الفصل 24 | من 39 فصل

رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
23
كلمة
1,271
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 62%
حجم الخط: 18

مات عبد الكريم. سقط فجأة. عقل عبد التواب لم يستوعب كيف يسقط إنسان سليم معافى هكذا فجأة. كان يأكل مع والده منذ ساعة، ويدوبك تركه ليطل على الزرعة البحرية التي تحتاج للري، وعندما عاد وجده ميتاً. الموت لا يمكن توقعه، ولا يُمكن الهرب منه. إنه قريب جداً في كل اللحظات. وليس معنى أن عقلك شغلته الحياة أنه لا ينظر إليك كل صبيحة يوم؟

إنه يطوف بأحبائنا كل ليلة، فأملأ عينك منهم، فقد لا تراهم مرة أخرى إلا في صور الاستديو ومقاطع الفيديو. عبد التواب، الذي كان أي خلاف مع عبد الكريم، والده، في معظم قراراته، وجد نفسه فجأة كبير عائلة. وجد نفسه يفتقده من أول لحظة. لو كان والده حاضراً، لسأله: ماذا نفعل الآن؟ وكيف نتصرف؟ وكانت النساء تصرخ في كل ناحية وتنوح نواحاً حزيناً، وعبد التواب ضائع وشارد. غسل الميت. غسله أمام الجامع.

ونودي في مكبر الصوت: من كان له عليه دين فليخبرنا لنسدده. وصل الخبر إلى صقر عن طريق عوض العلاف. هاتف عبد التواب وطلب منه أن لا يدفن جده إلا في حضوره. لكن عبد التواب رفض. "رجلك مش هتدخل البلد تاني يا صقر، وملكش عندنا أرض ولا زرع." "أنا مش عايز أرض، أنا عايز أحضر دفنة جدي." "جدك أنت اللي موته بعمايلك يا صقر، هتقتل القتيل وتمشي في جنازته، دا حتى يبقى حرام. سيبنا في حالنا يا صقر وكفاية اللي حصل." راحت سادين تبكي وتنوح.

لم يكن جدها فقط، بل كان والدها وصديقها. والآن فقدت الشخص الوحيد الذي من الممكن أن يساعدها على الرجوع إلى القرية وإصلاح العلاقات المتالفة. ولم يكن صقر أقل حزناً منها. فقد أحب جده رغم الوقت القليل الذي قضاه معه. وكانت سادين لا تزال مريضة تتعافى، وصقر يعتني بها ولا يتركها إلا لفترات قصيرة، لشراء الطعام أو قضاء حاجة. ورغم أنها كانت تتمشى في الشقة، إلا أن المجهود يتعبها.

"البقية في حياتك يا سادين. أنا حاولت ننزل البلد، بس والدك رفض." "جدي مات يا صقر من غير ما أشوفه، أنا حاسة بألم كبير. معقول مش هقدر أشوفه أو أسمع صوته مرة تانية؟ "أنا حاسة إن الدنيا مستكتره عليّ الفرح يا صقر." "والدنيا لا تقصد أحداً ولا تستكثر على أحد شيئاً، وغير عابئة بذلك المخلوق المتقزم الذي يحملها خسائره ونكساته. فأنت بالنسبة لها شخص غير مهم على الإطلاق، ولا تراك." "كل حاجة هتبقى كويسة يا سادين."

"هتبقى كويسة إزاي بس يا صقر؟ أنا حاسة روحي هتخرج مني." وتذكر صقر يوم فقد والده وكيف كان يشعر. فهمس بضعف: "دي حاجة خارجة عن إرادتنا يا سادين، وملناش يد فيها." ربما كان عليه أن يحتضنها حتى تهدأ وتستكين، لكن علاقتهما كانت لا تزال سطحية حتى الآن. وكل شخص منهم ينام في غرفة مفردة. فقد كانت زيجتهما بالنسبة لهم مجرد مهمة نبيلة، كل واحد منهم تحمل جزءاً منها. وكان يشعر بالحرج للتقرب منها، فهو لا يعرف ردة فعلها.

ساد سكون الشقة برمتها. سادين قاعدة على الكنبة، وصقر قاعد قصادها مش عارف يعمل إيه. "سادين، تقدري تمشي؟ "أمشي أروح فين يا صقر؟ "هننزل الشارع، أنا مخنوق وعايز أشم هوا." لم تكن أفضل فكرة، لكن سادين وافقت. واستغرقت وقت طويل في تغيير ملابسها. وعندما دخل صقر عليها الغرفة، كانت تعدل نقابها. الجورب في قدمها، والحذاء قريب منه. انحنت سادين وتألمت. أمسك صقر بيدها. أجلسها على المقعد ثم البسها الحذاء وهمس: "يلا بينا."

"بقى صقر يسيب بنات الناس المهمين، البشوات ورجال الأعمال؟ البنات اللي زي القمر يتجوز دي؟ وكادت ليلى أن تضحك من فرط السخرية. "إذا كانت مش ولابد، أكيد هيطلقها بسهولة وتاخدلها قرشين. ما أنا عارفة أبوها كلب فلوس." وكانت علاقتها بلارا لا تزال متوترة. رغم ذلك، سألتها: "إنتِ شفتي البنت دي لما كنتِ في الصعيد؟ حاولت لارا أن تتذكر. "لا يا ماما، مشفتهاش. مشفتش حد أصلاً، كنت قاعدة في غرفتي."

"طيب، أنا عايزة إنتي تروحي تشوفيها. اتصلي بصقر وروحي زوريهم. مختار بيقول إن شكلها سيء جداً، وربما مشوهة." همست لارا: "طيب، واحنا هنسيب صقر أخويا عايش بعيد عننا كده؟ "صقر لازم يعتذر يا لارا قبل ما يرجع." "يتعذر ليه إذا كان مش غلطان يا ماما؟ صرخت ليلى: "اسكتي إنتي، متعرفيش حاجة ومش فاهمة حاجة." "أنا عارفة صقر يا ماما، وعارفة إنه مش هيرجع غير لو إنتي كلمتيه."

"هيرجع غصب عنه يا لارا. صقر متعود على الأكل المريح واللبس والنوم المريح، وكمان بيصرف كتير ومش هيقدر يتحمل الوضع ده." فتحت لارا فمها بابتسامة. "طيب، ما صقر معاه الفيزا بتاعته، ودي فيها فلوس كتير جداً." شردت ليلى للحظة. "صقر مستخدمش الفيزا بتاعته. أنا كلمت البنك ووضحوا لي إنه ملمسش قرش منها ومعملش أي عملية سحب." "وإنتي تكلمي البنك ليه يا ماما؟ "علشان أوقف الفيزا طبعاً، وأجبره يرجع لطوعي." "وقفلتيها يا ماما؟

"أيوه، وقفتها. دي فلوسي، ومش هسمحله يصرفها على أي حد. مش ممكن البنت تضحك عليه ويشتريلها حاجة غالية." نهضت لارا. "لكن دا مش تصرف حضاري يا ماما، إنتي بتستخدمي طرق ملتوية. خلافك مع صقر ملوش علاقة بالماديات. صقر لازم يكون معاه فلوس يأكل ويشرب ويسكن، من غير ما يحتاج حاجة من حد." صوت ليلى عينين قاسيتين على وجه لارا. "اسكتي إنتي بدل ما أوقف كارتك كمان؟ فتحت لارا حقيبتها وألقت بالكريدت كارد على الطاولة بغضب.

"خديه أهو، أنا مش عايزاه." "هتصرفي من فين يا فالحة؟ الجامعة والشوبينج وأدوات التجميل؟ صرخت لارا من على السلم: "هتصرف يا ماما، متشغليش بالك." كان صقر يساعدها في تلك الحالات، فقد كانت لارا دائماً سريعة الغضب، لكن صقر الآن هو من يحتاج إلى المساعدة. أجرت ليلى مجموعة اتصالات، بعدها ابتسمت في سخرية. "وريني هتعمل إيه بقى يا صقر بيه."

ولم يكد صقر يصل الشقة حتى هاتفه صديقه يخبره أنه يحتاج الشقة فوراً ودون تأخير، لأن ظروفاً شديدة آلمت به. "الصبح هسيب الشقة، حاضر."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...