عندما وصلا درج البناية، كان صقر يعرف أن الشقة تقع في الطابق الخامس وأن سادين ربما تشعر بالتعب. "همس: أنا هشيلك يا سادين." انتفض جسد سادين، وشعر صقر بذلك من يدها. "فهمست: تشليني إيه عاد يا صقر؟ متتخجلنيش يا ولد عمي." وكانت سادين تشعر بالإحراج. إن ما يتحدث عنه صقر لم تره إلا في أفلام الأبيض والأسود، وأنها كفتاة صعيدية لا يمكن أن تسمح بهذا الدلع الماسخ الذي كانت تحتقره منذ وقت قريب.
وقت لنفسها أنها ستصعد بمفردها وأن قوتها الصعيدية ستمكنها من المثابرة وأنها تملك قدمين ولم تشل بعد، حتى لو كانت مطعونة بسكين أو خنجر. كيف تسبب الإحراج لابن عمها الذي تزوجها رغمًا عنه؟ "خلينا اتسند عليك بس يا ولد عمي." وابتسم صقر كأنه يفهم ما يدور في عقلها والاضطراب والارتباك الذي تشعر به. وبدأ أول طابق، شعرت سادين بالوجع، ألم لا يمكن تحمله. فوقفت في مكانها. "أنتِ كويسة؟ " سألها صقر بنبرة قلقة.
ألقت سادين نظرة على السلم الخالي ثم إلى الطريق وهمست بضعف وخجل: "شيلني يا صقر." شعر صقر أن كلمات سادين تخترق قلبه وعقله وأنها في ضعفها أقرب إليه من قوتها. انحنى بلطف واحتضنها بين يديه، وقد كانت سادين نحيلة ورقيقة، فلم يشعر بالإنهاك. ولأول مرة منذ ولادتها وبعد أن كبرت، ترى سادين نفسها محموله بين يدي شخص غير والدتها وجدها عندما كان يلاعبها. "امسك كويس يا سادين؟
"حاضر." همست سادين بنبرة خجلة وأحاطت عنق صقر بيديها وألقت برأسها فوق صدره مثل الحمامة الوديعة. وقفازيها متشبثتين ببدن صقر والخجل يأكلها. لكنها شعرت براحة. راحة لم تحس بها من قبل، فسمحت لجسدها أن يستكين في حضن الرجل الذي أنقذها من كل شيء. "أنت تعبان؟ آسف." اخترقت كلمات سادين الوديعة أذن صقر، فهمس: "وجعك راحة يا بت عمي. لكن أنا مش تعبان يا سادين خالص." "امال أنت إيه يا صقر؟ "أنا... وتنهد صقر: "مبسوط."
وفي الطابق الرابع، كان لدى سادين يقين أنها تريد أن تعيد الكرة مرة أخرى. أن تطلب من صقر أن يحملها طوال العمر، لكن ذلك أمر غير مؤكد. هناك ليلى هانم وغضبها، وأنها تشعر أن رحلتها قصيرة جداً حتى على الفرح. أنزل صقر سادين أمام باب الشقة وأخرج المفتاح من تحت السجادة ثم فتح الباب. "اتفضلي يا سادين." ثم أوصلها إلى غرفة النوم وأرقدها بحنان وغطاها بالفراش. وابتسم بسعادة لحظات وأحضر الأكل. "عاد!؟
" همست سادين بنبرة صارمة وهي تحاول أن تنهض. "دا شغل حريم يا ولد عمي، أنا اللي هطبخ." "اقعدي مكانك يا سادين، أنتِ مش هتعملي حاجة. الدماغ الصعيدي دي خليها ترتاح شوية." فاقسمت سادين أن تبدأ، وأن ذلك واجبها تجاه زوجها حتى لو كانت مريضة. أطلق صقر ضحكة كبيرة. "طيب ماشي، تعالي اقعدي في المطبخ على الأقل تسليني." ثم أحضر مقعدًا وجلسها عليه، ثم غرق في الطبخ وهو يشكر صديقه الذي أحضر كل هذا الطعام من أجله.
"أنت طباخ كويس جداً يا صقر، تعلمت ده كله فين؟ "في الجامعة يا بت عمي، كنت بطبخ لنفسي. ثم دا أمر تافه." "ابن عمك لديه الكثير من الصفات، سوف أبهركم." وكانت سادين منبهرة بالفعل، لكن صقر لم يمنحها فرصة للتعافي من قوة جذبها. "اسفه يا صقر، آسفة بجد." "آسفة ليه يا سادين؟ "آسفة لأني ورطتك في كل ده وأنك اضطريت تتجوزني، آسفة لأن من أول دخولي في حياتك تسببت في زعل بينك وبين والدتك."
اقترب صقر من سادين ونزع قفازيها، ثم أمسك بيديها الصغيرتين الناعمتين، وأحست سادين بنفسها مرتعشة متوترة. كانت صغيرة، أصغر من أن تفهم كيف تتصرف. فتركته يمسك يديها وينظر إلى الخطوط التي تمزقها عرضيًا وطوليًا. "معقول فيه حد هيجهز أكل وهو لابس قفاز؟ نهضت سادين منتفضة من مقعدها، وكان توترها طافحًا في حركاتها ونبرة صوتها. "وهمست بتوتر: قولي أعمل إيه بس وأنا هعمله."
"خليكي مرتاحة يا سادين، أنا بس عايز أقولك إن غضب والدتي غير مبرر وهياخد وقته وترجع لعقلها. وأنك ملكيش ذنب في أي حاجة حصلت أو هتحصل، وأنا عايزك تكوني هادية ومستقرة نفسيًا، مش عايز ضميرك ولا عقلك يصورلك إنك ملامة على أي شيء." *** "شايف يا مختار صقر عمل إيه؟ "اهدأي يا ليلى وقوليلي حصل إيه؟ "صقر اتجوز يا مختار، وعارف اتجوز مين؟
واحدة من بنات أعمامه، واحدة جاية من ورا البهايم علشان تسكن فيلتي وتملك كل شيء. لا مشفتش شكلها ولا أعرف اسمها، لكن أنا متأكدة إنها زي الزفت ومغطية وشها بنقاب. معرفش بنت مين فيهم يا مختار، معرفش. لكن لارا كانت بتقول اسمها سادين. طيب، سيبيني شوية وأنا هجيبلك كل الأخبار يا ليلى." "أنا منهارة يا مختار، منهارة ومش عارفة أعمل إيه." "متقلقيش يا ليلى هانم، كل حاجة ولها حل. صقر زي ابني، أنا ه أتكلم معاه وأعرف إيه اللي حصل."
"صرخت ليلى بغضب: أنا مش عايزة أعرف اللي حصل، أنا عايزة أشوف حل للمصيبة دي. أنا كنت رافضة فكرة قعدة في البلد عن جده، وأنتي اللي أقنعتيني أسيبه على راحته. شوفت بقا حصل إيه؟ "ملوش لازمة الكلام ده دلوقتي يا ليلى هانم، بس أنا عارف أخوات جبر الله يرحمه، وهعرفلك دي بنت مين فيهم وبعدين نتصرف."
وكان مختار محامي العائلة من وقت طويل جداً، ويعرف كل أسرارها حتى لو لم يذهب للصعيد. فهاتف شيخ البلد وعرف منه أن سادين ابنة عبد التواب وتحسين. "بنت عبد التواب وتحسين؟ دا شكلهم وحش جداً، ودا أول سر انكشف. سادين مغطية وشها لأنها مش جميلة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!