نظر عوض تجاه الناس. البشر الذين كانوا يحتقرونه منذ نشأته، منذ كان طفل صغير ويتيم. الحمقى الذين لا يستطيعون أن يفرقوا بين مهنته وشخصيته. رأى الذهول في عيونهم، مبهورين وغير مصدقين لما يفعله. "للقوة بريق جبار أكثر من العفة والصدق والإخلاص." "قوم يا فرغلي، مش هضربك وأنت واقع على الأرض. نزل إيدك دي، علشان لو رفعتها تاني هكسرها." لكنه نهض فرغلي يدافع عن كبريائه. "بقى أنت يا علاف هتكسر إيد فرغلي البلاسي؟
"واكسر نفوخك كمان يا فرغلي. سيبك من الكلام وخلي العصا تحكم." رفع فرغلي يده مرة أخرى بالإشارة، والمطاريد يتابعون ما يحدث بقلق وفضول. "همس واحد من المطاريد، معلم يوسف، فرغلي باين عليه هيقع، لازم ندخل! "مش هندخل غير لما يرفع إيده تلت مرات حسب الإشارة المتفقين عليها." أمرهم المعلم يوسف بنبرة حادة. "وقلت لك لو رفعت إيدك هكسرهالك يا فرغلي! " صرخ فرغلي. "مدد يارب! " وضرب فرغلي بكل عزمه. بالعافية نجح فرغلي في صد الضربة.
"مدد يارب! " ووسع فرغلي ذراعه وطوحه وقسى على العصا حتى آنت. وضرب ذراع فرغلي فكسره، رغم أنه صد العصا. كانت ضربة ساحقة غير بشرية بالمرة. "يا ابن الكلب يا لمام! " صرخ فرغلي من الوجع. "اقفل خشمك وخليك راجل يا فرغلي. أيوه، أنا عوض العلاف. عوض اللي من غير عيلة، لكن أنا راجل من ضهر راجل. وأنتم يا بلد، هتتعلموا تحترموا عوض العلاف، واللي مش هيحترمه ملوش غير العصا."
سقط فرغلي على الأرض وعوض يؤدبه بالعصا مثل طفل مارق مشاغب في المدرسة. "أنا هأدبك يا فرغلي لحين متقدرش تستقوى على خلق الله بالباطل. وكل ما تتجبر على ضعيف، تتذكر أن العلاف هزمك." همس عبد التواب في غيظ وحنق. "يلا بينا، ملناش قعاد هنا تاني." "ليه؟ "صقر انتصر يا أخوي، وصقر ولد أخونا." "اسكت انت! " صرخ عبد التواب. "مش عايز أسمع ولا كلمة يا عقلوص." "صقر مش هيلحق يفرح بانتصاره." ورفع عصاه وقصد الساحة.
"مبروك يا صقر يا جوز بنتي." وهمس. ومع رفعة العصا، انطلق الرصاص من كل ناحية كأنها حرب. وركضت النساء والأطفال والرجال وارتفعت غيمة من التراب. وأصبح كل إنسان يفكر في نفسه. "أهو ده اللي مكنتش عامل حسابه." همس عوض في سره. "لكن هانتظر إيه من واحد جبان وخسيس زي عبد التواب." "خد بالك يا عوض! " صرخ صقر وهو يلقي بجسده تجاه عوض. ثم سقطا الاثنين غارقين في دمائهما.
انطلق الصراخ بعد أن سقطت أكثر من جثة على الأرض. فقد قتل عقل ودياب وسعيد أولاد عبد الكريم، وأخوات عبد التواب أيضًا. هرب كل الناس من العرس وهرب المطاريد. ولم تتبقى سوى الجثث مرمية على الأرض لحين وصول الشرطة. وأغلق كل شخص داخل القرية بابه على نفسه. وانتشرت الهمسات. "صقر مات، عوض مات، وولاد عبد الكريم ماتوا. ومات أيضًا ناس مالهمش علاقة بالعراك ولا صراع العائلات. ناس فقراء حضروا عشان العشاء."
وشق عبد التواب جلبابه أمام بيته وهو يصرخ. "إخوتي ماتوا وابن أخي مات، حتى عوض العلاف مات! الحقينا يا حكومة! الحقنا يا شيخ البلد! المطاريد موتوا كل الناس! والناس من حوله تهدئه وتصبره. وعبد التواب ينوح مثل النساء ويصرخ. "اتركوني، محدش يلمسني! " ثم قفز في الترعة وراح يضع الطين فوق رأسه ويلطخ وجهه ويندب.
عندما حضر مأمور القسم مع الشرطة إلى القرية، كان عوض ملطخًا بالطين والدموع تنهمر من عيونه. وكان معه شيخ البلد. ثم قصدوا منطقة العرس لمعاينة الجثث وأخذ أقوال الشهود.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!