استغرب الجميع من دخول تلك السيدة. ذهبت إليها عزيزة بترحاب: -أهلاً وسهلاً يا حبيبتي، تفضلي. دخلت أم زينب وكانت متوترة جداً، ونظرها موجه لابنتها التي تترجاها بعينيها أن لا تتحدث وتخبرهم بشيء. قطع نظراتهم حديث عزيزة الموجه لأم زينب: -خير، في حاجة يا حبيبتي نقدر نعملها لكِ؟ أجابها عثمان وهو يحرك عصاه ويضعها بجانبه: -عيب يا عزيزة، ضيفيها الأول وبعدين شوفي طلباتها.
نظرت أم زينب لابنتها وكأنها تخبرها أن هؤلاء الناس لا يستحقون منها أن تخدعهم أو تفعل بهم ذلك. فوجهت حديثها لعثمان: -متشكرة قوي يا عمدة، أنتم أهل كرم والله، بس أنا جاية عشان حاجة معينة وهمشي على طول. عثمان بـ اهتمام تحدث: -شرفتي بلدنا يا حاجة، قولي نقدر نخدمكِ كيف؟ نظرت لهم جميعاً ثم تحدثت بثقة: -أنا جاية آخد بنتي زينب. وشارت على زينب. اتصدم الجميع، بمن فيهم أدهم الذي راودته الشكوك أكثر.
ونظر لزينب التي توترت ولم تعرف ماذا تفعل، سوى أن تنظر لأمها وتتحدث بتلعثم: -أنتي تعرفيني بجد؟ يعني أنا أبقى بنتك؟ ثم نظرت لأمها بترجي لكي لا تفضحها أمامهم. تنهدت أمها وتحدثت لكي تنقذ ابنتها من هذا الموقف، فهي في الأساس جاءت لكي تأخذها وترحل عن هذه العائلة وتمنعها من تنفيذ خطة جابر وتحميها منه: -أيوه، أنا دورت في كل الأقسام والمستشفيات لحد ما في مستشفى عرفوا أوصافك وقالوا لي إنك خرجتي مع أدهم بيه، وجيت عشان آخدك.
تنهدت زينب براحة، فهي كانت تعلم أن أمها لن تؤذيها أبداً. ولكن مهلاً، كيف علمت أمها بخطتها؟ كل هذا جاء في خاطرها. وقطع تفكيرها صوت عزيزة: -الحمد لله يا بتي إن أمكِ عطرت فيكِ، ألف بركة. ثم وجهت حديثها لأم زينب: -أنتم بقى لازم تقعدوا معانا يومين نضيفوكي وبعدين تمشي. ابتسمت بود وأكملت حديثها: -مفيش مرواح النهاردة، أنا قلت أهو بقى وهشوف ليا غلاوة عندكِ ولا لأ.
ابتسمت أم زينب بود ولم يكن أمامها سوى الموافقة بعد حديث تلك السيدة الكريمة. ونظرت لزينب بتوتر، وكل هذا تحت أنظار أدهم الذي يشعر أن هناك أمرًا ما يحدث. *** -تو ما افتكرت إن ليك أم يا أنس؟ قالت لها فاتن وهي تعطي ظهرها لابنها بعد ما فتحت له الباب. دخل أنس وأغلق الباب خلفه وتحدث إليها بحزن: -ما أنا ياما كنت بخبط عليكي يا أمي، ما كنتيش بترضي تفتحي لي، ومع ذلك ما كنتش بيأس برضه، كنت بخبط كل يوم وأنا جاي من الشغل.
-ما خلاص، بنت سيدة نستك أمك، وشوية كمان وهترميني في دار رعاية. نظر أنس لها بحزن وأجابها بحنان لعل يرق قلبها له: -طيب بزمتك مش واحشك لمتنا حواليكي كده أنا والبت نورهان؟ نظرت له فاتن وحن قلبها لوهلة، ولكن تمالكت نفسها وهي تتحدث بعناد: -لأ يا أنس، أنت مفكر إنك بتلوي دراعي أنا وأختك وإني هضعف وأوافق على جوازتها من الواد ده، بس ده مش هيحصل. وخليها بقى قاعدة جمبكم وخلي مراتك تملي دماغها بالكلام أكتر. أنس بعد ما فاض
به الكيل تحدث بحدة بسيطة: -لو سمحتي يا أمي، بطلي بقى كلامك ده. ثم هيا اللي هتعيش مش انتي، وأنا لو شايف إن كامل وحش كنت أول واحد اعترضت عليه، انتي إزاي قاسية كده؟ قلبك ده إيه؟ أنا بحاول على قد ما أقدر أرضيكي، بس خلاص تعبت، وأنتي ما فيش حاجة بترضيكي، أعمل إيه تاني؟ نظرت له فاتن بصدمة من حديث ابنها، فهي لم تتوقع أن يجرحها هكذا بالكلام. ولكن قد فاض به الكيل ولم يستطع أن يتمالك نفسه أكثر من هذا، فردت عليه بصدمة:
-أنا يا أنس بقي كل ده وقاسية كمان؟ ماشي، بس برضه أنا مش موافقة على جوازك ولا جواز أختك الشؤم دي. واسمع بقى، يانا يا مراتك، وجواز أختك دي، فهمت؟ أنس نظر لأمه بيأس وتحدث بحزن عميق وقلة حيلة: -أنا آسف يا أمي، لو انتي على حق كنت وافقتك، لكن أنا مشفتش من مراتي حاجة وحشة، ولا هطفي سعادة أختي بإيدي.
أنا حاولت معاكي لآخر مرة، بس خلاص أنا تعبت وبقيت في ضغط نفسي وده مؤثر على حياتي، وأنتي حتى مش شايفة ده ومش شاغلك إن ابنك يكون تعبان أو حتى سعادته مع مين. كل اللي همك، انتي عايزة إيه؟ أنا آسف يا أمي، بس أنا خلاص مضيت عقد شقة برة وهاخد أختي ومراتي وهمشي عشان انتي ترتاحي مننا خالص، وأتمنى تكوني ساعتها مبسوطة. ثم تركها وغادر وأغلق الباب خلفه. ظلت ثابتة فترة وهي تستوعب حديث ابنها، فعقلها أصبح مشوشًا.
فقط يردد كل كلمة قالها أنس. وسألت نفسها سؤال واحد، نعم سؤال واحد فقط يتردد على خاطرها: هل فعلاً خربت حياة ابنها وابنتها؟ هل مثل ما قال أنس أنها لا تفكر سوى بنفسها، ولا يهمها سعادة ابنها أو نتيجة الضغط عليه؟ ستكون ماذا؟ للحظة تخيلت أن ابنها وزوجته أمامها وابنتها أيضًا وهم سعداء، كيف سيكون حالها إذا؟ وما الذي يستحق كل هذا العناء؟ فإذا ترك ابنها زوجته وابنتها نورهان أيضًا حين تترك كامل، هل ستكون سعيدة؟
وكل واحد منهم تعيس وحياته مشتتة. وتذكرت حديث أنس بأنه سيأخذهم ويرحل. ماذا؟ هل ستكون لوحدها وحيدة بهذا البيت؟ نعم يا فاتن، فإنك تحصدين نتيجة أفعالك، والآن حان وقت عقابك وهو أن تظلي وحيدة هكذا للأبد. فهذا العقاب سيقت*لك بالبطيء. أمسكت رأسها بتوهان ووجع، ثم شعرت بتنميل في جسدها بأكمله، ثم وقعت مغشيًا عليها. *** كانت صفية في غرفتها، فهي قررت أن تظل بالبيت بحجة أولادها، ولكن في قلبها تعلم السبب الحقيقي لبقائها.
نعم، فكل هذا حدث بسببها وبسبب ماضيها الذي كانت ستحاسب جمال عليه. كانت شاردة ولم تشعر بدخول جمال الذي سعد لأنها ستبقى ولن تتركه. شعرت صفية به يمسك يدها، انتفضت من مكانها عندما رأته بجانبها ونزعت يدها من يده. ولكنه تشبث بها ونظر لها برجاء وتحدث: -صفية، خلاص بقى، خلينا نفتح صفحة جديدة ونقفل على القديم وما نفتحوش تاني أصل. -وأنت فاكر إن الحديث اللي سمعته تحت هيخليني أسامحك؟ اقترب جمال منها وهو ما
زال يمسك يدها وتحدث بهمس: -أنا مجلتش إني مش غلطان، أنا اعترفت بغلطي وعارف برضه إنك هتسامحيني زي ما أنا سامحتك يا صفية، وعشان أنا أستاهل إنك تسامحيني، وخابر زين إنك بتعشقيني زي ما أنا بعشقك. اتوترت صفية من قربه هكذا وشعرت بدقات قلبها تعلو. فدفعته بيدها قليلاً وتحدثت بصوت ضعيف: -طيب ابعد كده يا جمال، وأنا برضه مش هسامحك، هه. اقترب أكثر منها وهو يغمز بعينيه لها:
-لأ، هتسامحيني، أنا خابر زين، بس برضه هديكي وقتك، المهم إنك تكوني قصادي وجدام عيني، دي عندي بالدنيا. بس تعرفي، وحشني حديثك معايا يا صفية، تجاهلك ليا كان بيقتلني. هي لا تدري هل تسمعه من الأساس أم أنها فقط شاردة به وبحبه الذي يجعل قلبها ينبض عشقًا له. لاحظ جمال شرودها فابتسم بحب وتأكد أنها سوف تغفر له، ولكن مهلاً، هي فقط تحتاج للوقت، فهو كفيل أن يطيب جراحها منه. فهو نادى اسمها بحنان: -صفية!
رفعت نظرها له لتتلاقى عيناهما في نظرة كلها حب وعتاب من ناحية صفية. وهبطت دمعة من عينيها، فأزالها جمال بطرف أصابعه وهو يجاوب على عتاب عينيها له. -حقك عليا يا بنت قلبي، أنا آسف. ثم تركها وغادر الغرفة، فهو لم يقدر أن يرى نظرة اللوم والعتاب هذه. تركها بقلب ينبض باسمها عشقًا. أما هي فجلست على سريرها وهي تبتسم من بين دموعها. نعم، فهي ما زالت تعشقه وغفرت له لأنها لا تستطيع العيش بدونه أبداً، ولأنه يستحق أن تسامحه.
ولكن مهلًا، جمال، سوف أجعلك تعاني قليلاً وأعاقبك بطريقتي الخاصة. *** كانت زينب مع والدتها في غرفتها، وبمجرد أن أصبحا بمفردهما حتى تحدثت زينب: -بجد مش عارفة أقول لك إيه يا ماما. أنتي أنقذتيني، كنت خايفة لتحكي لهم على كل حاجة. -يا زينب، أنا محكتش عشان بس محدش يأذيكي، لكن أنا مش معاكي ولا يمكن هسيبك تنفذي خطة جابر أبداً. -يا ماما، انتي مش فاهمة حاجة، أنا خلاص مبقتش عايزة انتقم. أنا... قاطعتها أمها بحدة: -انتقام إيه بس؟
انتي مش فاهمة حاجة. ما سألتيش نفسك أنا عرفت مكانك إزاي ولا الخطة اللي قال لك عليها أبوكي؟ نست زينب ما كانت ستتحدث به عن اخبار والدتها بأنها عرفت الحقيقة، وسألتها باستغراب: -صحيح يا ماما، انتي عرفتي إزاي مكاني وكمان حكاية الخطة؟ اتنهدت أمها وهي تنوي أن تقص لها ما حدث لعلها ترجع عن تلك الأفكار التي ملأ بها رأسها جابر: -أنا ما كان ينفع إني أسيبك تضيعي روحي بسبب جابر اللي للأسف ميستاهلش إنه يكون أبوكي.
جيت أروح له زيارة وعرفت إنه خرج، بس مسكتش، جبت عنوانه وروحت له عشان أخليه يبعد عنك وقابلته. ونظرت لابنتها بثقة ثم أكملت حديثها: وتعرفي قالي إيه يا زينب؟ قالي إن انتي مش فارقة معاه وإنه واخدك بس طعم عشان يصطاد بيكي عيلة الغرباوي. جلست زينب على سريرها بحزن. نعم، هي كانت على علم بأنه يستغلها، ولكن مجرد أن يتحدث ويتفوه بمثل هذا الكلام جعل كرهها له يزداد أضعافًا. ثم انتبهت لحديث أمها ثانيًا: -وعارفة قالي إيه تاني؟
قالي إنه بس هيدخلك البيت عشان تبقي عينه هنا ويعرف يضرب ضرب*ته، وبعدين هيرجعك ليا عشان بس يسكتني ويخليني مجيش أفضحُه. ولما هددتُه قالي إن لو جيت هنا هيقتل*ني. بس مهمنيش، كل اللي شاغلني انتي وإني أحميكي منه ومن نفسك. ثم اقتربت منها وجلست بجانبها وهي تتحدث بحنان: -أنا عارفة يا بنتي إن صعب عليكي صدمتك في أبوكي، بس صدقيني جابر ده تعبان وإنسان ملوش عزيز ولا غالي يا زينب، حتى بنته عنده استعداد يضحي بيها، فهماني يا زينب؟
حركت زينب رأسها بتفهم وتحدثت: -عارفة يا ماما، ما تقلقيش، أنا عرفت كل حاجة من قبل ما تيجي، وكنت عارفة إنه بيستغلني وإني مش فارقة معاه. وقطع حديثهم فتح الباب ودخول أدهم وهو ينظر لزينب بنظرة لا تبشر بالخير أبدًا. ومن الصدمة قامت زينب بسرعة من مكانها بخوف ودب الرعب في أوصالها حينما رأته أمامها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!