الفصل 11 | من 25 فصل

رواية غرام و انتقام الفصل الحادي عشر 11 - بقلم مروة البطراوي

المشاهدات
16
كلمة
3,856
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 44%
حجم الخط: 18

ترك كلا من هادي وملك بوابه لو فتحت على مصرعيها لن تكون أقل ضخامة من التي صادفت شقيقتها. صادفت بوابات كثيرة فيها يعظم الشر، والشعور الساحق أن لكل بوابة قصة خلف قصة. كل بوابة بنقوشها نكبة وانعدام أمل لها. لكن هذه البوابة التي تركتها ملك تحوي الكثير، بالرغم من أنها مواربة إلا أنها ليست بسيطة. فهي تمويه عما خلفها. وعندما تم فتح تلك البوابة أصبح سفيان ينتظرهم.

فكرت إحسان أن سفيان تغير، ولكن كيف لرجل مثله يملك ملامح ضبابية وكل أفعاله لم تمح من الذاكرة؟ كل النزلاء الذين صادفتهم لم يحاولوا أن يهددوها، رغم أنها أعلنت له عدم رضاها عن وجوده. لكن سفيان الوزير مختلف. ربما تناست أو نست أن كل هؤلاء الرجال بسيطون أمامه. أمر غريب كيف لهؤلاء يخضعون في كيفية النزول عندها عدا هو. *** عاد إلى ملك وهادي. نظر إليها قائلًا:

-مش انتي لوحدك اللي عايزة تنتقمي منه. يمكن أنا رغبتي أكبر. لأن كان كل مصايبه بتتلزق فيا لأن أبويا شبهه. رغم أن أبويا اللي عمله زي ما ما ما بتقول نتيجه كارثه. نظرت إليه قائلة باستغراب: -انت بتقول ايه؟ أبوك مين وكارثة إيه اللي تخلي واحد زيه يعمل في أي بنت كده ويرميها بعد ما ياخد غرضه منها ويسيبها تواجه المجتمع لوحدها؟ سرد عليها قصة والده:

-أبويا شادي الوزير كان أكبر رجل أعمال، بنى نفسه بنفسه علشان جدي رفض يساعده. بس للأسف كان رافض أي عقبة تقف في طريق نجاحه وأنا كنت العقبة دي. عقدت ما بين حاجبيها متسائلة: -وانت ذنبك إيه؟ لا تكون كنت بتمنع من فضايحه مع الستات؟ أو يمكن كانت عمايله دي سر نجاحه مثلا لو كان مع ستات متزوجة وواصلين؟ زفر هادي:

-اعتبر حمل أمي فيا خيانة له، لأن كان مؤكد عليها ممنوع الحمل قبل خمس سنين. بس النصيب حكم أني أجي الدنيا وأبقى نذير شؤم للكل. تحدثت بشرود: -وأنا كمان، بس أنا مختلفة شوية. ديمًا بحس إني كمالة عدد، وما كانش ليه لازمة في وجودي. كان كفاية عليهم ملاك. حتى كان بيستخسروا يندهوني باسمي. نظر إليها هادي وجد دموعها تتساقط: -انتي ليه بتقولي على نفسك كده وبتستقلي بيها؟

انتي أحسن من الكل وطول عمري شايف كبريائك واضح. بلاش اللي حصل لملاك يهزك يا ملك. تنهدت ملك قائلة: -ملاك بالنسبة ليهم كانت هبة من عند ربنا بعد سنين عذاب وعدم خلفة. كان نفسهم في واحد بس. بس اللعبة قلبت معاهم باتنين. عمري ما هنسى يوم نتيجة الثانوية العامة. مسحوا بكرامتي الأرض.

رد فعله لما قالته جعلتها لم تقدر على الرفض، لأنه لم يرغب ببقائها في بوابة الأطلال، وعليها أن تسير خلفه. إن كان لذلك المسير نهاية، فهي مستعدة بعد ما تفوه به أن تسير خلفه حتى عشر سنوات. ولكنها تريد نهاية، أن تصل إلى آخر الطريق وينتهي الأمر. لا تستطيع أن تظل عالقة في حلقة مفرغة من الأبدية المستسلمة.

مرة أخرى تقف أمام حكمته ورأيه الصائب، رغم عدم ثقتها به وبوالدته، حتى بعد ما قدموه لا تثق. وقفت برتابة بعد ما هبطت من السيارة. وهو يطالعها على مهل. لوهلة شكت ملك أنه ينتظر أمر ما، أمر يتعلق بمصيرهم. وبعدها تذكرت سفيان وتاريخه القذر مع ملاك. الأمر الذي جعلها لم تقدر على الرفض هو كلماته لها عندما قال: -بالعكس، مجموعك يشرف أي أهل. ولا يضايقوا عشان جايبة مجموع طب وهما مش بيقدروا على مصاريفه. بس انتي يا ملك كملتي إزاي؟

وجدها تلوى شفتيها باغتياظ فعلم الإجابة فرد عليها: -تمام، أنا كده فهمت. هما توفوا بعدها. بس أهو اللي عملته ملاك معاكي وأنها كانت بتساعدك تكملي تعليمك يدل أنها مش وحشة. هي بس انجرفت مع التيار. واستطرد قائلاً برجاء: -عن حالتك اللي بتحكيها لي دي، فانتي أرحم بكتير. حتى لو حاسة إننا زي بعض. ممكن أننا نعين بعض على اللي إحنا فيه ونقوي بعض. *** في منزله كانت والدته تستعيد أحداث الماضي هي الأخرى. فلاش باك.

كانت شارده فأفاقت من شرودها على صوت جرس الباب. توجهت ناحيته لتفتحه فتتفاجأ من هيئة زوجها الذي كان متوقفًا أمامها ووجهه شاحب حزين، وأثر لكمة والده وصفعة شقيقه لا يزالان يتركان أثرهما في روحه قبل ذلك الجانب المكدوم في وجهه. ثيابه وشعره مهملين. وعيناه مليئتين بالاحمرار. نظرت إليه في صدمة قائلة: -شادي!!!

لم يحرك ساكنًا، ولكن نظرة عينيه الضائعة والموجوعة أخبرتها الكثير. لتجذبه إليها محتضنة إياه بشدة. ليتمسك هو الآخر بها، ولكن في خوف وتردد على غير عادته، وكأنه يخشى أن يتمسك ليخسر هذه المرة أيضًا. لا تعلم أنها هي المرة الأخيرة في احتضانه، حيث سقط كالهلام من بين يديها. ظلت واجمة أمامه من شدة ذهول ما رأته. حتى التف الخدم حوله يحاولون إفاقته وهي غير مستوعبة ما يحدث أمامها. حتى صرخت قائلة:

-ابعدوا عنه، انتوا عايزين نموته صح. دي أوامر اللي مشغلكم. هو خلص رجع ندمان. رجعلي، انتوا مستخسرين أعيش يوم حلو معاه. أنا هرجع ليه غصبن عنكم. ابتعد عنه الجميع بإشارة من والده. لتسقط بجواره تبكي قائلة: -قوم يا شادي، في بينا لسه حساب. كنت لسه هبدأه معاك دلوقتي. شادي، انت كنت عارف إنك بتموت صح؟ وجيت هنا علشان أتعذب بآخر نظرة منك. منك لله، مش مسامحاك.

فاقت من ذكرياتها على لمسة ابنها الحنون هادي. نهضت وأخذته نحو الأريكة ليجلسا معًا. ساد الصمت بينهما للحظات وهي تراقب سكونه في خوف وقلق. لتسأل نفسها: أين ذهب ابنها المشرق الضاحك؟ ما الذي حدث له؟ همست قائلة في حذر: -هادي! إيه اللي حصل وفين ملك؟ نظر لها دون رد للحظات زادتها قلقًا عليه. ليخرج صوته قائلاً بهدوء يشوبه الضعف: -لو حكيتلك... هتغضبي عليا... صح؟ هزت رأسها في نفي وهي تقول في ألم:

-مستحيل يا هادي. مهما حصل أنا مستحيل أغضب عليك. نكس هادي رأسه وبدأ يسرد لها ما حدث بينه وبين ملك. بعد شجارهم ورفضها الذهاب معه إلى بيت والدته، أخذها إلى شقتهم القديمة. وما أن دلف وجلس سوياً حتى مال عليها ليقبلها. ومن ثم تسللت يداه إلى أجزاء من جسدها وهي في حالة صدمة. لتشهق قائلة: -انت بتعمل ايه؟ ولا عايز تعمل إيه؟ بقي أنا مرضتش أجي معاك بيت والدتك لأني عارفة كل أما هتشوفني هيحصل كده. عرفت ليه يا هادي؟

جلس هادي بجانبها قائلاً: -أه عرفت... وعرفت كمان إني لا يمكن أقدر أبعد عنك. وانت السبب في أي حاجة هتحصل ما بينا... بسبب عنادك. الراجل راجل يا ملك. اتسعت حدقة عينيها بذهول: -والله ما مصدقة إن انت هادي الشخص اللي عيني جت عليه في يوم من الأيام. ده انت لسه بتحكيلي عن اللي حصل من والدك وابن عمك، تطلع زيهم. زفر هادي بحنق:

-مالك يا ملك، أعملك إيه يعني أموت نفسي عشان ترتاحي. انتي السبب في كل اللي بيحصل واللي كان هيحصل. أنا انتقام صعب أنتقم منه. انهارت ملك أمامه: -مش هتقدر تنتقم؟ حتى لو حكيت ليك إن كان ممكن أكون أنا في يوم من الأيام بدل ملاك. بعد ما عايرتها إنها سلبية دفعتني أني أروح ليه، بس للأسف هربت. أخذت تتعالى صرخاتها وهي تسرد له ما حدث يومها. ليميل عليها ويرفعها ويدفنها في أحضانه ويربت على ظهرها قائلاً:

-طب اهدي يا ملك. حقك عليا. أنا مش قصدي أضغط على أعصابك. أنا كل اللي عايزه منك هدوء لحد ما أعرف أجيب لك حقك في الوقت المناسب. خرجت من أحضانه: -أنا عايزة حقي دلوقتي. انت مش عارف ده ممكن يعمل إيه لو شافني. عمره ما هيصدق إني ملك. هو كل اللي يعرفه عني إني طفلة في ابتدائي. احتار هادي:

-طب ما هي فرصة حلوة عشان أعرف أنتقم منه على حق. أنا لما أتجوزك أكيد هيفكر إني اتجوزتك بعد ما الكل اتهمني في ملاك. وساعتها هيقرب وأنا هعرف شغلي معاه. انتفضت ملك بارتباك وتذكرت ما بدر منه: -إيه؟ انت هتستنى لما يقرب مني؟ مستحيل، أنا ممكن يا أقتله يا يقتلني، بس أكيد بعد ما يعملها معايا. أنا في كل الحالات ضايعة يا هادي، أرجوك ابعد عني.

فك هادي الوزير حصاره من عليها، وعادت تجلس في آخر الأريكة. وخفقات وضربات ودقات تخرج من باطن صدرها وكأنها دفعات من طبول الحرب. أصبحت بلا أهل وترى كل من حولها يضمر لها الحقد والكره والانتقام. والقيود عليها لا تنفك بل تقبض وتقبض. وكأنها ترى أمامها سفيان عاد يتلذذ بجثة شقيقتها، ملاك.

نظمت ملك أنفاسها بكلماته التي كان يود بها تسليمها للآخر دون أي ضمان. لتموت وتحيا عائلة الوزير. ولكن تلك الجنية العجيبة ستعلمهم بصمتها من هي وستنقذ نفسها وستجعلهم يزورون قبر شقيقتها إلى الأبد. رد عليها هادي بجمود: -طب أنا عايزك تكوني زوجة ليا حتى لو على الورق. وأوعدك لا أنا ولا سفيان هنقرب منك. واسمعيها مني، انتي لو رجعتي بيتك سفيان هيوصلك. ابتسمت ملك بسخرية قائلة:

-معنديش حاجة أبكي عليها يا هادي، وأعتقد بعد اللي انت كنت ناوي تعمله واللي قلته من شوية عمري ما هصدقك. فبلاش جو الراجل الشهم. امتلكها كالطفلة بين يديه: -حبيبة قلبي. انتي ليه مش قادرة تفهمي إن اللي عملته واللي بقوله غصبن عني. كان لازم أستفزك وانتِ مصممة تمشي عكس التيار وتبعدي عني. *** عودة إلى جلسته مع والدته. أردف وهو يسرد لها ما حدث كالطفل قائلاً:

-أنا عايز الزمن يرجع بينا وأعيش زي أي طفل مع أبوه وأمه وأبويا يبقى راجل كويس. أنا النهارده اتأكدت إن مفيش فايدة، أنا برضه بشبه في حاجات كتير. شردت والدته واسترجعت ما حدث مثل ذلك عندما طلب هادي وهو صغير من والده أن يبقى معهم. فجز شادي على أسنانه قائلاً بحده: -هادي. مش عايز أسمع صوتك. أنا مش سايبك لوحدك هنا. كفاية عليك جدك وأمك هما يقدروا يربوك كويس. أنا مش طايق أعيش هنا. خرجت والدته من شرودها تهتف قائلة:

-معلش يا هادي، انسي وارمي ورا ضهرك. اللي حصل مش بإيدك. ده كله نصيب. وحاول تصالح ملك وتفهمها الصح، متبقاش قاسي عليها. ابتسم هادي بسخرية: -مش عارف أواجهها بأنهي وش بعد اللي عملته معاها النهاردة، تفتكري هتسامحني. نظراتها ليا كان كلها وعيد. أنا راضي طالما أنا السبب. أخرج من جيبه مفتاح الشقة قائلاً:

-خدي المفتاح يا أمي وروحي ليها، متسيبيهاش لوحدها طالما رافضة تيجي تعيش هنا. دلوقتي هي بقت وحيدة وأنا خايف عليها، بس كده أرحم ليها من الحارة. الواقع ليس له تعريف محدد، ممكن أن يكون مجرد مجموعة من الأحداث المتتالية. دوائر من الأفكار والخطط. قواعد مع بعض الشذوذ بها. الواقع معضلة. سواء تقبلته. أو اخترت أن تهرب منه. كان آخر ما سمعته منه قبل رحيله عنها (اتجوزيني)

. وبعدها لم تعد تسمع شيئًا. تيبست أوصالها وشحب لونها وتوقفت أنفاسها منذ لحظة لمساته لها ونظراته الشهوانية. وظلت تتردد كلماته في أذنها. اتجوزيني. أخذت الكلمة تتردد داخل رأسها كصدى لصوته الذي سمعته لأول مرة كرجاء. اتجوزيني. وكأنه يريد أن الحلم يتحقق. حتى لو بعد فوات الأوان. لقد كان مجرد خيال، ينفيه الجميع لتتمسك هي به. نعتت بالجنون مقابل تلك اللحظة وكأنه يريد تحقيق الخيال. ***

بعد خروجها من اللوكاندا ومعرفة هويتها من قبل صاحبة العمل، قامت بمهاتفة سفيان على الفور. -تفتكر إيه اللي يخليني أتصل بيك بعد الغيبة دي كلها إلا إذا كان الأمر مهم يا سي سفيان. رغم إنك مش يهمك أمري بس أنا يهمني أمرك. تنهد سفيان بتعب: -دا الموضوع مهم بقي يا إحسان. اللي يخليكي تتكلفي مكالمة دولية يبقى مهم. واحتمال يكون اللي في بالي صح. قولي يا سنسن، تكونيش حامل انتي كمان. قطبت محاسن جبينها بشك:

-حامل وأنا كمان. بس ملاك مش حامل يا سفيان، لو حامل كان هيبقى بطنها قدامها لأنك سايبها بقالك شهور. وبعدين لو حامل منك، أكيد سقطته. عقد سفيان ما بين حاجبيه قائلاً: -مش لما أعرف الأول الكلام على مين. ولو الكلام على ملاك، إيه اللي فكرك بيها بعد كل ده؟ ده انتي كنتي مش بتطيقيها لما بجيبها معايا زي ما تكون ضرتك. ابتسمت محاسن بسخرية:

-يعني ملاك ما كانتش حامل منك يا سفيان في يوم من الأيام. أكيد حصل وده اللي خلاك تختفي. عموما ارجع يا حبيبي، الهانم دايرة على حل شعرها. زفر سفيان بنفاذ صبر: -أيوه عارف ومش محتاج واحدة زيك عرفت حاجة بالصدفة تنبهني أو تطمني عشان أرجع. أنا سفري مش هروب من حشرة زيها. لا، ده حلم حياتي. ***

انتهت مكالمته وأخذ يفكر بها، وكأن تفكيره جعلها هي الأخرى تحلم به ككابوس. حيث نامت بمكانها بعد رحيل هادي وما سببه وجوده من متاعب نفسية وتقليب ذكرياته الماضية. غاصت بأحلامها وكأنها استمعت إلى صوت مزعج في هذا المكان القديم، لأن هادي لا يملك غيره والقصر لكي يدعها فيه.

استجمعت ملك شجاعتها واقتربت من المشربيه تفتحها علها تريح دقات قلبها النابضة بفزع وفرحة في آن واحد. وجدت في الظلام عيونًا تحفظ نظراتها، غرستها في مخيلتها للأبد. أغلقت المشربيه بسرعة هاتفة بفزع وهي تضع يدها فوق صدرها: -أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم.

وبالخارج من يكتم أنفاسه وليس ضحكاته فقط. ينظر إلى السماء فيرسم عيونها الزيتونية وسط النجوم وتكتمل لوحته التي تمناها. وجدته يدلف من باب الشقة بمنتهى الأريحية. وقام بوضع يديه حول رقبتها قائلاً: -نهايتك هنا هتكون في الشقة اللي جابك فيها هادي. هو عبيط زيك جابك في أحب الأماكن ليا. بحب ديما الأماكن الشعبية لذلك عشقت أختك.

استيقظت من نومها بفزع واقتربت أصابعها المرتعشة مرة أخرى تفتح المشربيه ببطء. لكن تلك المرة لم تكن من أجل نبضاتها التي كادت أن تتوقف أثر رؤيتها لتلك العيون السوداوية وكأنها رأت الوحش في آفاق الليل، بل فضولًا. فتحتها وتلك المرة رأت جانب وجهه. ذقنه حاد وأنفه طويل بعض الشيء. خصلاته تركت لنسمات الليل حرية التلاعب بها، وعيونه أصبحت أكثر إشراقًا، وكأنها تطلق أشعة ضوء إلى السماء لتعزز إضاءة النجوم الخافتة. لتتذكر كلماته

في كابوسها الخاص به: -نهايتك هنا هتكون في الشقة دي اللي جابك فيها المغفل هادي. هو فعلاً مغفل وعبيط زيك لأنه جابك في أحب الأماكن ليا. بحب ديما الأماكن الشعبية لذلك عشقت أختك. التقطت هاتفها سريعًا وهاتفت هادي. ليعقد ما بين حاجبيه وهو ينظر إلى الوقت وإلى اسمها مضاءً بشاشة هاتفه. توجه نحو النافذة ووضع هاتفه على أذنه مجيبًا لها قائلاً: -صاحية بدري ليه يا ملك؟ معرفتيش تنامي صح؟

حقك عليا أنا تقلت العيار معاكي الليلة اللي فاتت، بس أوعدك أنا مش هقرب منك تاني لا في البيت ولا في الجامعة. هزت ملك رأسها بالرفض: -أبداً، انت مش ليك ذنب. الكابوس ده بيجيلي كل يوم. بس المرة دي مختلف لأني بعدت عن المكان اللي كنت مفكرة إني محمية فيه وبعيدة عنه. زفر بحنق: -طب ليه مش راضية تيجي تعيشي معانا؟ ولو خايفة على سمعتك نكتب الكتاب ويا ستي أنا هجي أعيش مكانك. ليه بتصعبي الأمور على نفسك. ابتعلعت ريقها:

-حاضر يا هادي، أنا بعد الليلة دي هاجي أسكن مع مامتك. أنا حلمت بيه بيقتلني. يعني مش مكفيه إنه السبب في موتها، لا جاي يكمل عليا أنا كمان. انفرجت أسراره من السعادة أثر موافقتها ولم يستمع إلى باقي كلماتها. بل قذف بهاتفه وارتدى ملابسه على عجلة من أمره وذهب إليها وهي في قمة انهيارها وخوفها. ليتحدث بصوت منخفض:

-شكلك مش يطمن يا ملك. احكيلي الحلم كويس. واوعي يا ملك يكون حقيقة وأنتي بتخبي عليا. واوعي تظني إني ضعيف مقدرش أجيبه تحت رجلي. زفرت ملك بضيق: -لا كابوس. ولو حقيقة مش هقول ليك يا هادي. هسيبه يموتني عشان أنا أصلاً مش عايزة أعيش من يوم ما ماتت ملاك. ولعلمك هو أكيد مش عارف إنها ماتت. تنهد هادي بتعب قائلاً وهو يتذكر حواره مع والدته: -عارفة يا ملك، انتي مفكراني ضعيف وأهبل وعبيط وسلبي صح؟

بس عايز أقولك على حاجة، لو أنا كده كان عمري ما ساعدت ملاك. بالعكس، أنا وقفت جنبها. ابتسمت ملك بسخرية: -انت اتخليت عني لمجرد إن اليوم اللي اتصلت بيك فيه رفضت حتى تخليني أكمل كلامي والحجة جدك مات. وده كفيل يخليني عمري ما أثق فيك. زفر هادي بحنق:

-بصي، أنا مهما عملت عمري ما هخليكي تنسي ذكرى اليوم ده. أنا فعلاً كان ممكن أعرفك إن جدي ميت وهكلمك كمان يومين وهبقى جنبك. بس ممكن تنسي عشان الموقف اللي إحنا فيه دلوقتي مش مستاهل نقف لبعض. ابتسمت ملك بسخرية قائلة: -حاضر. ولازم دلوقتي أقولك حاضر لأني مش أملك غيرها. الكابوس كان زي الحقيقة بسبب تغير المكان وكمان لأني لوحدي. يمكن لما أكون معاك ميجيش أصلاً.

شرد في حديثها حتى أنه لم ينتبه على نهوضها ودلوفها المطبخ وأتيانها بطعام الإفطار. فتحدث قائلاً: -ملك، انتي جبتي منين الأكل ده؟ أنا فاكر إني نسيت أعدي على السوبر ماركت امبارح وأجبلك طلباتك. أوعي تكوني ناديتي على البواب. جحظت ملك بعينيها في ذهول: -معقول؟ يعني مش انت حاطط الأكل ده من قبل ما نيجي! طب انت مش بتقول كنت عايش هنا يعني أكيد كنت بتجيب أكل. يبقى ده منه. أنا مبعتش حد يجبلي أي حاجة.

وجدها ترتجف فتوجه نحوها مسرعًا ويده تحتضن رقبتها. شردت فيما بدر منه. كان يشبه فرسان الحكايات، ولا شك أن بداخلها سر بحركته العفوائية، فهو بطل تخيلاتها وحكاويها. تنحنح عندما وجدها ساكنة بين ذراعيها وأبعدها عنه برفق وأجلسها وجلس أمامها بهيئته. لتركز في ملامحه كأنها تراه لأول مرة وبشكل أفضل مما تخيلت فارس أحلامها لآلاف المرات. تذكرت أمر الكابوس والمشربيه عندما وجدتها تنفتح لأقصاها حتى تترك المجال للهواء لكي ينفذ بقوة داخل تلك الشقة المهجورة منذ شهور. شردت لبضع دقائق ثم التفتت له بمقلتيها اللامعتين مرة أخرى. ولكن تلك المرة لم تفزع خاصة عندما قام بغلق المشربيه بإحكام دون النطق ببنت شفة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...