ولج للتو من باب الشركة الزجاجي، يستقبله كل ما يقابله من الموظفين بحفاوة وترحاب لا يخلو من الإطراء والتملق، فهو ابن ربيب عملهم والمدير التنفيذي للشركة، بيده الكثير من الأمور والمسئول الثاني بعد والده مالك مجموعة «Y&N».
صعد عبر الدرج بخفة حتى وصل إلى الطابق المنشود الذي يوجد به مكتب والده أو المكتب الذي يسبق غرفة والده حيث تجلس ذات العيون التي تأسر قلوب الرجال من النظرة الأولى، خبيرة في العزف على أوتار قلب كل من يقترب منها لاسيما ذوي الأفئدة التي تركض خلف كل ما هو جميل وصعب في آن واحد. تحمحم قبل أن يعبر الباب، رفعت عينيها عن الأوراق التي تقوم بتحضيرها ريثما يأتي مديرها أو زوجها! نهضت بخجل متقن للغاية، تنظر إلى أسفل. "مستر نور؟
أهلاً وسهلاً بحضرتك، أنا كنت بخلص مراجعة الإيميلات بعد ما طبعتها، هخلصها وهبعتها لرأفت بيه." جلس على الكرسي أمام مكتبها مبتسمًا، عينيه تتجول بجرأة سافرة على ملامحها وجسدها، انتبه إلى أنها تلاحظ فحصه الشامل لها. "اتفضلي أقعدي يا آنسة سوزي." ابتسمت وليتها ما ابتسمت، يبدو أن درجات الحرارة ترتفع، ربما المكيف معطل. ألقى نظرة خاطفة وجده يعمل وعلى درجة حرارة على نقيض درجة حرارة جسده للتو. "أنا جايلك مش جاي للشغل."
علامة استفهام تنضح من عينيها ذات الكحل الأسود القاتم والأهداب الكثيفة. أكمل دون مقدمات ليس لها فائدة، شخص عملي مثله لا يملك وقتاً للمراوغة فالأفضل إليه التحدث مباشرة. "بصراحة من وقت ما قدمتي هنا في الشركة وأنا نفسي أتعرف عليكي أكتر، أقرب منك. اللي حسيته إعجاب، ومع الوقت الإعجاب قلب لحب. من الآخر ومن غير لف ودوران أنا بحبك وعايز أتجوزك." *** طرق بعنف بكفيها على باب منزل شقيقتها وصياح وصل إلى القاصي والداني.
"أفتح يا سمير يا عرة الرجالة، بتعمل على أختي دكر؟! أفتح وأنا هخليك عبرة يا حيوان." خرج الجيران ينظرون بشماتة في هذا الجار المؤذي الذي يعتدي على زوجته بالضرب والشتائم المهينة. أخبرتها إحداهن: "ما تسيبهوش غير لما تاخدي حق أختك الغلبانة منه، يا عيني عليها طول الليل عمالة تصرخ وهو عمال يضرب فيها." التفت إليها غرام وبغضب سألتها: "ولما أنتم سامعين اللي بيعملوا فيها الكلب ده، ما كسرتوش الباب على دماغه وخدوتها وكلمتوني؟
نظرت السيدة إلى الأسفل بحرج فأجابت الأخرى: "ما أنتي عارفة يا غرام اللي فيها، كل ما نيجي نحوشها منه يتجنن علينا وتقوم هي تزعق فينا وتقولنا ملكوش دعوة، واحد ومراته بيتخانقوا، أنتم ليه بتدخلوا في اللي مالكوش فيه." زادها الحديث غضباً، كأنه وقود انسكب على النيران فازدادت اشتعالاً. التفت نحو الباب في محاولة بائسة: "أفتح يا جبان، خايف مني؟ والله لو ما فتحت لأنطلك من الشباك وهاجي أجرك من قفاك زي الخروف يا...
فتح الباب فظهر لها بشجاعة زائفة، يصيح بصوت جهوري: "جري إيه يا بت فيه إيه؟! هو أنا عشان ساكتلك لأنك أخت مراتي يبقى هتسوقي فيها وتقلي أدبك على واحد المفروض تقوليله يا أبيه." "بت ما تبتك، أنا أختي هخلصها منك ومن شرك يا شيطان، بس قبل ما أعمل كدة لازم أخد لها حقها، أنت مقطعلها جسمها بالحزام وأنا هقطعلك وشك بالشبشب."
لم تكن لديه فرصة استيعاب ما تفوهت به للتو. في ثوانٍ خلعت نعلها ذو الكعب الثقيل وأخذت تكيل إليه ضربات عشوائية يصاحبها كلمات مهينة إليه. قابل ذلك برفع ساعديه للدفاع عن وجهه ويصرخ بوعيد وسباب يزيدها غضباً وتستمر في ضربه، حتى جذبتها يد ذات قبضة ضعيفة، تصرخ صاحبتها: "كفاية يا غرام."
ابتعدت الأخرى تنظر إلى شقيقتها التي أكملت وتقف بينها وبين زوجها في وضع الدفاع عنه أمام الجيران وهند التي أتت برفقة جمال وعاطف حيث لحقوا بغرام قبل أن ترتكب جريمة في هذا سمير. "إيه اللي عملتيه في جوزي ده؟! أنا مطلبتش منك تاخدي لي حقي." كان زوجها يتأوه واضعاً كفه على رأسه التي أصابها جرح من أثر الضرب. "ألحقيني يا حلومتي، أختك المفترية جت فضحتني قدام الجيران وكمان مدت شبشبها عليا، وإيه ده." نظر إلى كفه وجد الدماء فصاح
بهلع يثير ضحك الآخرين: "دم، أختك سيحت دمي يا أحلام." ألقت غرام نعلها على الأرض في صدمة غير مبالية لهذا الأبله تسألها: "كنتِ عايزاني أعمل معاه إيه بعد ما شوفت اللي عمله فيكي؟! أسقفله وأقوله برافو عليك؟! أبدت قوة ليست من خصالها. "حتى لو قطعني حتت ملكيش حق تعملي اللي عملتيه، واللي حصلي يخصني أنا." لم تصدق غرام مدى ضعف واستسلام شقيقتها. "إيه يا بنتي الضعف وانعدام الكرامة اللي بقيتي فيه ده؟! لسه بتدافعي عنه وبتحامي له؟!
ده لو ماسك عليكي ذلة مش هتعملي كدة في نفسك." ابتلعت الأخرى لعابها دون أن تظهر التوتر الذي داهم داخلها. أخذت تلتفت من حولها فوجدت الجيران وهند وجمال وعاطف جميعهم ينظرون إليها بامتعاض. "يا ستي أنا حرة، جوزي وبحبه ومش أول ولا آخر مرة بنتخانق، ياريت تاخدي صاحبتك واللي معاها وتمشوا من هنا." وحدقت إلى جيرانها وصاحت: "وياريت كل واحد فيكم يخليه في حاله وبطلوا تحشروا نفسكم في حياتي."
هزت غرام رأسها لما تسمعه وتراه. خرج كلا من جمال وعاطف من الفناء. أمسكت هند غرام من عضدها تجذبها إلى الخارج. "يلا يا غرام هي اللي اختارت، سبيها براحتها." وقبل أن تغادر برفقة صديقتها صرخت بوعيد: "عارفة لو قالوا لي يا أحلام إنه بيولع فيكي مش هسأل ولا هعبرك." تركتها وذهبت، قلبها يتألم من أجل شقيقتها بالرغم من رد فعلها العجيب وضعفها المقيت. أخذت تبكي بانهيار. ربتت هند عليها:
"بتعيطي ليه مش هي اللي أتجوزته بارادتها برغم رفضكم لجوازهم، ودلوقتي راضية باللي بيعمله فيها، يبقى سبيها تتحمل نتيجة اختيارها." وقفت الأخرى تستند بظهرها إلى حائط مبني قديم. "يا هند أنتي شوفتي بعينيكي اللي عمله فيها، أسيبها لحد ما في يوم يخلص عليها؟! حب إيه اللي يخليها ترمي كرامتها تحت رجل واحد محسوب علينا راجل، ده ملعون أبو الحب اللي يهين الواحد."
اكتفت هند بهز رأسها أسفاً على ما يحدث، وداخلها تتذكر ما هي مقبلة عليه. زواجها في منزل حماتها يقلقها للغاية لكن حب جمال لها الدافع الذي يجعلها تطمئن أن لا يسمح بأحد أن يتعدى عليها بقول أو فعل حتى لو كانت والدته. *** "وبكدة خلصنا Unite 6، والحصة الجاية عندكم exam على كل اللي فات." صدح رنين انتهاء المحاضرة، وكانت ابتسام تلملم دفترها والكتاب وتضعهما داخل حقيبة المدرسة. "ابتسام؟ انتبهت إلى نداء معلمها، نهضت وأجابت بتوتر:
"نعم يا مستر؟ أشار إليها: "تعالي." ذهبت إليه وتستمع إلى همس زميلاتها، اقتربت منه فسألها باهتمام: "ماما وغرام عاملين إيه دلوقتي؟ أومأت إليه بطيف ابتسامة: "الحمدلله بخير، شكراً لحضرتك على وقفتك معانا امبارح." ابتسم إليها وفي عينيه آلاف الكلمات تخطها نظرة تجعلها كلما تنظر صوبه يخفق قلبها بشعور غريب. "كدة أزعل، لأن زي ما قولت مفيش شكر ما بينا، ولو احتاجتي أي حاجة في أي وقت أنا موجود، رقمي عندك على الملازم، اتفقنا؟
هزت رأسها بالموافقة، وكادت تستأذن بالعودة إلى المقعد لكنه أوقفه بسؤال تخشى إجابته: "ألا قوليلي، هو مين الشاب اللي كنتِ راكبة معاه الموتوسيكل؟ "ده، ده يبقى في مقام أخويا وساكن معانا في الحارة، كان بيوصلني حتى استأذن من ماما." كان التوتر واضحاً على ملامحها ويديها المتشابكة في بعضهما البعض، وتجنبها للنظر صوب عينيه وهي تخبره، كل ذلك يعني إنها تكذب. فقال لها بنظرة مبهمة:
"تمام يا ابتسام، يلا روحي اقعدي مكانك وماتنسيش ميعاد الدرس بكرة." "حاضر يا مستر." عادت سريعاً ومن طرف عينيها وجدته ما زال يحدق إليها بنظرة زادت من قلقها أكثر. *** ولج للتو من الخارج يبحث عن والدته فوجدها تجلس أمام التلفاز وتقطع الخضروات. ألقى التحية فأجابت، جلس بجوارها في تردد فيما سيخبرها به حول موضوع زواجه والمكوث معها في منزل العائلة. "عايز تقول إيه يا جمال؟ سؤالها أدهشه، نظر إليها بتعجب فتابعت:
"أنا مربياك وحففظاك، لما تكون عايز حاجة وخايف لأقولك لأ بتيجي جمبي تقعد وعمال تقول في نفسك أقولها ولا لاء." أخفى توتره خلف ابتسامة يخبرها: "حبيبتي يا أمي، أنا فعلاً عايزك في موضوع بخصوص... ظل متردداً لثوانٍ فقالت له: "عايز تعيشوا أنت ومراتك معايا هنا وخايف لأرفض." كاد يعقب فقاطعته مردفة: "ومين قالك إن هارفض، بالعكس ده أنا كنت هقولك كدة بس قولت خطيبتك مش هاترضي وخصوصاً أمها اللي ما بطقنيش."
"يا أمي، خالتي أم هند طيبة وبتحبـ... قاطعته بإشارة من يدها: "لا عايزها لا تحبني ولا عايزة منها حاجة، أنا كل اللي يهمني هو أنت وبس، طالما مبسوط ومرتاح يبقى خلاص. على العموم أبقي اعرض الموضوع على حماك وشوف هيقولك إيه." "حمايا وحماتي وهند كلهم موافقين." رفعت جانب شفتيها بتهكم: "وأنا آخر من يعلم؟! "لاء أبداً يا أمي، أنا قولت أشوفهم هيوافقوا الأول ولا لاء وبعدين أبلغك، وإيه رأيك أن اللي شار عليا كدة هند بنفسها." "والله؟!
طيب ماشي." شعر بأن والدته لم تصدقه، لأنه يدرك جيداً ما بين حبيبته وبين والدته من مشاحنات ومواقف سابقة تركت سد منيع بينهما. "طيب وربنا هي اللي قالتلي تعالي نتجوز مع أمك لحد ما ربنا يفرجها عليك وناخد إيجار برة، حتى أنا ذات نفسي استغربت." "من غير ما تحلف يا ولاه أنا مصدقاك، وما تقلقش أنا هبقى أمها التانية." "بجد يا أمي؟ ينضح الفرح من عينيه فأجابت بتوكيد:
"طبعاً طبعاً يا حبيب قلب أمك، وحتى كمان هسيبكم أول أسبوعين وهاروح أقعد عند أختك دلال، أهو مني أونسها بدل ما قاعدة لوحدها لحد ما جوزها يرجع من السفر ومنها أخد بالي منها." وبسعادة عارمة عانق والدته: "حبيبتي ياماه، ربنا ما يحرمنا منك يا غالية." ربتت على ظهره بقوة: "ولا منكم أنت وأخواتك يا غالي يا ابن الغالي." وإذا اختفت النوايا في الصدور، يكفي ما تبوح به العيون من ما يدور. ***
تخرج الطالبات من البوابة المفتوحة على مصراعيها، وبمجرد أن عبرت منها سمعت هاتفها يصدح بالرنين، فما غيره الذي يتصل بها منذ الصباح وهي لا تجيب عليه، مما جعله ينتظرها بالقرب من المدرسة. "واقفة ليه يا بوسي، يلا تعالي هنركب توكتوك." "معلش يا سمر روحي أنتي أركبي معاهم، أنا هاتمشي عشان هاشتري حاجات لماما." "تمام، خدي بالك من نفسك، يلا سلام." أومأت الأخرى إليها وسارت بخطوات سريعة إلى إحدى الشوارع الجانبية الشاغرة من المارة.
ولم تنتبه إلى زوج من العيون الرمادية تراقبها. وإذا بقدميها ولجت إلى الشارع الهادئ لتجيب على الاتصال فشعرت بيد على كتفها تدفعها برفق نحو مدخل بناء مهجور. "عثمان؟ كان الغضب يندلع من عينيه. "أيوة الزفت اللي عمال يتصل عليكي من امبارح وانتي منفضاله، وصبح وانتي رايحة المدرسة عمال أشاورلك تقابليني في الحتة بتاعتنا كبرتي دماغك وروحي مشيتي مع صاحبتك."
"امبارح زي ما أنت عارف اللي حصل مع غرام والحمدلله الموضوع أتحل ورجعنا ومكنش ينفع ارد عليك، وصبح حصل برضو حوار عند أحلام أختي حتى سيبتهم ومشيت عشان ما أتأخرش، يعني كله كان غصب عني." كانت نبرتها توحي أنها على وشك نوبة من البكاء. زفر بضيق من حاله، اقترب منها ووضع يده على ذراعها. "خلاص حقك عليا ما تزعليش، أنا بس كنت قلقان عليكي." قد سارت قشعريرة يصاحبها حذر من لمسته على عضدها. أبعدت يده.
"أوعي إيدك أنا زعلانة منك، عشان مش أول مرة تقعد تزعق فيا، ده غير بشوف في عينيك نظرات شك أن بكذب عليك." "مين قال كدة، أقسم بالله أبداً، ده أنا ممكن أشك في الناس كلها إلا أنتي، أنتي روحي يا بت." نظرت إلى أسفل بخجل فصاح مهللاً: "الله أكبر على حلاوة مراتي يا ناس." اتسعت عينيها بصدمة. "مراتك؟ "أيوة بعتبرك مراتي قدام ربنا، ادعيلي بس أموري تتظبط وأجي أطلب إيدك من خالتي عزيزة."
انقباضة في قلبها حدثت للتو، فهو ليس الشخص الذي تتمناه. كم تحلم بأن تتزوج من رجل خارج الحارة البائسة، ذو مهنة تفتخر بها أمام عائلتها ومعارفها، وليس صبي ميكانيكي يحصل على أجرة يومية تكفي مصاريفه الخاصة. "مالك ساكتة ليه؟ أنا افتكرتك هتزغرطي من الفرحة لما قولتلك هاطلب إيدك." اتقنت إظهار ابتسامة على شفتيها يتبعها قولها:
"بالعكس، أنا فرحانة ومبسوطة جداً، بس كل اللي طلباه منك تصبر شوية لحد ما أدخل الجامعة، مش هاينفع أتجوز وفي نفس الوقت أدرس، هيبقي صعب عليا." ابتسم ليلقي عليها مخططه: "عادي يا حبيبتي نتجوز وتدرسي وأنتي معايا، وبين إيديا وفي حضني و... توقف عن الحديث ليفاجئها بالتقاط شفتيها في قبلة حميمية. دفعته بكل قوتها. "قبل كدة عملتها وحذرتك إنك لو كررتها تاني مش هاتشوف وشي بعدها." "حقك عليا يا بوسي أنا والله... كاد يقترب منها
بندم فصاحت وتبتعد بمسافة: "إياك تقرب مني، المرة اللي فاتت وعدتني، وبرضو مفيش فايدة." تركته وغادرت مدخل البناء المهجور لتجد أمامها آخر ما تتمنى أن تراه في تلك اللحظة. نبضات قلبها وكأنها على وشك أن تتوقف ولسانها يتفوه بصوت يكاد يكون مسموعاً: "مستر حسن؟ *** ولج من الباب الزجاجي ووجهه ينذر بما هو جاء من أجله، قد قرر أن لا يصبح تحت ضغط تهديدات والده مرة أخرى بل مرات عديدة. "مستر يوسف."
كان نداء إحدى الموظفات تلحق بخطواته السريعة حتى وصل إلى المصعد. توقف أمامها يرفع يده برفض. "أي حاجة عايزة تبلغيني بيها اطلعي قوليها لمستر نور أو رأفت بيه." ولج إلى داخل المصعد وضغط على زر الصعود فأنغلق الباب أوتوماتيكياً أمام الفتاة التي عادت إلى غرفة المكتب بين زملائها وتخبرهم بما قاله لها يوسف، الابن المدلل لدى عائلة الشريف.
ولدى رأفت الشريف يجلس خلف مكتبه، يراجع بعض الأوراق وبجواره تنتظر مساعدته ريثما ينتهي من توقيعه على كل ورقة منها. "اعملي حسابك بكرة هنسافر نقضي يومين في الساحل." دنت منه وقامت بتقبيل خده. "حبيبي يا فوفو، ربنا يخليك ليا يا بيبي." حدق إليها بحزم يوبخها. "اللي حصل دلوقتي أخر مرة يحصل هنا في الشركة، فاهمة؟
أومأت إليه والحزن جلي على وجهها. أمسك يدها وكاد يخبرها معتذراً من أسلوبه الحاد معها، لكن فُتح الباب فجأةً دون أن يسبقه طرق أو استئذان ليظهر يوسف الذي صوب بصره نحو يد والده التي تمسك بيد مساعدته وعلى مقربة شديدة من بعضهما البعض. حمحم والده تاركاً يد مساعدته. "خدي أنتي الأوراق وروحي راجعيها." لملمت الأوراق وعينيها لا تبرح عينين يوسف الذي يرمقها بنظرة أربكتها. عادت بالنظر إلى رأفت قائلة: "حاضر يا فندم."
وذهبت أمام يوسف، فكان يجز على أسنانه فهو ليس أحمق حتى لا يدرك ماهية ما رآه، هناك ما يفعله والده سراً. "مش عيب يا أستاذ يا محترم تدخل عليا من غير ما تخبط الباب وتستني لما أسمحلك تدخل ولا لاء؟! عقد ساعديه أمام صدره ويتحدث من مركز قوة. "معلش يا رأفت بيه لو كنت قطعت على حضرتك قعدتك مع سوزي السكرتيرة." نهض والده يصيح بغضب: "أنت إزاي بتتكلم معايا كدة يا ولد؟! أنت نسيت نفسك ولا إيه؟! أنا ممكن...
رفع يوسف يده ليقف والده عن إكمال تهديده المعتاد. "كفاية بقي كل ما نشد مع بعض تقعد تهددني بأنك هاتسحب مني العربية ورصيدي اللي في البنك، أنا أصلاً سيبتلك العربية في الفيلا والكريدت كمان، أنا جيتلك النهاردة عشان أقدملك استقالتي." أخرج من جيب سترته الداخلي ورقة ووضعها فوق المكتب. "اتفضل." همّ بالذهاب أوقفه والده. "استني عندك." سار نحوه وكان الآخر يتحاشى النظر مباشرة إلى والده الذي أخبره:
"أنا لو أب قاسي زي ما بتروح تقول لمامتك، كان زماني رزعك قلمين على وشك دلوقتي وندهتلك الأمن يطردوك قدام الموظفين عشان ما يبقاش ليك عين تدخل الشركة تاني." "أنا... قاطعه والده بحدة:
"أنا لسه مخلصتش كلامي، أنا هحاول أتغاضى عن أي حاجة صدرت منك ولا كأني سمعت، ولأخر مرة مفيش بعدها مرة تانية، هديلك يومين تفكر فيهم، يا تعقل وترجع لمكانك في الشركة وتكمل نص دينك يمكن ربنا يهديك، يا إما أقسم بالله لهتشوف مني وش ما شوفتوش قبل كدة، مش هقولك اسطوانة كل مرة، لكن هتتفاجئ باللي عمرك ما هتتخيله، وأنت عارف أبوك كويس لما بيهدد مرة التانية بينفذ."
لم يستطع أن يتحمل توبيخ والده أكثر من ذلك، وحتى يضمن أن لا يتهور بحديث يجعله يخسر والده غادر غرفة المكتب. وقفت سوزي عندما رأته فحدق إليها بازدراء وذهب. اصطدم بشقيقه في طريقه. "يوسف، اسـ... لم يقف يوسف إليه ومضى سريعاً. تعجب نور لأمر شقيقه، ذهب إلى والده ليعلم منه ما حدث، وقبل أن يفعل ذلك نظر إلى سوزي التي عندما رأته انخرطت في البكاء. اقترب منها قلقاً عليها. "مالك يا سوزي فيه إيه؟ بابا زعلك أو يوسف؟
قد قررت استغلال اعترافه بحبه إليها، وجدتها فرصة لا تعوض، فوالده غير مضمون ولا يعطي لها كل ما تريده من مال أو غيره من سيارة أو منزل، يكفي أنها زوجته في السر وعرفي أيضاً حتى لا يصبح لها حق في الإرث. رفعت وجهها وأخذت تمسح بالمحرمة دموعها لتظهر أمام نور بالضعف لتمتلك قلبه أكثر. "مستر يوسف كان لسه عند رأفت بيه وشكلهم كانوا بيتخانقوا وأول ما خرج من المكتب بص لي من فوق لتحت بقرف من غير ما أعمله أي حاجة."
اقترب منها أكثر وأخرج من جيبه محرمة وأخذ يمسح لها دموعها. "معلش بالتأكيد مكنش يقصد، حقك عليا أنا، ممكن عشان خاطري كفاية دموع." اقترب منها أكثر فأكثر حتى كادت تصبح بين ذراعيه يخبرها مردفاً: "ما أقدرش أستحمل دموعك، قلبي بيوجعني لما شوفتك في الحالة دي." توقفت عن البكاء وداخلها يتراقص مثل الحية عندما تصل إلى هدفها. نظرت إليه وبصوت أنثوي رقيق للغاية: "مستر نور، أنا موافقة على طلبك." تراجع خطوة للوراء والدهشة تعلو ملامحه.
"قصدك موافقة تتجوزيني؟ هزت رأسها بالإيجاب وأخبرته بدهاء: "اه، بس على شرط نعمل فترة تعارف زي الخطوبة نقرب منها انت تعرفني وأنا أعرفك." اتسع ثغره بابتسامة عارمة. "شرطك أمر وأنا تحت أمرك يا روح وقلب نور." "وفيه حاجة تانية كنت عايزة أعرفها." "قولي يا حبيبتي." "مراتك هاتعرف ولا أنت هتخبي عليها وجوازنا هيبقي في السر؟! برغم ما يشعر به من توتر عندما أتت له بذكر زوجته وعواقب قراره الأهوج، لكنه تحلى بالشجاعة والعزم أمامها.
"أيوة هاقولها بس بعد ما نتجوز، وما تقلقيش مش هتعمل أي حاجة. بالنسبة بقى لبابا... داهم الخوف قلبها فقاطعته: "لاء، قصدي بلاش رأفت بيه يعرف بأي حاجة، أقل حاجة هيعملها معايا هيطردني من الشركة." ابتسم مرة أخرى مما جعلها تتعجب من رد فعله الغريب. أوضح لها: "ما أنا كدة كدة أول ما هنتجوز هاقعدك من الشركة، وما تقلقيش ليكي كل شهر مبلغ أضعاف مرتبك اللي بتاخديه هنا، غير العربية، غير الشقة أو الفيلا اللي هتشاوري عليها."
كم هي نادمة أنها عجلت في الموافقة على الزواج من هذا الرأفت وبيع نفسها له بثمن بخس، وها هو نجله كالمارد الذي يريد تحقيق كل أحلامها وهي من تملي شروطها أيضاً وليس هو كما فعل معها والده. "سرحتي في إيه يا سوزي؟ انتبهت إليه وعادت من أفكارها الشيطانية قائلة: "بتخيل حياتي معاك هتبقي إزاي." أمسك يدها يخبرها: "هتبقي جنة." صدح رنين هاتف المكتب، ابتلعت ريقها وقالت: "ده رأفت بيتصل."
"ردي عليه وأنا كدة كدة راجع على مكتبي، هاتصل عليكي بالليل نكمل كلامنا." "تمام." نظرت إليه مبتسمة، وبعد أن ذهب تلاشت ابتسامتها وجلست على الكرسي تفكر كيف تلعب على كلا الجانبين دون خسائر، بينما الضمير لديها في سبات بل في غيبوبة لن يستيقظ منها قط. ***
تجلس بجوار النافذة شاردة فيما يحدث من حولها، خسرت عملها الذي تقتات منه ورقات من المال تساعد مع معاش والدها، تُتهم بالسرقة وهي لن تقبل قرشاً من الحرام وذلك كان ثمناً لأنها دافعت عن عرضها بكل ما أوتيت من قوة، وهناك أكبر همومها وهو أمر شقيقتها التي أصبحت كالجارية يفعل زوجها ما يشاء بها، ضرب، إهانة وهي تتقبل كل ذلك بصدر رحب، يكفي إنها تعيش على ماله الآتي من بيع المخدرات، حرام يدخل البيت فيقلب حياتهما للجحيم فما العجب في ذلك؟!
، وآخر الهموم كلما ذهبت إلى كل متجر للعمل يعتذر إليها صاحب المتجر بأنه ليس لديه وظيفة شاغرة لديها فتعود خالية الوفاض. "بت يا غرام." كان صوت سماح الذي وقفت أسفل النافذة فأنتبهت إليها الأخرى بنفاذ صبر: "نعم يا سماح عايزة إيه؟ "مالك ياختي متزرزرة عليا كدة ليه؟! الحق عليا جايبالك شغل وفلوسه حلوة أوي، أحسن من مرمطك في المتروهات بشوية عبايات مضروبة." زفرت الأخرى بضيق أوشك على الغضب: "انجزي يا سماح وقولي."
اقتربت من حافة النافذة تخبرها بصوت خافت تسمعه غرام فقط: "بصي هبعتلك رقم واحدة على الواتس هتتواصلي معاها، هي من أمريكا بس بتتكلم لبناني على فلسطيني أو أردني، ما تفهميش جنسيتها إيه بالظبط، المهم هاتطلب منك بياناتك وصورة ليكي وهتبلغك بالمطلوب منك." "ويا تري هي مين الست دي وإيه اللي هاتطلبه مني؟! تراقب الأجواء من حولها حتى لا يسمعها أحد سوى غرام.
"بصي اسمعيني للأخر من غير ما تقطعيني، هي كل اللي هتطلبه منك مقاطع فيديو ليكي مخبية وشك ولا بسه هدومك عادي مرة وأنتي بترتبي أوضتك، مرة وأنتي بتطبخي، أي حاجة أنتي بتكنسي مثلاً أو بتمسحي، بس تكوني باينة كلك على بعضك، وهتاخدي على المقطع الواحد 200 دولار، وأنتي وشطارتك لو عملتي مقطعين ولا أربعة ولا خمسة في الأسبوع الواحد، أحسبي بقى كمان لما يتحولوا بالمصري." عقبت الأخرى بسخرية:
"ويا سلام بقى لو الهدوم خفيفة واللي تحتها باين ولا تكون مبلولة ولازقة عشان تجيب فلوس أكتر صح؟ ابتسمت سماح كالحمقاء: "برافو عليكي، طول عمرك ناصحة." هنا لن تعد غرام في تحمل أمر آخر، صاحت بصوت وصل إلى جميع سكان الحارة:
"بقولك إيه يا سماح، أنا سيباكي يا حبيبتي تتكلمي وتقولي كل اللي عندك عشان أقطع الشك اللي جوايا وأكذب اللي بسمعه عنك على كل لسان رجالة وشباب حتى الصبيان الصغيرة في الحارة، أتاريهم عندهم حق وما خفايا كان أعظم، عايزاني أعمل زيك ألبس المحزث والملزق والشفاف وأتصور فيديوهات عشان إيه، شوية دولارات أخسر بيهم دنيا وآخرة وسمعتي؟! كانت تتوقع أن الأخرى تبتعد أو تخشى الرد لكن حدث نقيض ذلك.
"مالك يا بت شايفة نفسك عليا كدة ليه، فاكرة نفسك مين يا ختي، والكلاب اللي بيجيبوا في سيرتي أخواتهم وأمهاتهم فيديوهاتهم مالية التيك توك يعني لا تعايرني ولا أعايرك، واللي بيته من إزاز ما يحدفش الناس بالطوب يا عينيا." تجمع المارة وبعض الجيران فتدخل سعيد شقيق غرام. "أخواتنا وأمهاتنا أشرف منك يا سماح، ولا الوسخ فاكر كل الناس وسخة زيه." صاحت غرام في شقيقها: "واد يا سعيد ما تدخلش في الكلام وأدخل جوة." ثم التفتت إلى سماح
وتمسك بخشب النافذة قائلة: "وأنتی يا أخت سماح روحي أتكلي على الله ربنا يهديكي أو يهدك، المهم تريحنا منك، عن إذنك." أوصدت النافذة في وجهها وتركتها تتشدق كالتي فقدت عقلها حتى توقفت عن الصياح عندما رأت عاطف يحدق نحوها بازدراء. *** في صباح اليوم التالي... "واد يا سعيد، بت يا ابتسام قوموا يلا جهزوا نفسكم عقبال ما أعملكم الفطار والسندوتشات."
تناديهم والدتهم، وكانت غرام مازالت مستيقظة منذ الأمس، لم تأكل ولم تملك الرغبة في التحدث مع أحد، آثرت الصمت حتى لا تزيد من الآلام داخلها، وكيف لا تزيد وتجد كل أبواب العمل مغلقة مهما سعت إليها. اكتفت ابتسام بالرد على والدتها: "ما تعمليش حسابي يا ماما، أنا مش رايحة المدرسة النهاردة." وصدح صوت سعيد أيضاً: "وأنا مش رايح عشان المستر حلف علينا امبارح اللي مش هيدفعله فلوس المجموعة مش هيدخله المدرسة." ولجت والدتهم
إلى الغرفة تسأل ابنتها: "وأنتي يا ست ابتسام يا أم ثانوية عامة، مش هاتروحي ليه؟ لو تعلم السبب الحقيقي لعدم ذهابها إلى المدرسة وهو تخشى وتخجل في آن واحد من رؤية معلمها الذي رآها تخرج من منزل مهجور وخلفها عثمان يناديها، تلاقت عينيها برماديتين حسن الذي حدقها بغضب شديد، لم تملك الشجاعة لتكذب على سبيل الدفاع عن نفسها، واختارت الفرار من أمامه غير مكترثة لنداء عثمان.
"تعبانة شوية ومش قادرة، وبعدين معظم أصحابي مش بيروحوا، أنا اللي بيخليني أروح عشان ما باخدش درس غير الإنجليزي والرياضة وباقي المواد معتمدة على شرح المدرسين اللي ما بيشرحوش أصلاً." نهضت غرام وأخيراً تخلت عن صمتها: "واد يا سعيد قوم ألبس وروح وأنا إن شاء الله قبل جرس المرواح هتلاقيني عندك، هدفعلك الفلوس." وأخبرت شقيقتها: "وأنتی شوفي عايزة تاخدي درس في مواد إيه ومع مين وقوليلي المبلغ المطلوب وهيبقي عندك على بكرة."
"وهاتجيبيلهم منين يا بنتي، ده المعاش فاضل منه 500 جنيه واحنا يا دوب في نص الشهر." كان حديث عزيزة وتشعر بالحزن نحو أبنائها، فهي تعجز عن تقديم لهم كل ما يحتاجونه، فهي صاحبة مرض مزمن يجعلها غير قادرة على العمل. كانت غرام قد فتحت الخزانة وأخذت المال المتبقي معها ومدت به يدها إلى والدتها: "اتفضلي يا أمي خلي دول معاكي وبإذن الله هتفرج من عند ربنا."
ونظرت نحو حقيبة الملابس المليئة بملابس قد اشترتها وقامت بتخزينها إلى أن تصبح عروسا! *** وفي مكان آخر في حي المعادي كان قد استيقظ للتو من أجل الذهاب إلى عمل مقابلة في إحدى الشركات، بعد أن رأى الإعلان عن طلب مديرين تسويق على صفحة خاصة بالوظائف على موقع التواصل الاجتماعي الشهير. "أنت رايح فين على الصبح يا يوسف؟ ألتفت الآخر إلى صاحبه وأخبره: "رايح interview في شركة طالبة التخصص بتاعي." اقترب منه صاحبه متعجباً:
"أنا هاتجنن منك، يبقى باباك رأفت بيه الشريف صاحب أشهر براند في مصر ومصانع وسلسلة محلات في كل محافظة ورايح تقدم على شغل في شركة تانية يا عالم دول صادقين ولا نصابين؟! انتاب الآخر حالة من الضيق فنظر إلى صاحبه بامتعاض: "لأن ما بحبش التحكمات والتهديد كل شوية، وأنا هوري بابا ونور إن من غيرهم قادر أعيش واعتمد على نفسي."
"غلط يا يوسف، أنت صاحبي وبعزك جداً، والصاحب لما بيشوف صاحبه في شدة يقف جمبه ويقدم له النصيحة اللي توصله لبر الأمان، والأمان إنك تكون مع عيلتك، تكون في ضهر باباك وأخوك، هم عايزين مصلحتك وأنت فاهمهم غلط، أدي لنفسك فرصة تانية وقرب منهم مش يمكن حالك يبقى أحسن؟! ابتسامة ساخرة غزت شفتيه: "الأحسن إن أعمل نفسي بنفسي، مش أعتمد على حد حتى لو كانوا أهلي." ***
"أي عباية وأي فستان بـ 200 جنيه وبس، يلا عرض خاص ومش هايتكرر، كل قطعة بالتيكت بتاعها، واللي هتاخد 3 قطع هعملها خصم 100 جنيه." ظلت تكرر حديثها داخل القطار وتقوم بعرض الثياب أمام أنظار السيدات والصبايا، تم بيع القليل من القطع وبدأ توافد النساء عليها للشراء، توقف القطار في المحطة وولجت بائعة على معرفة بها، اقتربت منها لتخبرها بهمس:
"انزلي المحطة الجاية عشان اللي بعدها فيها تفتيش، والظابط المسؤول هناك أجارك الله من رخامته وشره." "تسلميلي يا حنان." لملمت سريعاً الثياب من أيادي السيدات. "معلش يا جماعة أنا هنزل المحطة الجاية." وفي مكان آخر ليس ببعيد يقف في حيرة من أمره بعد أن كاد يطلب رحلة من تطبيق التوصيل للذهاب إلى الشركة، وجد المبلغ المطلوب أكبر من ما يملكه حالياً.
ألقى نظرة على عنوان الشركة فوجده يقع بالقرب من محطة قطار تبعد عن الحي بثلاث محطات، أخذ يلتفت حوله فوجد إنه على مقربة من محطة المعادي. شعر بالجوع فهو لم يأكل منذ أمس، وجد مطعم خاص بعمل الشطائر والأكلات الشعبية كالفول والفلافل. ذهب وقام بشراء أربع شطائر جبن مقلي وسار نحو المحطة من الخارج باحثاً عن مكان ليجلس فيه ويتناول فطوره، وجد متجر لبيع العصائر الطازجة يوجد به مقاعد للاستراحة، جلس بعد أن طلب من البائع:
"عصير قصب لو سمحت." سأله الرجل: "صغير ولا كبير يا كابتن؟ نظر إلى ما تبقى معه من مال وقال: "صغير وعايز إزازة مياه." أشار الرجل إليه نحو براد عرض المشروبات الباردة وزجاجات المياه المعدنية: "اتفضل عندك أزايز المياه في التلاجة." رفع جانب فمه بسخرية، يتحدث بتهكم على ما يحدث معه: "فينك يا منيرة هانم، تيجي تشوفي ابنك مش معاه يركب أوبر وهييشرب عصير قصب." أخذ زجاجة المياه من البراد وجلس على المقعد ليتناول الشطائر أولاً.
وأمام المتجر على الجهة المقابلة تقف وتحمل الحقيبة البلاستيكية المليئة بالثياب، تشعر بالعطش الشديد وبعض الدوار، فهي لم تأكل أيضاً منذ أمس وربما من قبل. عبرت الطريق وذهبت لتستريح قليلاً على مقعد شاغر، ترفع يدها إلى البائع: "لو سمحت يا عم جمعة واحد قصب صغير وكوباية ميه." ابتسم إليها البائع قائلاً: "يا صباح النور، عاش من شافك يا غرام، بقالك فترة ما بتجيش."
"ما بنزلش المعادي كتير، ما أنت عارف الناس هنا ما لهمش في البضاعة اللي بتلف المترو، دول زباين سيتي ستارز، كايرو فيستڤال، شغل ماركات عالية مش شغل التقليد ولا المحلي اللي معانا." كان الذي يتناول فطوره منتبهاً إلى الحديث خاصة مع صاحبة الصوت المألوف لديه، يريد رؤية وجهها لكنها تجلس موليه ظهرها إليه. بينما عقب عم جمعة:
"والله يا غرام ما كلهم، ما تخدعكيش المظاهر، ممكن واحد لابس بدلة شيك وأحدث موديل لزوم الوجاهة لكن لو دورتي في جيبه معهوش غير حق المواصلات." توقف الآخر عن الأكل وحدق إلى البائع بحنق، يقول في نفسه: "يا عم ده أنت لو قاصد تلقح مش هتقول كدة." ردت غرام على حديث البائع قائلة: "على رأيك يا عم جمعة، ربنا عالم بحال كل واحد فينا، ربنا يرزقنا جميعاً." "آمين يارب." أخذت الكوب وشربت العصير ويليه كوب الماء.
"عايز حاجة مني يا عم جمعة؟ أخرجت ورقة بفئة الخمس جنيهات وتعطيها إليه، رفع الآخر يده برفض: "والله ما هاخد ولا مليم، ومش عايز حاجة منك غير تيجي تسلمي عليا، ولا محتاجة أي حاجة أنا زي والدك الله يرحمه." ابتسمت الأخرى وأخبرته بامتنان: "تسلم الله يباركلك." رفعت الحقيبة الكبيرة واستدارت لتغادر فتعثرت في مقعد مقلوب، وقعت الحقيبة وتناثرت أغلفة قطع الثياب وهي كانت على وشك أن تقع. نهض يوسف وأمسك ساعدها. "حاسبي."
نظرت إليه واتسعت عينيها، تمتلك ذاكرة حديدية، سرعان قامت بالتعرف عليه: "أنت اللي كان مقبوض عليك أداب في قسم دار السلام أول إمبارح؟ جز على أسنانه بحنق ثم وجه إليها إهانة مماثلة: "ما أنا برضو فاكرك، مش أنتي اللي كان مقبوض عليكي في تهمة سرقة برضو؟ ابتسامة صفراء زينت ثغرها يليها رد هازئ: "دي كانت تهمة متلفقة والحمدلله أفرجوا عني بعد ما ظهرت برائتي، الدور والباقي على الممسوك أداب."
كان سيخبرها بدفاع عن حاله إنه لا علاقة له بتلك التهمة ولا يعلم لما يبرر لها، لكن ما لفت انتباهه بقوة أغلفة الثياب المدون عليها العلامة التجارية الخاصة بشركات والده. أخذ القطعة ودقق النظر في البيانات المدونة على الغلاف، أخرج الثوب منه وقام بلمسه وفحصه ليكتشف أن تلك القطعة تقليداً لما ينتجونه. "هات الفستان خليني أمشي، ولو هاتشتريه بـ 200 جنيه." ابتسم إليها وعقب ساخراً:
"يعني مقلدين براند أقل فستان فيه ما يقلش عن 2000 جنية وكمان بتبيعوه بـ 200، لاء واضح إنك بريئة من السرقة بس نصابة كبيرة." ارتجفت من داخلها لكنها صاحت في وجهه: "أنت بتبرطم بإيه يا جدع أنت، أنا ولا حرامية ولا نصابة، أنا شارية الهدوم دي من محل عندنا، روح أسألها بنفسك لو مش مصدقني." اختطف الحقيبة من يدها وبيده الأخرى يجري مكالمة هاتفية.
"أيوة يا نور، هابعتلك الـ location تعالي وهات معاك المسؤول القانوني والرجالة وتعالوا بسرعة." "هببت إيه تاني يا يوسف؟ ابتسم بظفر ويرى غرام تقف أمامه تحاول استيعاب ما يتفوه به، أجاب على شقيقه: "لاقيت مين اللي بيضرب بضاعتنا في السوق." يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!