الفصل 14 | من 20 فصل

رواية غريق على البر الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نعمة حسن

المشاهدات
26
كلمة
1,709
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

ذهبت "فرحه" إلى منزل عمها والد "رجب". دخلت فتفاجأ الجالسين أجمعهم و جحظت أعينهم. فقال "رجب": شوفتي ياما؟! مش أنا دايماً أقولكوا فرحه دي قطة بسبع أرواح؟! التف حولها الجميع يعانقونها بشدة و يصافحونها بحرارة، وبين الكثير من الأسئلة عمّا حدث؟! و كيف نجت؟! و أين كانت؟! زفرت هي بشدة و حاولت إخفاء ألمها و قالت:

والله هحكي لكوا كل حاجة.. بس أطمن على أبويا و إخواتي الأول.. وبعدين هحكي لكوا كلكوا مرة واحدة عشان الموضوع طويل و مش هقعد أحكي كل شوية. قال رجب بحماسة تملؤه: برن على رضوان أهو.. بيكونسل عليا أكيد سايق. سائق؟! قالتها فرحه بتساؤل متعجب. فأومأ "رجب" قائلاً: آه.. ما هو اشتغل على تاكسي هو و رامي.. ألوو.. أيوة يا رضوان مبتردش ليه؟ =كنت داخل على لجنة والله و معرفتش أرد.. عاملين إيه؟! و إزي مرات عمي؟!

إحنا كويسين الحمد لله.. المهم.. خد كلم. =أكلم مين؟! لم يجبه و أعطى الهاتف لـ"فرحة" التي تناولته بيد مرتجفة و قالت بحنين بالغ: إزيك يا رضوان. على الجانب الآخر.. توقف "رضوان" بسيارته فجأة و هوى قلبه أرضاً و نطق بذهول: فرحه!! بكت فرحه لصوت أخاها المشدوه و قالت: أيوة فرحه يا رضوان. قال وقد فقد أعصابه: إقفلي يا فرحه أنا هجيب أبوكي و آخواتك و هننزل البلد حالاً.. مع السلامه. أغلق الهاتف بوجهها فضحكت بين دمعاتها و قالت:

طول عمره مبيعرفش يركز في حاجتين سوا. قالت زوجة عمها و هي تضع أمامها ما لذ و طاب من الطعام: تلاقيه يا حبة عيني انصدم.. مسافة السكة و هيكون هنا. ثم أكملت و هي تربت على ظهر "فرحه" بود حقيقي: كلي يا فرحه.. كلي يا حبيبتي تلاقيكي هفتانة. نظرت لها "فرحه" بأعين دامعة و ارتمت بأحضانها بغتةً و انفجرت بالبكاء قائلة: أنا تعبانة يا خالتي. شدت زوجة عمها من احتضانها بقلق و قالت: إسم الله عليكي يا حبيبتي مالك؟!

التف الجميع حولها يهدئها و يهدهدها كالأطفال و قال "رجب": متحطيش كلام الناس في دماغك يا بت عمي ولا يهمك.. يا جبل ما يهزك ريح.. إحنا عارفين بتنا متربية إزاي. سألته أمه باستغراب: كلام إيه؟! قال ساخراً غاضباً: قال إيه ولاد الكلاب مفكرين إن فرحه طول مدة غيابها دي كانت مع الأفندي اللي وصلها لوحديهم.. مفكرين إننا عندنا بنات ماشية بطال لا سمح الله.. بس إيه.. أنا عرفت كل واحد مقامه. تلاشت "فرحه" النظر لزوجة عمها

التي نظرت لها بشك و قالت: و إنتي شوفتي الأفندي ده فين يا فرحه يا بنتي؟! همت "فرحه" بالجواب فقاطعها "رجب" قائلاً: هتكون شافته فين يعني ياما؟! إنتي هتعملي زيهم؟! شافته في المطار و.... لا مشوفتوش في المطار. قالتها فرحه بخوف و قلق شديدين و ترقب للآتي. قال "رجب" التي بدأت أمارات عدم الارتياح بالظهور عليه: مشوفتيهوش في المطار أومال شوفتيه فين؟! ازدردت ريقها بتوتر و قالت: هو اللي طلعني من المية لما الطيارة وقعت في البحر!

وبعدين؟ ولا قبلين.. وفضلنا كل ده ماشيين في الغابة لحد ما وصلنا تركيا و روحنا عند ناس قرايبه و هما اللي ساعدونا نرجع مصر. و كل الوقت ده كنتوا قاعدين سوا لوحديكوا؟ بقولك كنا بنجري في غابة يا رجب.. غابة.. يعني مليانة حيوانات مفترسة و كنا متعرضين للخطر.. تقولي قاعدين لوحديكوا؟! أكملت بأسلوب أكثر عدائية: وبعدين أنا شامة ريحة تلميحات كده مش حلوة.. في حاجة؟! تراجع و قال: لا مش القصد يا فرحه.. وبعدين هو أنا تايه عن أخلاقك.

أومأت باقتضاب و التزمت الصمت. بعد مرور ساعتين ونصف الساعة.. وصل والد فرحه و أبناؤه محدثين جلبه شديدة عند وصولهم. دخل والدها يتسائل: فينها فرحه؟! بنتي فين؟! فور أن التقطت أذنيها صوت والدها هرعت إليه تحتضنه بانتظار دام أيام وساعات طويلة. تلقاها والدها بين ذراعيه باشتياق و التف حولها إخوتها كلا يتسارع أيّاً منهما يعانقها أولاً. قبلت يد والدها و قبل رأسها قائلاً: حمد الله على سلامتك يا فرحتنا.. روحي ردت فيا يا فرحه.

انتزعها "رضوان" من بين ذراعي والدها و عانقها بشوق بالغ و قال: كنت حاسس.. قلبي مبيكدبش عليا أبداً في أي حاجة تخصك يا فرحه.. كنت حاسس إن روحي مسابتش جسمي و كنت عارف إنك هترجعي. شدت "فرحه" من احتضانه و ارتفع صوت نحيبها. في بداية الأمر ظن "رضوان" أن بكاءها هذا طبيعي بسبب اللقاء بعد غياب وهكذا. ولكنه شعر بأن الأمر أكبر من هذا و أن قلب شقيقته قد مسّه الضر.

نظر بداخل عينيها يحاول سبر أغوارها فوجدها تحمل الكثير والكثير الذي لن يتوانى حتى تبوح به. انحنت "فرحه" و جلست القرفصاء تحتضن "بدر" الباكية و بكت معها مرة أخرى مما أثار حفيظتهم جميعاً فتسائل "رامي": بتعيطي ليه يا فروحه ما إنتي وسطنا أهو الحمد لله. مفيش حاجة.. أنا بس تعبانة و عايزة أرتاح. قال والدها: بينا على البيت عشان ترتاحي و بعديها تبقي تحكيلنا اللي حصل. أومأت بموافقة و ذهبوا إلى بيتهم فقالت فرحه:

أنا بقالي كتير منمتش.. هموت و أنام.. لما أصحى هبقى أحكي لكوا كل حاجة. هربت إلى غرفتها و دخلت ثم أغلقت الباب من خلفها بإحكام و ألقت بجسدها إلى فراشها البسيط ثم انفجرت باكية. بكت بقدر ما عشقته و هي تعلم أنه صعب المنال. بكت بقدر ما شعرت معه بالسعادة و الاكتفاء. بكت بقدر ما أحست أن روحها تأن شوقاً إليه. بكت كثيراً حتى استسلمت لسلطان النوم.

عاد أدراجه إلى "القاهرة" يكسوه الحزن و خيبة الأمل.. لقد جرت المقادير على عكس هواه.. لم يتوقع أن تتعقد الأمور هكذا. وصل إلى منزله و طرق الباب بلهفة لرؤية شقيقته التي ألجمت الصدمة لسانها عندما رأته يقف على الباب. نظر إليها بشوق بالغ و احتضنها وهي ما زالت تحت تأثير الصدمة. ضربها خلف رأسها بخفة و قال ممازحاً على غير عادته: إيه مبترديش ليه؟! القطة أكلت لسانك؟! نظرت له بأعين دامعة فأعاد احتضانها و قال:

أيوة أحمد والله.. إنطقي بقا. انفجرت باكية بشدة و تشبثت به قائلة: إزاي؟! إزاي؟! ضحك و غنى وهو يحركها بخفة و قال: إزاي ترضيلي حبيبتي.. قد ما أعشق اسمك و إنتي.. عاملة تزيدي في حيرتي و منتيش حاسة بطيبتي إزاي؟! تعجبت أسلوبه الجديد تماماً و لكنها ضحكت بشدة و أعادت عناقه و قالت: روحي رجعتلي تاني يا أحمد. نظر إليها و أطلق تنهيدة حارة و قال بألم داخلي يملؤه: بس أنا روحي راحت مني يا رضوي. قطبت بين حاجبيها وقالت:

مش فاهمة.. هو إنت مش مبسوط إنك شوفتني؟! ابتسم قائلاً بتمتمة: سبحان الله.. نفس الغباء. بتقول إيه؟ بقول إني جعااان و هلكاااان و عايز أنام. مش قبل ما تحكيلي كل حاجة بالتفصيل. لا لما خالتك و عمتك ييجوا عشان أحكيلكوا مرة واحدة لأن الموضوع طويل و مش هقعد أحكي كل شوية أنا. خالتو نزلت تطمن على عيالها و كانت هترجع تبات معايا.. استنى أكلمها أعرفها.

لا مش دلوقتي.. أنا مش عايز أتكلم دلوقتي و يا ريت متعرفيش نورا بردو.. أنا هبقى أفاجئها بكرة في الشركة. أومأت "رضوي" بموافقة و قالت: طيب مش هتقعد معايا.. ده إنت واحشني. قبل رأسها و قال: و إنتي كمان يا حبيبتي وحشتيني فوق ما تتصوري والله.. بس اعذريني.. أنا تعبان و محتاج أرتاح و بعدين هبقى أقعد معاكي و نرغي و نحكي كل حاجة. كان يود الهروب و بالفعل حدث.. دخل إلى غرفته و أشعل الضوء و نظر إليها بابتسامة باهته.

لقد راهن عقله على أنه سيتابع غربة روحهِ عن جسدهِ عندما تفترق بهما السبل، و قد حدث. إنه الآن جسد بلا روح، بلا حياة، بلا شغف. ألقى بجسده المتهالك على سريره الفخم و وضع يده على عيناه و فوراً قفزت صورتها بمخيلته. ابتسم لابتسامتها التي تشع نوراً و اتسعت ابتسامته عندما تذكر ليلة أمس عندما احتضنته و اعترفت بحبها له. ليلة أمس؟! هل بين ليلةٍ و ضحاها من الممكن أن يتبدل حال الإنسان كلياً هكذا؟!

هل من الممكن أن يخلد إلى النوم و قلبه يتراقص فرحاً و بمجرد مرور الساعات تخفق دقاته؟! دمعة مكلومة هربت إلى جانب عينيه و لكنه لم يأبه بها.. ظل مغمضاً عيناه حتى واتاه النوم و غطّ به.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...