الفصل 31 | من 39 فصل

رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
22
كلمة
1,731
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 79%
حجم الخط: 18

كانت القرية كلها ليس لها كلام إلا عن المعركة القادمة بين صقر وفرغلي، ومن قد ينتصر، وما الذي سوف يجري بعد ذلك. سمع أن جماعة من أولاد صقر كانوا يتهامسون أن فرغلي أقسم بالله ليؤدب صقر ويطرده من القرية ويجعل عودته إليها مستحيلة، وأن العار سيركب عائلة عبد الكريم مدى الحياة. من ناحية أخرى، كان صقر يسير في أرجاء القرية رافعًا رأسه بشموخ، غير مهتم بالمعركة، ويجلس بفخامة أمام البيت البحري مرحبًا بالضيوف التي تزوره.

عبد التواب داخل مضيفته يشعر بالتهميش، فحتى لو كان هو كبير العائلة رسميًا، فالناس ينظرون إلى صقر على أنه الكبير لأنه يملك القوة. وكان هذا الأمر يؤرقه لدرجة بعيدة وينغص عليه منامه. "ليه رجعت يا صقر؟ بسببك صابني العار مش بس مرة، ده مرتين. أحلامه لن تتحقق قبل أن يتخلص من صقر، ولن يصبح كبير العائلة بحق وحقيقي إلا بعد أن يهزم فرغلي أمام الناس كما اتفق معه." عندما عاد عوض العلاف، لم يفتح فمه، لم يخبر أي إنسان بما سمعه ورآه.

حتى سادين نفسها، التي طلبت منه مراقبة صقر، لم تخبرها بشيء. "فكل من احتقره يستحق أن يتأدب." وعندما لاح عرس قريب، كانت الناس فرحانة، ليس بسبب العروسة أو العريس، فهو عيل ابن كلب يحمل الحقد داخل قلبه لكل الناس، وكان لا يتوقف عن معاكسة الحريم. بل من أجل المعركة القريبة، صقر وفرغلي، العصا والعكاز. الكبرياء والعائلة والنخوة. وكان صقر يتدرب على العصا كل يوم، وفرغلي يخوض نزالات في كل مكان ويخرج منتصراً.

وحضر يوم العرس، وجلست الناس في الفرح، كل عائلة مع بعضها. وكانت عائلة عبد الكريم تجلس في مواجهة عائلة أولاد صقر، يفصل بينهم طريق. جلس عبد التواب وسعيد ودياب وعقل. وجلس صقر معهم. عندما عرف عبد التواب أن صقر سيكون حاضرًا في الفرح، لم يغضب، فقد جاء الأمر على هواه. وبعد أن رقص الرجال على الطبل البلدي، وقف فرغلي بشموخ ونادى في الناس: "من يرغب في نزالي يخرج إلى الساحة." نظر عبد التواب تجاه صقر، الذي ظل صامتاً.

وقف فرغلي وسط الساحة بصدره العريض وعضلات ذراعيه الضخمة، يبرم شاربه ويهز عكازه. والنساء تزغرد وتصفق، والأطفال تركض لأخذ مكان على الدكك يمكنها من رؤية المعركة. تقدم شاب غريب من بلدة مجاورة وهزمه فرغلي بعد جولتين. ثم تقدم آخر من عائلة عدنان، هزم من أول جولة. والنساء تثرثر، والعيون مصوبة على صقر، تنتظر تحركه أو وقوفه من مكانه. وربط المطاريد في أماكنهم وسط الحقول، ينتظرون اللحظة المناسبة. وناس تجيء وتذهب.

وفرغلي يصرخ طالبًا الرجال إلى أرض المعركة. ثم خرج رجل يحب الكلام مثل النساء، وراح يصرخ وهو يضحك: "عايزين ننصب شخص فتوة للقرية، والذين يرغبون بذلك يصعدون إلى المنصة." وصعد أكثر من شاب، لم يكن من بينهم صقر. وسرت الهمسات القلقة أن صقر ربما لا يخوض النزال. "خوفه من فرغلي والهزيمة يحتم عليه البقاء في وضع السكون." بينما كان فريق آخر يرى أن صقر ينتظر اللحظة المناسبة، وأنه غير مهتم بالعراك ما لم يذكر اسمه.

وفرغلي لم يناد بأسمه حتى الآن. وهزم كل من كان على المنصة، هزمهم فرغلي بلا جهد يذكر. "إن ضربة فرغلي بالعصا ضربت معلمين تعرف مطرحها وتوجع." وارتفع الصياح: "فرغلي الفتوة، فرغلي سيد شباب القرية." كل ذلك وعبد التواب ينظر تجاه صقر، ثم ناحية فرغلي. ثم حدث ما كان متوقع: "هو صقر بيه مش ناوي يشرفنا على المنصة ولا إيه؟ كان صوت فرغلي مسموعاً، حتى أنه أخرس الأصوات الفوضوية التي كانت تملأ المكان.

ابتسم صقر: "صقر عمره ما يتراجع عن حد ذكر اسمه يا فرغلي. ولو كنت عايزني، يا مرحب بالمعركة." وصل صقر المنصة والتف أهل القرية حولها، لا أحد يمكنه أن يتوقع النتيجة. هز صقر العكاز في يده، يعرف وزنه، وكان لازال ينظر تجاه الطريق عندما ضربه فرغلي بقوة في جانبه، ضربة تفاداها صقر بالعافية. وأدرك صقر عن فرغلي ينوي خيانته، تلك الحركة الصغيرة فضحت نواياه. وسرعان ما سخن العراك وانطلق الضرب من كل ناحية.

ولم يكن ضرباً عادياً، بل ضرب موت. وكما هي عادة النزالات بين صقر وفرغلي، فقد كانت حركات سريعة لكنها مشحونة بالغضب. وكل ضربة إذا عبرت ستكسر ضلع، أو تشق رأس. فرغلي يبحث عن حلمه، وصقر يدافع عن شرفه. وتساءل فرغلي: "لما ضربات صقر قاسية مثل الصخر؟ ضربات مرعبة إلى حد بعيد." ثم أخذ صقر المبادرة وراح يضرب فرغلي بكل قوته، وفرغلي يعرض عصاه ويصد الضربات ويتراجع، وصوت العصا يسمع من بعيد. بعد أن صمت الحضور،

تذكر صقر كلمات سادين: "إن فرغلي ذهب إلى القاهرة." وهمس: "لقد جن! كيف تجرأ وسافر إلى القاهرة؟ لو كان خائفاً مني لفكّر ألف مرة قبل أن يطرق باب الشقة." ورأى شيخ البلد أنها لم تعد لعبة عصا، بل لعبة موت وبحث عن انتقام، فصرخ في الناس: "خلينا نفضوها الليلة دي." لكن صقر قال أنه لن يتوقف حتى يهزم فرغلي. وتقدم أولاد عائلة صقر نحو المنصة للوقوف جوار فرغلي، الذي لم يمانع. وأصبح صقر في مواجهة سبعة.

فنظر إلى عبد التواب ينتظر الدعم، إنها حرب عائلة ضد عائلة وليست حرب شخص واحد. وصرخ شيخ البلد: "إلى عايز من عيلة عبد الكريم يساعد صقر يصعد المنصة؟ "محدش يتحرك من مكانه." أمرهم عبد التواب، وأقسم أن من يصعد المنصة سيحرمه من الورث، وأن الأوراق كلها معه، ومحدش هيطول قراط واحد. وكان على النزال أن يستمر، فلا يمكن لصقر أن يترك المنصة مهزوماً أمام عيون كل الناس. فالشرف يحتم عليه أن يقاتل حتى آخر لحظة.

فرفع عكازه وشكر كمه وهمس: "أنا آسف يا سادين، وعدتك بالنصر، ولكني سأمنحك الموت." وبعد جولة فردية لمداراة العين، اشترك أولاد صقر في النزال. وبدأ صقر يتلقى ضربات من كل ناحية، وفرغلي يتحين الفرصة المناسبة لشق رأسه والسخرية منه. شُجّ رأس صقر وهو يحمل العصا، وكسر ضلع في جانبه وهو يحمل العصا، ولم يتركها. وسط هذا الصخب والضجيج والتربص، لمح شخص قادم من بعيد.

كان يرتدي جلباب صوف ولاسّة زرقاء، وفي يده عكازه، ولم يتبين أحد وجهه حتى وصل الأنوار. كان عوض العلاف، وكان لأول مرة يرى بتلك الهيئة النظيفة، فقد كان دائماً مغطى بالروث والعجين والطمي. شق عوض صفوف الناس وقصد المنصة، ثم صوب نظره تجاه عبد التواب وقال: "جبان." وصعد المنصة إلى جوار صقر. وسرت الهمسات: "شوف عوض العلاف بيعمل إيه يا ولاد؟ بقا القوالب نامت والنصاص قامت؟ يكونش عوض فاكر نفسه فتوه؟ وسمعت ضحكات في أكثر من مكان.

وسرعان ما دخل عوض في النزال وراح يصد الضربات عن صقر. وللعجب، كانت ضرباته دقيقة وقوية، ووقف أمام فرغلي أكثر من مرة دون أن يتمكن فرغلي من لمسه. وشعر فرغلي بالغضب، فصرخ في أولاد عائلته: "كفاية هزار يا ولاد، خلينا نقضي عليه." وكان صقر وعوض يدافعون باستماة، يتلقون الضربات منحشرين في زاوية المنصة. عندما لمح شاب نحيف يركض تجاه المنصة وفي يده عكاز، قفز إلى المنصة وراح يضرب أولاد صقر من الخلف وأصاب اثنين منهم.

كان شاب غريب ولم يتعرف أحد على وجهه أو عائلته. خرج المصابون من حلبة النزال، ووقف الشاب إلى جوار صقر وعوض. قال صقر: "شكراً لك." لكن الشاب لم يرد. وهمس عوض لصقر: "أنت مصاب، سيب لي فرغلي وخلص على بقية العيال." وبدأ يعترض فرغلي في كل ناحية حتى تلاقى أمام عيون الناس. بينما أجهز صقر والشاب الغريب على بقية أولاد صقر. وراح عوض العلاف يهز العصا بفن وحرفية، إنه ينتظر تلك اللحظة من سنين طويلة.

الكل كان ينظر إليه كبعوضة، حشرة، لكنه الآن يقف أمام أقوى شاب في القرية. وكانت حركات عوض سريعة ورشيقة. وفرغلي يستصغره ويهجم عليه بقوة، وعوض يراوغ ثم يضرب. حتى تمكن من مراوغة ناجحة، اندفع فرغلي فتنحى عوض وضربه على مؤخرته بالعكاز. ضربه أسقطته أرضاً، ولم يصدق الناس ما تراهم عيونهم. فرغلي على الأرض وعوض فوقه يضربه في كل مكان. "لن أدرك الشاب الغريب النصر."

قفز من على المنصة وركض مبتعداً عن العرس والناس، ولم يتمكن أحد من معرفة هويته، رغم ركض الأطفال خلفه، لكنه اختفى في الحقول. ونهض فرغلي مضرجاً بالدماء، في مواجهة عوض. وسط كل ذلك، رفع فرغلي يده بالإشارة المتفق عليها مع المطاريد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...