جلست غرام خلف الحاسوب تطبق كل ما تتعلمه جيداً، لم تخيب ظن يوسف وكم أسعده أنه أثبت لوالده إنه لم يعد الشاب الثلاثيني المدلل كما كان ينعته والده دائماً. طرق الباب جعلها تتوقف. "أتفضل." تخشى أن يكون الطارق هو رامي، فهي لا تتحمل وجوده أو التحدث معه، نقيض يوسف صاحب الظل الظريف. نظراته لها مليئة بالاحترام، بينما الآخر نظراته تفيض بنواياه الخبيثة. "ممكن أدخل؟ ابتسمت وأشارت إليه. "اتفضل طبعاً."
جلس أمام مكتبها، فنهضت احتراماً وذهبت لتجلس على المقعد المقابل له. سألها باهتمام. "إيه الأخبار؟ مرتاحة و لا متضايقة من حاجة؟ "الحمدلله مرتاحة جداً، ولو ضايقتني حاجة أنا بعرف أتصرف كويس." ابتسم من ذكائها. أدرك أنها قد علمت سبب سؤاله عن المضايقة والتي تتمثل في رامي.
"الحمدلله كدة أنا مطمن. أنا جيت أشكرك مرة تانية على إنك كنتي السبب نعرف صاحب المصنع اللي بيقلدنا، قبضوا عليه ورفعنا عليه قضية، ومن بعد ما الخبر اتنشر زادت مبيعاتنا." "ما شاء الله، ربنا يزيد ويبارك. أنا يعتبر ما عملتش حاجة، ربنا اللي بيسبب الأسباب." أخرج من جيب سترته الداخلي ظرفاً أبيض ووضعه أمامها. "أتفضلي مكافأتك." "هو أنا لحقت أشتغل؟ "لأ دي مكافأة مالهاش علاقة بشغلك، دي من أرباحنا اللي زادت."
"معلش مش هقدر أقبلها، أنا هاخد مقابل شغلي وبس." نهض وأخبرها. "اعتبريها مبروك على الشغل. ونسيت أقولك، أنا قدمت أوراقك للجامعة نظام انتساب عشان تقدري تيجي الشغل براحتك، والجامعة قبلت أوراقك." قفز قلبها من الفرح. ها هي ستحقق أول حلم كان على وشك أن يذهب سدى في الأيام السابقة. "يوسف، شكراً جداً على اهتمامك ودعمك ليا." ابتسم وعيناه تخبرها الكثير. "عايزة تشكريني؟ يبقى تذاكري وتنجحي بتقدير ما يقلش عن امتياز، اتفقنا؟
أومأت إليه والسعادة تنضح من عينيها. "اتفقنا." *** "ألو؟ مستر حسن؟ "فيه واحدة تقول لخطيبها مستر؟ ضحكت ابتسام وعقبت بخجل. "معلش، لسه مش مستوعبة اللي حصل." "أنا كنت ناوي أجي أطلب إيدك بعد ما تخلصي امتحانات، لكن مقدرتش أصبر أكتر من كدة." انتظر رداً منها أو تعقيباً، لكن تلقى الصمت. نظر إلى شاشة الهاتف ليتأكد إنه مازال قيد المكالمة. "ابتسام؟ "نعم." "ساكتة ليه؟ "بسمع حضرتك." "حضرتي!
أنا فاهم إنك لسه مش مستوعبة اللي حصل، بس عايز أقولك مع الأيام هاتعرفي إن أنا بحبك قد إيه وبخاف عليكي." خفق قلبها من اعترافه الصريح ونبرة صوته الأجش لها وقع على سمعها. تشعر برجفة تسري على طول العمود الفقري لديها. توقع كيف تلقت اعترافه ذلك والدليل صمتها مرة أخرى. "مش مصدقاني؟ أيوة بحبك، خطفتي قلبي من أول يوم شوفتك فيه." شعرت الأخرى بأحد يلج داخل الغرفة فوجدت شقيقتها أحلام تتمدد على السرير الموازي لها.
"معلش هكلمك بعدين، أصل ماما بتنادي عليا." "سلميلي عليها." "الله يسلمك." "خدي بالك من نفسك وذاكري كويس عشان عندك امتحان الأسبوع الجاي." ابتسمت وقالت. "حاضر." "لا إله إلا الله." "محمد رسول الله، سلام." انتهت المكالمة وأطلقت زفرة بأريحية. تتمدد بجسدها على الفراش مبتسمة وتنظر إلى السقف، حتى اختفت ابتسامتها عندما تحدثت أحلام. "أوعي تديله الأمان، لا هو ولا غيره، كلهم صنف واحد، غدارين وخاينين." التفت الأخرى لها لتعقب.
"مش كل الرجالة سمير يا أحلام، أنتي اللي اخترتي غلط برغم حذرناكي منه، لكن برضو صممتي عليه وكأنه آخر راجل في العالم." تساقطت دمعة من عينها وبنبرة أوشكت على البكاء. "نصيبي وقسمتي، عينيا ما كانتش شايفة غيره، كنت بحبه لدرجة عمري ما اتخيلت أعيش بعيد عنه." "وأديكي قدرتي، وبقيتي أحسن، على الأقل ارتحتي نفسياً وقاعدة في وسط أهلك معززة مكرمة، عكس الجحيم اللي كنتي عايشة فيه معاه."
تردد صوت سمير في أذنها بمعايرته التي لم يكف عن تذكيرها بها. يمر أمام عينيها كل ما كان يفعله بها من ضرب وإهانة، حتى تحول حبها له إلى كراهية. أجهشت في البكاء، فنهضت ابتسام لتربت عليها. "معلش حقك عليا، والله ما قصدت أضايقك بكلامي." "أنا مش مضايقة منك، أنا مضايقة من نفسي واللي كنت بعمله في حالي، اتحملت حاجات كتير فوق طاقتي بسبب قلبي."
احتضنتها الأخرى وظلت تربت عليها، تركتها تطلق عبراتها دون توقف، لعل ألمها يزول مع كل قطرة من دمعها. *** اقترب وقت العمل على الانتهاء، فذهبت إلى المرحاض تغسل يديها ووجهها. عادت إلى غرفة مكتبها فوجدت باقة ورود حمراء يتوسطها زهرة بيضاء، مرفق بها بطاقة ورقية مطوية. قامت بفتحها وقرأت المدون بها. "من يوم ما نورتي الشركة وأنا شايفك زي الوردة البيضا اللي جوة الورد الأحمر، مميزة وجميلة. أو رامي." عقدت ما بين حاجبيها بضيق.
"ابتدينا بقى، أنت اللي جبته لنفسك يا رامي." حملت الباقة وذهبت إلى غرفة المكتب الخاصة به، دفعت الباب بعنف، ألقت الباقة أعلى المكتب، ترفع سبابتها بتحذير. "المرة دي رمتلك الورد على المكتب، المرة الجاية هرميه في وشك. شغل العيال المراهقة ده أنا فهماه كويس، أنا بنت بلد وعارفة إيه اللي ورا الحركات دي، ياريت ما تحطش أمل لأن ده مكان شغل وليه احترامه." لم تعط له فرصة للحديث فتابعت.
"لحد دلوقتي مارضتش أقول لمستر يوسف أو نور بيه، أو رأفت بيه بذات نفسه. ياريت بقى تخليك في حالك وتسيبني في حالي." أخذ يضحك ليثير حنقها وأخبرها بحديث مبهم تدرك معناه جيداً.
"لو حاطة أمل على غيري، غيري عمره ما هيبقي ليكي، ولو اهتم بيكي شوية أول ما تبقي ليه هايسيبك زيك زي أي واحدة عرفها قبلك. لو سكتك دوغري وراسمة على جواز، ده هيبقي عاشر المستحيلات لأنك زي ما أنتي شايفة بعينيكي، هو من عيلة مين، اللي زيي وزيك آخرهم يبقوا لبعض لو بصوا لفوق هيقعوا واقعة مش هيقوموا منها. يارب تكون رسالتي وصلت." رفعت زاوية فمها جانباً بسخرية.
"وصلت يا أستاذ رامي، بس اللي حضرتك ماتعرفهوش إن أنا علاقتي بغيرك في حدود الشغل مش أكتر من كدة، وعمري ما بصيت لحاجة أنا مش قدها. بالنسبة لكلامك الأخير بتاع شبهي وشبهك، أنا عمري ما هبقى شبهك حتى لو إحنا في مستوى مادي واحد. عارف الفرق ما بينا إيه؟ أنا سكتي يمين، لكن اللي زيك سكتهم على طول شمال حتى لو اتجوزوا. عن إذنك." حديثها كان بمثابة الصفعة على خده، جعلته يزيد من إصراره للظفر بها مهما فشلت جميع محاولاته. ***
وفي طريقها إلى غرفة المكتب الخاص بها، ذهبت إلى يوسف، عندما رآها أشار إليها بالدخول. "تعالي يا غرام، عايز آخد رأيك في حاجة." ذهبت ووقفت جواره لتنظر نحو ما يشير إليها. "دي التصميمات الجديدة لسه مبعوته من فريق التصميم، وإحنا مسئولين عن تسويقها، إيه رأيك فيها؟ كان قربه كفيل بتشتت انتباهها وعدم التركيز. يكفي عطره الفواح الذي جعلها تغمض عينيها لتستمتع باستنشاقه. "غرام؟ غرام؟
يناديها بعد أن لاحظ صمتها وألتفت دون أن تدري ليجدها أسيرة قربه منها. هيهات وانتبهت إلى ندائه. "مع حضرتك، معلش سرحت شوية." ابتسم وسألها بمكر. "عاجبك البرفيوم؟ "اه، لأ، برفيوم إيه اللي حضرتك بتسأل عنه." علم إنها تتهرب من الإجابة الذي يريدها. "مقولتيش إيه رأيك في التصميمات؟ أشارت نحو شاشة الحاسوب. "التاني والرابع والسادس والثامن، أجمل من الباقي." "تعرفي إن ده كان نفس اختياري؟ "بجد؟
سؤالها كان ذو نبرة يبدو عليها التوتر. ذهبت للجلوس على المقعد أمام مكتبه، فأجاب. "اه بجد، واضح إن فيه حاجات مشتركة ما بينا." حمحمت فانتابها سعال فجأة، تناول زجاجة المياه من أمامه والكوب. "خدي اشربي." أخذت الكوب وقامت بشرب القليل من الماء، بينما هو قام بغلق الحاسوب وتناول سترته من فوق ظهر المقعد ليرتديها. "روحي هاتي شنطتك من المكتب وتعالي عشان أوصلك في طريقي." تورّدت وجنتيها من الخجل والحرج لأنها أخبرته.
"معلش يا مستر يوسف، مش هينفع أركب مع حضرتك." تفهم رفضها فقال. "خلاص هطلبلك أوبر يوصلك." ابتسمت لتخفي الحرج الذي تشعر به. "متشكرة، أنا بعرف أروح من هنا." "بتركبي إيه؟ ابتسمت وأجابت. "المترو." "أنا حبيت المترو أوي، ممكن أروح معاكي وهنزل في آخر محطة ومن هناك هاخد أوبر لحد الفيلا، أظن المترو وسيلة عامة مليانة ناس مفيهاش حاجة لو جيت معاكي." لم ترده خائباً. "خلاص أنا هاروح أجيب شنطتي وهستنى حضرتك قدام المكتب."
"وأنا هعمل مكالمة وهعدي عليكي." ذهبت مسرعة إلى غرفة عملها، بينما في آخر الرواق حيث المصعد، خرجت كل من كاميليا برفقة ماهي. "كوكي، تفتكري يوسف هيفرح لما يشوفني؟ أجابت الأخرى بطيف ابتسامة. "يمكن اه و يمكن لاء." "ولاء ليه بقى؟ ابتسمت بمكر تعلم سر عودته للعمل في الشركة عندما سمعت زوجها وأبيه يتحدثان عن يوسف المواظب على العمل بجد ونشاط. "مش يمكن فيه حاجة تانية مشغول بيها."
أخذت تفكر فيما تلقيه كاميليا من معاني غامضة وفي النهاية لم تعط أدنى اهتمام لحديثها، ذهبت تبحث عن غرفة مكتب يوسف. ولدى كاميليا داهمت مكتب زوجها فوجدت سوزي تقف بالقرب منه تعطيه عقود يقوم بالتوقيع عليها ورقة، ورقة، فانتبه لولوج كاميليا المفاجئ. ابتعدت سوزي من جواره عندما تلاقت عيناها بالأخرى، كاميليا كانت تحدق إليها بابتسامة دبت الرعب في قلب الأخرى، يبدو إنها أصعب وداهية أكثر من السيدة منيرة.
جلست على المقعد تضع ساق فوق الأخرى. "إيه رأيك في المفاجأة دي يا بيبي، أصلك وحشتني أوي قولت لما أعملك مفاجأة وأشوفك." نهضت ومالت بجذعها نحوه لتقبله أمام أعين سوزي التي حمحمت بحرج. "عن إذنك يافندم." "استني عندك." كان أمر من كاميليا فألتفت إليها سوزي. "نعم يا كاميليا هانم." أشارت إليها بتعجرف. "روحي هاتيلنا اتنين آيس تشوكليت من الأوفيس."
نظرت سوزي بصدمة ثم نظرت إلى نور لإنقاذ الموقف، أومأ لها بعينيه ثم عاد ببصره إلى زوجته يخبرها. "كوكي حبيبتي، آنسة سوزي تخصصها سكرتيرة مش أوفيس بوي." نظرت نحوها بازدراء ثم عقبت على جملة زوجها. "وليه، مش هي بتقدم القهوة لأونكل رأفت؟ هنا تخلت سوزي عن الصمت. "لأ يا مدام كاميليا، مش بقدم أي مشروبات، وساعات إحنا بنخدم نفسنا بنفسنا، يعني اللي عايز حاجة يعملها بنفسه. عن إذنك ورايا شغل مهم."
وبادلتها نظرة الازدراء كما تفعل معها الأخرى. بالعودة إلى ماهي وجدت مكتب يوسف ودخلت بخطوات لم يشعر بها الأخر، وضعت كفيها على عينيه. "أنا مين؟ أبعد يديها عن عينيه. "أهلاً ماهي." "وسهلاً يا چو، أنا حبيت أعملك مفاجأة وأخدك نتغدى بره أنا وأنت، و كوكي برضو هنا هتاخد نور وهيتغدوا بره هما كمان." "معلش يا ماهي خليها في وقت تاني." صاحت بدلال ورجاء. "بليز چو، عشان خاطري هي ساعة وهانروح على طول."
أخذ يتردد قبل أن يوافق وقد نسي أمر غرام التي تنتظره وفي طريقها إليه. "تمام، ساعة واحدة مش أكتر من كدة." وإذا بها صاحت بتهليل وفرح، قامت بمعانقته، فكان الباب مفتوحاً للمنتصف، كادت غرام أن تدخل فرأت هذا المشهد، تراجعت على الفور. كانت ستصطدم بالذي يقف خلفها، استدارت على الفور فوجدته رامي، يضع يديه في جيوبه يخبرها بانتصار.
"دي ماهي عمار المنوفي، بنت النائب العام السابق ووالدتها تبقي صديقة مدام منيرة مرات رأفت بيه، وكنا سامعين الفترة اللي فاتت إنهم هيتخطبوا." لم تجب على حديثه المقصود واكتفت بالنظر إليه بازدراء ثم ذهبت قبل أن تنفجر باكية، ويتردد في سمعها تحذيراته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!