عندما صعد صقر إلى غرفة لارا، سمع همسًا قادمًا من خلف باب إحدى الغرف الجانبية. توقف للحظة، أنصت. كان الصوت مكتومًا، لكنه تميّز بنبرة حادة تشي بحقد دفين. –“أنا مش هسمح لحد يا سعيد، الأرض دى ارضنا واحنا اللي تعبنا فيها، انا شربت المر فى الأرض دى ايام ما كان جبر بيه بيلف على حل شعره فى مصر، والله عال يا سعيد، احنا نتعب ونطفح الكوتة ويجى حتت عيل يقلك ورث ابوة.” –“بس ابوك مصمم يا عبد التواب.”
عرف صقر الصوتين فورًا، كانا سعيد وعبد التواب. ابتسم بسخرية وأكمل سيره، لكنه لم يستطع منع عقله من التساؤل عن دوافعهما الحقيقية، ولماذا كل هذا الغضب من أجل أمر تافه. وصل صقر إلى باب غرفة لارا وطرقه برفق. لم تأتِ إجابة. حاول مرة أخرى. هذه المرة، فُتح الباب قليلًا لتظهر عينان خائفتان خلفه. –“ايه يا بنت ابوى مالك عامله كده؟ خايفه من ايه؟ –“انت بقيت تتكلم زيهم؟ خاطبته لارا بانفعال. امسك صقر الباب بأيده وهمس. –“مش هتنزلي؟
–“أنا مش عايزة أشوف حد، يا صقر، الدنيا هنا غريبة، وأنا مش مرتاحة ومش عارفه اتعامل معاهم ولا اتكلم معاهم.” –“هتعرفى ازاى وانتى حابسه نفسك فى غرفتك ليل نهار من اول ما وصلنا؟ دا حتى جدتك مسلمتيش عليها ولا تعرف شكلك.” –“صقر!؟ ” همست لارا بشك، “بتقول بجد؟ دا انت مكنتش بتطيق الناس دول ولا تسمع سيرتهم، ايه إلى حصل؟ –“جدى عبد الكريم باين عليه راجل حكيم وطيب وانا ارتحتله.” وطت لارا صوتها وهمست.
–“دا بيعمل كده لانه حاسس بتأنيب ضمير، بكره هتلاقيه اتغير.” قبل أن يرد عليها، سمع صوت صراخ عالٍ في الأسفل، تبعه ارتطام قوي وكسر زجاج. عاد بسرعة إلى الطابق السفلي ليجد الجد عبد الكريم يقف في منتصف الغرفة، وفي يده عصا غليظة، بينما سعيد وعبد التواب ينظران إليه بوجوه شاحبة. –“جدى هو فيه حاجه حصلت؟ ” همس صقر. –“بيحصل إن البيت ده فيه ناس نسيوا الأصول! ” قال الجد بغضب. “وأنا موجود علشان أفكرهم بيها.”
–“أنا ما فتحت الموضوع ده بالعاني علشان أسمع الاعتراضات، الأرض دي ليها صاحب، وهو ابن جبر الله يرحمه واللي مش عاجبه كلامي، الباب يفوت جمل.” أراد عبد التواب أن يرد، لكن نظرة حادة من الجد أخرسته. عندها، تدخل سعيد بصوت مخنوق. –“يا ابوى، مش اعتراض، لكن… صقر ميعرفش حاجه فى أمور الأرض الزراعيه ولا يعرف يديرها.” ابتسم الجد ابتسامة ساخرة وقال. –“وانت إلى هتعلمه يا سعيد صح؟
صقر لازم يديك أرض ابوه علشان تديرها انت وتاخد بالك منها؟ دا ابن بندر يا ابوى واول ما هيملك الأرض هو والست والدته هيقول هاتك يا بيع، وانت عارف ليلى هانم اكتر مني.” وكان عبد التواب تخلى عن صمته وركن اخيرا للحكمه والخداع. صقر، إلى كان بيسمع بصمت، قرر أن يتدخل. نزل ببطء درجات السلم وقال بصوت ثابت. –“يا جدي، مفيش داعي لكل ده. أنا مش عايز أكون سبب في مشاكل بينك وبين ولادك! ارتفعت أصوات استنكار من الجد. –“تسيب إيه؟
الأرض دي حقك، وما حدش هيحرمك من حقك طول ما أنا موجود.” ألقى سعيد نظرة جانبية على عبد التواب، الذي بدا وكأنه على وشك الانفجار، لكن قبل أن ينطق بكلمة، قطع الجد النقاش وقال. –“بكره الفجر، هنروح للأرض. وأنا هحدد كل شبر لصقر قدام عينيكم التخينة إلى هياكلها الدود دي.” بعد العشاء، تسللت هند إلى غرفة سادين، التي كانت تجلس بجوار النافذة تنظر إلى القمر. –“فيه حاجة غريبة بتحصل يا سادين، أبوكى وابويا شكلهم بيدبروا حاجة.”
نظرت سادين إليها بقلق. –“تقصدي إيه؟ –“مش عارفة، لكن سمعتهم بيتكلموا عن صقر.،حاجة ليها علاقة بالأرض والورث.” سادين، التي كانت تشعر بالتوتر منذ دخول صقر المنزل، شعرت بقلق مضاعف. هل يمكن أن يتحول الأمر إلى صراع علني؟ ان ابوها عبد التواب قاسى القلب ولا يعرف إلا مصلحته وهذا الفتى القادم من القاهره لن يزيد الطين الا بله. كانت الدار الكبيرة نابضة بالحياة، رغم التوتر الذي يتخلل هواءها.
أصوات العائلة تتردد في الأرجاء، بينما يتنقل الخدم بين الغرف يحملون الأطباق الثقيلة. في تلك اللحظة، كانت سادين تنقل سلة مملوءة بالفاكهة من المطبخ إلى غرفة الطعام. بينما كانت تسير في أحد الممرات الضيقة، اصطدمت بشخص قادم من الاتجاه الآخر. السلة سقطت على الأرض، وتناثرت الفاكهة في كل مكان. –“آسف، ما كنتش شايفك.” جاء صوت صقر، الذي كان يحمل كومة من الكتب بين يديه.
–“ما فيش مشكلة.” قالت بصوت منخفض، وهي تنحني لتجمع الفاكهة المتناثرة وعيونها تبحث عن والدها. صقر انحنى بجانبها بسرعة. –“شكلي دايمًا بعمل مشاكل في المكان ده.” سادين لم ترد مباشرة، لكنها نظرت إليه بنظرة خاطفة قبل أن تعود لجمع الفاكهة. كان صمتها يحمل شيئًا لم يستطع صقر تفسيره. –“أنتِ سادين، مش كده؟ سادين توقفت للحظة، ثم أجابت وهي تنظر بعيدًا. –“أيوه.” وكان صوتها مرتعب خائف. –“وانت صقر؟
–“بالظبط.” همس صقر، “أنا اللي الكل بيحب يكرهني هنا.” سادين شعرت بظل ابتسامة يظهر على وجهها، لكنها أخفته بسرعة وهي تقف وتضع الفاكهة مرة أخرى في السلة. –“انتى يا مقصوفة الرقبه واقفه بتعملى ايه عندك.” صرخ عبد التواب وهى بيتحرك ناحيت سادين. –“الفاكهه وقعت منى يا ابوى.” ردت سادين بخوف. –“ليه عميتى يا بت سكينه ونزل القلم يغنى على خدها. امشى غورى من هنا ومش عايز اشوف وشك تانى.” ثم نظر إلى صقر بقرف وضيق حاجبيه وهمس.
–“وانت خليك فى حالك.” رصت الأطباق على السفره وجلس الجد على الطاوله وكان الرجال ينتظرون أمره ليجلسوا. ثم ارتفع صراخ عوض العلاف. –“يا جد يا جد اولاد صقر هجمو على الأرض إلى جنب السكه وبيعزقو فيها، ضربو الرجاله إلى شغالين فيها وبيقولو الراجل يقف قدامنا.” انهض عبد الكريم بسرعه وتناول عبد التواب عكاز وسعيد عصا طويله وبقية الأخوة كل واحد منهم امسك عكازه وانطلقوا خلف عبد الكريم الذى كان يتحسس الطبنجه فى جيبه.
–“عثر صقر على عكاز جنب الباب وضعه فى ايده وركض خلف جده الذى اخترق الحقول المخضرة.” –“مش كنا نجمع الرجاله الأول يا ابوى؟ ” سأل عبد التواب وهو يلهث. –“قال عبد الكريم خايف منهم يا عبد التواب؟ –“برضه يا ابويا عتكول كده؟ انا بس عارف ان ولاد صقر عيالهم كتير وميعرفوش الأصول.” –“متخفش يا عبد التواب لو قلو ادبهم هنربيهم.” وعندما وصل عبد الكريم وجد عائلة اولاد صقر كلها متجمعه. وأدرك انه امر خطط له بليليحتلون أرضه ويزرعونها.
صرخ عبد الكريم. –“وقف عندك انت وهو.”
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!