الفصل 11 | من 20 فصل

رواية غريق على البر الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نعمة حسن

المشاهدات
24
كلمة
2,372
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18

فَزِع "أحمد" من نومه عندما استمع إلى صوت ارتطام شيء ما على الأرض، وبعدها استمع إلى أنات مكتومة. علم مصدرها عندما وقعت عيناه على "فرحه" الملقاة أرضاً. "بسم الله الرحمن الرحيم.. إنتي وقعتي يا فرحه؟! قالها أثناء نهوضه من الفراش وانحنائه على "فرحه" يساعدها في النهوض. أمسكت "فرحه" بظهرها من منطقة الخصر وقالت: "آاااه يا عضمك يا رضاا.. أنا اتشائمت من الطيارات واللي بيركبوها." كتم ضحكته وقال:

"وإيه دخل الطيارة بوقوعك من على السرير؟! نظرت له بغيظ مكتوم وقالت: "ما أنا كنت بحلم إني وقعت من الطيارة.. قومت لقيت نفسي متكومة على الأرض." ربت على ظهرها وقال: "خلاص يا فرحه اتغطي كويس ونامي." "أنا شامّة ريحة تريقة في كلامك." "لا يا فروحه هو أنا أقدر.. يلّا نامي عشان بكرة ورانا حاجات كتير هنعملها." أجابت بحماس: "حاجات إيه؟ "هنخرج.. لازم تشوفي تركيا قبل ما نرجع.. وكمان هنعمل ورق جديد نسافر بيه."

"وإنتي عايزة يعني بعد إذنك أشتري هدية لبدر." "اطلبي عينيا مش هعزها عنك يا فرحه." قالها بصدق شديد، ألتمسته هي فابتسمت بود، ودخلت إلى فراشها وولّته ظهرها وقالت: "تصبح على خير." "وإنتي من أهل الخير يا فرحه." لم يستطع النوم مرة أخرى. ظل ينظر باتجاهها وبداخله الكثير من الكلام الذي يود أن يبوح به. يتمنى لو أن تتسنّى له الفرصة ليصارحها بكل ما يعتمل به صدره. ولكن ما الفائدة؟ ما فائدة الحديث إذا كان لا طائل منه؟

هل إذا أخبرها بأنه بات يعشقها ويعشق تفاصيلها البسيطة ويعشق عفويتها وطلاقتها، ستترك خطيبها مثلاً وتخضع لرغبة قلبه المتيّم؟ بالطبع لا. أخبره عقله: كفاك حماقة! أنت تعلم أنك لن تنال كل مطالبك.. لست محظوظاً لتلك الدرجة يا أبله! أجاب قلبه: أنت مسؤول عن السعي، لا النتيجة.

اعترض قلبه: إذن فلتسعى كما تشاء.. تابع انقباضة قلبك كلما رأيتها وانتشاء روحك المسكينة كلما نطقت اسمك بصوتها العذب، تابع كل هذا بسرور.. ولكن لا تنسَ أنك ستتابع أيضاً غربة روحك عن جسدك عندما تفترق بك السبل. أغمض عينيه بشدة يُنهي صراع قلبه وعقله، ولكن على ما يبدو أن تلك الليلة ليست ليلة حظه كما يقال. أتاه صوتها الدافئ يقول: "إنت نمت يا أحمد أفندي؟! فتح عينيه على الفور ونظر إليها وقال:

"لا يا فرحه مش جايلي نوم.. منمتيش ليه؟! أجابت بعفوية: "أصل أنا عارفة إنك طالما قلقت مفزوع مش هيجيلك نوم دلوقتي.. فمش هاين عليا أنام وأسيبك." نهض على الفور وجلس على السرير بجانبها قائلاً: "فرحه أنا عايز أتكلم معاكي شوية." اعتدلت في مجلسها بانتباه وأومأت بموافقة. اختفت الحروف من بين شفتيه، وعلت ضربات قلبه، فقال بأحرف متقطعة: "لما نرجع مصر.. ناويّة على إيه؟!

"ده أنا ناويّة على حاجات كتيييير.. أول حاجة همسك البيت أقلبه كده فوقاني تحتاني وأنضفه وهشوف واجب.... قاطعها ساخطاً: "أكيد مش قصدى تنضفى البيت ولا لأ يا فرحه.. قصدي على حياتك يعني.. خطيبك.. كده." نظرت حولها بتخبط وكأنه فتح جرحاً غائراً، فقالت: "مش عارفه.. مبفكرش.. بس أنا متأكدة إن أول ما أرجع "رجب" هيحوم حوالين أبويا عشان يتمم الجوازة." سألها وبداخله يتوسلها أن تنفي، فقال: "وإنتي هتوافقي؟! "أومال أعمل إيه؟!

نظر لها بعينين تفيض من الألم وابتسم بانكسار حاول أن يخفيه، وقال: "تصبحى على خير يا فرحه." هم بالإبتعاد، فأمسكت بذراعه وقالت: "إنت زعلان مني في حاجة يا أحمد أفندي؟! سرت قشعريرة بجسده إثر لمستها، فالتفت لها وقال: "يا ريت يا فرحه.. يا ريتني أقدر أزعل منك و...

بتر كلماته، فإنه على وشك البوح بكل شيء. ظل ينظر إليها وكأنه يحفر ملامحها بداخل ذاكرته. نظر إلى حصونها المهلكة التي تخبئ وراءها الكثير ولا تقوى على الإفصاح عنه. نظر إلى تقاسيم وجهها البريئة التي سيفقدها حد الهلاك. نظر إلى شفتيها اللتين لا عتب عليه إن اقتنصهما في إعصار مدمر ومن ثم فليعتذر.. لا بأس. أشاح بوجهه عنها وأغمض عينيه بألم داخلي يبدد صبره ويضعف قواه. أجلى حلقه ثم قال:

"تعرفي يا فرحه.. اليومين اللي قضيتهم معاكي في الجزيرة رغم صعوبتهم إلا إنهم كانوا أحلى أيام حياتي." استمعت ولم تجب، فتابع: "أنا حاسس إن قلبي لسه هناك.. جسمي موجود وحاضر بس قلبي لأ." اختنق صوته وأحس بأنه سوف ينفجر باكيًا، ولكن لم يكترث فأكمل: "أنا لحد دلوقتي لسه غريق يا فرحه.. مش قادر أخرج من اللحظات اللي عيشتها معاكي ولا المشاعر اللي حسيت بيها وأنا جنبك." ثم ابتسم بسخرية وقال:

"يعني تقدري تقولي كده إني غريق بس غريق على البر." نظر إليها يتبين رد فعلها، فوجدها تنظر إلى الأرض وتبكي في صمت. فأشاح بوجهه عنها حتى لا يرق قلبه ويعتصرها داخل أحضانه. خرج إلى شرفة الغرفة وأشعل غليونه يطرد معها كل آلامه التي تكوي فؤاده. كان بحاجة شديدة إلى الصراخ حتى يهدأ صدره، ولكن كتم صراخه بصدره وأغمض عينيه وظل يدخن غليونته بغيظ. ولكن للعجب، سقطت عبراته الحبيسة فوأدها سريعًا بإبهامه.

استمعت "فرحه" إلى صوته يدخل إلى الغرفة، فأغمضت عينيها متصنعة النوم. نظر إليها وابتسم ساخرًا ودخل إلى فراشه وأغمض عينيه متوسلاً النوم أن يرحمه ويواتيه. *** خرجت "رضوى" من الكلية بعد الامتحان، فتفاجئت بـ"رضوان" ينتظرها. خطت إليه خطوات سريعة وصافحته وقالت: "متخيلتش إنك هتستناني." "طمنيني.. عملتي إيه؟! "الحمد لله.. حليت كويس إلى حد ما." "إلى حد ما بردو؟! "اممممم.. أنا جعانة جداً.. إيه رأيك أعزمك على غدا؟! "تعزميني؟!

طب مفيش معاكي مراية أشوف الروج مظبوط ولا اتمسح؟! ضحكت هي بشدة، فهز رأسه متعجبًا وقال: "قدامي يا رضوي.. قال تعزمني قال!! اصطحبها إلى مطعم يرتاده هو كثيرًا، فقالت: "الله.. ريحة الأكل حلوة أوي." قال وهو يضع أمامها طبقًا: "اتفضلي يا ستي.. سندوتشات كبدة بقا إنما إيه.. وصاية." تناولت الشطيرة بتلذذ واستمتاع وقالت: "الله بجد.. تحفة." "إنتي مأكلتيش كبدة قبل كده؟!

"عمري.. تخيل.. مع إني باكل بره طول الوقت بس عمري ما أكلت سندوتشات الكبدة دي.. واوو بجد." "خلاص يستي طول فترة الامتحانات هوّديكي كل يوم مطعم من اللي أنا بتغدى فيهم.. بكرة الغدا فول وفلافل." قالت بحماس شديد: "الله.. ميرسي يا رضوان." قال مشاكسًا: "يا خواتي رضوان طالعة منها زي العسل." ابتسمت بحياء وأكملت طعامها، وبعد أن فرغا أوصلها إلى منزلها وانصرف. ***

مع صباح يوم جديد، استيقظ "أحمد" بكسل على غير عادته. نهض من فراشه وظل ينظر للوجه الملائكي الذي يغفو بجانبه بهدوء، ثم ذهب ومد يده يهزها برفق قائلاً: "فرحه.. فرحه.. قومي يلا خلينا نلحق اليوم من أوله." فتحت عينيها ببطء ونظرت له، ثم ابتسمت ابتسامتها التي تسلبه عقله وقالت: "صباح الخير يا أحمد أفندي." ابتسم لها بحب وقال: "يسعد صباحك يا فروحه.. يلا فوقي كده واجهزي بسرعة عشان ننزل نفطر."

أومأت بإيجاب وقامت، ثم بدلت ملابسها وخرجت من الغرفة فوجدته ينتظرها. حيّتها "توبا" قائلة: "Günaydın" (صباح الخير) ردت فرحه بعفويتها المعهودة وقالت: "صباح النور يا توبه يا عسل.. متستغربيش أنا معرفش الكلمة اللي قولتيها اسمها إيه بس هي أكيد صباح الخير." ابتسم جميعهم، فردد "منير": "صح يا آنسة فرحه.. يلا إن شاء الله تتبسطوا وتركيا تعجبكوا." حدث "منير" "أحمد" قائلاً: "خد يا صاحبي.. الفيزا معاك أهي وكأنها فلوسك وعيييييش."

"مش عارف أشكرك إزاي يا منير بجد.. إن شاء الله أول ما أرجع هحوللك الفلوس اللي هاخدها." "يعم عيب عليك والله.. ما إنت ياما ساعدتني من غير مقابل." "تسلم يا منير.. يلا عن إذنكم." نزلت "فرحه" برفقة "أحمد" يستكشفون تلك الدولة الأكثر سحرًا وجمالاً في العالم. قرر "أحمد" تناسي أي شيء واستغلال ذلك اليوم أفضل استغلال حتى يصبح يومًا لا يُنسى. "فرحه.. لازم أشتري حاجة مهمة وبعدين نروح نفطر." "حاجة إيه؟!

"كاميرا.. لازم أوثق اليوم ده من أوله لآخره.. ثم أكمل بنبرة مرتعشة: أهو يبقالي ذكرى منك." نظرت له بدقات قلب مضطربة ولم تجب. دخلوا إلى متجر للإلكترونيات واشترى الكاميرا، ثم خرجوا. "هوّديكي بقا يا ستي أحلى مكان ممكن تفطري فيه.. والمنظر هناك تحفة.. اسمه "رجب أوستا"." "والأسطي رجب ده هو اللي بيعمل الأكل بإيديه؟! قالتها فرحه مستنكرة، فنظر لها "أحمد" ضاحكًا وقال: "أسطي رجب مين يا فرحه هو إحنا رايحين عند ميكانيكي؟!

اسمه "رجب أوستا"." "يسيدي متدقش أوستا ولا كوستا المهم ناكل." دخلوا إلى المطعم ورحب بهم مالك المكان الذي تجمعه بـ"أحمد" علاقة طيبة، وسأل "أحمد": "Bu senin karın Ahmed Bek?" (هل هذه زوجتك أحمد بك؟! انشرح قلبه لمجرد نسبها إليه وأومأ موافقًا وقال: "Evet .. bu benim karım" (نعم.. إنها زوجتي) حيّاها فأومأت برأسها، ثم انصرف الرجل بعد أن أخبر "أحمد" أنه سيحضر لهم الطعام من اختياره. "كان بيقولك إيه خلاك انشكحت أوي كده؟!

"مفكرك مراتي! صدمها رده، فتساءلت: "وإنت قولتلوا إيه؟! أجاب بكل هدوء: "قولتله أيوة مراتي." اتسعت عيناها بدهشة وهمّت بقول شيء ما، ولكن مجيء النادل بالطعام بتر كلامها. شكره "أحمد" وانصرف، فقال لـ فرحه: "يلا يا فرحه كلي.. الأكل هيعجبك." بدأت "فرحه" بتناول الطعام بشراهة وتلذذ، فقالت: "أما الأسطي رجب ده إيديه تتلف في حرير صحيح.. إنت بتعمل إيه؟! "بظبط حاجة في الكاميرا.. كلي إنتي."

أكملت طعامها غافلة عن ذاك الذي يحتفظ بأدق تفاصيلها.. ضحكتها.. كلماتها العشوائية.. عيناها. أنهوا طعامهما وخرجا إلى الشاطئ. ذهبت فرحه أمام البحر مباشرة وجلس بجانبها ومعه الكاميرا. عدّلها إلى الوضع الأمامي وقام بالضغط على تسجيل. "مبسوطة يا فرحه؟! "أوي أوي يا أحمد أفندي.. الجو هنا حلو أوي." "نفسك تعملي إيه؟! "يابن الإيه؟! إنت بتصور؟! أومأ موافقًا، فحمحمت ونظرت إلى الكاميرا بيده ولوّحت بيديها في إشارة ترحيب وقالت:

"إزيك يا أحمد أفندي.. أحب أعرفك بنفسي.. اسمي فرحه محمد السنهوري.. عندي 25 سنة.. من محافظة البحيرة مركز بدر.. أنا وبلا فخر كنت من ركاب الطيارة إياها اللي وقعت في البحر.. واللي لولا إن ربنا بعتك ليا مكنتش زماني قاعدة هنا." "نفسك تعملي إيه دلوقتي يا فرحه؟! "والله أنا طول عمري نفسي أركب خيل بس عندنا في البلد مينفعش الكلام ده." أغلق الكاميرا وأمسك بيدها قائلاً: "قومي." "على فين؟!

لم يجيبها. اصطحبها إلى حيث تقف الخيول في مشهد جمالي على البحر، واستأذن مالكها الذي أذن له بدون مقابل عندما علم أنهم مصريين. "يلا يا فرحه حطي رجليكي هنا واطلعي." "لا أنا ممكن أقع.. أنا لسه واقعة إمبارح معلمة فيا." بغتةً أمسك بخصرها ورفعها على ظهر الحصان وصعد وراءها وأمسك باللجام وقال: "فرحه ثبتي رجلك في ركاب السرج وخلي ضهرك مفرود." "كده؟! "لا مش كده.. لازم ودنك وكتفك وكعبك يكونوا في خط واحد مستقيم."

انتابتها نوبة ضحك شديدة، فضحك معها وقال: "على فكرة والله مبهزرش.. دي وضعية ركوب الخيل الصح." بدأ "أحمد" بركل الحصان بخفة كي يتحرك، وسأل "فرحه": "مبسوطة يا فرحه؟! أجابت بحماس وسعادة بالغة: "هموت من الفرحة، ما تخليه يجري." "مش هتخافي؟! "عمري ما أخاف وأنا معاك." حثّ الحصان على الهرولة عن طريق الضغط على جانبيه برفق، فأسرع الحصان يهرول بهما على الشاطئ.

صرخت "فرحه" كثيرًا من فرط الحماس والسعادة اللذين يتملكان منها، وفردت ذراعيها للهواء الطلق، ومن خلفها يضحك "أحمد" بسرور شديد لذلك الإحساس الذي هو على يقين بأنه لن يتكرر ثانيةً.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...