تركتها تغريد وذهبت تجلس على السفرة في شموخ كبير، وكأنها تعلن لها أن المنزل وصاحبه أصبحا ملكها الآن. أما نجاة، فكانت في عالم آخر. هي لا تعلم ماذا تفعل، كانت لتوها تعيش حياة سعيدة مع زوجها وابنها الحبيب. كانت لتوها سوف تعلن عن مجيء طفل جديد يكون زمرة لحبهم، ولكن ها هو القدر من جديد يفرق ويهد كل شيء وكأنه لم يكن. حضرت نجاة الإفطار ووضعته على السفرة، هي وسلمان الصغير الذي كان ينظر لتغريد بنظرات كارهة للغاية.
ومن ثم نزل غسان، فركضت عليه تغريد وتعلقت بعنقه وقبلته في خده. سلمان بغيظ: جرا إيه يا ست انتِ؟ اتحشمي وإنتي عديمة التربية أكده. نجاة بتحذير: سلمان... عيب كده. كمل أكلك وإنت ساكت. سلمان بحزن: بس يما... نجاة: مفيش بس. عيب كده وبلاش أعيد كلامي تاني. ملكش دعوة بحد، خليك في نفسك وبس. ظل ينظر في طعامه بحزن على حال نجاة، فهو يعرف أنها في قمة غضبها ولكنها تخفيه. غسان بغيظ: مرة تانية بلاش الحركات دي يا تغريد، فاهمة؟
تغريد وهي تمثل البراءة: حركات إيه يا حبيبي... هو عيب لما أدلع جوزي... ولا أنا مش هعرف آخد راحتي معاك في بيتنا ولا إيه؟ غسان بهمس: راحتك في أوضتك، مش نص البيت ومراتي وابني قاعدين، فاهمة؟ تغريد بغل: أووف، طيب... ماشي يا غسان. ظلت نجاة تعبث في طعامها ولم تأكل شيئًا. وهذه تدعو غسان بدلال كبير، وكل نظراتها لنجاة لا تعني سوا الاستفزاز ومحاولتها في جعل نجاة تغضب فقط. سلمان بحب: كلي يما...
إنت تعبتي في عمايل الفطور ومكلتيش منه حاجة. نجاة بابتسامة: مش جعانة يا حبيبي... كل إنت يلا عشان تروح الكُتاب. مش إنت حفظت القرآن كويس؟ سلمان بإيماء: أيوه يما حفظته كويس... بس أنا كنت عاوز أفضل وياكي النهارده. كانت ستتحدث ولكن قاطعتهم تغريد. تغريد: وتقعد جنبها لي؟ مشلولة ولا حاجة؟ إنت لازم تروح دروسك ومينفعش إنك تربط نفسك بحد. أنا عايزة إبنك شاطر، إنت ولي عهد أبوك... فاااهم؟
كانت تتحدث بحده كبيرة، مما أثار غضب الموجودين جميعًا. سلمان بغضب: وإنت مالك يا ست انت... حد اتدخل فيكي؟ أنا وأمي حريين مع بعض، ملكيش دخل. نجاة بحزن: سلمان عيب تتكلم مع مامتك بالطريقة دي، مينفعش. تغريد بغيظ: طبعًا، مهو تربيتك. هنستنى إيه من تربية واحدة فلاحة وجاهلة زيك. كان يتابع حديثهم بهدوء عكس ما في داخله، ولكن عند هذا الحد لم يتحمل. غسان بغضب: جرا إيه يا تغريد؟ إنت اتجننتي ولا إيه؟
اللي بتتكلمي عليها دي مراتي وسلمان معتبرها أمه... ومش هسمح أبداً إنك تهينيها. في البيت ده إنتو الاتنين واحد، مفيش أي فرق بينكم... فاهمة؟ تغريد بتمثيل: بجد أنا مش قادرة أستحمل يا غسان إن يكون فيه واحدة بتشاركني فيك... وكمان سلمان بيدافع عنها. أنا للدرجادي مليش لازمة وسطيكوا، يعني أوي كده؟ يا خسارة حبنا يا غسان... ثم أصبحت تبكي وصعدت لغرفتها.
زفر بقوة من شدة غيظه ولا يعرف ماذا يفعل. كانت نجاة سوف تنفجر من الغيرة، ولكن أخفت هذا. نجاة بحزن: لو سمحت يا غسان... غسان بحب: أيوة... نجاة: أنا عايزة أروح بيت أهلي... أنا ومرات حضرتك مينفعش إننا نكون في مكان واحد وهي معاها حق. هي مراتك الأولى وأم ابنك وكمان حب حياتك، يعني هي مش مضطرة إنها تستحملني وأنا فرحانالك من قلبي... بس مش هقدر أقعد هنا. غسان ببرود: خلصتي؟ نجاة بإيماء: ...... غسان:
مفيش خروج من هنا. ده بيتك وإنت مراتي، وزي ما قلت من شوية إنتو الاتنين حريّمي، مفيش فرق بينكم. وهبقى أقسم الأيام بينكم وخلاص. مش عايز كلام كتير في الموضوع ده، فاهمة؟ تركها وذهب لأعماله. لقد تغيرت طريقة كلامه كثيراً. آآآخ، ماذا تفعل هذه المسكينة، فهي تحبه بشدة وكلما زاد الوقت تزيد العقبات والمشاكل. سلمان ببكاء: متزعليش يما... أنا هروح الكُتاب مش هتأخر عليكي. خلي بالك من نفسك... سلام. نجاة بحب: سلام يا حبيبي...
لم تستطع التحمل أكثر من هذا، استندت برأسها على الطاولة وظلت تبكي بحرقة كبيرة. حقاً هي في موقف صعب للغاية، حبيبها وزوجها وأبو ولدها القادم الآن يتحدث معها بهذه الطريقة. وهذه المختلة التي قدمت لهم بعد كل هذه السنوات وتريد أن تأخذ زوجها وحياتها منها. ماذا تفعل يا تُرى؟ قاطعها صوت هذه الحرباء المتلونة. تغريد بسخرية: تؤ تؤ... إنت بتعيطي من دلوقتي؟
فعلاً إنت أضعف من اللي أنا تخيلته أصلاً. مفكرة نفسك بقيتي سيدة القصر وغسان حبك؟ تبقي غبية أوي. إنت داخلة معركة إنت خسرانة فيها من قبل ما تنافسي أصلاً. لم تعلم ماذا أصابها، ولكن اعتلى فوق ثغرها ابتسامة، وظلت نجاة تنظر في عيني تغريد بتحدي كبير وثقة. نجاة: واضح إن فاتك حاجات كتير أوي يا سيادة المرحومة...
غسان جوزي، وصدقيني ميهمنيش إذا كان بيحبني أو لا. كفاية إني بحبه وبموت فيه. وسلمان ده يبقى ابني، وده مش عندك فيكي لا خالص. سلمان بيحبني ومتعلق بيا وأنا كمان متعلقة بيه جداً. ومعنديش أي استعداد أخسر الاتنين، فاااهمة؟ تغريد بذهول: وااو... لا فعلاً عجبتيني، أدائك حلو أوي. تنفعي تمثلي، بس مش تمثيل عادي، لا تمثلي في مسرح مصر. إنت متخيلة إن ممكن غسان يسيبني أنا ويجيلك؟ هيجي لحتة عيلة؟
دا إنت بلبسك ده يجي يحكيلك حدوتة قبل النوم، مش تكوني مراته. حقيقي مشفقة عليكي. متنسيش تنضفي البيت وتجهزي الغدا، أصلي جيت هنا ملقتش خدامة غيركم. نجاة بابتسامة: هنشوف... صدقيني بكرة نشوف مين فينا اللي هيضحك في الآخر... يا طنط تغريد. نظرت لها تغريد بغيظ وغل، فمن الواضح أن عقبتها مع نجاة سوف تطول قليلاً.
صعدت كل منهم لغرفتها وأغلقت عليها. فكانت نجاة تبكي بشدة، ولكنها في النهاية حسمت أمرها في أن تخوض هذه المعركة من أجل زوجها وحبيبها وابنها القادم، ومن أجل سعادتها. أما عن تغريد، كانت تفكر في طريقة توصل بها لمبتغاها بأي ثمن، حتى وإن اضطر بها الأمر أن تسفك دماء نجاة. ************************************ في مكان غسان.
كان رأسه سينفجر من كثرة التفكير. فقد علم الكثير من الأخبار عن تغريد، ولكن هو لا يريد التخلص منها الآن. وفي نفس الوقت هو يحب نجاة بكثرة ولا يريد جرحها، وهو يعرف أن وجود تغريد بحد ذاته هو جرح كبير لنجاة. ولكن ما الفائدة من التفكير دون جدوى؟ غسان لنفسه: أنا لازم أتكلم مع نجاة... هي بتحبني وكمان هي أصيلة، وأكيد هتفهمني. أنا مستحيل أخسرها... وكمان تغريد في الآخر أم ابني، يعني مينفعش أخسرها. آآآه، اعمل إيه بس يارب؟
أنا تعبت بجد، مش عارف أعمل إيه؟ بس أنا لازم أتصرف... قاطعه أحد العمال: يا غسان بيه... يا غسان بيه. غسان بانتباه: أيوه يا بني، في إيه؟ صالح بحرج: أنا رويت الأرض وخلصتها كلها... بس في موضوع كنت عاوز حضرتك فيه وأنا كلي عشم فيك يعني... و... غسان بمقاطعة: قول يا صالح من غير كلام كتير... محتاج فلوس ولا إيه؟ صالح بسرعة: لا يا بيه، خيرك مغرقنا الحمد لله. أنا في نعمة. غسان بنبرة حنونة: أمال في إيه؟ صالح:
بصراحة كده، أنا عاوز أتجوّز... أنا بحب بنت من عيلة محترمة، ناس على قد حالهم وكويسين أوي، بس إنت عارف إني يتيم ومليش أهل، وإنه كيف يعني أروح أتقدم ليها وأنا لوحدي؟ فكنت عشمان في حضرتك تيجي معايا. غسان بابتسامة: بتحبها؟ صالح بهيام: أوي يا بيه... بحبها من سنين. بس كنت مستني أحوش فلوس علشان أقدر أجيب لها طلباتها. غسان بفخر بهذا العامل: طيب حدد معاد وأنا أجي معاك وأجيب معايا الجماعة كمان. صالح بسعادة:
دا شرف كبير ليا يا بيه... أنا مش عارف أشكرك كيف. ربنا يخلي ليك البيه الصغير ويريح قلبك وبالك يارب. غسان بابتسامة: ماشي... يلا روح إنت تعبت النهارده. صالح: متأمرنيش بحاجة تانية. غسان: لا، روح إنت. ذهب صالح وكان في منتهى السعادة. استوووب/////
صالح هو شاب يبلغ من العمر 27 عام، أسمر اللون، طويل القامة. وهو وحيد في هذه الحياة بسبب تعرض عائلته لحريق من زمن طويل، ومن وقتها وهو يعمل في أراضي غسان وابوه إسماعيل ويعيش في منزل صغير للغاية. كانت حياته روتينية للغاية، إلا أن جاء اليوم الذي قابل فيه نعمة بالصدفة. هذه الفتاة الجميلة بيضاء البشرة ووجهها مليء بنمش يزيد من جمالها، وشعرها البني الطويل المخبئ تحت حجابها. من أول ما رآها وقد خطفت قلبه بشدة، وكلما ود أن يتزوجها يخشى عدم موافقة أهلها عليه بسبب أنه شخص وحيد وليس له أهل ولا شخص يسند عليه.
صالح في نفسه بفرحة كبيرة: أخيراً يا نعمة... يارب أهلها يوافقوا، وأنا يارب هعمل أي حاجة علشان أسعدها. هشتغل ليل نهار وهعمل أي حاجة علشان خاطرها هي وبس... يارب. ثم توضأ وأدى فرضه، وبدأ يدعي لربه أن يرزقه هذه النعمة في الحلال وتكون زوجته. ***********************************
كان غسان يحاول إشغال نفسه بالعمل. كان لا يريد الذهاب للمنزل حتى لا يواجههم، ولكن ليس هناك جدوى. فقد أنهى عمله وذهب في النهاية للمنزل. صف سيارته وترجل للحديقة ومنها لباب المنزل، وما إن فتح الباب حتى صدم مما رأى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!