وضعت صفية يدها على فمها من الصدمة وكأن الزمن توقف. ودت لو أنها لم تصعد ولم تسمع. شعرت أن الدم هرب من جسدها وأصبح وجهها شاحبًا كالموتى، جسدًا بلا روح. هبطت دموعها بصمت وهي تسمع زوجها وهو يتحدث بعصبية شديدة: "بقولك إيه، أنتِ لازم تتصرفي وتنزلي الحمل ده. أنا مليش صالح بيه. ولو عملتي اللي بتجولى عليه وجيتي أنا هنكر إن العيل ده ولدي وإني أعرفك من أساسه. واعية ولا لأ؟ اسمعي أنا مبهددش. اعملي اللي يريحك." صمت قليلاً وهو
يسمعها ثم رد عليها بهدوء: "أنتِ مفكرة إنك لما تبكي أنا هقولك حاضر؟ هتجوزك؟ لأ. مش جمال الغرباوي اللي يتلوي دراعه. وإياكي تتصلي تاني عليا." ثم أغلق الخط في وجهها. زفر بضيق وهو يضغط على رأسه بيديه. شعرت أنها لن تقدر على مواجهته. نعم لن تفعل، لن تستطيع. بمجرد أن تراه سوف تنهار. وجدت نفسها تنسحب من الغرفة بهدوء خارجي، ولكن بداخلها بركان ثائر.
فهي كالقنبلة الموقوتة في انتظار ضغطة أخرى وستنفجر، ولن تخمد إلا إذا أبادت من حولها جميعًا. طرقت عزيزة على باب غرفة زينب ففتحت لها زينب الباب واتصدمت حين رأتها ونظرت لها بتوتر. فبدأت عزيزة الحديث: "ممكن أقعد معاكي نتحدت؟ حركت زينب رأسها بإيجاب ونالت: "طبعًا اتفضلي." فدخلت عزيزة وجلسوا بمقابل بعضهم. فبدأت عزيزة الحديث:
"الأول أنا عايزة أقولك إنك اهنه في دارك يابتي، يعني انتي مش ضيفة. أوعاكي تحسي نفسك كده. ويعلم ربنا أنا حبيتك كيف ولادي وحسيت فيكي بتي مش مرت ولدي." لا تعلم لما التمست في كلامها وانفتح قلبها لها هكذا. فهل صعدت لها وهي كبيرة هذا المنزل فقط لترحب بها وتخبرها أنها ليست بضيفة وأنما صاحبة مكان؟ نظرت لعزيزة باستغراب. قرأته عزيزة في عينيها فابتسمت بطيبة وتحدثت:
"عارفة إنك مستغربة إني جيتلك لحد أوضتك عشان أقولك الكلام ده. بس لو تعرفي انتي صعبتي عليا كيف أما عرفت حكايتك هتعذريني." فهمت زينب ما تقصده عزيزة وأنها تتحدث بخصوص فقدانها الذاكرة، ولكنها لم تعلق خوفًا ألا ينكشف سرها. فردت على عزيزة بابتسامة: "شرف ليا إن حضرتك تطلعيلي لحد هنا يا ماما، لو تسمحيلي طبعًا إني أقولك يا ماما."
"طبعًا يابتي، عشان أنا أبقى أمك فعلاً. ياريت كمان تجربين من غرام وصفية دول مرتات أخوات أدهم، بس هتحبيهم أنا متأكدة. هما زيك كده يدخلوا الجلب من أول مرة." وقامت عزيزة وتوجهت ناحية الباب وهيا تتحدث: "هسيبك بقى تريحي. أنا جلت بس لازم أتحدت معاكي عشان متحسيش إنك غريبة اهنه." حركت زينب رأسها بود واستغراب وتحدثت بمجاملة: "أشكرك يا ماما على طلوعك هنا مخصوص ليا. وباذن الله هنزلك الصبح عشان أقعد معاكي ونتكلم كتير."
وأغلقت الباب ووقفت وراءه وهيا لا تعلم لم كل شيء يسير عكس ما توقعت. هل هؤلاء الناس فعلًا هكذا أم هذه أقنعة يرتدونها ليخفوا وجههم الحقيقي؟ جلست على الأرض بحيرة وهي تتذكر. فلاش باك "بقولك يا ماما طلعنا ظالمينه. أيوه، بابا ماسبناش بمزاجه، كان غصب عنه. شفتي أنا كان قلبي حاسس." نظرت زينب لأمها باستغراب فهي تجلس قبالها وعلى وجهها ابتسامة سخرية. فتحدثت زينب بضيق: "هو أنتِ مش بتردي عليا ليه؟ أنتِ مش مصدقاني؟ ردت
أمها وهي تضحك باستهزاء: "ضحك عليكي يا بنت بطني. هه. عشان كده مكنتش عايزة أني أشوفه ولا تعرفي إنه عايش أصلًا. وكنت عارفة إنه هيضحك عليكي وياكل عقلك. يا خيبة أملي فيكي يا زينب. يا خيبة أملي." قالت هذا وهيا تخبط بيدها على ركبتيها. زينب بفتور:
"يا ماما أنتِ عشان زعلانة منه بس مش عايزة تتقبلي الحقيقة. بس هو حكالي كل حاجة وقالي إن عيلة الغرباوي هما السبب. هما اللي خلوه يسيبنا ويتجوز الست دي عشان ياخدوا ورث بنتهم. هما اللي حرمونا منه يا ماما. صدقيني. بس أنا مش هسكت وهجيب حقه وحق السنين اللي حرمونا منه فيها." ردت أمها بصراخ: "بس اخرسي. مش عايزة أسمع صوتك. بقيتي بتتكلمي زيه من يوم واحد قعدتيه معاه. بقيتي شبهه. هو ده اللي ربيتك عليه؟
هه. أبوكي ده زي الحرباية بيتلون بـ ميت لون. أنا كنت عارفة حقيقته بس كنت ساكتة. غلب وأقول ضل راجل ولا ضل حيطة. بس كنت غبية. المفروض كنت فكرت ألف مرة وماكنتش اتجوزت واحد زي ده. واهي النتيجة إيه؟ سابني لوحدي ورماني وأنا حامل. وبرضه اتمرمطت عشان أعرف أربيكي وأكبرك. وفي الآخر تروحي له وعايزة تمشي في طريقه." مسحت أمها دموعها وتكلمت بأمر:
"اسمعي. لو مشيتي في الطريق ده وطاوعتي جابر في اللي عايز يعمله. لا انتي بنتي ولا أعرفك. فاهمة؟ عودة من الفلاش باك مسحت زينب دموعها بأيديها وهي في حرب بين قلبها وعقلها. فكل منهم يريدها أن تفعل شيئًا عكس الآخر. ولا تعلم تصدق من وتكذب من. في صباح ثاني يوم، خبط أنس على باب والدته ففتحت له نورهان الباب. فتحدث لها بمرح: "إيه لسه معتقلة ومتاخدة أسيرة حرب؟ نورهان بتكشيرة:
"اسكت بقى أحسن أمك مطلعاه عليا. وشوية كمان وهتاخدني برة البيت لحد ما حماتك تمشي." ضحك أنس على شكلها هكذا وتحدث: "طب واللي يفك أسرك تعمليله إيه؟ "أي حاجة تطلبها. بس والنبي خدني من هنا. أنا خلاص على آخري. وهيا مش مقتنعة إن خلاص كل حاجة خلصت." "خلاص. خشي قولي لها أنس بره وعايزك ضروري." "حاضر. ربنا يستر." وبالفعل دخلت نورهان وبعد قليل خرجوا الاثنان هيا ووالدتها. فتحدثت فاتن بجمود: "لسه فاكر إن ليك أم." اقترب منها
أنس بمرح وهو يقبل يدها: "وأنا أقدر على زعلك برضه يا فيفي. ده انتي حبيبتي." ابتسمت فاتن رغما عنها. فرغم كل شيء إلا أن أنس الوحيد القادر على جعلها تضحك رغما عنها. ابتسمت بحنان وتحدثت: "يلا يا بكاش. كلت عقلي أنت كده. ماشي." "بقولك يا ست الكل، طبعًا أنتِ عارفة إن عندي ضيوف ومش هينفع أسيبهم وأمشي، وبرضه مش هينفع أسيب الصيدلية كده. فهاخد نورهان منك النهارده تقف مكاني هناك. إيه رأيك عشان الصيدلية متتقفلش؟
فكرت أمه قليلاً مما جعل أنس ونورهان ينظرون لبعض بتوتر. وفاتن شعرت أنها فكرة جيدة سوف تبعدها عن كامل نهائي. فردت مؤيدة رأي أنس: "تصدقي فعلًا دي أحسن حاجة يا حبيبي." ووجهت حديثها لنورهان: "روحي بسرعة للصيدلية بتاعة أخوكي واقفي مكانه." نظرت نورهان لأنس بفرحة وتحدثت وهي تقفز من مكانها: "يا سلام، فوريرة." وتركتهم ودخلت لتجهز. وبالفعل جهزت وخرجت مع أخيها. وفور أن أغلقوا باب الشقة حتى تنهد أنس بارتياح وتحدث لنورهان:
"الحمد لله. يلا قبل ما تغير رأيها." وكانت نورهان ستهبط الدرج نزولًا حتى قاطعها أنس: "أنتِ رايحة فين؟ ردت نورهان بعفوية: "إيه؟ هروح الصيدلية زي ما اتفقنا." "لأ لأ. ده بس كانت حجة عشان ماما تسيبك تخرجي. يلا تعالي هنطلع فوق لفاطمة. دي كانت فكرتها أصلًا وهيا عايزة تقعد معاكي تغيري جو بدل حبستك دي." فرحت نورهان بداخلها لأنها سترى كامل. فلم تتخيل أنها ستراه مجددًا. حتى لو من بعيد. فحركت رأسها بإيجاب و صعدت مع أخاها لشقته.
صباح الفل والسعادة عليكي يا جمر. قالها صقر وهو يجلس على السرير بجانب غرام. ردت غرام بنعاس: "صباح الخير يا حبيبي. أنت صحيت بدري ليه؟ "بجي حد يبجي نايم جمبه الجمر ده ويفضل نايم؟ لأ. أنا جولت الحج أجعد معاكي اليوم من أوله. إيه رأيك؟ شعرت بالسعادة عند سماعها حديثه، ولكن بداخلها متوجسة منه. تتخيل ردة فعله حين يعلم بأمر ذلك المدعو مصيلحي. فهي ترى أن الأحسن أن تخبره هيا خير من أن يعرف هو وحينها لن يغفر لها. انتبهت عليه وهو
يشاور أمام وجهها ويقول: "غرامي، روحت فين كده؟ لحالي؟ طيب شاركيني معاكي." نظرت له بتوتر وحاولت تغيير مجرى الحديث فتحدثت له بحب: "بص، أنا هقوم آخد شاور وبعدين هنزل أجيب الفطار ونفطر سوا هنا. إيه رأيك؟ بقالنا كتير مفطرناش سوا لوحدينا." "طبع قبلة على خديها وهو يتحدث بهيام: "أي حاجة معاكي بيبقى ليها طعم تاني، حتى لو هنفطروا في السطوح." ابتسمت برقة وتركته وذهبت لتأخذ شاور.
وبعد مدة قصيرة خرجت من الحمام وهي تجفف شعرها الطويل بالمنشفة. وجدت صقر يجلس على السرير وهو يخفض رأسه لأسفل. تحدثت بقلق وهيا تقترب منه: "صقر، أنت كويس؟ ولكن اتفاجأت به يرفع وجهه لها ويقوم من مكانه وهو يرفع الحجاب أمام عينيها يسألها بهدوء ما قبل العاصفة: "إيه ده يا غرام؟ أفاق جمال من النوم ولكنه وجد مكان صفية خالي. ومن الواضح أنها لم تنم بجواره أمس. استغرب هذا وقام جهز نفسه للخروج وأخذ مفاتيحه وموبايله وخرج من غرفته.
لكنه تفاجأ بها تخرج من غرفة أطفاله. شعر أن هناك خطب ما واقترب منها بلهفة. أما صفية فلم تستطع أن تتواجد بنفس المكان الذي يتواجد به. فهي لم تنم من الأساس. ظلت طوال الليل تفكر بسبب واحد يجعله يفعل بها ذلك. فأصعب شيء تتحمله أي امرأة هو أن يخونها زوجها، أن يفضل عليها امرأة أخرى. نظرت له مطولاً وكأنها تعاتبه بعينيها. تسأله ماذا فعلت له ليطعنها هكذا؟ هل ذنبها أنها تغيرت للأحسن؟ هل هذا جزاؤها؟ بالطبع لا.
هل قرر يعاقبها بهذه الطريقة؟ ولكن ما أبشعها طريقة. انتبهت على صوته يحدثها ولكنها كانت بعالم آخر. وأخيرًا نطقت ولكن بكلمة واحدة فقط.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!