"نورا"؟ قالتها بإستهجان شديد وضيق طغى على ملامح وجهها. فنظر إليها "أحمد" وقال معتذراً: معلش يا نورا، إتلخبطت. إتلخبطت؟! مين فرحة دي أساسًا عشان تغلط في اسمي وتنادي باسمها؟! بدأ يفقد السيطرة على أعصابه المثارة وقال بصوت أكثر حدة: قلتلك معلش يا نورا، إتلخبطت. ملوش داعي الكلام ده بقى. ملوش داعي إزاي يعني؟! أنا اسمي نورا الحديدي يا أحمد بيه.. قال فرحة قال!
قالت الأخيرة وهي تنظف فمها بالمنديل الموجود على يمينها، ثم ألقته على طاولة الطعام بعصبية ونهضت. التقطت حقيبتها وغادرت المكان على الفور. زفر بملل وتمتم مقلدًا طريقتها: اسمي نورا الحديدي يا أحمد بيه.. ثم أكمل مستنكرًا: ويطول حد يبقى زي فرحة! أخرج هاتفه الذي نقل إليه كل الصور ومقاطع الفيديو التي جمعها مع فرحة في تركيا، وبدأ بمشاهدتها. قام بتكبير الصورة لتحتوي الشاشة على وجه "فرحة" فقط، وحدّثها قائلًا:
وحشتيني يا فرحة، ووحشني أيامنا سوا. عاد لتناول طعامه بشهية مفتوحة وهو ينظر إلى صورتها التي تبدو وكأنها تواسيه. *** يجلس "رضوان" برفقة والده وإخوته جميعًا. فحمحم قائلًا: بعد إذنك يا بابا، أنا كنت عاوز أتكلم معاك. اعتدل والده بمجلسه بانتباه وقال: قول يا رضوان. أنا في واحدة في دماغي عايز أخطبها. عالبركة يا ابني.. مين دي وبنت مين؟ هي من مصر.. مش من البلد. تعجب والده وقال: عرفتها وإحنا قاعدين هناك؟ أومأ رضوان قائلًا:
شفتها أول مرة في المطار.. أصل أخوها كان مع فرحة في الطيارة.. وبعدين شفتها صدفة، كنت هخبطها بالتاكسي.. ومن يومها بقى. قال والده متسائلًا: طيب وإنت هتطلبها منين؟ من أخوها.. بالمناسبة يا بابا.. أخوها يبقى الأفندي اللي وصل فرحة لحد هنا. صدفة غريبة.. سبحان الله. ها يا بابا، قلت إيه؟ قلت لا إله إلا الله يا ابني. سيدنا محمد رسول الله.. يعني موافق ولا معترض؟
والله يا ابني ما أنا عارف أقول لك إيه.. بس ميتهيأليش إن أخوها يوافق.. وحتى لو وافق على شخصك، مش هيوافق أخته تسيب مصر وتيجي هنا. سيبها لله يا بابا، واللي في علمه يتمه. ونعم بالله. طيب، حيث كده بقى يبقى ننزل مصر بكرة نطلبها. لا، روح إنت بكرة ولو حصل نصيب واتوفقت إن شاء الله أبقى أجي معاك مرة تانية. تمام، ماشي.. هقوم أنا بقى أبلغهم. ***
كانت "رضوي" تجلس برفقة أخيها يشاهدان فيلمًا لعبد الحليم حافظ، وكل منهما شارد في نصفه الآخر. أفاقهما من شرودهما رنين هاتف "رضوي"، التي نظرت لأخيها فأومأ برأسه إشارة منه بأن تجيب. ألو. أيوة يا رضوي.. عاملة إيه! الحمد لله كويسة. وحشتيني. تمام الحمد لله. ضحك رضوان قائلًا: أخوكي جنبك؟ أيوة الحمد لله. زاد ضحكه، فابتسمت بتلعثم. وابتسم شقيقها لرؤية تخبطها أمامه، فقال: قومي يا رضوي هاتيلي أشرب.
نهضت على الفور وذهبت إلى المطبخ، وحادثت رضوان بصوت خفيض وقالت: أيوة يا رضوان، مكنتش عارفة أتكلم براحتي.. أحمد كان قاعد. أيوة منا فهمت.. طيب ابعتيلي رقمه عشان أبلغه إني جاي بكرة. ارتفع صوتها دون وعي منها وقالت: جاي بكرة بجد؟ أيوة.. إنتي ما صدقتي ولا إيه؟ ههه يلا يا بايخ. "المية يا رضوي"، قالها "أحمد" بصوت عالٍ. فقالت "رضوي": باي دلوقتي يا رضوان، وهبعتلك الرقم. أنهت المكالمة بسرعة وخرجت من المطبخ. فقال أخوها: فين؟
قالت بتساؤل: إيه اللي فين؟ المية. أيوة صح.. ركضت إلى المطبخ سريعًا وأحضرت زجاجة مياه ثم أعطتها له. فقال متسائلًا: رضوان؟ أومأت بنعم، فقال: كان عايز إيه؟ عايز رقمك عشان يستأذنك ييجي بكرة. زمّ شفتيه بتقدير وإعجاب قائلًا: تمام.. ابعتيله الرقم. ماشي.. هتتعشى دلوقتي؟ لا مليش نفس.. ادخلي نامي إنتي. دخلت إلى غرفتها، وأمسك هو بهاتفه وقام بتشغيل مقطع الفيديو الذي غنت فيه "فرحة" معه، وظل يردد الأغنية مرة أخرى. ***
تجلس على فراشها كعادتها في الأيام الأخيرة، تلتزم الصمت، شاردة دائمًا. طرقت "بدر" الباب ودخلت، فقالت لـ "فرحة": رجب عايزك تحت يا فرحة. أومأت "فرحة" بهدوء، وارتدت حجابها ونزلت للأسفل. إزيك يا عروسة.. أنا استأذنت من عمي وكنت جاي آخدك عشان تختاري الفستان. أنا مش عايزة أتجوز يا رجب! كانت لكلمتها وقع الصاعقة على مسامعه. ضحك ساخرًا وقال: مش عايزة تتجوزي إزاي؟! مش فاهم. مش شبه بعض يا رجب.. مش هننفع مع بعض.
بدأت نبرته تتبدل وقال: مش شبه بعض ليه؟! أهلك هما أهلي، لغتنا واحدة، دمنا واحد، علامنا واحد، مستوانا واحد، يبقى إزاي مش شبه بعض؟ بس تفكيرنا مش واحد يا رجب.. ميولنا مش واحد.. طموحنا مش واحد.. مبنحبش نفس الأكل ولا نفس الأغاني ولا نفس الأماكن.. مفيش حاجة مشتركة بينا. قال باستنكار وصدمة: مين اللي بتتكلم؟! إنتي يستحيل تكوني فرحة بنت عمي.. إيه اللي جالك خلاكي تتكلمي كده شبه المتعلمين.
هه.. تفكيري اتغير يا رجب.. شفت حاجات مكنتش شايفاها.. نظرتي للأمور اتغيرت.. حرام عليا أدمن نفسي بالحياة مع واحد مش شبهي ولا بيفهمني. اممممم.. وده من إمتى يا ست فرحة هانم؟ لم تجب. فقال: طبعاً مش عارفة.. بس أنا عارف.. من ساعة ما قعدتي إنتي والأفندي الأبهة لوحديكوا وسط الشجر والزرع والميه، ومالي دماغك بالكلام الفاضي اللي بتقوليه ده.. أهل البلد كان معاهم حق. "إلزم حدّك يا رجب"، قالها رضوان الذي استمع للحديث بأكمله.
أقبل عليهم وكرر جملته: إلزم حدّك.. إحنا معندناش حد مشيه بطال، والكلام ده أهل البلد ده تحت رجلي أنا وأبوها.. لو هي مش عايزة تتجوز دلوقتي ولا مش عايزة تتجوز خالص، ده شيء ميغيبهاش.. هي حرة. قال رجب بعصبية: إنت بتتكلم كده إزاي؟! هو فيه إيه؟! إنتوا اتعمل لكم غسيل مخ!
من غير كلام كتير ورغي ممنوش فايدة يا رجب.. فرحة مش عايزة تتجوز ودي حاجة مفيهاش غصب.. أنا عارفة إنك ليك حق تزعل وتعمل أكتر من كده، بس إنت لازم تحسبها صح.. اعتبرها زي أختك وإنت بنفسك اللي هتـ... قاطعهم "رجب" صارخًا: لا مش زي أختي.. ومش هفهم حاجة ومش هحسب حاجة. ثم أكمل بصوت مختنق: ماشي يا فرحة.. اللي يريحك يا بنت عمي.. بس أنا مش مسامحك يا فرحة.. مش مسامحك على كسرة نفسي وسواد وشي قدام أهل البلد.
بعد مغادرته، صعدت "فرحة" إلى غرفتها مرة أخرى دون أي رد فعل. لم تحزن، لم تصرخ، لم تعترض، حتى أنها لم تبكِ. وأنى لها البكاء وقد جفت عيناها، أيفيض الخاوي؟ طرق أخيها باب غرفتها ودخل. جلس بجانبها وقال: مالك يا فرحة؟! حاسة إنك مش مبسوطة إنك سبتي رجب! رجب؟! رجب قال لي اللي مكنتش راضية أعترف بيه حتى بيني وبين نفسي. هز رأسه مستفهمًا، فقالت:
قال لي إحنا شبه بعض. كلامنا ودمنا وأسلوبنا وعلامنا واحد.. دي حقيقة فعلاً.. إنما أنا وأحمد مختلفين عن بعض في كل حاجة.. لا تعليم ولا مستوى ولا حتى أسلوب. زفر أخوها بقلة حيلة وقال: يعني أنا دلوقتي مبقيتش فاهمك.. منين كنتي بتقولي لرجب إحنا مش شبه بعض، ومنين دلوقتي بتقولي إنكم شبه بعض في كل حاجة؟! ده إنتي ربنا يعينك على المهلبية اللي في دماغك. ضحكت من بين دمعاتها وضحك معها، ثم قبّل رأسها وقال:
سيبيها لله، واللي في علمه يتمه. *** دق الباب واضطربت معه دقات قلب "رضوي" عندما ذهب أخوها يستقبل "رضوان" الذي لم يبالغ في الاهتمام بمظهره وكان كعادته، مما زاده تقديرًا لدى "أحمد" الذي استقبله استقبالًا حسنًا. إزيك يا رضوان، وإزي الجماعة اللي في البلد؟ قالها "أحمد" بود حقيقي، مما جعل "رضوان" يشعر بالألفة وعدم التكلف، فقال: كلهم بخير الحمد لله. ثم أكمل جملته وقال: وبيُسلموا عليك. وكأن هاتين الكلمتين لامست أوتار قلبه،
فابتسم ابتسامة واسعة وقال: ربنا يسلمهم من كل شر.. نورتنا. ده بنورك يا أحمد أفندي. نظر "أحمد" إليه بصدمة ثم انفجر ضاحكًا، مما أثار تعجب "رضوان" فقال أحمد: دي وراثة بقى. لم يفهم رضوان مقصده فسأله: مش فاهم. حمحم "أحمد" قائلًا: أصل الآنسة "فرحة" مكنتش بتقولي غير يا أحمد أفندي، فلما إنت قلتها افتكرتها. أومأ رضوان مبتسمًا، فسأله أحمد: هي كويسة؟ أجاب رضوان بهدوء: الحمد لله كويسة.. فرحها كان بعد أسبوعين...
لم يكمل "رضوان" جملته بسبب ذلك الكأس الذي سقط على الأرض من بين يدي "أحمد" متهشمًا. ارتعدت أوصاله وتحطم قلبه، فتمتم معتذرًا: أنا آسف. نهض من مكانه ونادى المساعدة لكي تنظف المكان، وقال: اتفضل يا رضوان، نقعد في الصالون. انتقل "رضوان" إلى الصالون برفقته، وضميره يعاتبه. نعم، هو كان يريد رؤية رد فعله عندما يستمع إلى خبر زفاف شقيقته، ولكن لم يعلم أنه سيصاب بالصدمة لذلك الحد الذي يجعله يفقد أعصابه.
لاحظ "رضوان" شرود "أحمد"، فحاول إصلاح الوضع قائلًا: والله كان بودي تكون أول حد أعزمه على الفرح، بس مفيش نصيب.. سابوا بعض. نظر له أحمد مذهولًا وقال: سابوا بعض؟ أومأ رضوان بحزن مصطنع، فقال الآخر بسعادة لم يستطع إخفاءها: يعني مفيش فرح؟ كتم الآخر ضحكته وقال: فرح مين بقى.. ما أنا بقولك سابوا بعض! بعد إذنك بس ثواني وهرجعلك.
قالها أحمد مستأذنًا، ثم انصرف إلى غرفته بهدوء، وبمجرد أن أغلق الباب، قفز بمكانه عدة قفزات عالية وأخذ يضرب بيده الحائط بسعادة بالغة، ومن بعدها انتابته نوبة ضحك قصيرة. انتهى منها وهندم ملابسه، ثم خرج إلى الصالون مرة أخرى. معلش اتأخرت عليك.. المهم ندخل في المفيد. طبعًا حضرتك عارف إني جاي أطلب إيد الآنسة "رضوي" وشوف حضرتك اللي عايز تعرفه اسألني فيه. أومأ "أحمد" قائلًا:
طبعًا رضوي قالتلي، وأنا الحقيقة معنديش أي ملاحظات غير بس رضوي هتقعد فين.. هنا ولا في البحيرة؟! تفائل "رضوان" وقال: إن شاء الله لو حصل نصيب هنتجوز في البحيرة بإذن الله.. يعني زي ما حضرتك عارف أنا كبير إخواتي، ووالدي صحته على قده، وكمان أنا بساعده في الفلاحة وميستغنّاش عني.. يعني صعب إني أسيب البلد.. بس "رضوي" طبعًا هتيجي في الوقت اللي تختاره وتحبه. أومأ "أحمد" موافقًا وقال:
اعذرني لو بدخل يعني، بس هو إنت مبتشتغلش غير في الفلاحة مع والدك؟ لا طبعًا إزاي.. أنا عندي ورشة نجارة بتاعتي أنا ورامي أخويا، وما شاء الله شغالة كويس.. بس بنساعد أبونا في الحاجات اللي ميقدرش هو يعملها. هزّ "أحمد" رأسه باقتناع وقال: تمام يا رضوان.. الوالد هيشرفنا إمتى؟ والله الوقت اللي يناسبكم. تمام، يبقى يوم الخميس إن شاء الله تشرفونا إنت ووالدك وإخواتكم ونقرأ الفاتحة.. والسلام أمانة.
ابتسم "رضوان" بسعادة ونهض، ثم صافحه بحرارة واستأذن منصرفًا. *** عاد "رضوان" إلى بيته مع آذان الفجر، وكان الكل نيامًا ما عدا تلك التي تنتظره. لم يدخل إلى غرفتها كعادته، فذهبت هي إليه. ابتسم بسماجة عندما رآها تقترب منه على استحياء وقالت: طمنّي يا رضوان.. عملت إيه؟ سهرانة ليه لحد دلوقتي؟ مجاليش نوم وإنت غايب. نظر لها نظرة بمعنى "أيعقل؟! فقالت بنفاذ صبر: ما تقول بقى يا رضوان، عملت إيه؟
الحمد لله يا فرحة.. قالي آخر الأسبوع هنروح كلنا عشان نقرأ الفاتحة ونتفق مع أبوكي. ابتسمت بحبور شديد وأدارت ظهرها له وسألته: كلنا مين؟ يعني أنا هاجي معاكوا؟ و مالك مبسوطة أوي كده ليه؟! مش كنتوا الصبح مش شبه بعض ومتنفعوش بعض.. إيه اللي حصل؟ قالت بتمني ونظرة متوسلة: سأل عليا؟ أدار "رضوان" وجهها إليه وقال: أحمد بيحبك يا فرحة. ابتسمت بسعادة وقالت: ليه بتقول كده؟ ألقى بجسده المنهك إلى فراشه وقال:
كل الشواهد بتقول إنه بيحبك، وبيحبك أوي كمان. ثم ضحك عاليًا وقال: اسكتي يا بت يا فرحة.. قلت أشوفه هيتصرف إزاي.. قمت قايل له إن فرحك بعد أسبوعين.. اتخض واترعش والكوباية وقعت من إيده جت 100 حتة.. كنت ماسك نفسي بالعافية وعاوز أضحك على اللخمة اللي كان فيها. قالت باستياء: ليه كده يا رضوان، حرام عليك والله. متخافيش، منا عرفته إنه اتلغى.. عيب عليكي أخوكي مش سهل. طيب يا رجل المهام المستحيلة.. ارقد في سلام.
ضحك عليها بشدة وقال: وإنتي من أهله. دخلت إلى غرفتها تكاد تطير من فرط السعادة، وفردت ذراعيها تتراقص بخفة وهي تغني: على قد الشوق اللي في عيوني يا جمييييل سلّم ده أنا ياما عيوني عليك سألوني وياما بتألم على قد الشووووق.. يا جميل.. سلّم. *** وعلى الجانب الآخر كان "أحمد" هائمًا بصورتها على هاتفه، ويدندن مع صوت العندليب: الليل سهرته والنوم يا ريته كحل عينيا واللي داريته قوام لقيته باين عليا، باين عليا
شبابي الغالي ضيعته، أناجي في الهوا اسمك وأملي لما صورته، في أجمل صورة كان رسمك غالي عليّ وضَي عيني.. ارحم عذابي معاك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!