كل يوم يأتي لمنزله مساء للاطمئنان عليها من والدته. "ملك أكلت يا ماما وأخذت دواها؟ "أنا عارف أنها بتغلبك، بس معلش استحمليها، أنا مقدرش أحطها في مستشفى علشان مش ضامن سفيان." هزت غالية رأسها. "أيوه يا ابني، بس ليه خايف عليها منه؟ ما هو أكيد دلوقتي واصل له إن حملها ده تمثيلية، الخوف من هنا، حد يوصل ويعرف إنها لسه حامل." تنهد هادي.
"طب بقولك إيه، اطلعي شوفيها كده لو فعلاً وضعها محتاج مستشفى أنقلها، أنا مش عايز أطلع لها لأني عارف إنها هتفكر إنه علشان الأولاد." أذعنت غالية لطلبه وصعدت إليها، وجدتها نائمة. توجهت نحوها تضع يدها على جبينها لتجدها ساخنة ومتعرقة. هزتها قليلاً فوجدتها لم تتحرك، فصرخت إلى أن أتى هادي. "ملك، ملك ردي عليا، لا يا ملك لا مش ممكن تكوني في نفسك حاجة، ماما هي ملك مش بتاخد دواها؟ هاتيلي مياه بسرعة لو سمحتي."
حاول أن يسقيها الماء ولكن دون جدوى، فحملها وهبط بها إلى الأسفل، ومن ثم أودعها في السيارة وذهب بها إلى المشفي التي كانت بها. كاد قلبه أن يتوقف من قلقه عليها. أدخلها غرفة الاستقبال ليخرج الطبيب المعالج لها قائلاً: "أخبرتك كثيراً أن التقليل من شرب الماء سوف يؤدي إلى ضمور للكلى. أخبرتك أيضاً أن ممنوع إبعادها عن المشفي لأنه هناك محاليل لا بد أن تعلق." رد عليه هادي بإجهاد:
"حاولت قدر الإمكان أن أتابع حالتها بنفسي، ولكن يبدو أن معك كل الحق. سأبقيها هنا، ولكن سأضع حارسين على الباب، أنا لدي قلق من شيء ما." عقد الطبيب ما بين حاجبيه. "يبدو أن أمر إبقائها هنا به صعوبة. لدي شيء آخر علي أن أخبرك به، الدكتورة ملك الأمور النفسية لديها ليست على ما يرام، أرجو أن تتعامل بحذر وتتابع مع أخصائي نفسي."
دلف هادي إليها وجدها نائمة. ظل باقياً بجوارها طوال الليل، لم يهدأ له جفن إلا ويطمئن عليها. ومع نسمات الصباح الباكر بدأت تستعيد وعيها، وتنظُر إليه بعينيها لتجده حزيناً. "إنتي ليه عملتي في نفسك وفيّـا كده يا ملك؟ ليه تخليني أقسى عليكي؟ وإنتي عارفة إني بحبك، طب بلاش ده ليه تهملي في نفسك؟ بتعاقبيني؟ لم ترد عليه ليقترب منها وهو تتساقط دموعه قائلاً:
"لما تولدي أنا هسيب لكِ الخيار، أما نكمل سوا مع أولادنا وهو لازم يعرف إنهم أولادي مش أولاده، يا أما هطلقك وأبعد عنك، بس لو هتكملي انتقامك هاخد أولادي." كان يتحدث وهو يحترق من الداخل ولم يستطع التحكم في نفسه، لتجذبه ملك وتدخله في أحضانها في محاولة منها لإزالة حزنه، فهمست في أذنه: "إنت بتقول إيه يا هادي، أسيبك إزاي ولا أسيب عيالي، أنا ما صدقت إن ربنا عوضني بيك وبيهم، سامحني أول وآخر مرة، الشيطان لعب بـي."
كاد أن يخرج من أحضانها ولكنها تمسكت به جيداً وشددت من ضمها له. ويتحقق سريعاً
المثل الشعبي: "مرآة الحي عمياء". تجعله يفقد الاختيار بين قلبه وعقله، فالعشق يتحكم في الاثنين ويطغى بسحره وجاذبيته، خاصة في حالته. منذ رؤيته لها أول مرة في الجامعة التي انتدب لها، وقام بكافة المستحيلات لكي يبقى في هذه الجامعة فقط. صدفة جمعت بين مدرس وتلميذة. رأى أمامه فتاة أفقدته توازنه في لحظة، وفي نفسه اللحظة نظراتها جعلته يمتلك العالم أجمع من فرط سعادته أنه وجد أخيراً المواصفات التي يحلم بها. هو رجل يبحث عن الجمال
مثل غيره، فوجد بها خصلات ذهبية اللون ووجه مستدير وجسد ممشوق بقامة متوسطة وعيون بلون العسل المصفى، هكذا هو الجمال الذي تمناه. تمنى أيضاً الشخصية الجادة ووجدها بها، وعلم أن بها القدر الأجمل من النعومة، ولكن إن استخدمته ستستخدمه في الوقت المناسب والمكان المناسب. عشقها كان معادلة صعبة وازدادت تعقيداً بموضوع تؤامها. قرر في لحظة أن تكون له مهما كلفه ذلك. مهمة ترويضها الآن مجهدة للغاية وهو لم يعتد الفشل في حياته أبداً.
أسكنته في أحضانها قائلة: "أرجوك يا هادي بلاش تسيبني، أنا عمري ما أقدر أستغنى عنك، طول عمري بستنى لحظة ارتباطي بيك وحملي منك، سامحني على تهوري." وضع قبلة على جبينها. "نامي دلوقتي يا ملك، إنتي تعبتي اليومين اللي فاتوا، حقك عليا، بعد ما تفوقي هنقعد ونتكلم ونتعاتب ونتصالح، إحنا مالناش غير بعض وأولادنا."
تركها لتنام وذهب هو لعمله، ومن ثم عاد حاملاً كوباً من القهوة التي ما إن اشتمت رائحتها حتى فتحت عينيها على مصرعيها تود ارتشافها. "صحيتي أول ما شميتي ريحتها؟ أسف يا ملوكتي إنتي ممنوعة من الكوفي علشان الكلى والترسبات اللي عليها، ومتحاوليش تعيطي علشان شفطة." لوت ثغرها قائلة: "كنت كل يوم وأنا محبوسة بقوم وماما غالية بتصلي الفجر أعملها بسرعة وأشربها على شفطة واحدة، أه ما كنتش بستمتع بيها بس بتعدل دماغي." اقترب هادي منها.
"على فكرة ده اللي تعبك امبارح، مش موضوع قلة شرب مياه أو دوا مش في مواعيده، ولا نفسي زي ما الدكتور قاله، عموماً ده له حساب تاني." أخذ هادي يقرب من أنفها القهوة ويبعدها وهو يحدثها إلى أن هتفت: "طب مش إنت مش عايزني أشربها بتقربها مني ليه؟ على فكرة ده حرام وحد منهم هيطلع له وحمة قهوة، وأكيد حد منهم هيبقى عصبي." ابتسم بخبث. "إن كان على العصبي اللي هيبقى فيهم وماله، ما أنا متعود. يا ترى البنت ولا الولد؟
شكلها هتبقى البنت، يعني مش كفاية أمها، لأ وكمان ده أنا ربنا بيحبني أوي." زمت ملك شفتيها قائلة بسخرية: "للدرجة دي خايف لا تطلع البنت عصبية؟ مش أحسن ما تكون هادية يا هادي؟ صحيح إنت اسم على مسمى، الظاهر ماما غالية كانت ذات نظرة مستقبلية." انتهى من شرب قهوته ثم نحى الفنجال جانباً ليميل عليها يلمس على شعرها.
"كل حاجة منك حلوة يا ملك، خصوصاً أولادي اللي في بطنك، يا آه منتظر خروجهم بفارغ الصبر، حاسس إنهم هيبقوا حاجة قمر زيك كده." أمسكت بيده. "هادي، أنا هسيبك إنت تسمي الولد، أنا مليش في الصبيان، البنت دي بتاعتي بقى، نفسي تطلع شبه ملاك، عارفة إنه شبهي كمان، عايزة اسمها ملاك." جحظ هادي بعينيه. "نعععم! بتقولي إيه؟ الشبه ده حاجة من عند ربنا، بس ليه أمنيتك دي، وليه عايزة تسميها ملاك؟ إنتي لسه في نيتك تعملي مصيبة تاني؟
لا يا ملك." هزت ملك رأسها. "أنا آسفة يا هادي والله ما قصدي حاجة من اللي إنت بتقول عليها دي، أنا بس حابة أستعيد ذكرياتي مع ملاك واسمها، بس لو مش حابب براحتك." ابتسم لها ابتسامة خفيفة. "خلاص يا ملك، ما تعيطيش، أنا كمان مكنش قصدي بس موضوع الشبه والاسم استفزني شوية، أنا هروح أكمل شغلي، لو احتاجتي حاجة اتصلي عليا." جلست ملك على الفراش تتأكل من الغيظ من رفضه لاسم شقيقتها.
بعد خروجه من عندها هاتف الطبيب النفسي يستفسر منه عن كيفية التعامل معها في الفترة المقبلة، يسأله الطبيب عن حالتها الآن. أدبر على الإجابة ولكن عاد ليفلت لسانه بما حدث منذ لحظة إرسالها لصور أطفالهم وتحاشي أن يسرد رد فعله لأنه يعلم أنها خاطئة، ولكن ذكر بعضاً منها. إلا أن سقط لسانه برمته وقال كل شيء، وكان يمتلك الثبات الكامل وهو يقص ألمه للطبيب كأنه يريد أن يتعافى من تلك الذكرى، خاصة عندما طلبت تسمية ابنتهم على اسم شقيقتها المتوفاة. انتهى حديثه.
"أنا لسه خارج من عندها مقسوم نصين." التزم الطبيب الصمت فقط يريد الاستماع إليه، بينما بدأ هادي بالبوح بما يكنه، بادئاً من الظلم الذي على عاتقه منذ معرفة تلك العلاقة المظلمة بين سفيان وملاك. "نص بيقول لي إني لازم آخد حق أختها وأتغدى بيه قبل ما يتعشى بينا، والنص التاني مش قادر أنفذ كل اللي عايزة النص الأول، أنا أجهدت."
استمع الطبيب لكل شيء وأمره أن يبتعد عنها هذه الفترة حتى لا يكون مصدر سلبي عليها في أي مناقشة. بالفعل ابتعد عنها، كان يباشر حالتها من بعيد. كان يتابع حالتها طبيب مصري الجنسية ومستجد مما أثار قلق هادي. فذات يوم: "إنت دكتورة جميلة جداً، سمعت عن حضرتك أول ما جيت هنا، هتغيري رأيي في الدكاترة وهتخليني أرتبط بدكتورة بس تكون مصرية وحلوة." تعالت ضحكات ملك.
"يا سيدي، والله أنا أصحابي الدكاترة كتير، انزل إنت بس معانا وأنا هوفقك مع واحدة منهم وتاخدها وتطير، أهو أرتاح من قرهم على الوسيم بتاعي." هاتف والدته لتأتي. "أمي محتاجك الليلة دي معانا في المستشفى، هجهز لك أوضة جوه أوضة ملك، قلبي مش مطمن في دكتور جه جديد مصري ومتابع حالتها."
قلقت غالية هي الأخرى على ملك ولم تتردد لحظة، فذهبت إليهم على الفور. كانت ملك شاردة في حديث الطبيب المصري خاصة عندما أخبرها أنه كان بالجامعة معها وكان يكبرها بخمس سنوات ولكنها لا تعرفه. أفاقت على صوت غالية وهي تحضنها، فبكت ملك لأنها لا تراها ولا ترى هادي. وبينما هي تبكي لابتعاده عنها، دلف إليها.
"حمد الله على سلامتك، أنا قلت أسمع كلام الدكاترة وأبعد لأني مدلعك زيادة ومبترضيش تاخدي لا الدوا ولا المحاليل بتاعتك، سامحيني يا ملاكي." استدارت بوجهها إلى الجانب الآخر قائلة: "الله يسلمك، طبعاً إنت ما صدقت وعلى إيه بقى إحنا حتى في بيتنا كنت نايم في أوضة وأنا في أوضة زي ما يكون أجانب، أنا اشتقت لمصر." شرد في حديثها عن مصر وعلم جيداً مدى اشتياقها والسبب الطبيب المصري. اندهشت ملك من صمته ورفعت حاجبيها قائلة:
"على فكرة أنا بكلمك، وكمان مش همنعك تسمي أولادك زي ما إنت عايز، ده كان مجرد طلب، بس مش يخليك تبعد عني أسبوع بحاله، ما قلقتش عليا." نظر إليها بشوق قائلاً: "يعني مش زعلانة مني؟ عموماً أنا جاي أبشرك، هتباتي الليلة دي بس هنا وبكرة هيكتبوا لكِ على خروج وهنرجع بيتنا ومش هبقى في أوضة وإنتي في أوضة." اندهشت ملك وقفزت من فرحتها. "لا بتهزر!
أخيراً هسيب السرير والأوضة دي، ده أنا زهقت، دي ولا السجن، بس تعرف ربنا عالم بحالي، بعتولي دكتور مصري تلاقيك عارف." هز رأسه ليخبرها بمعرفته، بينما غالية كانت تنظر له بقلق فهي أيقنت الآن أن هذا الطبيب مصدر قلق وعليهم إبعاد ملك عنه. عادت ملك إلى منزلها وهادي لم يتركها لدرجة أنه صعد بها إلى غرفتها حاملاً لها، ومن ثم دلفا سوياً وأغلق الباب من خلفه قائلاً:
"كنتي بتقولي إننا شبه الأجانب وكل واحد منا في أوضة، أنا بقى من دلوقتي هفرجك شغل المصريين على أصوله، الحمد لله اطمنا على وضع الدكاترة." ارتبكت ملك في الحديث. "أخدت إذن البروفيسير الأول ولا لأ؟ وبعدين يا هادي ما إنت طول عمرك هادي، هتبقى مصدر إزعاج لأولادك على آخر كام شهر؟ ده إنت معملتهاش في الأول." تعالت ضحكات هادي قائلاً:
"طبعاً أخد إذن الدكاترة كلهم، وبعدين إنتي عبيطة يا دكتورة ما أنا دكتور وفاهم حالتك، الشهور الأولى دي استقرار، أما دلوقتي تسهيل وضع." أخذت تنظر إليه وتتأمل ضحكاته. "ها إيه تاني؟ تحبي أنزل آخد تصريح من الست الوالدة؟ ولا أنزل قصيدة في الجريدة الفرنسية؟ مشتاق وعندي لوعة اسمها ملك، هي مش ملك دي مجنونة." أوقفته ملك وهي تضحك.
"لا خلاص يا عم إنت هتعيط، مكنتش أعرف إنك مشتاق أوي كده، كنت بقولك في المستشفى كده بختبر بس، إنت لسه بتحبني ولا لأ، يالا تصبح على خير." جذبها من خصرها يهمس في أذنها. "ملك، أنا مش بهزر، إنتي مش مشتاقة ليا زي ما أنا مشتاق؟ وحشاااني جداً يا ملك، تعالي ننسى كل همومنا سوا، ونبقى ملك وهادي بس، كيان واحد." تعالت دقات قلبها.
"هااا، ولا أنا كمان كنت بهزر معاكي، أنا مشتاقة ليك زيك وأكتر كمان، وعايزة أنسى أنا مين أصلاً، بحبك يا هادي، صدق اللي سماك كده." قبلها بصدق. "وأنا كمان، بخاف لحد يحبك أكتر مني، بغير عليكي حتى من أختك اللي يرحمها، نفسي الحب اللي جواكي ليها يبقى ليا أنا وبس، ملك إنتي ملكي." بالرغم من قربه منها إلا أنها شعرت بالبعد، فالتصقت به. "بجد أنا ملكك؟
طب ولما أكون ملكك، تبعد عني لدرجة إني حسيت إني مهمشة، أنا كنت بتقطع وإنت بعيد، أنا عمري ما حبيت حد زي ما حبيتك." طوقها بذراعيه. "صدقيني غصبن عني، كده بتعب زي ما إنتي تعبانة، بس خايف أدخلك وأخسرك في لحظة نقاش، إحنا عاملين زي الميه والنار، نفسي أرضيكي." خرجت من بين أحضانه. "ترضيني! أكتر من كده؟ طب أقولك أنا إيه بقى، أنا بدأت أحس إني مصيبة وخميرة عكننة على دماغك، بحاول إني أسعدك بس إزاي مش عارفة."
اقترب من شفتيها وقبلها برقة. "عايزة تعرفي إزاي؟ كده أهو سهلة أهي، أنا عايز ملك الملاك البرئ اللي مش شايل في قلبه أي ذرة كره لحد حتى لو كان ظالم ليكي وأنا الباقي عليا." لم ترد عليه، خضوعها إليه كان بمثابة الرد المحبب لديه. حملها بين ذراعيه وأودعها في فراشهم ومال عليها لينهل من بحرها قطرة تروي ظماء فراقهم. أروع ما في حبنا أنه ليس له عقل ولا منطق، أجمل ما في حبنا أنه يمشي على الماء ولا يغرق. -نزار قباني
-هذا هو حب الشاعر والذي يتماشى مع حب هادي لملك، ولكن ماذا عن ملك؟ آخر شهر بالحمل، كانت تنتظر هذا الشهر بفارغ الصبر لأنه بداية حلاوة حياتها معه، دائماً الحياة تحلو معه فهو متفرغ لها تماماً، ينتظر وقت خروج أطفاله إلى الحياة. رغم أنها تمنت أن يأتي هذا اليوم وشقيقتها معها حتى تتمتع بصحبتها والقيام بتربية الأطفال سوياً، ولكنها كان حلماً فقط، فالأمر اختلف الآن.
كانت تجلس أمامها غالية تراقب هادي الذي قام بترتيب غرفة أطفاله، ويريد تحديد موعد ولادتهم، والطبيب يماطل كالعادة يريد استقرار وضعها الصحي أولاً، وكالعادة هو غاضب من شرودها المتكرر، يعتبره مبالغة منها في الانشغال عنه. أما عنها فهي ما زالت ضائعة بين قلبها وعقلها، ولا تعرف أيهما ترضي. تبادلت مع غالية النظرات الحنونة لتمطر السماء فجأة وتتذكر نصفها الآخر وهي تركض عند هطول الأمطار حتى تغسل قلبها من الهموم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!