أنا بحبك يا فرحة. قالها و قد أنهكه السكوت عن ما يشعر به. لا بد أن يريح قلبه المسكين. أطلقها و لا يعلم ماذا سيترتب عليها. عندما استمعت إليه ينطق بها، وضعت كفيها تخبأ عينيها و ارتفع نحيبها بشدة. اقترب منها و مد يده يزيح بها كفيها و أمسك به مقبّلاً
إياه بحب صادق و قال: "متعيطيش يا فرحة. أنا حاسس إنك بتحبيني و إحساسي مبيخيبش. أنا مش صغير، عارف إن نظرتك ليا نظرة واحدة بتحب و عارف إن ضحكتك اللي بتطلع من القلب و إنتي معايا دي متطلعش غير من قلب واحدة بتحب." لم تجبه، فأمسك بذقنها لتقابل عينيها عيناه و سألها متوسلاً: "صح يا فرحة؟ إنتي بتحبيني مش كده؟ إلتزمت الصمت، فقال بحده: "إنتي عمرك ما حبيتي رجب ولا عمر قلبك دق له."
ثم اختفت حدته و قال بلين: "بس بتحبيني أنا زي ما بحبك. عشان خاطر ربنا متسكتيش كده. قولي أيوة بحبك. لا بكرهك. قولي أي حاجة." نظرت له بأعين منتفخة إثر بكائها المتواصل و قالت: "حتي لو قولت.. إيه اللي هيتغير؟ هتسيب خطيبتك؟ هعرف أسيب رجب؟ أجاب و بدأ قلبه بنبض بشدة: "لو إنتي فعلاً بتحبيني أنا مستعد أسيب الدنيا كلها عشانك. ثقي فيا و صدقيني. لو قولتيلي إنك بتحبيني هعمل المستحيل عشانك. بس عشان خاطري ريحيني."
أشاحت بوجهها بعيداً و لم تجب و زاد نشيجها و بدأت تشعر بالإختناق. أحس بها و كأن شيئاً أصابها فقال بقلق: "فرحة.. مالك؟ طيب إسكتي و أنا مش عايزك تجاوبيني. خلاص إنسي.. بس قوليلي بتعيطي ليه؟ "عشان أنا بحبك أوي." قالتها و هي تنظر للأرض و تبكي بشدة، فجذبها إليه يضمها بقوة و أغمض عينيه زافراً براحة و قال: "أخيراً يا فرحة قولتيها." مسّدت رقبته بذراعيها و أغمضت عينيها و بعفوية منها طبعت قبلة حانية علي رقبته.
ارتجفت أوصاله فجأة و ابتعد عنها يجاهد لكي لا يفعل شيئاً قد يفقدها ثقتها الوليدة به. نظر لها مبتسماً و أمسك بكفيها بين يديه و نظر لها بعشق لا حاجة له في أن يخفيه بعد الآن و قال: "فرحة.. ممكن أطلب منك طلب؟ أومأت بموافقة، فقال: "قوليلي "بحبك يا أحمد"." "ما أنا قولت." "قوليها تاني و تالت و عاشر. يلّا." نظرت داخل عينيه و ابتسمت
بحب يفيض من عينيها و قالت: "أنا بحبك أوي يا أحمد. و عمري ما حبيت ولا عرفت يعني إيه حب غير معاك." انشرح صدره و انتابته نوبة ضحك هستيرية من فرط السعادة و احتضنها مرة أخرى قائلاً: "بحبك أوي يا أحمد؟ أومأت و هي تعانقه و قالت: "إمممم." "يا وعدي علي الناس اللي بتحب دي يا وعدي." علت ضحكاتهما سوياً، فأبعدها عنه قائلاً: "طيب.. خلينا نتكلم في اللي جاي." بدأت ملامحها يكسوها القلق،
فقال: "بصي خلينا عارفين إن موقفنا مش سهل. لكن بردو مش مستحيل. أنا بكرة هوصل معاكي البلد و هكلم والدك و أصارحه بكل حاجة. و هو أكيد هيفهمني." "طيب و رجب؟ " قالتها متسائلة بتوتر. "ده دورك إنتي. لازم تكوني شجاعة و تتكلمي معاه و تنهوا الموضوع من غير مشاكل. أكيد هيكون في حساسية و زعل بس الصراحة أحسن من الخداع." "يعني أروح أقول له أنا بحب واحد تاني و هسيبك عشانه؟ "إيه العبط ده؟!
حتى لو دي الحقيقة بس متتقالش كده. إحنا هنقول نص الحقيقة و نداري نصها التاني لبعدين." "مش فاهمه." "يعني إنتي اقعدي مع ابن عمك و فهميه بالأصول إنك مش مرتاحة و مش قادرة تكملي و إن طريقكوا مش واحد. وكذلك أنا هقعد مع 'نورا' و هنتكلم بكل صراحة و أنا واثق إنها هتتقبل الأمور ببساطة." قالت بريبة: "مش عارفه." "قلقانة." "لا متقلقيش إن شاء الله خير. إنتي بس قوّي قلبك و اتكلمي." "ربنا يستر."
"بإذن الله. يلّا نامي لأن بكرة يوم طويل و هنصحي بدري." أومأت، فنهض واقفاً و انحنى بجزعه عليها قليلاً و طبع قبلة مفعمة بالحب على جبينها، ثم صعد إلى فراشه و أغمض عينيه براحة و يا للعجب. استسلم للنوم سريعاً. *** كان "رضوان" ينتظر "رضوى" أمام بيتها بالتاكسي الخاص به. اتسعت ابتسامته عندما رآها تُقدم عليه في ثوبها الجديد. نظرت له حانقة، فقال مشاكساً: "اللهم صلِّ على النبي. قمر يا رضوى." صعدت إلى السيارة بجانبه بصمت،
قطعه هو عندما قال: "أنا عايز أجي أطلب إيدك. أكلم مين؟ نظرت له بصدمة، فقال: "يسلااام؟! يعني مفكرة إننا هنفضل رايحين جايين سوا كده عشان صحاب؟ "مش فاهمه حاجة. هتطلب إيدي ليه؟ "هيكون ليه يعني؟! ما أكيد عشان أتجوزك." ابتسمت ببلاهة، فقال: "آااه وبعدين؟! مفهمتش بردو هكلم مين؟ "هو أنا مليش غير خالتي و عمتي و منير ابن عمي بس ده في تركيا." "خلاص هاتي رقم منير أكلمه الأول عشان يبقى كلام رجالة و بعدها نشوف عمتك."
"ماشي هبعتلك الرقم على واتساب." نطق ممازحاً: "ما صدقتي إنتي. هااا؟! غلبتها ابتسامتها، فأشاحت بوجهها إلى يمينها. أوصلها إلى جامعتها و ودعها قائلاً: "أول ما تخلصي رنيلي عشان أجلك. يلا ربنا معاكي." *** أيقظ "أحمد" ساعته البيولوجية في تمام الثامنة صباحاً. قام من نومه بحماس و أيقظ "فرحة" التي حيّته بأجمل ابتسامة. استعدّا سريعاً و غادرا المنزل بعد أن ودّعا "منير" و "توبا" ثم انصرفا نحو المطار.
حانت رحلتهما، فصعدا إلى الطائرة، فقال 'أحمد' وهو يشير لفرحة: "إتفضلي إقعدي جمب الشباك." نظرت له ضاحكة و جلست، فجلس بأكملها و بعد دقائق بسيطة أقلعت الطائرة. شعرت "فرحة" بالخوف كثيراً، فأمسك "أحمد" بيدها و قال: "متخافيش يا فرحة. إقرأي قرآن و إنتي هتهدي." فعلت كما أخبرها و أغمضت عينيها، فسألها: "مبسوطة إنك راجعة يا فرحة؟ ابتسمت بألم داخلي و قالت: "اكيد مبسوطة. هشوف أهلي و إخواتي."
أومأ بتأكيد قائلاً: "ربنا يجمعك بيهم على خير إن شاء الله. إتبسطتي في تركيا؟ أومأت ببسمة منكسرة: "إتبسطت جداً و زعلانه إننا راجعين." "لعله خير. تعرفي؟! .. أنا مش شايل هم حاجة غير بعادك عني و إنك هتبقي في مكان و أنا في مكان." "نصيبنا بقا. الحمدلله." "أيوة الحمد لله. يلا إفطري." قال الأخيرة وهو يشير للطعام الموجود أمامهما، فبدأت "فرحة" في تناول طعامها بصمت لم يقطعه أيّاً منهما. بعد مرور ساعتان،
أشار لها و قال: "حمدالله على السلامة. وصلنا." نظرت من النافذة بجانبها، فوجدت سفح الأهرامات يلوح من الأفق، فحدثته بحماس و قالت: "وصلنا مصر. أخيراً وصلنا مصر. أنا مش مصدقة." ابتسم بسعادة لسعادتها و قال: "طيب يلا." نزلا من الطائرة و صعدا إلى التاكسي، فقال 'أحمد': "معلش توصلنا للموقف." بعد ساعتين قضاهما من مواصلة لأخرى، وصل بـ فرحة إلى بلدتها. ذهبت "فرحة" إلى منزل والدها و طرقت الباب و لكن أحداً لم يجيب.
تساءلت بين المارة عما حدث و أين أهلها، ولكنها تفاجئت برد فعلهم. "شوفوا اللي قالوا ماتت. راجعة بعد شهرين هي و الأفندي اللي كانت دايرة معاه و جايه لسه تسأل على أهلها. يشيخه الله يلعنك! "أبوها كان هيموت من حسرته عليها و هي ماشية البيه ده. يا خسارة تربيتك يا حج محمد."
وقفت هي تستمع بذهول و أعين باكيه، و يقف "أحمد" بجوارها يغلي و يزبد، فصرخ بهم و جاء ليتحدث، فقاطعه ذلك الصوت صارخاً: "قطع لسان اللي يجيب سيرة بنت عمي بكلمة عاطله. اللي هيكتر في الكلام حسابه معايا أنا. ده بدل ما تقولوا لها حمدالله بالسلامة. البلد نورت. بتتهموها بالعاطل إنها كانت ماشية مع الأستاذ و متخبيه معاه كل الوقت ده؟! فين عقلكوا إنتوا؟! .. هو إنتوا تايهين عن ادب و أخلاق بنت عمي ولا إيه؟!
نكس الجميع رأسه أرضاً، فصرخ بهم قائلاً: "إذا كنتوا تايهين مين هي بنت محمد السنهوري، فـ أنا مش تايه عنها. و كلامكوا كله ولا فرق معايا، و هنتجوز ولا كأن حاجة حصلت. يلا كل واحد يشوف حاله." انصرف الجميع، فاقترب "رجب" من "فرحة" و نظر لها بإشتياق حقيقي و قال: "حمدالله على سلامتك يا فرحة. الدنيا كلها نورت." قالت بإبتسامة هادئة: "الله يسلمك يا رجب. هو أبويا و إخواتي فين؟
"في مصر. من ساعة الحادثة وهما مرجعوش. بينا نكلمهم نخليهم يرجعوا." أمسك بيديها يجذبها خلفه، فقالت: "إستني يا رجب. الراجل واقف." نظر للخلف و قال: "اااه صح يادي الإحراج." ثم تقدم من 'أحمد' و مد يده يصافحه بحرارة قائلاً: "لا مؤاخذة يا أفندي بس من فرحتي مركزتش. إنت اللي موصل فرحة من المطار مش كده؟ أومأ "أحمد" مقتضباً، فقال "رجب": "تسلم يا ذوق. ربنا يجعلك دايماً سبب في مساعدة الناس. طب اتفضل نتغدا و ترتاح شوية."
"شكراً ليك أنا لازم أرجع دلوقتي حالا." "الشكر لله يا أستاذ. مع السلامة." نظر "أحمد" إلى "فرحة" و عيناه لا تحيدان عنها و قال: "مع السلامة."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!