قضم جبر من كوز الذرة الساخن. "عارف يا صقر بيه؟ "أنا ابن عمك، بس يا جبر مش بيه ولا حاجة." صمت جبر لحظة يفكر. " خلينا منرفعش الألقاب دلوقتي يا صقر بيه، لأن محدش يعرف اللي جاي إيه." " أنا عارف إنك ابن عمي، لكن الكلام اللي كنت بسمعه عنك وعن عمي جبر خلاني أكرهك من قبل ما أشوفك." ابتسم صقر، أعجبه صراحة جبر واحترم عدم كذبه. "اردف
جبر: خليك عارف إننا لما نرجع الدار، لا أعرفك ولا تعرفني، ولا اتكلمنا مع بعض، ولا دردشنا، ولا أي حاجة." " يوه يا عم، أنا مش ناقص علقة من أبويا بالجريدة." " أبويا دايماً يقول عليكم ناس شرانيين، وأنا مجرد ولد صغير معرفش في كلام الكبار." ابتسم صقر مرة أخرى. " حاضر يا جبر، حاضر، متقلقش، أنا ما اتكلمتش معاك خالص." " كويس،" همس جبر وهو بيشد في المشية. " إلا قول لي يا صقر بيه، هي والدتك فعلاً ست شرانية؟
يعني قاسية وكده، وهي اللي خلت عمي جبر يقاطعنا؟ شرد صقر لبعيد، كانت بيوت القرية لاحت أمامهم. " الموضوع كبير يا جبر، أكيد يوم ما هحكي لك كل حاجة." " لكن لازم تعرف إننا بشر زيكم، أخطأنا وفينا حاجات كويسة." " لكن عمي سعيد وأبويا بيقولوا كلام غير ده خالص؟ توقف الكلام عندما وصلا البيت الكبير ذو الغرف المتعددة. السفرة كانت معدة في المنضرة، مفروشة على طاولة. رُص
عليها ما لذ وطاب: دجاج مشوي، لحمة متبلة، حمام محشي، أوزة ضخمة، سلطات، طحينة، أرز، وفاكهة. جلس الجد عبد الكريم على رأس السفرة، يليه أولاده مرتبين من الأكبر إلى الأصغر، ثم الأولاد الشباب والصغار. عندما وصل صقر، رفع الجد صوته. " صقر، تعالى اقعد جنبي." بص عبد التواب يمين وشمال في غيظ، ثم نهض وترك مقعده لصقر، وجلس في آخر الطاولة. كان الجد يقطع اللحم ويضعه أمام صقر. " مش كده يا جدي؟ انت فاكر إني كنت عايش في الجبل؟
همس الجد: " جسمك مش عاجبني يا صقر، كل واتغذى. أبوك الله يرحمه كان طول بعرض يسد الباب." ابتسم صقر: " أنا ماشي على نظام غذائي يا جدي وبمارس تمارينى الرياضية." " الشوربة يا جدي، زي ما طلبت." " انتي مين سمح لك تدخلي هنا وفيه حد غريب يا زفت انتي؟ صرخ عبد التواب في بنته سادين بغضب وثورة. رفع عبد الكريم بصره إلى ابنه عبد التواب. " محصلش حاجة يا عبده، وصقر مش غريب." همس عبد التواب: " لكن يا أبويا...
" لا لكن ولا ما لكنش يا أبو جبر،" رد الجد بحزم. " صقر ابن أخوك وحفيدي، ومهما اللي كان حصل في الماضي، فضه مش هيغير معزته في قلبي." كانت سادين واقفة بخوف والدموع على عينيها. " امشي انتي يا سادين يا بتي، وشيلي الشوربة هنا." خرجت سادين بسرعة وهي تمسح دموعها. " ها، شوفتيه؟ " سألت هند بنت عمها بصوت واطي. " أيوه شوفته، وأبويا زعق فيا جامد." " حلو زي ما بيقولوا؟ ترددت سادين لحظة، بعدها ابتسمت: " أيوه حلو." " وهو شافك؟
ردت سادين بأستنكار: " طبعاً لا، ويشوفني ليه أصلاً؟ " البت بت عبد الواحد شافته النهاردة قاعد على شط النيل، بتقول زي القمر. معقولة يكون ابن عمنا ومنعرفش شكله؟ " اقفلي خشمك،" همست سادين بخوف، " لحسن حد يسمعنا عاد." " حلو ولا وحش، إحنا مالنا." " والنظام الغذائي على قولك يا صقر، دا إيه يعني؟ كان الجد يحاول أن يمسك خيوط الحوار من جديد. قال صقر: " يعني تاكل كميات محددة بسعرات ثابتة وتمارس تمارين رياضية قوية."
" زي بتوع المصارعة يعني؟ " سأل العم الأصغر أمير باستفهام. " حاجة زي كده يا عمي." انطلقت نظرة متوعدة من عين سعيد ناحية أخوه أمير. لكن أمير كان غارقاً في ورك دجاجة. " يعني انت على كده تعرف تلعب بالعصا؟ " أنا معرفش لعب العصا، لكن بلعب ملاكمة وتايكوندو وجودو." " ودي زي لعبة العصا طيب؟ " واصل أمير أسئلته. تخلى عبد التواب عن صمته. " دا لا عمره مسك عصا ولا عمر أبوه مسك عصا، هيعرف يلعبها إزاي يا أمير؟
دا أصغر عيل في أصغر عيلة هيهزمه من أول جولة." " على أقولك يا أخويا،" وتجشأ أمير بصوت عالٍ: " العصا عايزة رجال." " وأنا راجل،" أجاب صقر بتحدٍ وبفجائية أصابتهم بالاندهاش. ارتفع ضحك مكتوم بين الأخوة. " لو كان عندنا فرح قريب كنا شوفناك بتلعب العصا يا واد أخويا، لكن مفيش أفراح إلا بعد ستة شهور." " ليه كده؟ " سأل صقر. " حداد على والدك يا صقر،" أفهمه جده الكلام ببساطة.
" إحنا هنفضل في حداد لمدة ستة شهور قبل ما نحيي الأفراح في بيتنا، دي عادتنا ودا سلو بلدنا." صمت صقر، وفكر في سره: " دا جدي كان في قطيعة مع والدي ورغم كده هيعلن الحداد عليه 6 شهور؟ وشعر بوقار أكبر تجاه جده عبد الكريم وأعمامه. " للكل حاضر، وأنا هقول كلامي،" همس الجد عبد الكريم بصوت عالٍ. " أنا قولت إن ليك حق يا صقر، وقلت إنك هتاخد حقك." " حق إيه يا جدي؟ " ورث أبوك جبر الله يرحمه،" همس الجد.
صرخ سعيد بصوت مسلوع: " لكنك يا والدي جردت جبر من كل أملاكه، إيه اللي غير رأيك؟ " إحنا عارفين والبلد كلها عارفة إن الحج عبد الكريم مش بيرجع في كلامه؟ رفع عبد الكريم بصره بغضب تجاه سعيد. " المال مالي والأرض أرضي، ما شأنك انت؟ " ولا انت عايزني أجردك انت من أرضك يا سعيد؟ " لا يا أبويا، معاش ولا كان اللي يكسر كلمتك." " طيب كويس، من النهاردة صقر واحد منا، وورث أبوه هيكون ليه كله."
نهض عبد التواب وزعق بغضب: " هو انت هتغير شرع ربنا ولا إيه يا أبوي؟ " بتصلي بينا الخمس صلوات وكنت بتخطب بينا الجمعة، يعني عارف شرع ربنا." " وشرع ربنا بيقول إيه يا عبد التواب يا ولدي؟ عرف أبوك. أصل عمره كبر وعقله شتت." " بيقول إنك جردت جبر أخويا من كل حاجة، ووعدتنا هنا في المكان ده توزعها علينا." " هو انت ناقصك أرض يا عبد التواب؟ " حتة الأرض البحرية اللي اشتريتها من ورايا مش مالية عينيك؟ انت فاكرني قاعد على ودانى؟
" والله وبالله اللي يفتح خشمه منكم، لأمنع عنه ورثي خالص." شعر صقر بالإحراج. " قال يا جد، مفيش داعي لكل ده، أنا مش جاي هنا عشان ورث أبويا ولا غيره، أنا جاي عشان الدفنة والحمد لله مستورة." " وشهد شاهدًا من أهلها،" همس سعيد وعبد التواب في نفس واحد. صرخ عبد الكريم: " بقا كده؟ " اطلع نام يا صقر، والدي بكرة إن شاء الله تخرج معايا، أفرجك على أرضك وتشوف هتعمل فيها إيه."
" أختك لارا كمان اللي حابسة نفسها في غرفتها هتكون معانا." " على فكرة، قول لأختك حريمنا مش بتعض، والله جدتها مقعدتش معاها ولا بنات عمامها ولا حتى حريم أعمامها." " حاضر يا جدي، هطلع أتكلم معاها." شطف صقر يده من كوز ما وطلع على غرفة لارا. " اسمع يا واد انت وهو،" صرخ عبد الكريم ما إن خرج صقر. " والله لو سمعت واحد منكم منع مراته أو بنته من الكلام مع بنت أخوكم، لكون مطين عيشته، جاتكم قرف."
جلس الجد أمام الدار يستقبل شمس العصريه، بينما في الداخل كان الزعيق المكتوم يرتفع والتوعدات على آخرها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!