لاحقت الشائعات رحيل صقر وسادين الذي حدث فجأة. أن العرف يقتضي أن يكون هناك خطبة وفرح ومعازيم وزغاريد وطبخ وعشاء وسهر إلى الصبح. ما الذي حدث إذًا ومنع كل ذلك؟ هناك سر في الأمر. لابد أن الشائعات حول سادين وصقر حقيقية وليست اختراع. البندري أخذ شرف الفتاة العبيطة، ثم أقسم عبد التواب أن يقتلهم.
محمد علي أقسم أنه رأى عبد التواب يضرب صقر بغشومية داخل الحوش ويصرخ، لكن عبد الكريم منعه وأجبر صقر على الزواج من سادين والرحيل عن القرية. الشائعات التي وصلت بيت عبد الكريم وعائلته وإخوته وأولاد عمه أن يتحدثون عن الفضيحة فيما بينهم، وأن عبد الكريم أقسم أن يطخ بالنار كل من يفتح خشمه على سادين، وأن سادين أشرف من الشرف، وكل ما حدث غيره وحقد من عائلة أولاد صقر بعد أن لقنهم صقر درسًا وهزمهم جميعًا.
وانطلقت إشاعة قصاد إشاعة، وأن عبد الكريم صرخ أمام شيخ البلد: "إذا لم تتوقف عائلة أولاد صقر عن الخوض في عرضه هيطير فيها رقاب". وكان الزمن علم عبد الكريم أن الإشاعات لن تتوقف في القرية حتى تظهر مصيبة أخرى. فما كان منه إلا أن تواصل مع المعلم يوسف، زعيم المطاريد، ودفع له المال ليسطو على بيته البحري ويسرق منه البهائم، ثم يبيعها في سوق البداري ويسلمه المال ثمن البهائم.
ولم يمضِ فجر الليلة التالية حتى انتشر خبر سرقة بهائم عبد الكريم وعدائه مع المطاريد وإطلاق الرصاص عليهم. كل ذلك وفرغلي يلتزم الصمت من جهته وعائلته أيضًا. أن صقر هزمه ولن يرتاح له بال حتى ينتصر عليه. وكان مهمومًا لدرجة كبيرة وشوهد على شاطئ النيل أكثر من مرة شاردًا في ملكوت الله. كان فرغلي بينه وبين نفسه يعتقد أنه يستحق سادين أكثر من صقر، وأن صقر سرق منه البنية التي كان يتمناها زوجة له.
ولم يكن يعرف أنه يحبها حتى اختفت، حينها صعقته لوعة الحب والاشتياق. كان مجرد وجودها داخل القرية حتى وهو يعرف أنها ليست من نصيبه وأن عبد التواب سيرفض الزيجة أمر مريح، لكن الآن سادين رحلت. ومع من؟ مع صقره. هذا القاهري الذي ظهر فجأة وحطم كل أحلامه. علاقة فرغلي القوية مع المطاريد أوصلت له الخبر. خبر الاتفاق الذي تم بين عبد الكريم والمعلم يوسف، زعيم المطاريد. لا أحد يعرف الحقيقة غيره. إنه وحده من شاهد ما حدث وسط الجزيرة.
وإذا قال إنه رأى صقر مع سادين في وضع مخل لن يكذبه أحد. إنهم يعرفون فرغلي ويعرفون أنه لا يكذب. قاوم فرغلي تلك الرغبة المريعة التي تقتل روحه الشريفة، لكن الحب يحكم بأحكامه. وصقر هرب منه، هرب من لقائه وترك له العار. لابد أن يجبر صقر على العودة وليس هناك طريقة أسرع من الشرف. وراح عقله يصور له أكثر من ذلك، ربما يطلق صقر سادين. ربما يقتله عبد التواب.
ربما تعود لبيتها مرة أخرى مكسورة حزينة، وعندها سيعرض هو إنقاذ شرف عائلة عبد الكريم. وسيتعرض بنفسه لكل من يفتح فمه على سادين ويؤدبه حتى لو اضطر أن يخلق كل يوم عراك. وكان يعرف امرأة تدعى فاطمة، لا ينبل في فمها فولة، تبيع الجرجير والخضروات، فراح يشتري منها وكان معه أخيه بدر. فوقف أمام المرأة وعنف بدر بلا سبب صارخًا: "ملناش دعوة ببيت عبد الكريم ولا اللي حصل معاه. ماذا كنت أنا بنفسي اللي حضرت الواقعة؟
التزم الصمت بدافع الشرف، فما شأنك أنت أو غيرك؟ ربنا أمر بالستر وإحنا عندنا ولاية". التقطت فاطمة الكلمات وصاغها عقلها بسرعة. فرغلي رأى كل ما حدث لكنه أغلق خشمه لأنه رجل شريف يعرف ربنا. وكتمت الخبر يوم أو يومين، ثم حضرت بتلات ابنة علي نفادي تشتري منها الخضروات. وكانت تتحدث عن الإشاعة وأنها مجرد هراء كاذب، فأطلقت عليها فاطمة نظرة قاتلة وهمست: "يا أختي اسكتي، إنتي متعرفيش حاجة".
وكلمة من هنا وكلمة من هناك، وفيكي من يكتم السر؟ إن فرغلي رآهم بعينه إلى هياكلها الدود في وضع مخجل. وسار الكلام الفاحش أقوى هذه المرة مع وجود شهود. ووصل عبد الكريم الذي كان يعرف أن فرغلي لا يكذب أبدًا. لكن في هذه الحياة أحمق جدًا من يثق في شخص ثقة مطلقة. لم يتحمل عبد الكريم الخبر وسقط من طوله، أصابته أزمة قلبية قضت عليه بعد ساعتين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!