الفصل 20 | من 25 فصل

رواية غرام و انتقام الفصل العشرون 20 - بقلم مروة البطراوي

المشاهدات
20
كلمة
3,718
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

على الجانب الآخر في السجن كان سفيان جالسا يحدث نفسه. -طب أعمل إيه فيها أكتر من اللي عملته؟ خططت لخطف أولادي و مفلحتش. أعمل إيه تاني؟ و غلاوتك عندي يا هادي لأخليك تترحم عليها. قطع شروده دخول المأمور يخبره بأن لديه زيارة. عقد ما بين حاجبيه و يتساءل من هو الزائر، ليخرج مع المأمور و يجد شدوة. قطب جبينه عندما استمع لها.

-دكتور سفيان، الورق ده أنا عايزة تمنه، يا إما هنضاعف مدة السجن، و ممكن نتفق، و أحرق الورق و يا دار ما دخلك شر. الورق المزور بتاع شريف. أوقفها بإشارة منه قائلاً: -تعالي نتفق. هعطيكي نص اللي يحتكم عليه هادي، بس في حالة واحدة، لو جبتيلي الورق المزور بتاع ملاك. أنا مش غبي و مش هتوه عن ملاك. توجهت شدوة ناحية باب الخروج، ليجذبها و يوقفها. -إنتي غبية كده ليه؟ مش دي ملاك اللي سبتي الشغل بسببها؟

دي مياه من تحت تبن. فضلت ورايا لغاية ما إنتي مشيتي، و غلطت معايا بارادتها. لم تصدق شدوة نفسها، فلأول مرة يقع سفيان بهذا الشكل، لتهتف بمكر: -أنا طول عمري ذكية يا دكتور، و هاخد حقي من ملاك تالت و مثلث. بس برضه شريف كان غالي عليا، و أنا اللي عاوزاه فلوس بدل ما تطول هنا. اقترب سفيان من أذنها:

-واضح، و الدليل مجيتك هنا. أوعي تفكري إنه داخل عليا عقدة الذنب بتاعت شريف. لا، أنا الوحيد اللي عارف شدوة بتفكر إزاي. أنا إزاي كنت معمي على قلبي؟ ابتعدت عنه و توجهت نحو باب الخروج. -فكر على بال ما أجيلك الزيارة الجاية يا سوفي. خرجت لتضع يدها على رأسها بانتعاش و انتصار. -يا خرابي، معقولة وقعته؟ يالا خلي الغلابة اللي كسرت نفسهم يفرحوا. و بعدين أنا استحالة أنسى ذنب شريف. يارب تتجنن و إنت لسه مفكر إنها ملاك.

عند نهال و خالد، باغتهم والدها بالزيارة. لتشهق قائلة: -بابا. وقف خالد حائل بينه و بينها، لدرجة أن والدها أصيب بالدهشة من مدافعته عنها رغم وعيده. -إنت جاي هنا تعمل إيه؟

-الراجل بيرجع للست اللي صانت شرفه علشانه. إنما الهانم كانت قبل ما تسيبك كانت بتسهر بره لوش الصبح. تعتبر مكنتش بتنام و لا بتاكل في بيتك. اسمع يا خالد، نهال هترجع معايا لغاية ما تتعلم الأدب. أنا مش هقدر أشوفها بقذارتها من غير ما أنضفها، حتى لو قتلتها بإيدي. كان ينظر إليها و شياطينه تلاحقه. بينما نظر لها خالد و هو يهز رأسه بغيظ يرفض عودتها معه.

-إنت بتصدر فرمان ملوش أي لازمة. طبعًا عارف إني مش هوافق. إنت أساسًا السبب في اللي وصلت ليه. أطرقت نهال رأسها، لا تنكر أنها أخطأت. و مع ذلك، خالد هو الذي دافع عنها. لما جاء والدها يحاسبها الآن؟ بعد أن ارتاحت؟

هي عادت إلى البلاد منذ فترة طويلة، حتى بعد طلاقها من سفيان و تهجمه الأخير عليها في المنزل الذي اشترته بمالها الخاص. و مع ذلك، لم يتركه و لم يتنازل عنه بعد الطلاق. هل يظن والدها أن تعود معه بعد أن زوجها من خالد من أجل حفنة أموال و منزل؟ يكفيها تجاهله إحساسها المرير بالإهانة. حمدت ربها أن خالد تغير، و هذا لم يكن متوقعًا أبدًا. جاءتها والدة زوجها في عجلة، لتنظر لها ملك بوجه شاحب. -يا ترى هموت قبل ما أولدهم؟

طب ينفع يولودوني و أنا ميتة؟ ماما غالية، أرجوكي ساعديني. عرفيه إن في حالة وحشة، خليه يسامحني. هدأت والدة زوجها من روعها و ذهبت لتهاتفه. و لم يتردد لحظة في المجيء. لتنظر له بعينين باهتتين. -إنت جيت يا هادي؟ إنتي وحشتيني أوي. مش عايزة أقعد في المستشفى، ممكن ترجعني البيت؟ أنا زهقت، و متسبنيش لوحدي تاني. هتسامحني؟ تنهد هادي بتعب قائلاً:

-الحمد لله إنتي صحتك بقت كويسة. مش محتاجة رقدتك في المستشفى. ليه قلقتي و خضيتي ماما غالية عليكي؟ الأغماء اللي بتحصلك دي طبيعي. عضت على شفتيها بندم. -أنا آسفة. عارفة إنك مش عايزة تفتح الموضوع، بس هو سؤال: مسامحني و لا لأ؟ مهم جدًا الإجابة. أنا مش عارفة أوصفلك اللي حاسة بيه. استطردت و هي تنهض لتتعلق برقبته و تحتضنه بشدة، و كأنها تضمه ضمة غير طبيعية كضمة الأم التي لا تستطيع الابتعاد عن وليدها.

-أرجوك، ما تبعدش عني تاني. إيه رأيك تاخد أجازة لحد ما أولد؟ نفسي أقضي معاك الأيام الجاية لوحدنا، مش حابة حاجة تعكر علينا حياتنا. توقعت ابتعاده، ولكنه شدد هو الآخر من احتضانها و حملها و أخذ يدور بها، غير عابئ أنه في المشفى. -عاوزة تنفردي بيا يا ملوكة؟ طب ما أنا متاح من زمان يا بنتي. كتير قلتي بلاش تبعد عني، ليه مصرة تجنني اللي جابوني؟ أنا سلوكي ملموس لوحدها. أنزلها هادي، لتخفض رأسها في صدره.

-آه، عايزاك ليا لوحدي. أنا اللي مكنتش متاحة لأي شعور. تفتكر كنت ببعد عنك بمزاجي؟ عقلي كان مصر يبعدني و هو اللي دفعني للجنون. ابتسم بخبث. -أنا موافق أسامحك بس بشرط واحد. تعالي ننزل مصر بعد الولادة. ليه نفضل زي اللي هربانين و إحنا مغلطناش في حد؟ إحنا نعيش و نرفع راسنا. تعالت ضحكاتها. -إنت بتقول إيه؟ هو أنا اللي قلت ليك نيجي هنا يا ابني؟

تصدقي بالله أنا ما صعبانة عليا غير ماما غالية. السفر أرهقها، كفاية مشاكلنا. معنديش مانع في الرجوع. رفع رأسها لينظر إلى عينيها، و من ثم مال على شفتيها يلتهمها. -و أنا معدش هيفرق بالنسبة ليا حد في علاقتنا. من امتى و أنا أقدر أبعد عنك يا ملوكة؟ إنتي عشق بيجري في شرياني، مش بيخرج إلا إذا اتقطع. سكتت ملك بقبلته المباحة، و التي سطر بها آخر كلمات العشق.

حدث ما لا يحمد عقباه. في اليوم الذي خرجت منه من المستشفى، تم اختطافها و احتجازها الشهر الأخير بالحمل. لم يحدث أي مكروه فيها سوى أنها محتجزة، و في آخر يوم للحمل، اليوم الذي شعرت فيه بآلام المخاض. رغم أن الذي خطفها كان مشرفًا على علاجها، ألا و هو شريف، بعد هروبه. ينتظر لحظة الولادة، و هو الذي كان سيقوم بذلك حتى يحصل على أبنائها انتقامًا منها و من هادي على السوء الذي حل به. خطت خطوات بطيئة، و أخيرًا بقيت لوحدها. في لحظة

جلبه للطعام و الأدوية، بعثرت هي، لتجد هاتفًا محمولًا قديم الطراز، و سرعان ما وضعته تحت وسادتها. و هنا حانت اللحظة الأخيرة التي لا بد لها من النصر. بثت القوة في نفسها كي تتصل بزوجها، و تطلب الرقم الذي حفظته عن قلب. ابتلعت ريقها عدة مرات قبل أن تقوى على الحديث، فالآلام تتعبها. على الجانب الآخر كان صوته مخالطًا بنحيب خافت، لتتذكر توسلاته ذي قبل التي كانت تضرب بها عرض الحائط، و كانت تتعامل معها و كأنها لا تهمها، لتتأكد

من قوة الماضي الذي شكل مسار الأحداث. لم تطلب شيئًا سوى الانتقام العادل. الآن تؤمر أن تضع أولادها و تتركهم.

-أنا ملك يا هادي، حاول توصلني بسرعة. أنا واثقة من ربنا إنك هتوصل قبل ما أولد، و تاخد الأمانة مني، أولادك، و أنا ربنا هياخد أمانته. دلف في هذه اللحظة شريف. -سلام، أنا لقيت التليفون ده بلعب فيه. ضرب على حد ما أعرفوش. أبوس إيدك أنا تعبانة، سيبني أروح لجوزي، أنا مش هقدر أولد و تاخدهم. قام بصفعها. -أنا هاخد روحك معاهم يا دكتورة ملك، ما هو أنا ما يخلصنيش أسيبك متعذبة بنارهم. و بالنسبة للفون حلو ده قديم، محدش هيقدر يوصلنا.

ابتلعت ريقها قائلة بخوف: -إنت هتستفاد إيه من ده كله؟ عايز إيه مني؟ إنت مش هتعرف تهرب بالعيال. إحنا في إسبانيا مش في مصر يا شريف، و لو وصلوا ليكي هيقتلوك. اقتلعها من مكانها و سحبها خلفه. -مش إنتي اللي هتقرري قتلي يا دكتورة ملك، و كلامك صح، ممكن يوصلوا ليكي، يبقى الحل نطلع الجبل، و يبقى يوروني بقي هيوصلوا إزاي.

أخرجها من المنزل و كان خلفها يغلق الباب، إلى أن قامت بحمل صندوق القمامة بصعوبة و حطمت به رأسه، ليسقط على الأرض. خرجت ببطء على الشارع الرئيسي، لتلوح بسيارة أمامها، لتقف السيارة تتعجب من هيئتها. -أريد أن تلحقوني إلى أقرب مشفى. أنا مختطفة، شخص ما حاول أذيتي، و أنا على وشك الولادة. من فضلكم ساعدوني، و هاتِفوا زوجي بسرعة.

حملها صاحب السيارة ليضعها بالخلف، بينما زوجته أخذت رقم هاتف هادي لتخبره بما حدث. وصلا إلى المشفى، ليهاتف صاحب السيارة هادي. -السيدة التي كانت معنا الآن لا بد أن تدلف في حجرة الولادة. أنا أبلغت الشرطة أنها كانت مختطفة. من فضلك أرجو مجيئك على وجه السرعة. وصل هادي إلى المشفى ليقابل الرجل. -ملك زوجتي هنا؟ شكرًا لك، شكرًا لكي سيدتي. من فضلكم دونوا العنوان الذي وجدتم ملك عنده، حتى يتم القبض على من قام باختطافها.

قابل الطبيب، و لحسن الحظ أنه يعرفه. -دكتور هادي، هل لك أن تهدأ؟ ملك بحالة جيدة، هي فقط ساعات انتظار قليلة و نقوم بتوليدها. و بالنسبة لحالة الكلى على ما يرام. أرجو أن تطمئنها. عقد هادي ما بين حاجبيه. -ماذا قلت؟ الكلى بحالة جيدة؟ كيف هذا و هي لمدة شهر مختطفة و لم يكن معها دواؤها؟ أيعقل أن المختطف كان يعلم حالتها الصحية؟ أيعقل أنه... هز الطبيب رأسه.

-أنا فحصتها جيدًا، لم يكن عليها آثار أي محاولة اختطاف، أو جهد. و آلام الولادة طبيعية تمامًا و في موعدها، و لم يحدث لها مكروه و لا لأطفالها. نظر إليه هادي بعدم تصديق. -ولادة طبيعية و لملك؟ هذا الشيء لم أكن أتوقعه يومًا و هي نائمة في أحضاني. إذن هو شريف. أقسم بالله أني سأوريه أمر العذاب على ترهيبها. ابتسم الطبيب.

-نعم، هذا الذي أريده منك. أنا أنزع هذه الرهبة. منذ لحظة دخولها المشفى و هي خائفة. أرجو العمل على ذلك، حتى تدخل غرفة العمليات بحالة جيدة.

دلف مسرعًا إليها، لتصرخ فجأة و ترمي في أحضانه تنتحب، و يرتعش كل جسدها. أخذت تلعن نفسها و تتهم نفسها أنها هي من أوصلتهم إلى هذه الحالة. و هو يقنعها أن هذا قضاء محتوم عليهم، و أن أفعالهم مجرد أسباب ليس إلا، حتى وصلت بأن تدعي على نفسها بالموت. هنا لم يتحمل ما قالته. و إن كانت بحالة جيدة لقام بصفعها على فمها من سوء ما تفوهت به. هتف في حنق و عنفها في استجوابه لها دون رحمة: -إنتي مصرة ليه تعذبينا؟

و تفتحي الموضوع تاني النهارده؟ لولا أن شق عليها ألم المخاض، لكانت الآن تصرخ و تبكي و تعترف له أنها تأكل في نفسها من الذنب الذي اقترفته. شعرت أنه ينهش في جسدها بلا رحمة. الآن أصبحت تدفع ثمن خطئها أضعافًا مضاعفة. كانت تجلد نفسها و تلومها طيلة الشهور الماضية حتى أمامه. و ها هي الآن تعترف بذنبها و تعترف أنها مخطئة.

-علشان الحب اللي إنت حبيته ليا، و أنا في المقابل أذيتك. و إنت كل مرة بتبرر غلطي. بس الظاهر إن ظهوري في حياتك هو الأذى بعينه. سامحني، يمكن أدخل أولد ما أخرجش. بس مطمنة إنك هتعرف أولادي إني أحسن ست في الدنيا دي رغم معاناتك معايا. و هنا غابت عن الوعي، و لم تستيقظ إلا بعد ولادتها. جلس بجانبها يملس على شعرها لحظة استفاقتها.

-حمد الله على سلامتك يا ملوكة. مش هتقدري تسيبيني لوحدي في الدنيا دي. إنما إيه الكلام الجميل اللي قلتيه قبل ما تروحي في البنج ده؟ رفعت يدها لتجذب يده و تقبلها بلهفة قائلة بصوت خافت: -هادي، شكراً على إنك جمبي ديما، شكراً على تهدئتك ليا في لحظات خوفي. أنا مكنتش حاسة إني هقوم منها. العجيبة إن كنت بصرخ و فجأة ما حستش بنفسي. ضمها لصدره يبث فيها الأمان.

-اهدي كده يا ملوكة، و احكيلي إيه اللي حصلك. من آخر مرة كنا مع بعض في المستشفى، و كنا متفقين إني هاخد أجازة شهر و نقعد سوا. ردت عليه بندم. -شريف كان عاوز يخطف أولادنا. حاولت أهرب منه كتير بس فشلت كل مرة، لغاية ما لقيت الفون اللي كلمتك منه. دخل عليا و أنا بكلمك. جز هادي على أسنانه. -كلب. و كان فين لما هربتي منه؟ الاتنين اللي جابوكي هنا بيقولوا إنك كنتي على الطريق لوحدك. الحقير كان هيولدك إزاي من غير ما يجهز نفسه؟

ابتسمت ملك بسخرية. -ما هو كان بيتعامل معايا على إني مريضته، و كان عارف مواعيد الأدوية و الأكل، حتى المياه يا هادي كان بيدخلها ليا في ميعادها. الحمد لله خبطت راسه بالباسكت. تفتكر يكون مات؟ نظر أمامه بتمتمة قائلاً: -لازم ياخد جزائه حتى لو وصل للإعدام. أنا ما يهمنيش. في لحظة دمر حياتي و بعدك عني إنتي و الأولاد. أنا كنت مكتئب. فكرت إن اللي خطفك هربك. ربتت ملك على يديه.

-متخافش عليا، عمر الشقي بقى. ده أنا كنت حاسة إني بموت، و الحمد لله ربنا ستر، نجاني أنا و الأولاد. ربنا كان حاططني في اختبار نتيجة عمايلي. ابتسم بخبث قائلاً: -امممم، يعني مش مظلومة. أخيراً ندمتي و عرفتي إن نصايحي زمان كانت صح؟ و إن انتقامك و طريقتك غلط، و مكنش في داعي لحركات العيال. ابتسمت بسعادة و فجأة نظرت حولها. -شفت الأولاد؟

أنا عايزاهم جمبي، مش بحب شغل الأجانب، هما في أوضة و أنا في أوضة. تعرف لما كنت بشتغل كنت بسرب العيال لأمهاتهم؟ تعالت ضحكات هادي. -لا تتصوري إنت أنا لسه ما شوفتش أولادي؟ و رغم إنه ممنوع يجوا هنا إلا إني طلبت استثناء إنهم يكونوا معاكي. ما تقلقيش. إيه رأيك في هادي؟

تباً للغريب في بلد ليست بلده، و تباً للغرباء من حوله و هو يتعامل معهم. و تباً للوحيد الذي ليس له صاحب و لا أهل. فهم غرباء بلا وطن. بينما غيرهم يشعر بالغربة في وطنه. بل و بعضهم يشعر بالغربة داخل جسده. أخذت شقيقته تبحث عن الوهم، و لكنها لم تنجو من الحب المزيف. الموت كان رحمة لها. و هنا كان رحيل آخر أمام عينيها بعد رحيل والديها، و عليها أن تتعايش معه، و تبدأ من المنتصف. فتاة جميلة ذات عيون رمادية تشبه عيون شقيقتها، و

تشبهها و كأنها شقيقتها هبطت من السماء إلى الأرض. هبت بعينيها أمامهم كالريح، و دائما تتلاشى في لونها بوضع العدسات الزرقاء في عينيها. أما عن توأمها، فكان مثل الرجال كريم في كل أفعاله. من حين لآخر يهمس لشقيقته و يوعيها في أحاديث جانبية بينهم. يتنقل هادي ببصره بينهما ليجدها وحيدة و شاردة دائماً و بعيدة عن شقيقها. ثم ينظر نحو أمه، و يتذكر شعوره باليتم في وجود والده على قيد الحياة. يشعر بالفخر، لأنه لم تشعره يوماً ما بأنه

مفتقد لشيء. عرف الحب على يديها مبكراً، و صار من العاشقين. و امرأته أصبحت قريبة منه مثل نبضه.

بعد مرور ثلاثة عشر عاماً. كان دايماً ياسين يشعر بالغيرة نحو نورسين شقيقته، نظراً لاهتمام ملك المبالغ فيه. -مامي، شفتي نورسين اتصرفت زي الأطفال النهارده إزاي؟ الهانم حلت الأسئلة كلها و المستر لسه بيقولها، بعد كده تروح مجموعة لوحدها. تعالت ضحكات ملك قائلة: -يا حبيبي دي نورسين بتبين للمستر إنها محضرة الدرس. إنما إنت كبرت دماغك و مرضتش تقعد معايا تحضره. و بعدين مش لوحدها اللي عملت كده.

استطردت و هي تأخذ ياسين بين ذراعيها. -خليك جمبها ديما و شجعها و اعمل زيها، إنت مش ناقصك حاجة يا ياسين. و بعدين بابي مش عنده شركات عشان أقولك اتعلم أي حاجة و اشتغل في شركته. توجهت به نحو المطبخ، بينما قامت نورسين بحمل حقيبتها لتصعد إلى غرفتها و تنام، فالإجهاد و المذاكرة جلب لها النوم رغماً عنها، لدرجة سقوطها على الفراش بملابسها.

أما عنه، فذهب إلى غرفته و لم يجد دفتره الخاص. علم هنا أن والدته أخذته بعد ما قرأت ما به عن معاركته لنورسين. ابتسم بخبث و صار إلى غرفة مكتبها لكي يعيده إليه مرة ثانية.

القدر لا يأخذ منا الأذن، بل يصيبك في مقتلك. كان يبحث بروية في الأدراج عن دفتره و لم يجده. ولكن وقعت عيناه على ورقة تحليل طبي يعود زمانها إلى سبعة عشر عاماً مضت، و معها صورة عتيقة تشبه والدته و نورسين. التقطها و التقط بعض الأوراق الصفراء التي كانت أسفلها ملفوفة بشريط رفيع من الستان الأسود. قرأ ليستشف من خلاله الألم و لمن تعود. و سرعان ما تهيأت الصدمة على وجهه، و غادر الغرفة و الأوراق مطوية في يمينه و غضب يحاول كبته. يحاول أن ينادي على والدته، و لكنه يريد الصمت، إلى أن تعالي صوته طفيفاً.

-ماما. توجهت ملك على الفور إلى ياسين لتجد ما بيده. لتتقدم منه ببطء تحمل ما بيده و هي خائفة، تردف إليه: -إيه اللي حصل يا ياسين؟ على فكرة اللي إنت عملته ده غلط، مش من حقك تفتح درج من أدراجي من غير استئذان. هو أنا ربيتك على كده؟ أدمعت عيني ياسين قائلاً بخوف: -وقعت عيني عليهم غصبن عني يا ماما. لما ملقيتش الأجندة بتاعتي تأكدت إنها عندك. مين دي يا ماما و ليه إحنا منعرفش؟ دي ماما نورسين؟

علشان كده تحبيها أكتر مني. أنا حاسس إن نورسين أكبر مني، حتى عقلها و مستواها أكبر بكتير. ماما أصحابنا بيتريقوا عليا و بيقولوا دي شكلها أكبر منك بكتير. أخذته ملك في أحضانها قائلة: -أنا أمكم إنتوا الاتنين. أنا ديما بتعصب عليك عشان إنت راجل، لكن هي بنت و بنتي أنا تؤامك. أما اللي إنت شفته دي صور أختي التؤام خالتك. أجهش ياسين في البكاء. -يبقى هي بنتها علشان كده بتحبيها أكتر مني. أنا مش زعلان، بس ليه خبيتي عننا الحقيقة؟

ليه مقولتيش إن لينا خالة؟ علشان خايفة لا أعرف؟ اندهشت ملك من حديثه قائلة: -لا يا ياسين، إنتوا الاتنين أولادي التؤام، و أوعي نورسين تعرف باللي هقوله ليك دلوقتي. أنا كان ليا أخت تؤام ماتت و هي حامل. أما عن السبب إني مخبية فما ينفعش أقولك دلوقتي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...