لكن الضربة كانت قوية بما يكفي لتجعل فرغلي يتراجع خطوة للخلف. ورغم أنه نجح في صدها، إلا أن ألمها ظهر على وجهه للحظة، مما أثار دهشة الجميع. صقر، الذي كان يلهث قليلاً، أعاد التوازن لعصاه ونظر لفرغلي بثبات، وقال بصوت مليء بالتحدي: “مش كل حاجة تتحل بالعافية … لكن لو العافية هي لغتكم، أنا جاهز أتكلم بيها.”
تطايرت نظرات الحشود بين صقر وفرغلي، حيث أدرك الجميع أن المشهد قد تغيّر. لم يعد الأمر مجرد هجوم عشوائي من أولاد صقر، بل أصبح اختبارًا لهيبتهم أمام هذا الفتى الذي لم يكن أحد يتوقع أن يمتلك هذه الجرأة. أطلق فرغلى ابتسامة باردة، ونجح فى إخفاء اضطرابه. ” ثم جارى صقر فى كلامه أنت جاي من البندر عشان تعلمني إزاي أتصرف في أرضي؟ رد صقر بثقة: “مش بعلمك حاجة، لكن دى مش أرضك.”
ازدادت همسات الجمهور، وأصوات النسوة. بينما فرغلي حسم أمره، وهاجم صقر بضربة عنيفة مستهدفًا كتفه. صقر، بخفة حركته، انحنى إلى الجانب، واستدار بسرعة ليضرب فرغلي في ركبته، لكن فرغلى قفز برشاقه. لف فرغلى العصا بين يديه بخفة. ثم انحنى نصف انحنائه وهمس: “تعالى يا ولد البندر.” اندفع صقر بحماس الشباب وصوب على فرغلى الذى تحرك فى اخر لحظه وصفع صقر على ظهره بخفه. ثم همس بسخريه: “جرب مره تانيه يا واد ليلى.”
ولما سمع صقر اسم امه غلى الدم فى عروقه. وهجم على فرغلى مسدد عدت ضربات متتاليه يمين وشمال وفرغلى يصد الضربات بحرفنه. وعندما لاحظ تعثر قدم صقر اليسرى صوب ضربه قويه نحو ركبته اجبرته على الاهتزاز. وقبل ان يدرك ما حدث تلقى ضربة عصا قويه على كتفه جعلته يصرخ من الألم. لم يبتسم فرغلى كعادته. وبسرعه شديده بادل العصا فى اليد الأخرى وصوب ضربه أخرى على ذراع صقر اليمنى.
طار العكاز من يد صقر على الأرض. وانقلب صقر على الأرض بلفه دائريه وامسك بالعكاز بيده اليسرى فقد كانت يده اليمنى تتآلم بشده. هجم فرغلى على صقر الذى كان يعارك بيد وقدم واحده. وصقر يصد ضربات فرغلى العفيه والعرق يتصبب منه وقد نال منه التعب حتى تلقى ضربه طوليه بنصل العكاز فى صدره احدثت كسر فى قفصه الصدرى. “كفاية! ” جاء صوت صارخ عميق وقوي من بعيد، جعل الجميع يلتفتون. اقترب شيخ البلد بخطوات واثقة، وعيناه تتفحصان المشهد.
“عار عليكم! ” قال الشيخ بصوت غاضب. “دي بلدكم ولا ساحة حرب عاد؟ في هذه اللحظة، ساعد عوض العلاف عبد الكريم على الوقوف، بينما صقر تقدم بخطوات ثابتة نحو جده، داعمًا إياه بذراعه السليمه. “خلص الكلام يا شيخ البلد، ومن النهرده الحقوق هتتاخد بالعافيه.” ارتفع صياح عيال صقر، فرغلى الناجى اصمله عليها. الشيخ رأسه باحترام وقال: “حقكم محفوظ يا عبد الكريم ، بس بلاش الدم يولع البلد. واللي غلط هيتحاسب قدام الكل.”
ابتعدت الحشود ببطء، وكل عينٍ تراقب صقر الذي أثبت أنه ليس مجرد “ابن البندر”، بل رجل يحمل إرثًا من الكبرياء والشجاعة. وكان فرغلى رغم نصره شارد لبعيد حيث يساعد صقر اعمامه على النهوض ويسند جده عبد الكريم من ذراعه. نصب صوان امام منازل اولاد صقر وارتفع المزمار والطيب البلدى. وحضر الكثير من عائلات القريه يمسون ويدعمون اولاد صقر فى فرحتهم.
وكان بيت عبد الكريم صامت كأن لهم ميت لم يدفن بعد، وارتدت النساء الأسود وعبد التواب يصرخ داخل الدار ويهشم فى الأثاث ويضرب الحيطه بيده. وسعيد ودياب وعقل يصرخون: “مش هنقدر نرفع راسنا تانى فى البلد.” بينما جلس عبد الكريم امام البيت يدخن الجوزة وامامه موقد من الحطب وضعت فوقه كنكه وعوض العلاف جالس تحت قدمه يضع الفحم فوق الجوزه ويصنع الشاى.
اخذ صقر حمام طويل وسرعان ما انتشر التورم فى ذراعه وقدمه وشعر بألام فى صدره وهاتفته والدته ليلى هانم بعد أن وصلت إليها انباء العركة وامرته ان يترك القريه ويعود. لكن صقر رفض. حيث رافقها إلى المحطه ومن هناك ذهب بمفرده نحو المشفى. وبعد الاشعه التى وضحت وجود كسر فى عظام الصدر وشعره فى اليد اليمنى احتاج الى علاج ووضع جبيره. ثم عاد إلى الدر فى الحنطور. وعندما نزل من الحنطور رمقه عبد التواب بغضب. “ايه إلى انته عامله ده؟
مش كفايه العار إلى احنا فيه؟ همس صقر باستغراب: “انا عملت ايه يا عمى؟ صرخ عبد التواب: “ايدك الى فى الجبيره دى؟ لو حد شافها من أهل البلد هيمسكو سيرتنا وتبقى على كل لسان.” ولم يفهم صقر كيف تكون جبيره سبب فى كل ذلك العار. بينما عمه الذى سقط فى العركه وبطح فى رأسه وكل حته فى جسمه تنز دم لا يشعر بالعار. صرخ عبد الكريم:
“كافيه يا عبد التواب سيب صقر فى حاله. لولا ولد اخوك النكسه كانت هتبقى اكتر. ولد اخوك وقف قدام فرغلى لوحده، عارف دا معناه ايه؟ فرغلى إلى كان بيسوق بالعشرة رجال قدامه صقر عاركه بمفرده وهو لا خبره لديه فى ضرب العصا.” ولم يتحمل صقر كل ذلك، سحب عكازه وانطلق وسط الحقول. أراد أن يبتعد عن كل هذا الهراء ويجلس فى مطرح هاديء يعيد ترتيب أفكاره. وصل شاطيء النيل وجلس تحت الصفصافه ورمق غليون يعبر ماء النهر الصافي.
شاهد صياد يرمى شباكه داخل النهر مرتدى جلباب ابيض ومعه طفل صغير يجدف. لفحته نسمه بارده ورغم الألم فى صدره هدأت روحه وتذكر العركه وكيف كان فرغلى يتحرك برشاقه مستخدم كل جزء فى جسمه بينما كان هو مندفع مثل الثور بلا عقل. إلى جواره فى غيط من البرسيم كانت صبيه تحش الربيع وترصه فوق بعضه ثم ربطت الشيله بحبل وتلفتت يمنه ويسره لم يكن هناك غير صقر فهمست بخجل:
“انت ياجدع انت ممكن ترفع عليه شيلة البرسيم لحسن الوقت تأخر وابويا مش هيرحمنى.” نهض صقر واقترب منها ولما لاحظت يده فى الجبيره همست: “انا اسفه انت متعور؟ “دى حاجه بسيطه متقلقيش.” ثم مد يده السليمه وامسكت البنت بيده من الناحيه الأخرى ورفعت شيلة البرسيم فوق رأسها ثم شكرته ومضت إلى حالها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!