جعل عبد الكريم حفيده ملتصقًا به خلال مراسم الدفن وخلال العزاء، أجلسه جواره. همس عبد التواب بغضب: "مش كنا خلصنا من جبر ومراته الحرباية؟ يقوم يطلع لنا ابنه! "والله على قولك يا عبد التواب." همس سعيد بغضب. "شايف أبونا مقعده جنبه إزاي؟ مكبرة علينا إحنا اللي بنتعب وبنشقى في الأرض؟ إحنا أحق بالقعاد جنبه." همس عبد التواب: "اقفل خشمك يا سعيد. كلها يومين ويغور في داهية. الحيطان ليها ودان يا واد أبوي."
وكان صقر، بعد أن اعتاد مراسم العزاء، ينهض ويجلس ويقول: "شكر الله سعيكم"، فيرد المعزون: "عظم الله أجركم". وكان بصدره العفي ينهض ويستقبل كبار القرية وأعيانها. فسرت همسات داخل الدار أنه هذا الشاب ابن جبر الذي كان في قطيعة مع والده. غادرت ليلى القرية بعد الدفنة، لكن لارا أثرت أن تقعد مع صقر ويرجعوا بعد العزاء ما يخلص. وكان كل من في الدار يحترم كلمة الجد عبد الكريم، فلم يجرؤ أحد الاقتراب من غرفة لارا.
كان الطعام يصلها في موعده، الدجاج واللحمة والبط والأوز والحمام والأرز المعمر. وكانت تخرج أحيانًا أمام الدار أو خلفه تبحث عن صقر دون أن يعترضها أحد. بينما كان عبد الكريم ارتاح لوجود صقر، وكان لا يحلو له الجلوس إلا وصقر معه. بعد العزاء، يجلس أمام الدار مع باقي العائلة مع صقر ويتسامرون حتى وقت متأخر. عندما انتهى العزاء، طلب عبد الكريم من صقر أن يقعد يومين تلاتة في القرية يستمتع بالحقول الخضراء والنهر، وأن القرية ستعجبه.
ولم يرفض صقر عرض جده، فقد شعر بالاحترام تجاه جده. نام صقر ليلته، وفي الصباح استيقظ باكرًا وخرج نحو الحقول مرتدًا جلبابه البلدي والأسود. مر بين حقول الذرة تحفه أوراقها الخضراء حتى وصل النهر. وكان النيل في القرية واسع وصافي، تلمع مياهه تحت نور الشمس مثل قطعة حرير تموج مع النسيم. أمواجه خفيفة، بتتحرك بهدوء، وأحيانًا تضرب ضفة الطين بلطافة كأنها بتهمس للأرض.
والضفتين مزينتين بحشائش الحلفا والخروع والغاب، والتي تنمو متشابكة ملتفة حول بعضها. ثم شجرة جميز نمت إلى جوار شجرة صفصاف تضرب بفروعها نحو الشمس متأملة تجاه النيل. جلس صقر قرب شجرة الصفصاف يستقبل شمس شتاء دافئة. يرمق الصيادين داخل النهر، قوارب خشب صغيرة لونها متآكل من الزمن، تتحرك ببطء. يجدف الصيادون بسكون ويلقون شباكهم داخل النهر بحرفنة. وبعد أن تشتد الشباك وتسير مع الماء، يرفعها الصياد وبه من السمك ما يقر عينه.
الصوت الوحيد بجانب المجاديف هو نداء الصيادين لبعضهم وصوت الطيور التي تحلق حول الضفة تدور على رزقها. ارتسمت ابتسامة على وجه صقر، أن هذه التفاصيل الصغيرة كان يفتقدها في حياته. وكانت الشمس علت كبد السماء، والفلاحون مبعثرون في الحقول يرون الأرض أو يجتثون البرسيم لبهائمهم، وهناك آخرون يلتقطون الحشائش الضارة من بين الزرع. لسعة نسيم بارد وغمره شعور بالسكينة. وسرقة الوقت دون أن يدري، وكان الوقت ظهر، فسمع خطوات تقترب منه.
"صقر بيه، جدي عبد الكريم بيقولك تعالى اتغدى." ابتسم صقر للولد الصغير الذي يرتدي جلباب أبيض لامع. "صقر بيه مرة واحدة؟ إنت اسمك إيه؟ "اسمي جبر." "صقر بيه مرة واحدة؟ "إنت اسمك إيه؟ "اسمي جبر." "ارفع صقر حاجة، جبر مين؟ "جبر عبد التواب عبد الكريم." "آه يعني إنت ابن عمي؟ تردد جبر لحظة قبل أن يهمس: "أيوه." "طيب تعالى امشي جنبي. إنت خايف مني ولا إيه؟ "وأخاف منك ليه يعني؟ " رد جبر بتحدي. "امال مالك كده يا جبر قلقان؟
همس جبر: "اصل جدي حذر أي واحد فينا يزعلك." قال صقر: "طيب يلا بينا يا جبر. امشي وأنا همشي وراك لأني نسيت الطريق." صمت جبر دقيقة، ثم رفع رأسه: "إيه رأيك نرجع من طريق الساقية البحرية؟ قال صقر: "تمام، يلا بينا." انطلق جبر يسير وصقر جواره يعبرون الحقول الواسعة، ثم انعرجا مع فحيرة واسعة مبنية الجوانب تشبه القناية. "دي أرضنا على فكرة يا صقر بيه." "تقولش بيه تاني يا جبر، أنا ابن عمك بسبعة."
بعد مدة، ظهرت أمامهم الساقية تغطيها شجرة توت ضخمة. وكان الظل قد كساها وتساقط على الأرض توت أحمر. وكان هناك فلاح يشوي قناديل ذرة على حطب أشعله. عندما مر صقر، صرخ الرجل: "أهلاً بالغالي ابن الغالي، اتفضل يا صقر بيه." تردد صقر، لكن جبر جذبه واقترب من الرجل الذي مد قنديل ذرة إلى صقر وجبر. ضرب جبر أكواز الذرة في بعضها وخلصها من الغبار. ثم ناول صقر واحد ومشيا تجاه الدار.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!