في صباح اليوم التالي استيقظت ملك عازمة أمرها الذهاب إلى عملها ومن ثم إلى الطبيب النفسي، ولكن ما حدث لها في العمل جعلها تندهش. وجدت أنها ممنوعة من دخول الحجرة الخاصة بها. التفتت خلفها لتجد سفيان ينظر إليها بعين شماتة، ومن ثم ظهر غندر من خلفه. فسألته: -في أي باب الأوضة مقفول ليه يا دكتور؟ في حاجة جوه حصلت حضرتك مش عايزني أشوفها وألا إيه؟ أعتقد إنه من حقي أعرف ليه التصرف ده. هز غندر رأسه برفض:
-ممنوع تشتغلي هنا من بعد اللي حصل امبارح. الدكتور سفيان قدم فيكي شكوى وقال عليكي ممرضة مش دكتورة، ولما كلمت هادي أستفسر منه طلب فصلك من العمل. جحظت ملك عينيها مما سمعته للتو، فهذا ليس تدبير سفيان فقط بل تدبير هادي هو الآخر. توجهت إلى الخارج وهي شاردة إلى أن ساقتها قدماها إلى العيادة النفسية مثل ما قررت أمس. جلست تنتظر دورها وهي تائهة في أفكارها، حتى أنها شعرت باليأس.
نهضت لتترك المكان وتعدل عن قرارها في ضرورة العلاج النفسي. أما عن هادي، فقد كان في مكتبه منتظرًا المهاتفة التليفونية من غندر الذي طمأنه أنه قام بطردها بناءً على رغبته، حتى يظن سفيان أنه على حق. انتهت المكالمة وهي لم تأتِ. خشي أن تفتعل في نفسها مكروه. اتصل بالمنزل، جاء الرد أنها لم تصل بعد. أخذ يتصل بها مرارًا وتكرارًا دون رد منها.
عندما وصلت إلى باب المشفي وجاءت لترحل، شعرت بألم شديد في رأسها حتى أنها تركت حقيبتها تسقط من بين يديها. أسرعت لجذبها، وحينما تدلت بجسمها إلى الأسفل وجدت من يلتقط معها الحقيبة. تفاجأت به ألا وهو نادر صاحب العقار الذي كانت تقطن به مع شقيقتها. رفعت رأسها تنظر إليه جيدًا، ومن أين أتى؟ وجدته قد أتى من الداخل. أسرع بمصافحتها بكل ود، ولكنها تألمت من ظهوره هنا لتتأكد أنه يعالج نفسيًا بسبب شقيقتها.
شعر بنفورها منه ليبتعد قليلاً قائلاً: -دكتورة ملك، أنا آسف، أنتي كويسة؟ أكيد جايه تقابلي حد من زمايلك هنا؟ أنا كنت بتعالج هنا، البركة في دكتور هادي هو اللي جابني هنا ووصى عليا الدكاترة. بالرغم من حزنها عليه، إلا أنه عندما أشار إلى هادي بالامتنان، اطمأنت من داخلها وشعرت بالسعادة لإنهاء علاجه. فابتسمت قائلة:
-أنا كويسة يا نادر، أنا مش جايه أزور حد، أنا جايه أتعالج وما تستغربش، كلنا نفسيتنا بتقع، وعشان أنا معايا راجل زي هادي لازم أفوق لنفسي، عند إذنك أنا داخلة دوري جه. كانت تشعر بسعادة شديدة، وواصلت طريقها إلى أن وصلت إلى حجرة الطبيب. ليهاتف نادر في هذه اللحظة هادي يخبره برؤيته، ليطفو هادي من السعادة أنها بالرغم من طردها إلا أنها قاومت وقامت بعلاج نفسها لنفسها.
دَلفت لتجلس أمام الطبيبة، تحتار فيما تقصه عليها، مستثقلة ما بخاطرها كي تنطق به. الطبيبة تحتاج الصراحة حتى تساعدها، وهي تخشى الصراحة، تخشى أن تفشي أسرارها ويسلط الضوء على مشكلتها وتبقى حديث الساعة. حتى أنها عادت إلى اليأس الذي تملكها في البداية. تنحنحت الطبيبة تحثها وتشجعها على التحدث معها، لتضع ملك يديها على جبينها تفركها من أثر الصداع. لتناولها الطبيبة كوبًا من الماء مع حبة المسكن، جعلها تسترخي وتسرد ما مرت به:
-أنا حكايتي، قصدي حكايتنا طويلة قوي، هقولك من البداية، وأرجوكي بلاش تقفي عند نقطة وتقوليلي نكمل المرة الجاية، احتمال ما أجيش.
هزت الطبيبة رأسها بالموافقة وبعثت رسالة إلى الخارج تطلب منهم عدم تقبل أي كشف لليوم، لتفرغ نفسها لملك. فقد سمحت أن تعطيها وقتها بالكامل، وأتاحت لها الفرصة لملمة حكايتها المبعثرة التي دارت في أماكن عديدة، حتى الأحاديث الجانبية والهامشية استمعت لها. وكان الحديث ذو أهمية بالغة، فهي فترة لم تكن هينة وخفيفة عليها.
ما إن اطمأن عليها هادي حتى سار لتنفيذ انتقامه من سفيان لها. ذهب إلى منزل السيدة الذي قام سفيان بقتل جنينها. فتح والدها الباب ظنًا منه أنه سفيان. وما إن دلفا إليهم حتى تغيرت ملامح الفتاة وارتعدت ترتجف أمام والدها. ليصرخ فيها والدها قائلاً: -مالك يا بت؟ مش ده الدكتور اللي سقط الواد وقال لك تكذبي الدكتورة وهو هيعطيكي الفلوس؟ ولا جاي يتأمل في جمالك على أمل يعمل حاجة جديدة؟
ابتلعت الفتاة ريقها، فهي دائمًا كانت ترى هادي مع الطبيبة ملك وظنت أنه جاء لينتقم منها. كادت أن تنطق، توقف والدها عن الحديث حتى تحدث هادي: -أيوه أنا، وجايب لك معايا مبلغ حلو قوي، أكتر من المعروض في شرف بنتك، بس مش أنا اللي هدفع، اللي هيدفعه هي الدكتورة اللي بنتك كذبتها. ذهلت الفتاة مما قاله هادي لتعلم أنها وقعت في الفخ. ليزمجر والدها: -إزاي يا دكتور بنتي تكذبها وهي تبعتلها المعلوم؟
لأ و أعلى من المعلوم كمان، جديدة دي. عموما خير وبركة منك، منها أنا عايز الفلوس. استهزأ به هادي قائلاً: -إيه يا عمو؟
مش تقول كده من الأول، والله لو كانت بنتك طلبت من الدكتور ملك فلوس كانت عطيتها وكانت جابتلها حقها تالت ومتلت. عموما أنا أخدت حق ملك، وهمشي. بس أول ما هتي أمشي وهفتح الباب ده هيدخل ظباط وعساكر يحرروا الواقعة، أصل كله مسجل بأمر من النيابة. وأنتي متخافيش، أنتي بكده سفيان مش هيقدر يأذيكي تاني. أنا نفذت حكم ربنا فيكم. إحنا مش في غابة عشان كل ينهش وكل واحدة رخيصة زيك ما تعرفش ترجع حقها. كنتم مفكرين ملك فريسة سهلة، أنا اتغذيت بيكم قبل ما تتعشوا بيها.
فتح هادي الباب ودلف كل من الظباط والعساكر يسحبونهم إلى قسم الشرطة للتحقيق معهم. وما إن جاء ليركب السيارة سمع الفتاة تشكره بعلو صوتها وتتمنى له أن يأخذ كل الحقوق المسلوبة لها ولأي فتاة من سفيان. ابتسم بلا مبالاة وتركهم ورحل.
أما عن سفيان، بعد ما قام الطبيب غندر بطرد ملك، التفت إليه بنفس القوة التي تحدث بها مع ملك وطرد هو الآخر، لدرجة تفاجأ سفيان. ومع ذلك، أومأ برأسه بكل برود. وفور طرده، دلف غرفته ليقوم بلملمة أشيائه. أغلق الباب من خلفه بكل غيظ. نزع عنه معطفه الأبيض يتحسر على تركه لهذا المركز الطبي المتطور. لن يصبح من ضمن هذا الطاقم العظيم بعد ذلك. تم طرده بدون أن يتحدث ببنت شفة. جلس على المقعد يتحسس مكتبه، شعر بالاختناق بالرغم من برودة الجو. يعاتب نفسه أنه ترك لملاك يومًا الحرية لتهرب من محبسه.
-أنا فاشل. وما إن انتهت جملته، حتى دلف عليه من يقسمه قسمًا أمر من النيابة العامة بضبطه وإحضاره. اختلج صدره، ليهزم من جديد، خاصة بعد ما علم باعتراف الفتاة ووالدها ضده. كان على وشك السقوط على الأرض، ليلحق به ضابط الشرطة ويخبره أن السقوط أتى لا محال له.
عادت إلى ملك. اعترفت للطبيبة بكل شيء، إلا أن توقفت عند نقطة معينة فبترت حديثها، تتحجج أنها تريد التقاط أنفاسها. حتى أنها أغمضت عينيها لتتفاهم الطبيبة أنها لا تريد الاستكمال الآن، فتركتها لترحل. عادت إلى المنزل فلم تجده، فدَلفت غرفتها تطالع حاسوبها الخاص وتنظر إلى صورتهم الرباعية لتزفر بحنق محدثة نفسها:
-أنا خايفة أحب هادي، خايفة تكون علاقتنا مهددة بالانهيار، لأني نسخة في الشكل من ملاك. هي للأسف ميتة، وأنا مشاعري ماتت معاها. صعبان عليا هادي هياخد حطام، مش هقدر أدي له الحب اللي بيحبه ليا، خايفة أكون سبب دماره هو وأولادنا اللي هنجيبهم. وضعت يدها على قلبها تتمنى أن يتوقف بلحظة من ثقل الأحمال التي يحملها على عاتقه منذ وفاة شقيقتها. حتى عبء التفوه به حملته أيضًا. عاد هادي ليستدعيها، تهبط له ليسألها: -أنتي جيتي متأخر ليه؟
مش الدكتور غندر طردك من بدري؟ ولا حوّلوك للتحقيق في قضية البنت أياها؟ نفسي أفهم أنتي إيه اللي دخلك؟ أغمضت عينيها بمرارة: -الحمد لله إنها لقت حد يدافع عنها ويجيب لها حق من الزفت سفيان. بس إزاي أنا أتطرد وسفيان يبقى موجود؟ في نظرك هي دي العدالة؟ واستطردت وهي تجهش بالبكاء: -ليه الجرح ده؟ أنت مش بتحبني؟ ليه تكسرني وتخلي دكتور غندر يطردني؟ مش قلت امبارح إنك هتنتقم منه؟ ليه أنت مع الكل كويس، حتى مع نادر وأنا لأ؟
نظر إليها هادي قائلاً: -إيه يا ملك؟ مش حاسة في أي حاجة من الحاجات دي؟ إني خايف عليكي؟ مش حاسة بالنار اللي قادت فيا لما كان بينادي عليكي ويقول لك ملاك؟ ترجته ملك قائلة: -هادي أرجوك بلاش الكلام ده، في نار قايدة جوايا كل ما أشوفه عايزة أقتله، بس عارفة إني مش هقدر. بس في نفس الوقت مش قادرة إنه يكون عايش. قاطع حديثها قائلاً:
-وأنا بأفعالك دي عمري ما هرتاح. أنا تعبان يا ملك بقالي سنين وأنتي مش قادرة تداويني. تعبان لدرجة إني أتمنيت أموت في الحادثة عشان ترتاحي. كفكفت دموعها قائلة: -طب لما أنت تموت مين هياخد حق أختي؟ لذلك بقول لك أبعد عنك وأخد حقي بإيدي وأنت إنساني، أنا هبقى مجرمة ومش هستحق أعيش. تعالى صوته بعصبية: -مش أنتي اللي هتنتقمي يا ملك. قلت قبل كده، وهفضل أقولها، مش هسمح لك تضيعي نفسك طول ما أنا عايش. أنا هاخد منه كل حاجة. توجهت إليه
تقبل يده برجاء وهي تبكي: -طب شاركني معاك، نفسي أشفي غليلي، انكسرت النهارده وهو منتصر قدامي، وأنا بطرد من المستشفى كأني أنا اللي جنيت على البنت. تنهد هادي بتعب: -آه على سيرة البنت، حاليًا هي في السجن هي وأبوها، وخدي الكبيرة سفيان كمان. اغتصاب، إجهاض بدون إذن، إجبار على شهادة زور. عقدت ملك ما بين حاجبيها: -معلش قول تاني كده، بجد يا هادي، ممكن ياخد إعدام صح؟
يارب، شكراً على المفاجأة دي. على فكرة أنا كمان عملت حاجة حلوة، أنا روحت لدكتورة نفسية. لم يبدِ أي شعور، فهي بدت تؤلمه كثيرًا. نظر لعيونها وهي تنتظر إجابته ليؤلمه قلبه أكثر. شعرت ملك بوجعه الذي حاول أن يخفيه عنها، ولكنها تأكدت عندما تجاهل حديثها وذهب إلى النوم.
علمت بعد خمسة أشهر أنه تم الحكم على سفيان، ولكنها لم تعلم أي مدة أخذها. لا تعلم أن المدة قصيرة لأنه قام بتوكيل محامي تلاعب بكل الخيوط. ويُعاقب يوم صدور الحكم هو يوم عيد ميلادها هي وملاك.
أقام لها هادي حفلاً حضره زميلاتها وأصدقاؤه في العمل، وبالطبع كان له الحضور الطاغي لدى الفتيات. لا تنكر كم الغيرة التي نهشت في جسدها من نظرات زميلاتها المباحة له والتي كانت تأكله أكلًا، خاصة عندما علموا منها أنها لا تنوي الارتباط به. ولكنها أظهرت رد فعل طبيعية كأنثى عندما تقترب أنثى أخرى من معشوقها.
فتولّت طيلة الحفل مهمة إبعادهم عنه. تمعنت النظر إليه جيدًا حيث كان وسيمًا كنجوم السينما. أي أنثى إن انجذبت إليه لا تستطيع الفرار منه.
بعد انتهاء الحفل، رفضت الصعود إلى الأعلى وطلبت منه أن يأخذها بسيارته نحو النيل لتستنشق الهواء. وفي الطريق كانت تسترق النظر إليه بين الحين والآخر، فطالما النظر إليه متعة زميلاتها خاصة وقت الحفل. كان يجلس بجوارها غير مبالٍ بحالتها التي كانت تتدفق نارًا، كان يصفر تارة ويغني تارة، وهي تتأكل من الغيرة. تندم أشد الندم على التفريط به وإبعادها عنه طيلة الفترة الماضية. وها هو الآن يعاقبها على سوء ما بدر منها.
وصلا إلى المكان الذي تريد، فأشارت له لتهبط من السيارة متوقعة ذهابه خلفه، ولكنّه ظل بسيارته ومن ثم قام بفتح صوت الأغاني ليعلمها أنه بوادٍ آخر. أنهت جلستها على النيل بمفردها، ومن ثم عادت إليها وهي آخذة لقرار حاسم: -هادي، ممكن نوطي صوت الأغاني عشان عايزة أتكلم معاك في أمر مصيري يخصني ويخصك، ويخص قعدتي في البيت معاك حتى لو ماما غالية معانا. زفر بحنق وهو متوقع القرار:
-اتفضلي يا ملك، مع إني مش عايز أتعبك، أنتي بتيجي كل يوم من جلسة الدكتور النفسية تعبانة. أنا كلمتها تعطيكي إجازة النهارده عشان عيد ميلادك. تنهدت بعمق وهي تستمع إليه: -ياااه، بقالي كتير ماسمعتش اسمي على لسانك، لدرجة إني يأست، مش عارفة أعمل إيه عشان تتكلم معايا. طبعًا متوقع إن هقول لك إني عايزة أسيب البيت. نهض من السيارة وذهب ليقف أمامها، لتتبعه هي تقف في مقابلته:
-متوقع خصوصًا بعد الحكم عليه، بس ده مش حل. خليكي هنا وأنا هسافر، جالي بعثة في إسبانيا. هفهم اللي حوالينا إنك اشتريتي الفيلا، خلي ملاك ترتاح في قبرها. نظرت إليه بحزن. أي شخص في مكانه سيتوقع رغبتها الأكبر في الابتعاد. عيناه تخبرها أنه يحبها وقلبه أيضًا، ولكن لسانه وعقله يخبرانها أنها لا شيء بالنسبة له. شعرت أن الأرض تميد بها، فتوجهت لتجلس في السيارة، وهو في حيرة من أمرها هل مسرورة لهذا الخبر. ذهب ليجلس بجوارها فوجدها
مغمضة العينين فسألها: -مالك يا ملك؟ أنا قلت حاجة تضايقك؟ أنا بحاول إنك تعيشي بسلام، مش بجبرك القرار ليكي. بس اسمحي لي ده أخر تدخل مني في حياتك، ويو ما تحبي هكون ضهرك وسندك. ومن ثم أدار السيارة وعاد بها إلى المنزل. توقف عند الباب ونظر إليها: -ملك، مش عايز ماما تعرف عن موضوع سفري حاجة، وده لمصلحتك لأن أكيد هتحملك الذنب. أنا هبين لها إني مش عايزك ومسافر عشان أبعد.
تركته وتناولت الدرج دفعة واحدة حتى وصلت إلى غرفة السيدة غالية، وسردت عليها ما حدث. لتهبط الأخرى إلى ابنها تنظر إليه بغضب، ليسألها بتوجس: -خير يا أمي، هي حكت لك حاجة؟ ماما أرجوكي متحاوليش تغصبيها ترتبط بيا، بقالها كام سنة عايشة معانا مش في الأخر هنجبرها هي وراحتها. زفرت غالية بحنق: -معقول للدرجة دي مش واخد بالك؟ أنت من يوم ما جه سفيان هنا وأنت بعيد عنها، وبتعاملها بشكل رسمي. البنت جابت آخرها، وكمان جاي تقول لها مسافر؟
عقد هادي ما بين حاجبيه: -ليه؟ مالها مالك وجابت آخرها من إيه بالظبط؟ أنا قلت إني مسافر لأني مش مستحمل تروح تعيش في بيت تاني لوحدها. عندي أمل إنها تبعتلي في يوم من الأيام. هزت غالية رأسها بيأس من فهمه: -بقالها خمس شهور من ساعة ما عرفت إنك عالجت نادر وهي عايزة تقول لك إنها بتحبك ونفسها تتجوزوا. عارف الحفلة بتاعت النهارده فكرت إنها مفاجأة جوازكم. وقف هادي مذهولًا لما سمعه، لم يصدق أنها تريده: -أنتي متأكدة يا ماما؟
أوعي تكوني ضغطتي عليها عشان ما أبعدش عنك، كله إلا كده، طب لما هي كده ليه ما ردتش عليا من شوية؟ هي هتجنني؟ هزت غالية رأسها: -أيوه متأكدة. أكيد يا هادي مش هترد عليك وأنت متوقع إنها عايزة تسيبك. المهم دلوقتي اطلع طيب خاطرها، إحنا خلاص خلصنا من الغمة. هز هادي رأسه: -شكراً يا ماما. عارف إني من يوم ما جيت مشوفتيش يوم حلو، بس غصبن عني نصيبي كده بقي، أتعلق بواحدة متعذبة وتعذبني معاها. أنا طالع لها.
صعد هادي إليها بينما بقيت غالية بالأسفل تنظر إلى صورة زوجها الذي رسخ العقدة في أذهان هادي. طرق بابها لتسمح له بالدلوف. تنحنح وجلس ينظر إليها، وكأنها الوحيدة القادرة على إثارة ضوضاء في مشاعره، ولكن ما يكفيه هو السعادة بقرارها. شعر بأنه مراهق يعشق من جديد: -أخبارك إيه دلوقتي يا ملوكتي؟
جحظت بعينيها وهي تستمع إلى ياء الملكية المصاحب لاسمها وهو يلفظها. شعور جعلها محلقة في سمائه، وكأنه آن أوان الورد ليتفتح، وكأنه علم من والدته ما تكن له من شعور. ردت بهدوء: -كويسة، مفيش جديد غير إنك هتسافر وتسيبني. رفع إحدى حاجبيه وعيناه تراقب عينيها: -بجد ده معناه إنك زعلانة إني هسافر؟ طب ليه ما قولتيش كده أما كنا مع بعض؟ -خوفت لا أكون بمنعك تكمل دراستك وأنا أخدت وعد على نفسي إني مخربش حياتك تاني.
-اممم، أنا محدش يقدر يمنعني عن دراستي خصوصًا لما يكون الحد ده مراتي ملوكتي مملكتي. صمت قليلًا ثم تابع وهو يدنو من وجنتها الذي اصطبغت باللون الأحمر القاني ليلتهمها بشفتيه هامسًا في أذنها: -كل سنة وأنتي ملكي يا ملك، أخيرًا هتبقي عروستي الجميلة. تململت قليلًا من أثر اقترابه: -بجد يا هادي، يعني هنتجوز ومش هتسيبني؟ انتصب أمامها قائلاً:
-دلوقتي أقدر أقول لك حمد الله على السلامة، جننتيني يا شيخة. أنا حاسس إني بقالي قرن منتظر اللحظة دي، فقدت الأمل إنها تحصل، بس حصلت. كادت أن تنهض من جلستها ولكنها توقفت عندما ركع على ركبتيه أمامها: -خليكي زي ما أنتي، أنتي بتتحولي في ثانية وأنا ما صدقت أثبتك على أم الكرسي ده. تقوليش ده كرسي الاعتراف، أهو أرحم من الاعتراض.
أزالت مكبس الشعر الذي كانت تعقده في الخارج نظرًا للهواء الذي يعمل على تطاير شعرها، ليغمز لها على فعلتها. فعضت على شفتيها بخجل: -أنا خلاص أخدت قراري، من قبل الحفلة وكنت مفكرة إنها حفلة خطوبتنا. إيه اللي حصل مني خلاك تقول إنك عايزة تسافر وتسيبني؟ أنا مقدرش أبعد عنك. داعب خصلات شعرها بيده ثم قبلها يتنفس رائحة شعرها:
-كنتي دايما عايزة تبعدي وفجأة غيرتي قرارك. تفتكري هعرف منين إنك عايزاني وإحنا بقالنا كام سنة عايشين في الصراعات دي، غصبن عني. أخفت ملك عينيها عنه قائلة وكأنها تريد إشعال نار الحب بداخلها: -مش عارفة، أنا فجأة لقيتني بحبك حب يمكن لما كنا في أول معرفتنا مكنش بالشكل ده. بقيت بحس إنك ملاك اللي عايزاها ترجع وخايفة عليك. نهض هادي من جلسته ورفعها معه لكي تقف أمامه:
-بس أنا بقى حبي ليكي زي ما هو، طول عمره زايد منقش منه ولا ذرة. أنتي ملك اللي خطفتي قلبي يوم ما دخلتي الكلية، أنا اللي مقدرش أبعد عنك. شعرت بالقلق من اقترابه كأنها تعرفه لأول مرة من فرط مشاعره: -مالك يا ملك؟ قلقتي كده ليه؟ خايفة مني؟ خايفة لأهجم عليكي زي ما عملتها قبل كده؟ فاتك بتقولي إننا عيلة، متخافيش، أنا مقدرش أذيكي عشان أنا بعشقك. أخرج من جيبه هدية عيد ميلادها وأعطاها قائلاً:
-أعتقد إن الهدية آن أوانها، دي مش هدية عيد ميلادك، لا، دي خاتم خطوبتك، كده اليوم زي ما رسمته بالظبط، فاضل المأذون، أؤمري أجيبه. رفع هادي رأسها برفق: -أنتي ليه مكسوفة مني؟ ده أنتي بتزعقي لي قدام الكل حتى أمي ومش يهمك، هو، أنا بجد هشوف جو البنات المكسوفة من خطيبها، وكده أحمدك يارب. ابتسمت قائلة:
-مكنتش أعرف إنك جايب لي هدية وكمان تطلع خاتم خطوبة، كنت مفكرة إنك عامل الحفلة تغيظني بالبنات وهما بيعاكسوك قدامي وأنا مينفعش أقول لهم إنك بتاعي. نظر إليها بخبث قائلاً وهو يلمس بشفتيه وجنتيها هامسًا: -لأنك كدابة، لما سألوكي هادي يخصك، قلتي لهم لأ، كأنك بتبيعيني ليهم، وأنتي عارفة إني مش اتقبل غيرك، عمومًا كله بحسابه يا ملوكة. ابتسمت إليه ليشعر أن ابتسامتها عصفت بقلبه، فقرر تركها فجأة حتى لا يفتعل معها شيئًا،
وتوجه نحو باب غرفتها: -أنا هبعت أجيب المأذون حالا، وعم محمد والدكتور غندر ونادر والحجة شريفة، هصحيهم من أحلى نومة، إحنا ملناش خطوبة، إحنا هنكتب، جهزي حالك. وبمجرد أن خرج هادي، اشتعل جسد ملك بالرقص والطيران.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!