كيفك يا ولد عمي؟ أتمنى تكون كويس وتكون عادت لك قوتك. سمحت لنفسي أن أكتب لك لأنني أحتاج ذلك، ولأن فرصة أن ألتقي بك وجهًا لوجه قد تكون معدومة. أنا فرحت لما شفتك راجع الدار، وأخيرًا قدرت أتنفس. أنا بحملك مسؤولية أن ترفع راسنا تاني وسط الناس بعد ما العار طالنا. هو أنت يا ولد عمي ترضى أن بنات عمك يمشوا في البلد مطأطين الرأس وكل واحدة ملهاش أصل تلقح علينا الكلام؟
أنا بموت من نظرات الناس بعد نكسة والدي وهزيمته. أقولك، أنا كنت عارفة إن أبوي هيخسر، لكن البنات هنا محدش بياخد برأيهم. والدي اتكسر يا صقر، اتكسر قوي قوي. أنا حاسة بيه. لازم تقف قدام فرغلي في أسرع فرصة وتاخد حقنا. ناخد حقنا يا صقر، وأنا... بأمنحك نفسي. يوم ما تكسر فرغلي ولد مدكور، أنا هصرخ قدام البيت كله، أنا هتجوز صقر. وممكن تسأل نفسك إيه الجنان ده؟
وليه أعرض نفسي للخطر علشان خاطر واحدة يمكن مش عجباك ولا فكرت فيها كزوجها؟ أقولك ليه يا ولد عمي؟ لأني مكسورة قوي وكل ليلة بنام والدموع في عيني، ومافيش حاجة في إيديا أقدمها ليك إلا نفسي. اهزم فرغلي يا صقر، ومتفكرش في أي حاجة تانية. لا والدتك ليلى هانم ولا والدي ولا أي حد. فوز يا صقر، وأنا في انتظارك. ومتنساش تتخلص من الرسالة.
قريت الرسالة وأنا بابتسم. حسيت بمشاعر مختلطة. أنا فعلًا رجعت البلد علشان كده، لكن مكنتش متوقع إن الوضع متأزم أوي للدرجة دي. وحسيت بالحزن على سادين وعلى بنات عمي وكل حريم الدار. لأول مرة أعرف إنهم منتظرين مني الكثير وشايفين فيا المنقذ لكل متاعبهم.
كانت ليلة مظلمة، ومن شراعة الغرفة النجوم تلمع مثل القناديل. في الخارج امتدت الحقول التي تحوي أسرار وخطايا ومطاريد، وكنت أسمع نباح كلب أو صياح ديك، قنقة ضفدع. وبدت النخلات خارج الدار كأشباح تحرس مقبرة متحركة. الصبح على طاولة الفطار عرفت أن فيه عرس كبير عند أولاد صقر.
قال جدي: "شيخ البلد المعفن وافق يجوز بنت أخوه لأخ فرغلي". بيركب الموجة شيخ البلد، هكذا وصفه جدي. في الماضي كان بيستعر من عيلة أولاد صقر، ودلوقتي بيناسبهم. وكان عبد التواب غضبان وسعيد بيلعن ويسب. ولم أعقب. خلصت أكل وشربت الشاي وخرجت إلى الحقول. كنت عايز أقعد على شاطئ النهر. عقلي كان مشغول وكنت محتاج ألتقط أنفاسي بعيد عن الصخب والعراك.
وأخذتني رجلي للمطرح اللي انضربت فيه بالرصاص. وكان عقلي مشوش وأنا بتذكر الشخص اللي ضربني بالرصاص وجرني على النهر. كنت بحاول أتذكر شكله لأنه مش غريب علي. والشخص اللي شالني على كتفه، كنت فاقد الوعي وعنيه مغبشة، ولما كنت بفتح عيني مكنتش أشوف غير أكتاف قوية وأنفاس بترقص. أنا كنت هموت هنا واتكتب لي عمر جديد. وكانت الشمس دافئة وشقشقة العصافير تحيط بي.
قلعت جلابتي ومسكت عكازي، وكان جنبي جذع شجرة مقطوع. قعدت أضرب فيه بكل قوتي لحد ما جسمي تعب. ولاحظت إني بتعب بسرعة وأنفاسي مش ملاحقاني. وكان لازم ألاقي حل قبل نزال فرغلي. معقول تكون الرصاصة أثرت علي؟ وعلى شاطئ النهر المنعزل بعيد عن الناس، حيث تنمو حشائش الحلفا والغاب والغبيرة والسعدي، وجدت بقعة غطتها الرمال في فيضان النهر. كانت محاطة بسياج من الحلفا كأنها معزولة عن العالم.
مكان مثالي للركض. وهكذا فعلت. ركضت في الرمال التي تغطي قدمي، ركضت بلا توقف، ألف وأدور في مساحة تتعدى المائتي متر حتى انقطعت أنفاسي ثم سقطت على الأرض والعرق يغرقني. بعد شوية ركضت تاني لحد ما الليل نزل. ثم قصدت الدار، وكان هذا سري الصغير. بعد كل يوم تشرق فيه الشمس، أتناول فطاري ثم أخرج ولا أحد يعرف وجهتي. أضرب جذع الشجرة المقطوع بالعكاز، ثم أختفي داخل الجزيرة وأركض حتى تغيب الشمس.
مضى أكثر من أسبوع على هذا الحال، وكانت قدرة تحميلي تتزايد باستمرار، حتى أنني كنت أركض أكثر من ساعتين متواصلتين. وبدأ جسدي ينحت وعضلاتي تشد والتعب يفارقني رويدًا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!