كانت تسمعه صفية بقلب مفطور لا تدري ماذا تفعل. نعم هي تصدقه، ولكن ليس بيدها شيء. فهي لن تنسى فعله أبدًا، وسترى خيانته لها كلما نظرت في عينيه. تعلم أنها في السابق كانت سيئة وفعلت كل شيء خاطئ، وتمنت لو فقط يسامحها ويعطي لها فرصة مرة أخرى. والآن حان الوقت لترد له ما فعله لأجلها، أن تعطيه نفس الفرصة. ولكن كيف؟
فهي بداخلها نار تشتعل كلما تخيلته وهو في أحضان امرأة أخرى غيرها. كانت رأسها ستنفجر من كثرة التفكير، مشتتة. تمنت لو أنها تستطيع أن تمحي ما حدث، لو أنها لم تصعد وتسمع تلك المحادثة. عادت بذاكرتها للوراء حين أخبرها جمال بزواجه وكيف كان حالها، كيف لامت نفسها بأنها السبب وأنه يستحق امرأة غيرها. وزواجه عليها اعتبرته عقابًا لها على ما فعلته. فلم تكن تعلم أن هذا العقاب أرحم لها من هذا الشعور الذي يراودها الآن.
فاقت من شرودها على صوته الحزين. "صفية، انتي سامعاني؟ صفية ردي عليا. جولي انك مسامحاني. جولي انك مصدجاني." نظرت له بتوهان، ثم قامت وتحدثت بصوت هادئ يشوبه الحزن: "كل اللي جولته أنا مصدجاك فيه." نظر لها بلمعة أمل ظهرت في عيونه وشبح ابتسامة على ثغره، ولكنها أحبطته وقتلت بصيص الأمل حين أكملت حديثها: "بس للأسف مش هقدر أسامحك يا جمال."
وأكملت بكسرة: "غصب عني صدقني، وبرضه قلبي مش مطاوعني إني أشتت عيالي وأحرمهم من إنهم يعيشوا وهما مرتاحين بين أبوهم وأمهم. ويمكن أنت مفكرتش فيهم يوم ما طلقتني، وهو ده الفرج اللي بيناتنا. إني أم وأفكر في عيالي قبل ما أفكر في نفسي وكرامتي." نظرت له بدموع حسرة وتحدثت بصوت
مهزوز مكسور خائرة القوى: "اتزوجها يا جمال. اتزوجها عشان العيل الصغير ده ملوش ذنب يتولد من غير ما يتنسب لأبوه. بس اسمعني زين يا واد عمي، أوعاك تفكر إني كده ضعيفة. لأ، أنا بت الحج عرفة من كبرات عيلة الغرباوي. يعني لو عايزة أطلق منك وأعيش مع ولادي معززة مكرمة هعمل كده. بس زي ما جولتلك، أنا مش أنانية ولا يمكن هرضى كرامتي على حساب عيالي. بس من هنا ورايح كل واحد منا في طريقه، واعتبرنا مطلقين. وأنا هنام مع عيالي في أوضتهم. موافق على كلامي ولا لأ؟
حرك رأسه بإيجاب وعاد له الأمل من جديد. نعم قلبه تألم لأنها لم تغفر له، ولكن لا يهم طالما ما زالت على اسمه، فهناك أمل أنها قد تغفر له خطأه يومًا ما وتعطيه فرصة أخرى. اقترب منها وهو يتحدث بابتسامة: "موافق يا صفية. أهم حاجة إنك تفضلي جاري ومتحرمينيش منك، وتتعاقبيني ببعدك عني." نظرت له صفية بجمود ولا مبالاة، ثم تركته وغادرت الغرفة بقلب جريـح مكسور. ... في عصر اليوم التالي.
ظلت زينب بغرفتها تجلس على سريرها. منذ أمس وهي مستيقظة تفكر وتفكر وعقلها مشتت. لا تعلم ماذا تفعل بعد أن استوعبت كل شيء. خداع والدها لها وكذبه عليها واستخدامه لها كطعم ليصطاد به عائلة الغرباوي. لا تعلم هل تتحدث لأدهم وتخبره بما حدث وأن جابر هو والدها؟
ولكن انقبض قلبها لتلك الفكرة. فأدهم لن يرحمها ولن يغفر لها أبدًا، وهي لا تريد ذلك. فقد صارحت نفسها بأنها تحبه، لا بل تعشقه. نعم تعلم أخيرًا أنها هي من وقعت في مصيدتها. فهي من خططت وتعمدت الاقتراب منه وجعله يعشقها ويتعلق بها، ثم يأتي بها لهنا وتبدأ أن تسقطهم واحدًا وراء الثاني وتدمر عائلة الغرباوي بأكملها. ولكن الآن ماذا تفعل بعد أن اكتشفت الحقيقة؟
فهؤلاء الناس ليس مثلما كانت تعرف. فهي لم تر منهم سوى خير. يكفي كلام عثمان عنها وهو لم يكن يعرفها، وأيضًا عزيزة. لا، فهم لا يستحقون منها أن تفعل بهم ذاك. قاطع أفكارها طرق على باب غرفتها، فقامت وفتحت الباب لتجد أدهم أمامها. شعرت بالتوتر ونظرت له بخجل يغلفه ندم. "كيفك يا زينب؟ انتي زينة؟ "أنا كويسة يا أدهم. انت كنت جاي في حاجة؟
"لأ، أمي جالتلي إنهاردة إنك تعبتي امبارح وطلعتي، ومن ساعتها منزلتيش. فخوفت تكوني لسة تعبانة أو فيكي حاجة." ثم أكمل بلهفة: "لو لسة تعبانة أبعت أشيعلك الحكيمة بسرعة." شعرت بدقات قلبها تعلو واحمرار وجنتيها خجلًا لما رأته من لهفة وقلق عليها ظاهر في صوته. ولكن أيضًا ما فعله جعل إحساس الندم يغمرها أكثر من ذي قبل. فتحدثت بصوت رقيق به بعض حزن: "لأ، أنا كويسة متقلقش. أنا بس اتاخرت في النوم شوية وكنت شوية وهنزل."
اطمأن قلبه عليها وهدأ قليلًا، ثم تحدث بابتسامة: "الحمد لله. خلاص هستناكي تحت." وتركها وذهب. فاغلقت الباب ووقفت وراءه وهي تلعن نفسها لاستمرارها في هذه الكذبة وعدم شجاعتها للاعتراف له بكل شيء عندما أتيحت لها الفرصة. ... كانت غرام في الحمام وصقر ينتظرها بالخارج وهو قلق للغاية. فتحت الباب أخيرًا لتخرج بوجه أصفر وهي تضع يدها على معدتها واليد الأخرى على فمها. اقترب منها صقر بلهفة وهو يسندها ويتحدث بقلق بالغ.
"لأ كده مينفعش. أنا هبعت أشيع للحكيمة تيجي تشوفك. انتي من امبارح وانتي تعبانة كده." جلست غرام على سريرها وتحدثت بوهن لتطمئنه: "صدقني يا حبيبي مش مستاهلة. أنا شكلي أخدت برد في معدتي ولا حاجة. أنا هخلي بدور تعملي حاجة سخنة أشربها وهبقى كويسة. متقلقش." "طب وليه ما الحكيمة تطمنا يعني؟ مش خسرانين حاجة." "يووووه يا صقر متتعبش قلبي وبطل عند بقى. قولتلك هبقى كويسة. أنا بس عايزالك تفضل جنبي، ممكن؟
جلس صقر بجانبها وهو يأخذها بأحضانـه ويمسح على شعرها بحنان ويتحدث برقة لا تخرج إلا لغرامـه فقط: "ده انتي تؤمريني يا جلبي. وبعدين هو أنا أقدر أسيبك وانتي كده وأروح في حتة؟ مجدرش، وجلبي ميطاوعنيش إني أفارقك أصلًا." تحدثت غرام بعشق وهي ترفع رأسها له: "ربنا يخليك ليا يا صقري." ...
كانت تجلس فاطمة مع أمها وأخيهـا، فهي آخر ليلة لهم معها، ثم سيعود كل منهم للصعيد. دخل عليهم أنس ومعه والدته فاتن وأخته، فهو ظل لأكثر من ساعة يقنعها أن تصعد لترحب بضيوفه، فهي منذ أن جاءوا لم تصعد لهم أو حتى دعتهم إلى بيتها.
دخلت وألقت السلام عليهم ببرود، ثم جلست ولم تتفوه بكلمة. أما نورهان فلم تلاحظ نظرات كامل لها، فعقلها مشغول بالخوف من تصرفات أمها التي تعلمها جيدًا، وكانت تدعي بسرها أن تمر هذه المقابلة على خير. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. فقد لاحظت أمها نظرات كامل لابنتها، فتحدثت على الفور وهي توجه حديثها للسيدة: "مش تباركي لفاطمة يا ست سيدة؟
استغربوا جميعًا بمن فيهم نورهان التي شعرت بانقباض قلبها وابتلعت ريقها بتوتر ونظرت لفاطمة بخوف. أجابت سيدة باستغراب: "الف مبروك يا أم أنس، بس على إيه؟ تحدثت فاتن بابتسامة باردة: "أصل معتز ابن أخويا اتقدم لنورهان وهي وافقت، وإن شاء الله هنقرأ الفاتحة يوم الخميس الجاي." وأكملت بسخرية: "عقبال ابنك لما تفرحي بيه."
اتصدموا جميعًا بلا استثناء، بما فيهم أنس الذي لا يعلم عن ماذا تتحدث والدته، وكامل الذي نظر لنورهان لعلها تفسر له ما حدث وتكذب والدتها وتطفئ النيران التي اشتعلت بداخله، فهي كفيلة بأن تحرقهم جميعًا. قابلت نورهان نظراته بأخرى مصدومة، فهي لا تعلم أي شيء من هذا وتعلم أن أمها تكذب، ولكن ماذا تفعل؟ هل تكذبها أمامهم؟ كل ما فعلته هو أن نظرت لكامل وتحدثت بعينيها وكأنها تخبره أن لا يصدق ما تتفوه به أمها.
"فكيف أيها الغبي وهي بالأمس اعترفت لك بأنها تريدك؟ أرجوك يا كامل لا تفعل بي ذلك، لا تترك يدي بعد وعدك لي بأنك لن تتخلى عني وستحارب لأجلي." مسحت دمعة هربت من عينيها وتركتهم وكانت ستخرج بخيبة أمل، ولكن استوقفها صوته كأنه طوق نجاة أعاد الأمل لها من جديد. والتفتت لتراه وهو يقوم من مكانه ويوجه حديثه لأمها ببعض الحدة: "إزاي وأنا جاري فتحتها امبارح مع أخوها وراجلها يا حجة فاتن؟ واتفقنا كمان على كل حاجة."
نظرت نورهان بصدمة لكامل وهي بداخلها لا تعي ما قاله توا! هل قال هذا حقًا؟ نظرت لفاطمة لعلها تطمئنها، وبالفعل حركت فاطمة رأسها بابتسامة كأنها تقول لها صدقي ما يقوله، فسوف تكونين له. ابتسمت نورهان وهي تضع يدها على فمها وبعينيها دموع فرحة. ولكن قاطع فرحتها صوت أمها العالي والمتوقع بعد هذا الخبر. فلم تجب على كامل، قامت بغضب ونظرت لأنس ووجهت حديثها له: "الكلام ده صحيح يا أنس؟ أنت قريت فاتحة اختك مع كامل؟
ده رد عليا، فهمني." أخذ أنس نفسًا عميقًا ثم زفر بضيق وأجاب أمه: "أيوة يا ماما حصل. كامل طلب إيد نورهان مني امبارح وأنا وافقت لأنه إنسان كويس وأنا عارف إنه هيصون أختي وهيحافظ عليها، وقرينا الفاتحة وإن شاء الله هنعمل كتب كتاب على طول والدخلة كمان كام شهر." هدرت به أمه بغضب وهي تتحدث: "وأنا ماليش لازمة مش كده؟ خلاص موتني وأنا على وش الدنيا صح يا أنس؟
"يا ماما متقوليش كده، حضرتك الخير والبركة. وبعدين أنا لو شايف إنه إنسان وحش مكنتش وافقت أصلًا. انتي مكبرة الموضوع والله." قاطعته هيا بصوت عالي: "على جثتي يا أنس لو الجوازة دي كملت. واعرف إن لو جوزت اختك ليه، لا انت ولا هي ولادي ولا هعرفكم وهفضل غضبانة عليكم لحد ما أموت." ثم وجهت
نظرها لنورهان وتحدثت لها: "وإنتي من النهارده مشفش وشك، فاهمة." وتركتهم وخرجت من الشقة وانهارت نورهان على الكرسي تبكي بنحيب، وفاطمة بجانبها تحاول تهدئتها. أما كامل فكان ينظر لنورهان وقلبه ينفطر لرؤيتها هكذا. تمنى لو يستطيع أن يأخذها بأحضانـه يطمئنها ويخبرها أن كل شيء سوف يصبح على ما يرام وأن دموعها غالية بالنسبة له.
حاول أنس تهدئة نفسه، فهو علم أن هذا سيحدث ولكن ليس بهذه السرعة. فحديث والدته عن خطوبة أخته هو من عجل بالأمر، فكان لابد لها أن تعرف. جلس أنس بجوار أخته وأخذها بأحضانـه وهو يطمئنها بأن والدتهم ستكون بخير، هي فقط تحتاج للوقت ليس إلا. وقاطعه كامل وهو يتحدث بإصرار: "لو سمحت يا أنس، أنا عايز أكتب كتابي على نورهان الليلة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!