قال عبد الكريم كأنه يتحدث مع نفسه: "انت قسيت على ولد اخوك جبر يا عبد التواب، لو كان عندك ذرة فهم كنت عرفت ان صقر هو إلى حافظ على شوية الكرامه إلى فاضلين لينا." همس عبد التواب: "المصيبه كبيرة قوى قوى يا ابوى، وانا مكنتش عارف بقول إيه." ولم يرد عبد الكريم أن يوبخ ابنه، كان يعرف ما يجول في صدره، الذل والمهانة التي يشعر بها، الطبل والزمر الذي يصدح في بيوت أولاد صقر، والزغاريد التي وصلت عنان السماء. همس عبد التواب:
"وحياة شيبتك يا ابويا إلى اتهانت، لاخد حقنا تالت ومتلت، ولاخلى فرغلى يبوس ايدك قدام كل اهل البلد." "فرغلى قاسي يا عبد التواب وانت وقفت قدامه قبل كده وخسرت." صرخ عبد التواب: "كان فرح يا ابوي، لكن إلى جاى انتقام." قال عبد الكريم وهو يكتم غيظه: "إلى مأثر فيه ولاوى دراعى انى مش هقدر اضربهم بالرصاص. لو عملت كده هبقى كسرت الأصول، اولاد صقر هزمونا بالعصا ولازم نهزمهم بالعصا." صرخ عبد التواب:
"انا لها يا ابوي وحياتك ما هسيبه." ثم ظهر دياب: "واحنا كمان مش هنسكت يا ابوي، احنا مش صغيرين." رمق عبد الكريم الحقول في شرود: "بقا على اخر الزمن الواحد يتبهدل يا اولاد؟ ابقى شيخ بلحيه ويزقونى على الأرض." ثم كأنه نسي كل الكلام صرخ: "بقا انتم رجاله انتم؟ تسيبو اباكم يتمرمط كأن ملوش عزوه؟ وكان شيخ البلد ومأمور القسم قد وصلا يطلبان الصلح بين العائلتين، لكن عبد الكريم رفض.
"إلى بداء بالعصا، ينتهى بالعصا يا شيخ البلد، مش هى دى الأصول ولا إيه يا شيخ بلدنا؟ وصمت شيخ البلد في حضور المأمور وهمس لعبد الكريم: "فرغلى مفيش بنى ادم هيهزمه فى العراك بالعصا يا عبد الكريم، بكفايه إلى حصل! صرخ عبد الكريم: "الكلام خلص، ليكم واجب تأخدوه لكن صلح مفيش."
وشعر المأمور بالاختناق، فهو لا يفهم تلك القواعد التافهة التي يتحدثون عنها، ولا يعرف كيف أن الأصول تقول إن يتعاركا بالعصا حتى يموت واحد منهم. وكان يستعد للنقل إلى الاسكندريه ولا يرغب في وجع دماغ. "لو أي جريمة حصلت في القرية أنا بحملك المسؤولية يا شيخ البلد." ثم ركب سيارة الشرطة وغادر المكان. لكن الولد صقر ابن أخوك دا ولد يا عبد الكريم، لو كنت عايز نصيحتي سيب صقر براحته ومتأثرش عليه.
وفهم عبد الكريم ما يقصده شيخ البلد، وغمرته لمحة حزن وهو ينظر لعبد التواب وسعيد وعقل ودياب. تسللت الشمس ناحية الغروب، وكان صقر جالس في مطرحه غير قادر على فهم ما حصل حتى الآن. مر من جواره رجلان جلفان يغطون وجوههم بالشال ويعلقون على أكتافهم بنادق آلية.
نزلا من على القيف قرب الماء، ثم حملهما قارب إلى الناحية الأخرى. عبروا جزيرة صغيرة بنيت فوقها بعض البيوت، ثم واصلوا طريقهم حيث يقبع الجبل الشرقي. كانوا من المطاريد الذين استأجرهم أولاد صقر ودفعوا لهم النقود. لم يعرهم صقر أي اهتمام، لكنه سمعهم يتهامسون باسمه، وكانوا تعرفوا عليه خلال الشباط. وكان واحد منهم يهز رأسه باستمرار، والآخر يتحدث بصوت خافت، قبل أن يختفي القارب في ظلام المغربية.
وكان نساء آل عبد الكريم وبناته يشعرون بالمرارة والخزي، فقد ضرب أولاد صقر أزواجهم وآباءهم وأعمامهم. ونساء القرية يتهامسن عن المعركة ويضحكن خلف ظهورهم. وسادين تنقل عينها بين والدتها وجدتها التي ربطت رأسها بشال وتنام متربعة مزهولة قرب الباب. فبيت عبد الكريم لم ينكسر على طول عقود طويلة، وها هي الآن وقد شاب شعر رأسها تشعر بالعار، عار ضرب أولادها أمام كل رجال القرية. وفكرت سادين:
"تعرض والدي لضرب مبرح، لكنهم تكاتروا عليه. لم يكن من المنصف أن يقاتل جماعة بمفرده." ثم تذكرت صقر، ابن عمها، وكيف كان يقاتل بمفرده مجموعة من أولاد صقر، وكيف تعرض للضرب وكسرت يده اليمنى. "رغم ذلك لم يترك عكازه." "لقد كان أولاد صقر على وشك تحقيق نصر مذهل لولا وجود صقر في القرية." وشردت وهي تتأمل صقر وهو يضرب بالعصا ويقفز ويكيل الضربات لأولاد صقر مثل الوحش، رغم قلة خبرته في ضرب العصا.
"لقد أبقى صقر على كرامتهم والبلد كلها تعرف الآن أن لديهم رجلًا من الممكن أن ينافس فرغلي." ولم تنس همس الفتيات عن صقر خلال العراك، وكيف تغزلن في قوته وهيبته وجماله. "لقد أوشكت أن أصرخ إنه ابن عمي، لكن رؤية والدي طريح الأرض أسقطت عزيمتي." ثم تساءلت: "أين صقر الآن؟ فلم يكن موجودًا داخل الدار، ولا تستطيع رؤيته.
وكان هند، ابنة عمها سعيد، حدثتها عن صراخ والدها في صقر واتهامه بأنه جلب لهم العار بوضع الجبيرة على يده، وأنه حتى لو كسرت يده أو شق قلبه أو زحف على الأرض، كان عليه ألا يذهب إلى طبيب حتى يأخذوا بثأرهم. همست سادين: "وما ذنب صقر في كل هذا؟ إنه لم يولد هنا ولم يتربى على عاداتنا، وليس مسؤولاً عن ما آل إليه حالنا."
ثم شعرت بالغضب الدفين، لأنه ليس من المستبعد بعد الذي حدث أن يتجرأ أي شاب تافه ليس له أصل ولا اسم عائلة أن يتقدم لخطبتها. ثم وقفت في الشرفة تنظر تجاه الحقول، وقد اكتسى الغرب بلون قرمزي، والليل يزحف ببطء ليحتل آخر ذرات النهار. والفلاحين يجرون مواشيهم على الطريق المترب نحو منازلهم، والنساء يحملن شيل الربيع أو حاملات القفة خلف أزواجهن بعد نهار مرهق قضوه في عزاقة الأرض.
وكان صقر لم يظهر بعد، حتى أن جدها عبد الكريم أرسل عوض العلاف للبحث عنه بعد أن شعر بالقلق لاختفائه. ولم يكن لأحد نفس للأكل بعد أن تحول الدار لمأتم، والأطفال الصغار يصرخون من الجوع. حتى دخل عبد الكريم الدار وصرخ: "أنتِ يا ولية انتِ وهى فين طعام الأطفال؟ ليه مطبختوش أكل للرجال؟ هو إحنا هنموت من الجوع ولا إيه؟
وكان يحاول كسر حالة الجمود التي أصابت أهل الدار، فهو يعلم أن الثأر قد يتأخر وقد لا يحدث في وجود فرغلي. ولأول مرة يفكر في اغتيال فرغلي. "رصاصة شاردة تطرحه أرضًا ولن يستطيع أي شخص أن يثبت تورطه." لكنه شعر بعار أكبر أن عقله يفكر بتلك الطريقة القذرة. وصل عوض العلاف شاطئ النيل وراح يصرخ: "يا صقر بيه؟ يا صقر بيه؟
لكنه بعد لحظة أدرك فداحة تهوره، فمن الممكن أن يسمعه واحد من أولاد صقر ويقوم بضربه. فقد ضربوا أولاد عبد الكريم، فما بالك وهو علاف سيطحنون عظمه. فراح بهمس: "صقر بيه ويتحسس طريقه في الظلام." "وجد صقر جالسًا على شاطئ النيل كأنه في نزهة." "الجد عايزك يا صقر بيه، بيبحث عنك في كل مكان." وشعر عوض العلاف باستياء بالغ، أن عبد الكريم أرسله هو ولم يرسل واحدًا من أحفاده لخطورة المهمة، وأنه لو لم يكن علاف ما كان أرسله.
فبلع ريقه وهمس: "خلينا نروح يا صقر بيه، أنا أعرف طريق غامض يوصلنا بعيد عن عيون أهل البلد." فقال صقر: "بل نذهب من الطريق العام أمام كل أهل القرية، فليس لدي ما أخشاه." وسحب عكازه بيده السليمة. همس عوض: "أنت متعرفش أهل البلد زي يا صقر بيه، مش هيبطلوا يتمسخروا عليك ونعمل أكتر من مشكلة في طريقنا." ورد صقر: "أنا مستعد." "لكنك مصاب." همس عوض بخوف. "حتى لو كنت بيد واحدة يا عوض، فأنا مستعد." ومشى عوض خلف صقر، لكن صقر قال:
"امشي جنبي يا عوض وارفع راسك." تركوا الحقول ووصلوا الطريق الرئيسي، وقابلتهم تجمعات لفتية القرية. وكان صقر يرمي السلام ويتلقى التحية. لكنه في بعض الأحيان كان لا يتلقى ردًا. إن ما حدث غير موازين القوة داخل القرية، ولا أحد يرغب في عراك مع أولاد صقر. وسار صقر وسط الحشود، والناس تنظر إليه بفضول، وعوض غاطس وسط هدومه. لم يعترض أحد طريق صقر، وعندما وصل البيت ولمحه جده: "صقر؟ "وكان الظلام يحجب الرؤية." "أيوة صقر يا جدي."
"انت مشيت وسط البيوت يا صقر؟ "أيوة يا جدي." "عفارم عليك يا صقر والله، الناس لازم تعرف أننا لسة فينا روح وأن اللي حصل لا يمكن يكسرنا." وشعر عبد التواب بالغضب، أن ما فعله صقر أمر مشرف، وأنه لا يخشى أولاد صقر ومشى بين بيوتهم مرفوع الرأس، بينما اختبأ هو داخل الدار يولول مثل النساء. أشعل ذلك الحقد داخل صدره: "سيكون هو من يرجع كرامة العيلة وليس هذا الشاب القاهري."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!