثال يسير على خطاه. "بيبي أنت ممكن تتجوز عليا أو تخوني؟ ولي إليها ظهره، وجذب الغطاء عليه: "هو أنا عندي وقت أصلاً أقعد معاكم عشان أعرف أتجوز ولا أرافق؟!

أطمني يا كاميليا أنا اكتفيت بيكي." ابتسمت بسعادة واحتضنته من ظهره: "i love you so much, baby." وقامت بطبع قبلة على خده ثم تمددت بجواره، لم تنتبه إلى ضوء شاشة هاتفه، يتأمل الصور على صفحة «sozy salh»!! الصفحة المفضلة لديه قبل أن ينام لا تفارق مخيلته أو أحلامه منذ أن عملت لديهم في الشركة!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...