جذبها من رقبتها وباسها، وهي مستسلمة بين يديه. تحضنه جامد، متشبثة في كتفيه العريضين. ولسا هيقلع التيشيرت، بعد عنها. شاف شفتها الحمرا، ابتسم. قال: "يلا عشان متتأخريش." اتكسفت، سابها ومشي. قعد مع صحابه، كانوا بيشربوا سجاير وخمرة ويرتكبون المعاصي، مغرقين فيها. *** قالت ميرفت بغضب: "انطق يابراهيم، تعرف أمها منين؟ "أنا اللي خبطتها بالعربية." "انت؟! امتى الكلام ده؟ "من يومين، وأنا راجع من الشغل."
كان إبراهيم بيسوق، جاله تليفونه. فتح عشان يرد، ما أخدش باله. فاصطدم بشخص. انصدم ونزل بسرعة، شاف ست مرمية على الأرض. "انتي كويسة؟ مكنش في حد كان ممكن يهرب ويسبها، بس صعبت عليه، خصوصاً إن حالتها كانت مزرية ونحيفة جداً. وداها المستشفى، وكان متوتر إنها تقول لهم إنه خبطها ويدخل في مصايب كبيرة. كان هيمشي، بس استنى الدكتور. "إيه اللي حصلها؟ "معرفش، أنا أسعفتها. هي كويسة." "حالتها صعبة جداً، هتفضل عندنا."
"تكاليف المستشفى عليا." "حضرتك جوزها؟ "أنا لأ... "قريبها؟ "هو فيه حاجة؟ "هي عايزة تكلمك." "تكلمني أنا؟! دخل وهو مستغرب، كانت مستلقية. لما شافته، شاورله يقرب. سألته، وقناع للتنفس. قالت: "غ.. غرام." "إيه؟ "بنتي غرااام." "مالها؟ كانت بتحاول تتكلم بصعوبة، خاف تموت. قال: "استريحي ونتكلم بعدين." مسكت إيده جامد. قالت: "ارجوكي خليها معاك، ملهاش حد." "بس...
"لو مت، خدها عندك.. هديك فلوس لعيشتها، بس طالبة منك تعتبرها بنتك.. أرجوك، أتمنى ملجأش ليك وأقوم، بس أرجوك بنتي ملهاش حد، هتتشرد." شاف دموعها بتنزل، ربت على إيدها. قال: "هتعيشي وبنتك هتكون معاكي." اتخنقت، حطلها القناع فوراً وخرج، وهو حاسس بالذنب. "لو الست دي حصلها حاجة، ذنبها وذنب بنتها في رقبتي." تاني يوم، جه تليفون من المستشفى إنها ماتت. وتركتله ظرف، كان حسابها البنكي. إلى وصله لمعلوماتها الشخصية.
وقرر يدور على بنتها اللي وصته عليه. لحد ما عرف إنها سايباهم عند البواب. وأول ما وصل وسأل عنها. "انت تعرف الست دي يا أبيه؟ "آه." "طب وصلني ليها، بدل ما سايبة بنتها عندنا، وأنا كفاية عليا عيالي." "أتوفيت." "ينهار أسوح، ماتت والبنت دي هعمل فيها إيه؟ "أنا جاي آخدها." "هتاخدها بجد؟ انت أبوها؟ "لأ." "امال؟ "هاتها وخلاص." "مينفعش، دي أمانة. أنا آه مش مكفيني عيشتها بس... أظهله فلوس. إلى غيرت نظرته. قال: "اتفضل يا بيه، نورت."
دخل معاه، وشاف بنت صغيرة قاعدة لوحدها. "بت، تعالي هنا. البيه هياخدك معاه." قرب منها، وكانت بتبصله نظرات طفولية. قال البواب: "انت عايزها ليه يا بيه؟ تكونش قريبها؟ "اسكت." سكتت بحرج. شالها، وشاف بنات البواب لابسين لبس حلو وصغير مش على قدها. بص على لبسها المبهدل، عرف إنهم لبسوها لبسهم. وخدها. لبسها. حطها في العربية. قال: "هنروح بيت جديد." مردتش عليه. استغرب من سكوتها. "ماما." الكلمة الوحيدة اللي قالتها بعينيها البريئة.
زعل عشانها، فأين أبوها. أنها يتيمة. تيتمت بسببهم. مردش عليها وركب، ومشي. بصتله ميرفت، وهو حاسس بالذنب. قالت: "وهي هتعيش معانا قد إيه؟ "العمر كله يا ميرفت.. بقيت بنتي، اعتبريها واحدة من العيلة من هنا ورايح." "صعبت عليا أنا كمان، بس إحنا عندنا ولادنا، محتاجين." "وخير ربنا موجود، يعيشها معانا. الموضوع مفهوش نقاش، البنت يتيمة، فاهمة يعني إيه؟ "تمام، خلاص. أنا آسفة." قربت منه وحضنته.
قالت: "حقك عليا، ظلمتك، قولت إنك خاين، بس الغيرة حرقت قلبي." "كان نفسي تسمعيني الأول، بس أنا مش زعلان منك." ابتسمت له. قالت: "هروح أحضر الأكل." خرجت، وقالت الخدامة تحضر الأكل. شافت ولادها قاعدين مع غرام، راحت لهم. قالت: "روحوا اغسلوا إيديكم عشان تاكلوا." "يلا." راحوا بسرعة. بصت ميرفت للصغيرة، ومن لبسها. قالت: "لازم تستحمي، مش هينفع تقعدي كده، الريحة لوحدها كفاية."
خلت الخدامة تحميها جيداً، وغسلت شعرها، ولبستها لبس من عند جنى. كانت غرام شعرها بني سايح، برغم صغر سنها، كان طويل وتقيل عن جنى. سرحوها، وظهرت ملامحها الجميلة. قال عدى: "أنا عايز ألعب معاها." قالت جنى: "إيه ده يا ماما، اللبس ده بتاعي." قال إبراهيم: "معلش، هجيب لك غيره، لحد ما غرام يجيلها لبس جديد." "غرام، الله، اسمها جميل قوي يا بابا." قالت ميرفت: "انتي اسمك كمان؟ "بجد يا مامي؟ قالت ميرفت: "أمال فين يوسف؟
قال عدى: "خرج." قال إبراهيم بضيق: "الولد ده خروجه كتر، وبيرجع وش الفجر." "معلش يا حبيبي، لسه شاب، بكرة يكبر." في الليل، رجع يوسف وهو سكران، وبيمشي بالعافية، وخايف حد يشوفه. "حمد الله ع السلامة." شاف أبوه قاعد، وكأنه مستنيه. "لأ، بدري." "كنت مستنيني ولا إيه يا بابا؟ قرب منه وشامه. قال بغضب: "سجائر وخمرة، فتحتها كباريه." قال يوسف: "ده صحابي، أنا مشربتش." "طب، أسند طولك الأول." كان هيضربه. خرجت ميرفت بسرعة.
قالت: "خلاص يا إبراهيم، معلش، ونبي." كان يوسف مضايق، وبييبص لأبوه اللي كأنه هيمد إيده عليه. قالت ميرفت: "خش جوه يا يوسف." قال إبراهيم بغضب: "متخرجش من أوضتك، طول ما انت كده، بلاش أهلك يستعروا منك." قال يوسف بغضب: "أنا... قالت ميرفت: "يلا." بص لوالدته، ومشي ورزع الباب جامد. سمع صوت عياط فجأة. اتخض لما شاف غرام. اتفظعت منه. "انتي.. بتعملي إيه في أوضتي؟ كانت بتعيط وخايفة منه. اضايق، وندى على أمه، اللي جت. قالت: "إيه؟
"اللي بيحصل هنا." "إنه نسيتيها خالص؟ أوضتها كانت لسه بتتروق، فنيمتها عندك." "هو إيه حد ترموه في أوضتي؟ شالتها، وهي بتربت عليها. قالت: "فزعتها من شكلك.. أهو هاخدها." شافها يوسف، وهي بتعيط ودموعها مغرقة وشها. بعد ما خرجت، قفل الباب ونام، دون حتى أن يبدل ملابسه. في اليوم التاني، على الفطور، كانوا بياكلوا، والخدم بياكلوا غرام، لأنها كانت صغيرة. قالت جنى: "مامي، عايزة أروح الجنينة أنا وغرام."
قالت ميرفت: "شويه، عشان تتعود علينا، بعد كده تروح." وقال يوسف: "غرام مين؟ قالت جنى: "أختنا أهيه." عرف اسمها. قال: "هي لسه ممشيتش؟ قالت ميرفت بضيق: "ولا هتمشي." مهتمش إبراهيم بكلامهم. عيطت غرام فجأة. حملها الخدم، وهم بيسكتوها، وكانت ضوضاء. قالت يوسف بضيق: "كنا ناقصين وش... سكتوها. قام وساب الأكل، فهو لا يحب الإزعاج والأطفال عموماً. تنهد إبراهيم. قامت ميرفت، وهي بتحاول تهديها. معاهم، عشان جوزها ميزعلش.
"مش عياطها كتير على سنها، هي مش صغيرة على الشيل." قال إبراهيم: "ممكن تكون عيانة، أطلب لها الدكتور." قالت ميرفت: "سكتت أهيه، الحمد لله." "هي خايفة، بس لسه متعرفناش." راح عشان يلبس الجاكت ويروح شغله. ساعدته ميرفت، وقالت: "البنت دي فين أهلها؟ هي مكنش ليها غير أمها." "باين كده، مقطوعة من شجرة." "هي أمها حاطة كام في حسابها اللي أدتهولك؟ استغرب، وقال: "٧٠ ألف، ليه؟ "بس.. مش هيكفوا." "انتي فكراني هصرف عليها منهم؟
"امال هتعمل إيه؟ "الفلوس دي هتفضل زي ما هي، بنتها تاخدهم." "نعم؟ وهي هتعيش معانا كده؟ أكل وشرب؟ "الأكل والشرب دول ميكفوش احتياجها، لأمها اللي ماتت بسببى، ده دين بسدده." "دي كانت حادثة، إنها متعمدتش تخبطها." "والحادثة كلفت حياتها." "إبراهيم، أنا هعاملها زي ولادي، بس حاسة إنك بتتحامل عليها أوي من أول يوم." "أتمنى تعامليها فعلاً زي ولادك." مشي وسابها. اضايقت منه، وشافت يوسف خارج هو كمان. قالت: "رايح فين؟
"المدرسة، عايزة حاجة؟ "خد أخواتك ع المدرسة معاك." "خلي السواق يوصلهم." "خليته يشتريلي طلبات، المدرسة جنبك، مش هتخسر حاجة." تأفف، وذهب. وصل أخواته، شاف صحابه واقفين مستنينه. سلم عليهم. قال وليد: "جاي انهارده؟ قال يوسف: "فين كده؟ "السهرة هتبقى جامدة معايا، حتتين غلبت عليهم." ضحكوا، لكن في واحد عدى، خبط في وليد. كان شاب قمحاوي، شعره بني، وسيم. بصله بلامبالاة. شاف يوسف، اللي تبادلو النظرات.
قال وليد: "مش هتعتذر يا حازم، ولا إيه؟ معتذرش ومشي من غير ما يرد عليها. اضايق وليد. قال: "يا ابن ال... كان هيروح يتخانق معاه. مسكه يوسف. قال: "خلاص." بصله وليد وصحابه، إنه منعه، رغم إنهم بيتخانقوا مع مخاليق ربنا. قال وليد: "هو عشان صحبك، ولا إيه؟ "مش عايز مشاكل." "إحنا المشاكل، ولا انت خايف عليه؟ قال يوسف: "بقولكم إيه، خلاص، محصلش حاجة." اضايق، بس ربت وليد عليه. قال: "خلاص، زي ما تحب، عشانك يا يوسف، انت صحابنا."
مردش عليهم، ومشي. قابل حازم، اللي بصله وهو يتحسر على صداقتهم اللي انتهت. بصله من فوق لتحت. قال يوسف: "عايز تقول حاجة؟ "كل اللي عندي قولته قبل كده." قرب منه، وربت على كتفه. وقال: "يخسارة." كان مروح، ومستني أخواته عشان يوصلهم. شافهم واقفين مع حازم، بيسلموا عليه. "عدي! لف عدى، وسافر. أقول: مستنية. ابتسم، وقال: "يوسف، حازم، آه." لم يهتم، وقال: "يلا عشان نمشي." ركب. بص جنى وعدى لبعضهم، وراحوا معاه، بعد ما ودعوا حازم.
رجعوا البيت. شافوا غرام بتلعب بالمكعبات، كانت جميلة. جروا يلعبوا معاها. قال عدى: "ماما، هي غرام مش هتروح معانا المدرسة؟ "لسه شوية." "يبختها." قالت جنى: "تعالي نبني بيت كبير." قال عدى: "هلعب معاكو." كانوا بيلعبوا مع بعض، أطفال صغار بريئة. شافها يوسف، وهي قاعدة هادية، عكس الصبح. حركة عينيها جميلة، تشبه الملائكة. الصبح. قال عدى: "ماما، انتي عارفة حازم ويوسف متخاصمين؟ قالت ميرفت: "ليه كده؟
"معرفش، بس شكلهم زعلانين من بعض." مشي يوسف، عشان مش عاوز حد يدخل في حياته. رجع إبراهيم من شغله. راح عند غرام، شافها قاعدة، وميرفت كانت بتسرحها. فرح. "انت جيت يا حبيبي؟ "لسه جاي." قالت جنى: "بابا، بص ماما عملتلي قطتين، وهتعمل لغرام زي." ابتسم لها، وباس دماغ ميرفت، لأنه كان قرفان ع غرام، بسبب كلامها السابح. أوقات ميرفت تكون رحيمة وحنونة، وأوقات أنانية وجشعة، وامرأة قوية. لكنه يحبها، يعلم أنها طيبة.
في منتصف الليل، رجع يوسف، ومتقلش في الشرب، عشان أبوه. دخل أوضته. جاله اتصال، رد. سمع صوت وليد بيقول: "يخربيتك، ده انت خربتها، كنت تكمل معانا." "كفاية كده انهارده، عشان بابا." سمع صوت أنوثي لعاهرة تضحك بمياصة. قال وليد: "سلام." قفل معاه، ودخل الحمام، غسل وشه. شاف روج على رقبته، مسحه وخرج. نام، وكانت دماغه مصدعة. سمع صوت بكاء. ضاقت ملامحه، لما عرف إنها غرام. حط المخدة ع دماغه، بس الصوت كان قريب منه.
قن بنفس صبر، وراح، وهو مضايق. طلعت. إلى الأوضة اللي جنبه. دخل، شافها قاعدة في ركن الأوضة بتعيط. "اسكتي، عايز أنام." عيطت أكتر، لما شافته، وكأنها اتفظعت. مسك غضبه، قرب منها، قال: "اسكتي، ممكن؟ كانت دموعها مغرقة وشها. مسحها بكفه. قال: "شششش." شالها على كتفه، وهو بيحاول يسكتها بهدوء، ومكنش عارف هو بيعمل إيه. لقاها بتلف دراعها الصغير حولين رقبته، وبتهدى فعلاً.
كأنها كانت خايفة، بس مش أكتر، وعايزة الحنان، ومحدش كان بيرد عليها. قعد، وهي على رجله، وبييبص لعينها. كانت جميلة جداً، تشبه الياقوت الأخضر. "غرام.. اسمك جميل." لقاها بتتثاور. مسك إيدها الصغيرة، وحطها على صدره. قال: "أنا يوسف... يوسف." حطت إيدها التانية على صدره، فدق قلبه. حركت شفتها. قالت: "يو.. يوسف." "يويو." وابتسم. قال: "أي حاجة، المهم إنك مطلعتيش خرسا." "يويو." وابتسمت، وكانت أول مرة تبتسم في هذا البيت.
كم خطفت ابتسامتها قلبه؟ ما كل هذا الجمال والرقة. في الصباح، على الفطور، قعد إبراهيم. وقال: "فين غرام؟ قالت ميرفت: "مسألتش عن يوسف، يعني؟ "تلاقيه مرجعش من امبارح، ماهو خد ع كده." "غرام كانت بتعيط من امبارح." "طب روحي شوفيها." تتوضأ، وقامت دخلت عندها، وفتحت الشباك. قالت: "غرام." اتصدمت لما شافت...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!