الفصل 4 | من 20 فصل

رواية غريق على البر الفصل الرابع 4 - بقلم نعمة حسن

المشاهدات
26
كلمة
2,105
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

إنت مين؟! إنت ميييييين؟! قالتها فرحه صارخه وهي تنهض بفزع مسرعه تبتعد عن ذلك الكائن الذي لا تعرف ماهيته. قام "أحمد" من نومه مفزوعاً عندما إستمع إلي صراخها فوجدها تصرخ قائله: "إنت مين؟! " وتركض مبتعدة، فنظر إلي حيث كانت ترقد وإنفجر ضاحكاً وجري خلفها فوجدها تختبئ خلف شجرة. جاهد كي يمتنع عن الضحك وقال: ده سنجاب يا فرحه.. إنتي خايفه من سنجاب؟!

نظرت له بأعين دامعه مذعورة، فرَق قلبه لرؤيتها بهذا الحال ومدّ يده لها، فأمسكت به وخرجت من خلف الشجرة. نظرت إلي السنجاب بخوف، فقال: متخافيش يا فرحه.. السنجاب أليف. نظرت له بشك، فذهب بجوار السنجاب وأمسك بغصن شجرة وبدأ في مداعبة السنجاب بلطف، ثم نظر لها قائلاً: ده صغير لسه ميتخافش منه. قربي. لا ياخويا شكراً.. إلعبوا إنتوا وإتبسطوا.. وبعدين يعني كائن زي ده عايش في جزيرة مهجورة زي دي بيعمل إيه؟!

و بياكل إيه.. صحيح فقري إبن فقريه! إسترعت كلمتها إنتباهه، فقال بغتةً: برافو عليكي يا فرحه.. فعلاً وجود السنجاب هنا ده يدل علي إن في أشجار مثمرة في المكان. حتي لو في يعني.. هتطلع إنت الشجرة تجيب مثلاً؟! زفر بغيظ قائلاً: يبنتي مش كده.. مش كل حاجه تقفليها في وشي كده.. أنا لو مموتش بسبب قلة الأكل والشرب هموت بالطاقه السلبيه اللي بتنقليها لي. لوت شفتيها ساخرة وقالت: خلاص يا أحمد أفندي أنا هخرس خاالص وإتفضل إنت إتصرف.

نامي يا فرحه.. نامي أحسن.. الصبح إن شاء الله هبقا أدور أدور أنا. ده لو طلع علينا صبح يعني! لا حول ولا قوة الا بالله!! قالها وهو يقلّب كفيه في تعجب من أمرها. أسندت فرحه رأسها إلي الشجرة مرة أخري وقالت: طب هنام إزاي وإبو الصحاب ده مشرّف جمبي؟! وأشارت برأسها إلي السنجاب، فقال: قولتلك ده حيوان أليف.. وبعدين أنا مش هنام.. نامي إنتي؟! الله!! ومش هتنام ليييه؟!

قال ساخراً: أكيد مش عشان حضرتك صحتيني مفزوع وإستحيل أعرف أنام تاني دلوقتي.. لا.. ده أنا لازم أسهر علي حمايتك يا سمو الملكه فرحه. زمت شفتيها بغرور وأغمضت عينيها وإستسلمت لسلطان النوم. قام هو ببطء وذهب وأحضر عدة وريقات من الشجر وقدمها بيده إلي السنجاب الذي أشاح بوجهه عنها، فقال: أنا كلامي كده صح.. متربي علي الغالي.. أملي فيك يا بطل بكرة تساعدنا نوصل لأي شجرة ألا لو فضلنا من غير أكل كده هنمووت.

ظل يداعب السنجاب حتى إنصرف، وشرد هو أمامه ينظر إلى نقطة وهمية. تذكر "نورا" وإبتسم ابتسامة لم تصل إلى عيناه، وتخيل لو أنها هي من ترافقه في تلك الجزيرة المهجورة الخالية من أي موارد بشرية ماذا كانت ستفعل؟! هل كانت ستحاول تجاوز الأمور ببساطة كما تفعل فرحه أم كانت ستظل تلعن حظها الذي أوقع بها إلى هنا! تمتم بداخله: إيه الهبل اللي أنا بعمله ده؟! مفيش وجه مقارنة بينهم أصلاً!

نفض رأسه من تلك الأفكار التي تسبح بداخلها، ثم أسند رأسه إلى الشجرة من خلفه وحاول الاستسلام إلى النوم. *** مش عارفه يا بابي والله بس هما بيقولوا لسه بيبحثوا.. ومرات يقولوا إنهم هيوقفوا البحث لأنه بدون فايدة وإن جميع الجثث اتحولت لأشلاء وبقى صعب التعرف عليها.. وأنا أهو كل يوم بعمل اتصالاتي وبحاول أوصل لأي جديد بس مفيش فايدة.

إعذريني يا حبيبتي إني مش قادر أكون معاكي في المحنة دي.. بس إنتي عارفه.. السفر دلوقتي مرهق جداً بالنسبالي. ولا يهمك يا بابي.. إن شاء الله لو في أخبار هبلغ حضرتك.. مع السلامه. أنهت "نورا" مكالمتها، فرمقتها "رضوي" بغيظ وغضب وقالت: إنتي بتتكلمي ببرود كده ولا كأن اللي كان في الطيارة ده المفروض حبيبك وهتتجوزوا بعد شهر! إعتدلت "نورا" في جلستها لتقابل "رضوي"

وقالت بعملية شديدة: بصي يا رضوي.. إنتي لسه صغيرة ومش بتفكري غير بمشاعرك وعواطفك.. لكن لما توصلي للسن اللي أنا فيها دي هتتصرفي بعملية أكتر.. يعني أنا هستفيد إيه لما أفضل أبكي وأقول يا ترى؟! مش هستفيد أي حاجة.. بالعكس.. ده أنا هخسر. هزت "رضوي" رأسها بتساؤل، فأجابت "نورا"

وهي تعد على أصابع يدها: هخسر وقت، هخسر طاقة، هخسر تركيز ممكن يساعدني إني ألاقي حل.. وأنا أكيد مضايقة وقلقانة زيك بالظبط.. بس مش لازم أوضح ده.. أنا مش ساكتة.. أنا بحاول أوصل لأي حاجة بس للأسف مفيش. أشاحت "رضوي" بوجهها عنها في عدم اقتناع، فقالت "نورا": أنا هفضل معاكي هنا النهاردة لغاية ما ترجع طنط.. قوليلي بقا فين المكان اللي هنام فيه؟! هتنامي من الساعة 9؟ أيوة ده معاد نومي.. إنتي عارفه إن أهم حاجة الانضباط والالتزام.

أومأت "رضوي" وأشارت لها ناحية غرفة الضيوف قاصدة إغاظتها، ولكنها تعجبت عندما تقبلت "نورا" الأمر ببساطة شديدة وقالت: تمام.. تصبحي على خير. *** في كل صباح يستيقظ غزال يدرك أنه يجب أن يعدو بخطوات أسرع من خطوات الأسود وإلا كان الموت مصيره. وفي كل صباح يستيقظ أسد يدرك أنه يجب أن يعدو بخطوات أسرع من أبطأ غزال وإلا سيموت جوعاً. لا يختلف عليك الأمر سواء أكنت غزالاً أم أسداً، عندما تبزغ الشمس عليك أن تعدو بأقصى سرعة. ***

إستيقظت "فرحه" من نومها عندما داعبت الشمس وجهها.. أفاقت ببطء وظلت تجول ببصرها من حولها حتى ثبتت عيناها على ذلك النائم بجوارها. إختلست إليه النظر وتمتمت بداخلها: يخربيتك.. قشطة بالكريمة جاتك داهية في حلاوتك. قفزت صورة "رجب" في ذهنها فجأة فامتخطت ملامح وجهها وقالت بصوت منخفض: جاتك القرف يا رجب يا نتن.. قال إيه مش عاوز يعمل فرح.

أكملت بتوعد وارتفع صوتها: صبرك عليا بس لما أرجع من المخروبة دهين وديني لأسقيك المر ومش هعمل فرحي غير في فندق خمس نجوم. بتكلمي نفسك يا فرحه؟! قالها "أحمد" بصوت ناعس وهو يضع يده فوق عيناه يحجب عنهما أشعة الشمس. نظرت له "فرحه" مبتسمة وقالت: صباح الخير يا أحمد أفندي. صباح النور يا فرحه هانم. إبتسمت فرحه وقالت: تحب حضرتك تفطر هنا ولا في الجنينة بره؟! قهقه عالياً وقال: المكان اللي تحبيه أنا معاكي فيه. أومأت بموافقة،

فقال: هاا.. كنتي بتكلمي نفسك بتقولي إيه؟! زمت شفتيها بإيجاز وقالت: مفيش.. افتكرت أهلي وبدر.. يا ترى بقت كويسة! ويا ترى اكتشفوا غيابي ولا لسه؟! زفر بحيرة مماثلة وقال: أكيد يا فرحه اكتشفوا غيابك وأكيد مصر كلها بتحكي عن الخبر دلوقتي. طب وإحنا هنفضل هنا لحد إمتا يا أحمد أفندي؟! لحد ما ربنا يأذن إننا نرجع يا فرحه.. مفيش قدامنا حاجة نعملها للأسف غير إننا نولع نار كإستغاثة.. يا رب يكون حظنا حلو ويشوفوها. ولو حظنا وحش؟!

قالتها بتشاؤم كعادتها، فابتسم وأجاب: يبقى هنفضل هنا لحد ما تحصل معجزة ونرجع. هزت رأسها بوجه خالٍ من التعبيرات وباغته متسائلة: ألا قوللي يا أحمد أفندي؟! و أقوللك يا أحمد أفندي ليه؟! نظرت له بتفاجؤ وضحكت بشدة، فبادلها الضحك، فقالت: لا دا إنت كده هتنافسني بقا. أهو بنتعلم منِك أي حاجة.. ها عايزة تسألي على إيه؟ إن شاء الله لو رجعنا مصر.. إيه أول حاجة هتعملها؟ والله هو المفروض إن فرحي بعد شهر فـ..... قاطعته قائلة: بجد؟!!

ده أنا كمان فرحي بعد شهر! معقوله! أيوة.. وإنت كمان خطيبتك مش عايزة تعمل فرح ولا إيه؟! ضيق بين حاجبيه قائلاً: دي حقيقة فعلاً.. عرفتي إزاي! لا دي توقعاتي يعني.. أصل رجب ابن عمي ده نفس تفكيره.. من النوع النتن حبتين.. بيقول لي ليه نعمل فرح ومصاريف وتكاليف طب ما احنا قال إيه نستثمر الفلوس دي!

هي "نورا" خطيبتي مش بتفكر من منطق التوفير يعنى.. بس هي طبيعتها مبتحبش المبالغة.. شايفة إن مصاريف الفرح دي ملهاش داعي.. وإن الفرح كله ملوش لزمة يعني هي كانت عايزة نعمل حفلة بسيطة نعزم فيها أقرب الأقربين وخلاص.. مبتحبش الزيطة والجو ده. إزاي يعني.. وهو ده يبقى فرح؟!

دي حتى اسمها ليلة العمر.. يعني لازم طبل وزمر وهيصة وأفرح والناس تفرح.. ولو على الفلوس فأنا عن نفسي شايفه إن مكانتش الفلوس تتصرف على اللي يسعد الإنسان ويخليه مبسوط وفرحان يبقى ملهاش لازمة. أومأ باقتناع وقال: معاكي حق فعلاً.. طيب وإنتي موافقة خطيبك على قراره ده؟ لا طبعاً.. وإن مكانش يعمل لي اللي أنا عاوزه يبقى مع ألف سلامة. مش للدرجة دي يا فرحه.. ما يمكن ظروفه متسمحش.

ما هو لو ظروفه متسمحش كنت رضيت وقلت ماشي.. لكن أنا عارفه هو بيعمل كده ليه. ليه؟ نتانة وبخل بعيد عنك.. أصل رجب ده بيموت على القرش. يا ساتر.. هو لسه في كده؟ وأكتررر يا أحمد أفندي وأكتر.. ده بينشف تفل الشاي عشرين مرة. إرتفع صوته ضاحكاً ثم قال: طب يلّا يا فرحه هانم عشان ندور على ميه وأكل. وإنصرفا بداخل الغابة يبحثان عن موارد للأكل والماء، فسألته: أومال أبو الصحاب فين؟! آه.. تقصدي السنجاب.. مشي من إمبارح.

بتر كلمته عندما استمع إلى صوت السنجاب من أعلى الشجرة، فرفع بصره للأعلى فسقطت تحت قدمه حبة من جوز الهند. نظر إلى فرحه بحماس، فبادلته نفس النظرة، فانحنى مسرعاً والتقطها ثم نظر إلى الأعلى مرة أخرى قائلاً: شكراً يا بطل على الكادو الحلو ده. نظرت فرحه على الأرض حولها، ثم انحنت والتقطت حجر كبير وناولته إياه، فتناوله منها وكسر به ثمرة جوز الهند وأعطاها شطرها وأخذ الشطر الآخر.

شربت فرحه ماء جوز الهند بتلذذ وقد ارتوى عطشها بعض الشيء وبدأت في تناول جوز الهند من الداخل بإستمتاع، وعندما انتهت منها نظرت إلى القشرة الخارجية لجوز الهند والتي تشبه الوعاء، ثم قالت بحماس: إحنا لو سيبنا القشرة دي يومين تلاته في الشمس هتنشف وممكن نقطر فيها الميه! تصدقي فعلاً فكرة.. إنتي ممتازة يا فرحه. طالعته فرحه بفخر وقالت: يا سلام لو أبو الصحاب يوقع لنا كمان خمس ست حبات من دول.. تبقا جبرت.

لم تكمل جملتها إلا وقد وقع تحت أقدامهما العديد من ثمرات جوز الهند، فنظرا لبعضهما البعض وانفجرا ضاحكين، ثم جمعا الحبات وتقدما للأمام يكملان البحث. اقتربت فرحه من شجرة ثم انحنت والتقطت بيديها شيئاً ما وهمت بأكله، فصرخ بها قائلاً: استني.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...