الفصل 19 | من 25 فصل

رواية غرام و انتقام الفصل التاسع عشر 19 - بقلم مروة البطراوي

المشاهدات
19
كلمة
3,621
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 76%
حجم الخط: 18

علمت ملك بعودة هادي إلى إسبانيا من المشفى التي يعمل بها، واستغربت عدم مجيئه إلى المنزل الجديد. هاتفت طبيباً من المشفى يسرد لها ما حل بشريف، ومن ثم سفر هادي إلى مصر. استغرب سؤالها عنه فأخبرته بالكذب أنها انفصلت عنه، وأرادت فقط الاطمئنان عليه. ذهبت إلى المنزل القديم فوجدته بالفعل، دلفت إليه لتجده شارداً. لا تعلم إن شعر بوجودها وتجاهلها أم لا. اعتدلت في جلستها وتنحنحت قائلة:

"حمد الله على سلامتك، ولو إنك مش عايز حد فينا يقولها ليك. ليه يا هادي سافرت من غير ما تقول ورجعت برضه من غير ما تقول؟ بعدتني عنك؟ وجدته في حالة غير جيدة فسألته بتوجس وقلق: "إيه السكوت ده؟ إيه اللي حصل لكل ده؟ أنا اتصلت بيك كتير قبل ما تسافر علشان أعرفك إن شريف واطي، بس انت مردتش عليا. إيه هتحملني ذنبه؟ هز هادي رأسه بالنفي: "أبدا، انتي معملتيش حاجة. بس انتي عرفتي منين إن شريف واطي؟

أكيد أمي قالتلك زي ما قالت ليا، أو يمكن نهال عرفت وبلغتك. عموما متقلقيش." شعرت بألمه وكانت متأكدة أنها السبب: "أنا آسفة، على كل دقيقة اتعذبت فيها بسببي. عارفة إن أسفي مش هيصلح الغلط، بس أعمل إيه يا هادي؟ حتى العلاج النفسي فشلت فيه، أنا مفيش مني أمل." أخذت تفرك في يديها لدرجة أنها شعرت ببرودتهما، وبدأت الأسئلة تتدفق منها:

"قولي اللي حصل أرجوك، طمنيني بالله عليك، بلاش تسيبني في الحيرة والقلق دول. انتي عملت في سفيان حاجة صح؟ أنا عارفة إني هضيعك." لا يعلم لماذا أراد أن يكذب عليها، من المؤكد يريد أن يعرف ما هي ردة فعلها. "اتخانقنا سوا يا ملك، مقدرتش أستحمل وهو بيقول عليكي ملاك. تعرفي إنك كنتي صح؟ أنا خنقته بإيدي، ومعرفش إن كان عايش ولا ميت." جحظت بعينيها غير مصدقة لحديثه: "طب ليه؟

انت طول عمرك هادي وعندك ثبات انفعالي، لا يمكن أصدق إنك تعمل كده. هادي انت بتكذب عليا صح؟ قول إنك بتكذب، لا يمكن تكون قاتل." نهض بكل ثبات واريحية: "ملك أنا مش عايز وجع دماغ، ميعاد نومي جه، ورايا جامعة بكرة. السواق بره هيروحك البيت. بيات هنا ما تحلميش. أو... اشتقتيلي يا قطة؟ العجيب من ذلك أنه مال عليها وجلس بجانبها: "ملك! انتي اشتقتيلي؟

أنا كمان نفسي فيكي أوي، بطريقة لا تتخيليها. إيه رأيك نقضي اليوم سوا بس بعدها كل واحد يروح لحاله؟ أصل أنا تعبت." هزت رأسها بذهول: "أيوه اشتقت ليك، بس مش بالشكل اللي في بالك دلوقتي. هادي انت بتعمل كده ليه؟ أنا همشي زي ما طلبت مني، مفيش داعي نقضي ليلة." ابتسم هادي بخبث: "انتي زعلانة مني؟ حقك عليا، معلش دماغي مش مظبطة من ساعة موضوع شريف. الأ... قوليلي انتي كنتي حبيتي الواد ده صح؟ باين عليكي."

لم تجبه، كانت متيبسة تستمع إليه وتتعجب أمره فقط. "طب ممكن تجاوبي على سؤالي ده وبعدين تسكتي، لأني عاوز أقولك على حاجة كمان. أنا عارف إنك عمرك ما حسيتي بحبي ليا، ليه أعجبتي بشريف؟ نظرت إليه تريد قول شيء واحد، أنه أبله. "طب أنا ممكن أرد على كل أسئلتك دي بس تطلع تاخد شاور الأول وتغسل راسك من الخمرة اللي شربتها قبل ما أجي. سؤال بيلح عليا من امتى وانت بتشربها؟ فرك رأسه من الصداع قائلاً:

"تفرق كتير معاكي ولا خايفة عليا ولا زعلانة إني شربتها؟ عموما شربتها من يوم ما بعتي للقذر الصور بتاعت أولادي، الحقير مش مصدق إنهم حقي." عاهدت فيه الرومانسية ولكن الآن اقتنص منها قبلتها بشكل شهواني لدرجة أدمت شفتيها، ليهمس أمامهم بهمس أشبه بفحيح الأفعى: "آسف إني كنت ديما بخاف عليكي، عمري ما هعملها تاني. تحبي تفضلي هناك في البيت التاني ولا تكملي وتستحملي قرفي هنا؟ لأن خلاص اتغيرت."

ملست على وجهه بحنان لدرجة استغرابه، فقد كان متوقعاً هروبها. "لسه موجوع مني يا هادي؟ طب قولي أعمل إيه علشان أريح قلبك، انت عمرك ما تهون عليا. عارف انت بالنسبة ليا إيه؟ هوا بتنفسه، مكنتش قادرة في بعدك عني." أزاح يدها عن وجهه وضمها إلى أحضانه قائلاً: "أنا كمان مش قادر أبعد عن حضنك، بلاش تعذبي فيا وتغلطي أكتر من كده. عارفة إن بسببك كنت هبقى قاتل، ولو قتلته مسيري أقتلك." هتفت في أحضانه:

"أنا عنيدة، ومش بسمع الكلام. ممكن تعتبريني بنتك اللي جاية في السكة وتربينا سوا؟ أكيد هسخر من نفسي لما أشوف بنتي أحسن مني، بس بلاش تحبها أكتر." أصمتها بقبلته الرومانسية الهادئة: "هششش، محدش يقدر ياخد مكانك في قلبي يا ملاكي، تعرفي ليه؟ لأنك فعلا بنتي من قبلها، عمري ما حسيت إنك مراتي وبس. شفتي أنا بتعذب إزاي؟ هو دائرة الأمان لها، ولكن ما يحدث أنها تدخل نطاق دائرة غير آمنة.

انتهى اليوم بالنسبة لهما، واستيقظ مبكراً للذهاب إلى عمله بالمشفى. نسي مفاتيحه ليشّد على رأسه بغيظ، فهو بصعوبة جعلها تنام وتهدأ. اضطر لرن الجرس، فاستيقظت بفزع لتنهض وتسير على قدميها بصعوبة. فحالتها النفسية الهشة لم تؤثر على روحها فقط، بل جعلت جسدها قابلاً للسقوط. وصلت يدها إلى مقبض الباب، فالمنزل ليس به خدام. فارتعش جسدها وهي تدير مقبض الباب لتفتحه، ليجده أمامها يتأسف ويعتذر أنه أيقظها وأقلق منامها.

"نسيت المفاتيح، حقك عليا يا ملك عملتلك إزعاج." نظرت إليه نظرات مشوشة، وبدت الرؤية أمامها غير واضحة. لم ترد عليه لشعورها بثقل لسانها، وهو لم يدرِ بها، بل أحس أنها ما زالت حزينة منه. لا يعلم أنها تتحامل على نفسها فقط كي لا يشعر بما تمر به من انخفاض ضغط الدم، تلك الحالة التي لازمتها منذ منع عنها أي نوع من أنواع الكافيين. ولكن كل محاولتها لإخفاء ذلك باءت بالفشل حين سقطت أمامه أرضاً.

رفعها بسرعة وقام بقياس الضغط لها ليجده منخفضاً. هرع بها إلى المشفى ليقوموا بتعليق محاليل الملح وتظبيط الضغط لها. أثناء تواجدها، جاءتها سيدة أجنبية ثرية، تعرفت عليها في غيابه، وهي السيدة زارا. تلك السيدة التي كانت تعمل لديها شيري واتفقت معها على دمار سفيان وأخذ أمواله. لما تعرفت على ملك؟ وماذا تريد منها؟ الخطأ أن ملك لم تخبره، وكيف تخبره ومتى، وهو ابتعد عنها. "زارا أخبارك إيه؟

تعرفي إن وحشتيني، رغم إني لسه شايفاكي أول امبارح، بس حقك عليا كنت تعبانة ومزاجي وحش، بس خلاص هادي رجع." ابتسمت زارا بضيق: "أنا بخير عزيزتي، المهم أنتي كيف حالك؟ أتمنى أن تكوني بخير. حذاري من الحب يا ملك، إنه كالعلقم، إذا أراد تركك اتركيه ولكن مفلساً." هزت ملك رأسها برفض: "الحمد لله هادي مش زي أي راجل، هو بيحبني أوي، هو بس مش عايزاني أنبش في الماضي، حابب يحل المشاكل بنفسه وبيبعد عني كنوع من العقاب." وضعت زارا

يدها على رأس ملك بخفة: "اتركيه يا ملك وتعالي لتعيشي معي، سوف أوفر لك كل أساليب الراحة. هادي ليس له أمان، أنا سألت عنه كبير الأطباء هنا، قال إنه تعرض لشخص بالضرب." علمت ملك من هو الشخص: "بتقولي إيه يا زارا، عارفة كان واحشني قد إيه وهو بعيد عني. أنتم الأجانب مش هتحسوا بينا كمصريين، عارفة حبي واحد مصري وشوفي." شعرت زارا أن الأرض تدور بها: "ماذا ملك، ما الذي حدث لك؟

منذ ثلاثة أيام كنتي تلعنين هادي وتقولين في أقرب فرصة ستنفصلين عنه وتعملين وتجدين فرصة لحياتك." ردت عليها ملك بتعب: "هادي رجل أصيل تحمل مني الكثير ولن أتركه أبداً، كانت مجرد زوبعة فنجان سقطت من بين طيات لساني في لحظة غضب. زارا لا تذكريني، ولكن عندما ذهبت إليه انتهى كل شيء." نظرت إليها زارا بصدمة: "ذهبتي إليه؟ أين كرامتك وهو من قام بتركك؟ لم أعلم أنك من النوع المتساهل، لما تفرطين في حقك؟ أكل هذا من أجل النوم معه؟

تضاحك عليكي؟ أومأت ملك برأسها لتصرخ زارا: "يا ملك لما لم تهاتفيني بالأول وتستشيريني في هذا الأمر، فأنا صاحبة خبرة، من قال لك أني لم أعاشر المصري؟ عاشرت وقد يكون هادي ممن عاشرتهم." اعتلت الصدمة وجه ملك لتهتف زارا بخبث: "انهضي لتهربي معي من هذه المشفى وسوف آتي بالطبيب إليكي في منزلي، ولن يعلم مكانك بعد الآن، أنت تستحقين حياة أفضل من ذلك." توجهت زارا إلى باب الغرفة وتوقعت أن ملك خلفها، ولكنها لم تشعر بها فالتفتت قائلة:

"ملك هل صار معك شيء؟ لم تعودي قادرة على أن تنهضي؟ هل تودين أن أحملك على الكرسي المتحرك؟ ولكن أين هو؟ الوغد لم يضعه بغرفتك." هزت ملك رأسها بكبرياء: "أهو هنا بس في الحمام لما بعوز أدخل الحمام هادي بيشيلني على كتفه ومش بيسمح لممرضة إنها تلمس جسمي ولا تمسحه، تفتكري كده يبقى وغد؟ سخرت زارا منها: "ما هذا الهراء الذي تتفوهين به عزيزتي، هذا لم يكفي. ذات مرة بوحت لي أنه قام بصفعك، فضلاً عما سمعته عنه في هذه المشفى، أرجوكي."

أجابتها ملك باستعلاء: "طب لو عايزاني أعيش معاكي بلغي هادي، امبارح قالي إنه مستغني عني ومستعد يفرط فيا، مع إني متأكدة إنه بيموت فيا. بلاش كده يا زارا." لا تعلم ملك لماذا شعرت بالقلق تجاه زارا. ضغطت على زر بجوار فراشها وزرا شاردة ليأتيها هادي فوراً. "أيوه يا ملك، خير فيكي حاجة؟ مش تقولي إن في عندك ضيوف. أهلاً وسهلاً بك، أنا هادي الوزير زوج ملك. هل من الممكن التعرف عليكي؟ ابتسمت زارا بخبث:

"لا أنا لست ضيفة ملك بل أنا صديقتها منذ أن وطأت قدماها إسبانيا، كانت تعالجني من مرضي، أنا السيدة زارا، ملك تحبني كثيراً وأنا أيضاً. فهي تذكرني بمساعدتي شيري زوجة خنيدرس حالياً." ترك هادي المستند الذي يخص حالة ملك وأخذ يتفحص زارا: "بتقولي مين؟ واحدة زيك وفي مركزك ووضعك جاية لملك المشفى؟ طب إزاي؟ وبتقولي إنها زي مساعدتك ولما بتطلبيها بتجيلك حالا، ده أنتي في ألمانيا إيه اللي جابك إسبانيا للدرجة دي إحنا مهمين؟؟؟

تمام وصلت وشكراً إنك عرفتيني بنفسك. يا ريت تقطعي علاقتك بملك فوراً." ابتسمت بسخرية ونظراتها تحمل الوعيد، لينظر هو إلى ملك الخائفة بسبب حديث زارا الكاذب: "هي في أوضتك هنا من امتى؟ وإزاي يا ملك بتشرفي على علاج واحدة زي دي من غير ما أعرف؟ للدرجة دي مفكراني مقطف؟ انتي هتجننيني؟ ارتجفت ملك وعينيها بدأت أن تغرب قليلاً. "ملك! إيه اللي حصل؟ انتي كويسة؟ فوقي يا ملك صدقيني اللي بتعمليه ده مش هصدقه، انتي عارفه دي مين؟

دي اللي كانت بتنام مع سفيان." حاولت أن تطمئنه: "اهدي يا هادي أنا كويسة ومش بمثل عليكي، دي كدابة أنا عمري ما رحت ليها البيت ولا ساعدتها، أنا اتعرفت عليها وانت مسافر. قالولي حالة طالباكي بالاسم." ابتلع هادي ريقه ونظر نحو زارا متسائلاً: "إيه اللي جابك هنا؟ مراتي خط أحمر، مش هسمح لا ليكي ولا له تقربوا سم واحد، لو عايزة حقك فإنتي أخدتيه منه تالت و متلت أنا مش ملزوم بالباقي." ابتسمت زارا بخبث:

"لا تؤاخذني عزيزي هادي، أنا وأنت خرجنا من عنق الزجاجة، وكان علينا أن نكمل سوياً، ولكنك أخنقتني بردك ورفضك لي، رغم أنني أمتلك مقومات." نظر إليها بتعجب وهو يرفع حاجبيه: "نعم! نكمل سوا؟ طبعاً لازم أرفضك، وبعدين معنديش أدنى علم إنك طلبتي مني ده، هو إنتي أصلاً شوفتيني؟ التواصل كان عن طريق شيري." استطرد وهو ينظر إلى ملك: "إنت إزاي تأمني تصاحبي واحدة متعرفيش عنها حاجة؟

لا وكمان كنتي بتزوريها من ورايا وبتعالجيها من إيه إن شاء الله من فراق الأحبه؟ انتي نفسك تجنيني صح؟ هزت ملك رأسها بنفي، فهي لم تذهب إليها. "أنا مظلومة والله، أنا لسه عارفاها من تاني يوم غيابك، إدارة المشفى اتصلت بيا وقالولي طالباكي بالاسم شرطت إنها تجيلي البيت وكله قدام ماما غالية." دلف في هذه اللحظة الطبيب المشرف على حالة ملك ليرحب بالسيدة زارا:

"يبدو أن يدك أصبحت بخير سيدتي زارا، نشكر الله ثم الدكتور ملك. إذن بالها من خسارة كبيرة لي فقد انتهت رحلة علاجك وستعودين إلى ألمانيا. سنشتاق لسيدة جميلة ورائعة مثلك... إنتي كيف حالك الآن يا ملك، أتمنى أن تكوني أنتِ وأطفالك بخير، وشكراً على قبول طلب معالجة السيدة زارا. فهي شخص عزيز عليّ ووالدها أيضاً من الأصدقاء المقربين."

اصطحب الطبيب السيدة زارا إلى مكتبه، وكأنه كان يغير عليها من هادي الذي كان ينظر لها نظرات يريد الفتك بها، ولكن الطبيب فهمها بالخطأ. بينما نهضت ملك: "هادي أنا مظلومة المرة دي وهي لعبت بيا، بس انت ديما مش عايز تشوفني على حق، عارف ليه؟ لأنك مريض بداء الشك، مع إنك مذنب قدامي." صفعها على وجهها وكسى الغضب وجهه: "إنتي ما صدقتي وكمان بتصرخي!

أنا ساكت ليكي من زمان ومتحمل أخطائك وانتِ بتتمادي، الطبيعي إنه يتشك فيكي بعد رسايلك لسفيان. لا وهي جت مخصوص من ألمانيا بحجة العلاج وكله بعد موضوع الصور."

العشق معضلة، ومأساة كبيرة، وفن إن كان في الوقت المناسب والمكان المناسب، وهو أيضاً معاملة وينبغي أن تكون جيدة، فهو اختيار أنت مجبر عليه في حياتك ولا تستطيع إنكار ذلك. إذن العشق مشكلة حياة من الممكن اعتراضك عليها، ولكن معنى اعتراضك هو أنك لم يعجبك العشق يوماً ما. القرار بيدك، أما أن تمتنع عن العشق، أو تستسلم لدروبه وتقبل به كما هو. حقاً إنها معادلة صعبة، لأن العشق لا يوجد به ضمانات كافية ولا ميثاقات ولا عهود، فقط هو عدة محاولات قد تكون ناجحة أو فاشلة. لا بأس يا عزيزي، فهذا هو العشق، مفهوم بسيط لما أراد عبور سقينته.

قررت ملك أن تسرد له الأمر برمته، فهي تعرفت على زارا في حادث اصطدام ولكن بدون أن تتحدث معها. كعادتها كل يوم ذهبت لعملها في موعدها بالضبط، فملك منضبطة في مواعيدها وكل ما يخص عملها كما علمها هادي. ولكنها كانت لا تستطيع التركيز منذ الصباح، فهي لا تنام جيداً هذه الأيام، وخاصة ليلة أمس. فبعد العشاء الرومانسي مع هادي قضيا معاً ليلة حافلة على أنغام الموسيقى والشموع حتى ساعات الصباح احتفالاً بحملها.

كانت تتحدث عن هذا اليوم أنه بداية معرفتها بزارا، وهي تتعالى شهقاتها ليقاطعها بحدة: "متكمليش، انتي إيه يا شيخة؟ من شوية كنتي بتكذبي وتقولي إنك أول مرة تشوفيها من لحظة ما اختفيت، دلوقتي هتحكيلي حكاية وتفكريني بيوم حلو علشان أسامحك؟ أنا هسيبك هنا ومش هسأل عنك تاني وحذاري تغلطي. الغلطة المرة الجاية هسيبك وهاخد الأولاد وهاهاجر ألمانيا أتزوجها."

أخبرت والدته بما حدث، اندهشت كثيراً، فهي جلست معها في المرات التي جاءت زارا للمنزل وأكدت له أن أول تعارف بينهم عندما جاءت. ذهبت غالية لتزور ملك ولاحظت شحوبها: "ملك انتي كويسة يا بنتي؟ قومي يا حبيبتي خدي دواكي وافطري وصلي، وادعي إن ما يحصلش معاكي حاجة جديدة تعكنن عليكي تاني." نظرت إليها ملك بحزن:

"دماغي يا ماما غالية من امبارح مش بنام، نفسي أشرب قهوة بس عارفة إنه ممنوع. مش راضي يصدقني ولا يسمعني، مش قدامك كان طلب الدكتور؟ ربتت غالية على رأس ملك: "هطلب ليكي قهوة باللبن بس لازم تفطري الأول، انتي بتاكلي لتلاته، وملكيش دعوة بموضوع زارا ده أنا هتصرف. كان لازم تقولي إنك شفتيها قبل كده؟ قبلت جبينها قائلة: "أكيد دي اللي كنتي هتخبطيها بعربيتك يومها، معلش هو هيسمعك وهيصدقك، بس هو مش متقبل إنك تعرفي زارا، عارفة دي مين؟

دي كانت عشيقة سفيان هنا." أغمضت ملك عينيها: "المشكلة إني أنا دايماً اللي بطلع غلطانة، حرفياً مش عارفة المصايب ملاحقاني كده ليه، تفتكري إن ده ذنب الانتقام وطلع عليا؟ بس ده حقي يا أمي." هزت غالية رأسها بيأس: "الحق لما بيجي ميعاده بيتاخد، إن شاء الله هادي ربنا هيهديه وهيفهم كويس ويا ستي صالحيه ما هو يا ما سايس ودادي وحايل فيكي، أنا بتكلم بصفتي أمك." شردت ملك في الفراغ قائلة:

"طب تفتكري اللي اسمها زارا دي عايزة منه أو مني إيه؟ أنا هتجنن، دي معندهاش دم كانت عايزاه بدل سفيان، تفتكري هو ممكن يرضي؟ ضحكت غالية قائلة: "وأفتكر ليه وانتِ تفكري ليه، بقولك إيه بلاش وجع دماغ، العيال اللي في بطنك دول ذنبهم إيه؟ فكري معايا نجيبه هنا إزاي، وقومي اغسلي وشك."

باتت ليلتها بالمشفى ومن شدة الألم الذي اجتاحها هذه الليلة شعرت أنها ستموت، واكتمل يقينها عندما فتحت عينيها على ضوء الشمس لتشعر أنه ليس ساطعاً كعادته بل باهتاً وكأنه اجتاح غرفة المشفى الموجودة بها، ليتاكد يقينها أن أيامها اقتربت. ولكنها قررت أن تحصل على تأكيد من هادي بمسامحتها ووعد بقول كل شيء حسن عنها لأولادها.

حركت عنقها بتروٍ، ولكن الألم في جنباتها يصارعها، لتجد نفسها تنحدر نحو غيبوبة وكأنها الأخيرة التي لم تستفق منها. خارت قواها، لم يتبق من قوتها سوى لسانها الثقيل وهي تنادي والد زوجها: "ماما غاليه، ماما غاليه."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...