الفصل 28 | من 39 فصل

رواية غرام في قلب الصعيد الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
21
كلمة
1,646
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 72%
حجم الخط: 18

جلس صقر جوار نافذة القطار حيث تمتد الحقول الخضراء، يتابع الفلاحين المبعثرين بين غيطان القمح والبرسيم والبطاطس. إلى جوارهم ترعى مواشيهم، وبين فينة وأخرى يلمح كلبًا أو هرة أو حتى يمامة تنقر طريقًا متربًا خاليًا. غير متأكد مما سيحدث له، لكنه مصر على بذل كل جهده. "النتائج غير مهمة عندما تزرف عرق جبينك!

إن كان فرغلي أو غيره سيهزمه صقر، ثم يقطع تلك الألسنة التي تأتي على سيرة سادينا. "بالله عليك، لا أفهم كيف يستطيع أن يخوض رجل أو امرأة في عرض امرأة أخرى، حتى لو كانت آثمة. إن اقتحام هذه المناطق الممنوعة يجعلها أسهل ويعتادها اللسان حتى تصبح شيئًا تافهًا مثل كلمة صباح الخير. اعتد الناس الموت أيضًا، توقفوا عن احترامه فتوقف عن احترامهم."

حكى له جبر والده عندما كان صغيرًا أنه من حيث يأتي الناس تحترم الموت. فلا يفتح تلفاز، ولا يوضع قدر فيه لحم، ولا تحلق لحية حتى يفعل أهل الميت ذلك. وإذا كنت تبني بيتًا أو تجهز شقة تتوقف عن ذلك، ولا يقام عرس إلا بعد مرور ستة أشهر. في هذه الأيام كان الناس يحترمون الموت، وكنت لا تسمع عن شخص خطف شابًا أو رجل سقط من طوله إلا نادرًا. أما الآن، يدفنون الميت وهم يحدقون بشاشات هواتفهم، وعندما يركبون السيارة ينتهي كل شيء. لا أحد يتذكر الميت سوى أهله، لأيام قليلة. فأعرف أن مصيرك النسيان من القريب والبعيد.

توفى جده منذ أقل من شهر، وتربع عبد التواب على قمة هرم العائلة. عبد التواب الذي رفض حضور دفنة جده وأقسم أنه إذا أتى سيقوم بقتله. "فليفعل عبد التواب ما في وسعه، اكتفى صقر من التنازلات. توكل من يقف في طريق الحق سينال عقابه." "عايزاك تهزمه يا صقر، لازم تهزمه قدام كل الناس ومش أي هزيمة، نصر يجعله لا ينهض مرة أخرى." "أنتِ صاحية؟ "آه صاحية، بتفرج عليك وأنت سرحان، شكلك بيبقى حلو جدًا."

"المشكلة في أبوكي يا سادينا. أبوكي هيقف ضدي كمان وأنا مش عايز أزعله عشانك." وضعت سادينا يدها على يد صقر. "أبويا تبراء مني وظلمني وصدق ما لا يصدقه إنسان شريف على ابنته. افعل ما تراه صواب يا صقر، أنا في ضهرك. سمح للناس أن تخوض في عرضي ولولا وجودك لكنت الآن ميتة جثة متعفنة تحت التراب. هو ووالدتي ليس لهم إلا ما أمر به الله، الطاعة فيما يرضيه. أما وقد حادوا عن الحق فلا طاعة لهم عندي."

"أنا عايزة سمعتي ترجع تاني وما أمشيش وأنا موطية في الأرض قدام الناس." "وه يا بنت عمي، كلامك واعر. أنا وأنتي عارفين الحقيقة. مش كفاية يا صقر؟ "لازم الدنيا كلها تعرف إني شريفة، وخصوصًا والدي ووالدتي." همس صقر: "متسألش لما ننزل هنقعد فين؟ "أبوكي مش هيسمح إننا نقعد في البيت الكبير؟ "هننزل في البيت البحري يا صقر، إحنا لينا بيت في آخر البلد لسه متقسمش والكل ليه فيه نصيب."

رفع صقر عيونه: "وإذا اعترضنا حد هنعمل إيه يا سادينا؟ "قلتلك يا صقر أنا في ضهرك. هتعمل اللي بيعمله أي شخص بيدافع عن حقه مهما كان الشخص ده مين." لما وصلوا محطة القطار، كان عوض العلاف يحش البرسيم للبهائم في الزرعة الغربية. خلفه أكوام الربيع متراصة ورا بعضها، وإلى جواره ربط حمار أبيض يأكل العشب. "يا مراحب، يا أهلًا وسهلًا، البلد نورت والله."

صرخ عوض عندما رأى صقر وسادينا يخرجون من المحطة ويسيرون في الطريق، ثم ركض ليسلم عليهم. عندما مد يده إلى صقر، سلم عليه صقر وجذبه ناحيته وأخذه في حضنه كصديق مقرب. "تخرب هدومك يا صقر بيه." همس عوض وهو يبعد جسده عن صقر. "ازيك يا ست سادينا؟ "بخير يا عم عوض، الأوضاع عاملة إيه في البيت؟ "زي الزفت والله، والواحد مش عارف يلاقيها من فين ولا فين. الله يرحمك يا أبا عبد الكريم، كنت الوحيد اللي واخد بالك مني."

"اترك ما في يدك واركض جهز البيت البحري لصقر بيه يا عوض." همست سادينا بنبرة آمرة. "طيب وإذا اعترضني حد ولا عبد التواب زعق لي، أعمل إيه؟ "قول له صقر بيه أمرني بكده، واللي عايز حاجة يروح يقابله." "هو انتوا جايين البلد تعملوا إيه يا صقر بيه؟ لا مؤاخذة في الكلمة يعني." "هتعرف كل حاجة في وقتها يا عوض. عبد الكريم لو كان مات، لكنه ساب رجالة وراه."

راقبت العيون صقر وسادينا وهما يمرون في طريق القرية تجاه البيت البحري، وكان عوض العلاق يصرخ في البنات اللاتي أحضرهن لترتيب البيت: "بسرعة يا بت منك ليها! الباشا وصل وعايز كل حاجة تبقى تمام." ثم اتكأ على الباب وزعق: "صقر رجع يا بلد، وكل واحد هيحط لسانه في بقه." همست واحدة من البنات ساخرة: "هو صقر بيه هيعمل إيه؟ فرغلي مش هيسيبه." صرخ عوض: "صقر سيهزم فرغلي ويصبح كبير العائلة، وحينها ستعرف كل واحدة منكن شأنها."

ضحكت فتاة وهي تتمسخر: "ليه يعني يا عوض؟ "لأن صقر بيه هيخليني دراعه اليمين، وحتى المطاريد نفسهم هيخافوا مني." ولم تتوقف الضحكات حتى وصل صقر وسادينا. وما هي إلا دقائق حتى حضر عبد التواب وسعيد في العربة التي يجرها حصانين، وهو مرتدى جلبابه البلدي والشال الصوف فوق كتفه، وفي يده عصا والده عبد الكريم المنثنية عند نهايتها. صرخ عبد التواب: "أنت! أنت يا زفت أنت يا بعوضة البرك! بتعمل إيه هنا؟ وقبل أن يرد عوض،

ظهر صقر وصرخ: "أنا اللي أمرته! "أنت! أنت ليك عين تظهر تاني بعد اللي عملته؟ والله عيب، مبقاش فيه كسوف ولا اختشى." سار صقر بخطوات بطيئة وعكازه في يده حتى وصل عمه وثبت عينه في عينه. "أنا صبرت عليك كتير يا عبد التواب، وسمعت واستحملت منك كلام يسم البدنة. اقفل خشمك ومتخلنيش أقل منكم." "مش كده يا ولد أخوي، عيب." همس سعيد بنبرة تأنيب. "دا مهما كان عمك."

حدج عبد التواب سعيد بنظرة قاتلة تخبره أن يصمت. "أنا كبير العائلة وكل سيحترمني." "اطلع برا بيتي يا صقر، أنت ملكش مكان هنا." "دا بيتي زي ما هو بيتك يا عبد التواب، واحمد ربك إني منزلتش في البيت الكبير واحترمت رغبة سادينا مراتي." "هتطلع يا صقر وهتسيب البلد كلها؟ "مش هطلع يا عبد التواب، واعلى ما في خيلك اركبه. وأي حد هيقول كلام ماسخ ملوش عندي غير ده." ورفع صقر عكازه. فرفع عبد التواب عكازه ووقفا أمام بعضهما.

ركض عوض العلاف ناحية سادينا التي كانت ترتب الهدوم في خزانة الملابس، وهو يصرخ: "يا ست سادينا! صقر بيه وأبوكي عبد التواب بيتعاركوا بره." "بلا مبلاه." همست سادينا. "صقر عارف هو بيعمل إيه كويس. متخافش على أبويا، صقر مش هيأذيه." "لكن مش هسيب حقه." "طيب اطلعى هديه يا ست سادينا، ممكن الموضوع يخرج عن السيطرة؟ "أنا عايزاه هايج يا عوض."

وفي الخارج، تجمع دياب وعقل أعمام صقر يحاولون تهدئة الموقف المتأزم. كان صقر قد شمر أكمام جلبابه وأقسم أن كل من يقع تحت يده لن يرحمه. وكان الناس قد تجمعوا يفصلون بينهم، وعبد التواب يصرخ: "مش هسيبه! وصقر ببرودة أعصاب يقول: "اتركوه، سأدبه ليعرف كيف يحترم الحق. سأقسم معه الأرض والبيت وأخذ حق والدي رغمًا عنه ورغم عن أي شخص هنا." وكان هذا ما يوجع سعيد تحديدًا، الأرض والبيوت. فراح

يهمس في أذن عبد التواب: "أهزمه هنا، وأنهي كل شيء." لكن عبد التواب، وكان قد رأى التصميم في عيون صقر، همس بصوت خافت: "هسيبه لفرغلي. ولو فرغلي مخلصش عليه، أنا هخلص عليه بطريقتي." ثم رحل سعيد وعبد التواب، وظل دياب وعقل مع ابن أخيهم صقر يؤنبونه أن ما حصل خطأ وأن عبد التواب عمه مهما كان.

عاملهم صقر باحترام بالغ وطلب منهم أن يقفوا في ظهره. "المشكلة ليست مشكلة عبد التواب، بل فرغلي وعائلته اللي بيخوضوا في عرض بنت أخيهم ولازم نأدبهم." واستمالهم صقر بالحديث عن الشرف والنخوة حتى أصبحوا في صفه. ثم جلسوا أمام البيت يدخون الشيشة، وحينها ظهر فرغلي يسير نحوهم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...